مقــــدمـــة

     

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرف الخلق وسادة الورى سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

وبعد، الحمدُ لله الذي أنزل الكتاب فيه تبيانُ كلِّ شيء، وجعله الذكرَ المحفوظَ المأمون، وصانه وحرسه عن التحريف والتبديل، ليكون الحُجَّةَ والدليلَ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنـزيل من حكيم حميد.

والحمد لله الذي هدى وأَلهَمَ الكثيرَ من حُفَّاظ الحديث والآثار، لحفْظِ ما سمعوه ورووه وحُدِّثوا به من الأحاديث النبويَّة والآثار المعصوميَّة، تتميماً للحُجَّة وإقامةً للسنة وتشييداً للحق.

فقد حفظ أعلامُ العلماء والمحدِّثين الكثيرَ من الأخبار والأحاديث في شتَّى العلوم والمعارف، والتي كانت وما تزال الأساس الذي عليه يُبنى ويُفرَّعُ، وإليه يُرجعُ وبه يُحتجُّ.

وقد عُنيَ التفسيرُ بالمأثور وبالأخبار بالكثير من الاهتمام، بل كان التفسيرُ بذلك وحده هو المعروف والمرغوب فيه، إلى أن تطوَّر الأمرُ فظهرت التفاسيرُ بشكلٍ ونحوٍ أوسع حتى بلغ الحال إلى ما نعهده منها، من التفاسير الكثيرة المنتشرة في سائر أقطار وأرجاء المعمورة.

وكان من الطبيعي جداً أن لا يُهمِلَ المفسِّرُ عند تبيين بعض الآيات التعرُّضَ لبعض الآثار والأخبار من جهة، ومحاولة الانتصار لمذهبه بما يستفيده أو بما يستظهره من الآية من جهة أخري.

على أننا رأينا كثيراً ما يحاول المفسِّرُ أن يسلك مسلكَ الموافِق لما ورد من آثار وأخبار، فيما ورد فيه ذلك، مجتهداً في التوفيق بين الظاهر القرآني والصريح الروائي، حذراً من الوقوع في التفسير بالرأي والظن والذي أجمع العلماء على عدم جوازه، بل واستقلَّ العقلُ بقبحه في الجملة على بعض الوجوه.

ثم إننا معاشر الإمامية، قد اجتمعت كلمتُنا على أنه سبحانه قد خصَّ أهلَ بيت نبيه (عليهما السلام) بكثير من الأمور، والتي لم يُشاركهم فيها أحدٌ من الخلق، وأنهم وإن شاركهم بعضُ الخلق بما شاركوهم فيه، إلا أنهم هُمُ الفردُ الأفضل والأكمل والأتم.

بل قد اتفقت كلمة المسلمين على اختصاصهم وحدهم بأمور، والتي منها علم القرآن وكثير من الفضائل والمآثر ونزول الكثير من الآيات القرآنية فيهم وفي بيان منـزلتهم، ولم يكن ذلك من الحكيم حيث خصهم بما خصهم عبثاً ولغواً، وإنما كان تلطفاً منه سبحانه وتفضلاً، لبيان مَن يجب اتِّباعُهُ، وسلوكُ مسلكه، وانتهاجُ نهجه ومنهاجه.

قال الشهرستاني في مقدمة تفسيره مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار: ولقد كانت الصحابة متفقين على أنَّ علمَ القرآن مخصوصٌ بأهل البيت (عليهم السلام)، إذ كانوا يسألون عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) هل خُصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟... فاستثناءُ القرآن دليلٌ على إجماعهم بأنَّ القرآن وعلمه، تنـزيله وتأويله مخصوص بهم.

وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي (عليه السلام).

وبإسناده عن تليد بن سليمان عن ليث عن مجاهد قال: نزلت في علي (عليه السلام) سبعون آية لم يشركه فيها أحد.

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت في علي (عليه السلام) ثلاثمائة آية.

وعن أحمد بن حنبل: ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعلي (عليه السلام) (1) .

وما رُوي وورد من هذا القبيل في أحاديث الخاصة والعامة أكثر من أن يحصى.

هذا وقد تصدَّى جمعٌ من أعلام الخاصة والعامة لجمع وترتيب ما نزل وورد في العترة الطاهرة وصنفوا في ذلك كتباً ورسائل، ولم يُهمِل التعرُّضَ لذلك أو لشيء منه أصحاب التفسير أيضاً، بل أشاروا إلى سبب النزول تارة وإلى ما ورد تارة أخري، إما من دون تحقيق له ومن دون إقامة الدليل على صحته، أو مع ذلك كل وما يتناسب مع المنهج الذي سلكه في تفسيره.

ولم نرَ مَن شذَّ عن تلك الطريقة إلا بعض المعاصرين في تفسيره، حيث ترك التعرُّض لذكر عشرات الفضائل، بل وفي كثير من الموارد لم يُشِر من قريب ولا من بعيد إلى ما اتفقت الكلمة عليه من نزول بعض الآيات في أهل البيت (عليهم السلام)، بل رأيناه في بعض الموارد قد شكَّك في ما يكاد يكون من الأمر الضروري القطعي على ما ستطلع على تفصيله إن شاء الله تعالى.

ثم إنني رأيت لزاماً عليَّ أن أستعرض ما ذكره ذاك المعاصر في تفسيره وأُوضِّح فساده، ولكنني رأيتُ أن أسلك مسلك الناقل لما رواه الأعلام لا سيما مَن يخالفونا الرأي في العقيدة والمذهب فأذكر ما ذكروه، وإن دعت الحاجة إلى شيء من البيان والتفصيل، فأبيِّنُ بما يوفقني المولى سبحانه مفصِّلاً تارة ومجملاً تارة أخري.

هذا ولا ينبغي منك أن تُسرِع علينا بالنقض فتقول: إنَّ العالم الفلاني قد وافق هذا المعاصر في عدم التعرض في تفسير هذه الآية لذكر ارتباطها بأهل البيت (عليهم السلام)، وهناك عالم آخر وافقه أيضاً في إهمال مناسبة نزولها ومورده وأنه في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الآية.

ذلك أنَّ مناقشتنا لهذا الرجل ليست مناقشة لذاته البتة، فإنه لا يلبث وإلا ويُحشر إلى ربٍّ عادل عزيز، وإنما نناقشه من حيث إنه صاحبُ هذا المذهب غير المرضي هنا، وصاحبُ المنهج المخالِف لما ندب إليه الشارع الأقدس هناك.

وهذا يعني أنه إن وُجد مَن يشاكِلُهُ أو يوافِقُهُ في المسلك الذي سلكه، فالإشكال وارد على الموافق له حذو القذة بالقذة، ويكون عذرنا في عدم ذكر اسمه أو الإشارة إلى شخصه، محض عدم اطلاعنا على رأيه.

نعم هناك فرق كبير وفارق جداً، بين أن نجد في المفسِّرين مَن لم يتعرَّض لبيان ما يختص بآل محمد (عليهم السلام) في موارد قليلة، وبين من وجدناه غيرَ متعرِّضٍ إلا لبيان موارد قليلة.

ثم إنَّ كل ما سوف ننقله من أخبار وآثار وإن كان موجوداً محفوظاً والحمد لله، غير أنه لا يخفى على أحد أنَّ أكثره متفرقٌ في أمهات الكتب، وليس مجموعاً في كتاب مستقل، وإن كان بمقدور كل شخص جمعه، فرأيت أن أسبق إلى شرف جمع ما أستطيع، وأجعله بمتناول أيدي الناس أبغي بذلك تحصيل رضى سيدنا محمد وآله الأبرار صلوات الله ربي وسلامه عليهم أجمعين، وعساني بهذا العمل أُشرَّف بدرك نظرة رحيمة من سيدي خاتم الولاية المحمديَّة الإمام المهديِّ القائم المنتظر، عجَّل الله تعالى بالحق فرجه وسهَّل مخرجه، وجعلنا من شيعته وأشياعه والمستشهدين تحت رايته.

وقد اقتصرت في ذلك كله على ما يرتبط بالآيات القرآنية النازلة في الصفوة من الخلق، إما على نحو الاختصاص، أو بما أنهم الفرد الأفضل الأكمل بل الكامل التام.

بل أيضاً لم نتعرض إلا للموارد التي لم يذكرها المعاصر أو ذكرها لا على نحو الجزم أو مع بعض التشكيك، بل أيضاً لم نتعرض لجميع ما لم يذكره، وإنما اقتصرنا على الموارد التي لا مجال فيها للاعتذار عن المعاصر بأي نحو من الأنحاء.

والتعرضُ لتمام آيات الفضائل ولما له ارتباط بآل محمد (عليهم السلام) وإن كان أمراً راجحاً بل ومهماً ومفيداً، غير أنه قد يقضي بتضييع أو فوات أحد الأغراض التي نريد إثباتها، والتي سيتضح لك إن شاء الله تعالى مغزاه، وأنَّ إثباته أمرٌ ضروري ولا يجوز بحال تفويته.

وحيث إنَّ الفضل ما شهدت به الأعداء، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ كثيراً من الحكَّام الذين مضوا قد سعوا جهدهم في إخفاء وتحريف كل ما ورد وثبت مما يتعلق بأهل بيت العصمة آل محمد (عليهم السلام)، فإنه يكفينا ما ورد في كتب القوم، ولا حاجة قطعاً للنظر في إسناد ما ذكروه ونقلوه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك فسنتعرض إن شاء الله تعالى لبيان حال بعض رجال إسناد بعض الروايات فيما ورد من طرق العامة في مقام الرد عليهم، ويمكن أن تدعو الحاجة إلى شيء من التحقيق في أسانيد بعض الأخبار الواردة من طرقنا وذلك في مقام تزييف رأي المفسِّر المعاصر.

ثم ليعلم أننا لا نلتزم بنقل جميع وكلِّ ما ورد من أخبار وآثار، وإنما عمدنا إلى نقل بعض الأخبار في كلِّ مورد طلباً للاختصار، ويعجبني قبل الشروع في المقصود أن أنقل ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج عن بعض متكلمي المعتزلة.

قال: قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي: لولا ما غلب على الناس من الجهل وحب التقليد، لم نحتج إلى نقض ما احتجت به العثمانية، فقد علم الناسُ كافةً أنَّ الدولةَ والسلطانَ لأرباب مقالتهم، وعرف كلُّ أحد علوَّ قدر شيوخهم وعلمائهم وأمرائهم، وظهورَ كلمتهم وقهرَ سلطانهم وارتفاعَ التقية عنهم، والكرامةَ والجائزة لمن روي الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر وما كان من تأكيد بني أمية لذلك، وما واذه المحدثون من الأحاديث طلباً لما في أيديهم، فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر علي (عليه السلام) وولده، ويطفئوا نورهم ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم، ويحملوا على شتمهم وسبهم ولعنهم على المنابر، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، فكانوا بين قتيل وأسير وشريد وهارب ومستخف ذليل وخائف مترقب، حتى أنَّ الفقيه والمحدِّث والقاضي والمتكلم ليتقدم إليه ويتوعد بغاية الإيعاد وأشد العقوبة ألا يذكروا شيئاً من فضائلهم، ولا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم، وحتى بلغ من تقية المحدِّث أنه إذا ذكر حديثاً عن علي (عليه السلام) كنى عن ذكره، فقال قال رجل من قريش وفعل رجل من قريش ولا يذكر علياً (عليه السلام) ولا يتفوه باسمه.

ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله ووجَّهوا الحيل والتأويلات نحوها من خارجيٍّ مارق، وناصبٍ حنق، وثلبتٍ مستبهم، وناشئ معانِد، ومنافقٍ كذاب، وعثمانيٍّ حسود يعترض فيها ويطعن، ومعتزليٍّ قد نقض في الكلام وأبصر علو الاختلاف، وعرف الشبه ومواضع الطعن وضروب التأويل، قد التمس الحيل في إبطالِ مناقبه وتأوُّلِ مشهور فضائله، فمرة يتأوَّلها بما لا يحتمل، ومرة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض، ولا يزداد مع ذلك إلا قوةً ورفعةً ووضوحاً واستنارةً، وقد علمتَ أنَّ معاوية ويزيد ومَن كان من بني مروان أيام ملكهم وذلك نحو ثمانين سنة، لم يدعوا جهداً في حمل الناس على شتمه ولعنه واخفاءِ فضائله وسترِ مناقبه...... فحرصوا واجتهدوا في اخفاء فضائله، وحملوا الناس على كتمانها وسترها، وأبى اللهُ أن يزيد أَمْرَه وأَمْرَ ولده إلا استنارةً وإشراقاً، وحبَّهم إلا شغفاً وشدةً، وذكرَهم إلا انتشاراً وكثرةً، وحجتَهم إلا وضوحاً وقوةً، وفضلَهم إلا ظهوراً، وشأنَهم إلا علواً، وأقدارَهم إلا إعظاماً، حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاءً، وبإماتتهم ذكرهم أحياءً، وما أرادوا به وبهم من الشر تحوَّل خيراً، فانتهى إلينا من ذكر فضائله وخصائصه ومزاياه وسوابقه ما لم يتقدمه السابقون، ولا ساواه فيه القاصدون، ولا يلحقه الطالبون، ولولا أنها كانت كالقبلة المنصوبة في الشهرة وكالسنن المحفوظة في الكثرة، لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد(2).

أقول: وما ذكره الاسكافي يعرف حقيقته كلُّ مَن له أدنى إطلاع على التأريخ ومعرفة بالماضي بل وبالحاضر، وبوسع كل أحد أن يقف على ما لا يحصى من الشواهد والبينات.

وإذا ما كان الأمركذلك، فلماذا رأينا ونري بعض المعاصرين ممَن ينتسبون إلينا مُهمِلاً غافلاً عن نقل ما ورد من فضائل العترة الطاهرة؟

أَوَ ليس من الوفاء لأهل الوفاء وسادات البشر، أن يغتنم مَن بوسعه نشر فضائلهم سعةَ الظروف والحال، فيعمد إلى الإشارة والبيان في كل مقام ومقال؟

أَوَ ليس من علامات الحب والولاء لشخص أن يغتنم المحبُّ الفرصةَ المناسبة لذكر مَن يحب ويتولى؟

فكيف إذا ما كانت الحاجةُ الأكيدةُ تفرض ذلك انتصاراً لمذهب الحق وتشييداً له؟! على أنه أيُّ عملٍ هو أشرف وأفضل من التذكيرـ على الأقل ـ بمناقب أئمة الهدي من آل بيت سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله)؟!

ثم إننا قد تتبعنا في كتاب المعاصر ممَّا كتبه في تفسير القرآن، فوجدناه قد غفل وأغفل وأهمل التعرُّضَ في كثير من الموارد إلى مناسبة نزول الآية مما يرتبط بآل ياسين تارة، وإلى ما ورد في المأثور من نص على كون المراد من هذه الآية أو تلك أمير المؤمنين (عليه السلام) وما شاكل ذلك، مما يجمعه عنوان أنَّ الآية يثبت بها فضيلة لأهل البيت (عليهم السلام).

ونحن بدورنا لا يسعنا أن نمرَّ مرور الكرام على مثل هذا النحو من التفسير ممَّا لم يُعهَد ممَن ينتسب إلينا، فعزمنا متوكِّلين على الله تعالى على استعراض تلك الموارد بل أهمها وبيان ما ورد مما لم يُشِر إليه هذا المعاصر.

نعم، إذا ما كان لهذا المعاصر عذرٌ في ما ارتكبه ـ ولا نري ذلك قطعاً ـ وعَمَدَ فيما بعد إلى إصلاح ما في كتاباته وعباراته، فإننا نرجو من المولى سبحانه أن نكون بهذا الكتاب ممَّن شارك في حفظ شيء من فضائل العترة الطاهرة (عليهم السلام)، وكل الرجاء من سادات الخلق صلوات الله ربي وسلامه عليهم أجمعين، أن يكون منهم قبول هذا العمل، فإنه لا مطمع لنا إلا في رضاهم.

هذا ومن المفيد أن نشير أولاً إلى المنهج الذي اتَّبعناه، والنحو الذي سلكناه وذلك ضمن نقاط:

النقطة الأولى: قد نقلنا تمام كلام المعاصر والذي يرتبط بخصوص الآية المبحوث فيها.

النقطة الثانية: كان العزم على أن نكتفي بإيراد الأخبار والأحاديث الواردة دون أن نناقش في ما طرحه المعاصر، ولكنا حيث أوردنا كثيراً من الأخبار من طرق العامة، وكان رأي المعاصر موافقاً لما التزم به بعض العامة، مضافاً إلى تشكيكه بصحة بعض الأخبار تارة أو ادعائه اضطراب مضمونها وما شاكل مما ناقش فيه سنداً أو متناً، فرأينا أنَّ المناقشة ولو بنحو مختصر أتم وأكمل للبحث، فعمدنا إلى مناقشة بسيطة مختصرة جداً لضيق المجال فحسب.

النقطة الثالثة: لم نبنِ على أن نتعرض لتحقيق صحة ما أوردناه من الأخبار مما ورد من طرقنا فيما إذا كانت قد وردت وبنحو متظافر من طرق أبناء السُّنة، نعم إذا ما كانت الأخبار الواردة قد انفرد أصحابنا بروايتها من طرقنا، وكان ثمة ما يدعو إلى الإشارة إلى صحتها واعتبارها سنداً، فسوف نتعرض لذلك إن شاء الله تعالى.

النقطة الرابعة: إننا لم نورد فيما أوردناه تمام ما ورد من أخبار وأحاديث، والأحاديث الواردة قد يتعدد ويختلف سند بعضها عن بعضها الآخر وقد يتّحد.

ففي صورة الاتّحاد نكتفي بذكر المصدر الآخر الذي ورد فيه ذكر الخبر، وفي صورة الاختلاف فأن كان المضمون واحداً ولو بأن لا يكون فيه زيادة يترجَّح معها ذكر المتن ثانية، فإننا نشير إلى المصدر فقط، اللهم إلا أن يكون نفسُ المضمون وارداً عن طريق صحابي أو تابعي آخر أو عن شخص معتدٍّ به عند أبناء العامة، فإننا نذكره ونشير إلى المصدر، وإن كان في الخبر نكتةٌ خاصة فإننا نوردها وحدها أو في ضمن الخبر، ولا يكون ذلك من التكرار في شيء.

النقطة الخامسة: بما أنَّ الغاية القصوي هو تزييف الرأي المخالِف لما ثبت عن ساداتنا(عليهم السلام)، فإنَّ المهمَّ تحقيقُ ذلك ولو بالتوسُّل بقول عالم هنا ومحقِّق هناك.

وفعلاً فإذا ما وجدنا أو ظفرنا بكلام مفيد ونافع، فإننا نورده مع المحافظة على نسبة القول إلى صاحبه وذكر المصدر، بل إذا كنا قد طالعنا كلاماً لأحد واستفدنا منه فيما كتبناه، فإننا لا محالة ـ إن شاء الله تعالى ـ نشير إلى ذلك، كأن نقول وقد أشار فلان مثلاً إلى هذا المعنى، ولا نظن أننا نكون في مقام نكران الفضل لمَن سبقنا وأخذنا عنهم وتربينا على فتات موائدهم، وإنَّ من موارد وموجبات التوفيق أن يذكر الإنسان الشخص الذي استفاد منه، وفي مثل مقامنا يكون بالتنويه باسمه على الأقل.

النقطة السادسة: بما أننا التزمنا بالاستشهاد بكلام غيرنا من أبناء السُّنة، وكان غيرنا مترحمين مترضيين على مَن لا نترضَّى ولا نترحَّم عليهم، وقد يذكرون الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فيصلُّون عليه الصلاة البتراء من دون الصلاة على آل محمد (عليهم السلام)، ويذكرون أئمتنا فلا يُسلِّمون عليهم كما أمر المولى تعالى شأنه، فقد عمدنا إلى حذف الكلام الباطل وتتميم الناقص.

ولنشرع في المقصود، راجياً من المولى الكريم أن يُوفِّق للاتمام كما يحب ويرضى، وأن يتقبله بقبول حسن هو حسبي، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعداء الله ظالميهم.



الغازية ـ صيدا

علي بن حسين أبو الحسن الموسوي العاملي


-----------------------------------------------------------------

(1) تفسير الشهرستاني ج1 ص 105، شواهد التنزيل ج1 ص 52 إلى 60، تاريخ بغداد ج 6 ص 219، تاريخ دمشق ج 42 ص 363، مناقب امير المؤمنين ج1 ص 146، ذخائر العقبى ص 89، جواهر المطالب ج1 ص 221، المناقب للخوارزمي ص 279 ح 272، مناقب أحمد لابن الجوزى ص 163، العمدة ص 6.

(2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 219 ـ 223.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت