الفئـة المؤمنـة من اليهـود وينطلق
القرآن بنا ـ من خلال هذه الآية ـ إلى الفئة المؤمنة
من هؤلاء اليهود الذين انفتحوا على الإسلام،
وابتعدوا عن العُقد النفسية المتحكمة في بيئتهم،
وتخلصوا من كل الرواسب التاريخية التي تتجمّع في
أعماقهم، فآمنوا بما أنزل على رسول الله، كما آمنوا
بما أنزل على الأنبياء السابقين عليه، وتحدثت الآية
عن المقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والمؤمنين بالله
واليوم الآخر، وأن الله سيؤتيهم ـ جميعاً ـ أجراً
عظيماً؛ ولكن ثمة ملاحظة نحويّة في الآية، وهي
السؤال عن الوجه في نصب كلمة {وَالْمُقِيمِينَ
الصَّلاةَ} مع أن ما قبلها وهو قوله تعالى:
{لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ
وَالْمُؤْمِنُونَ} جارٍ على الرفع... وقد ذهب سيبويه
والبصريون ـ كما في مجمع البيان ـ إلى أنها نصبُ على
المدح، على تقدير: أعني المقيمين الصلاة، قالوا: إذا
قلت: مررت بزيدٍ الكريمِ، وأنت تريد أن تعرّف زيداً
الكريم من زيد غير الكريم، فالوجه الجرّ، وإذا أردت
المدح والثناء؛ فإن شئت نصبت وقلت: مررت بزيد الكريم
كأنك قلت: أذكر الكريم، وإن شئت رفعت فقلت: الكريم
على تقدير هو الكريم... وقال الكسائي: موضع المقيمين
جرّ، وهو معطوف على ما في قوله: {بِمَآ أُنزِلَ
إِلَيكَ} أي وبالمقيمين الصلاة مجمع البيان، ج:3،
ص:214. وقال قوم بوجوه أخرى.
ولكننا قد نتحفظ في ذلك كله، لأن
السؤال يبقى على وجه التفرقة بين كلمة
{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} وبين ما بعدها وهو
{وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} مع أن السياق واحد،
سواء كان العطف بلحاظ التتمة للراسخين والمؤمنين في
مقام تعداد صفاتهم، أو كان ذلك بلحاظ كونه من
متعلّقات الإيمان ـ كما هو الوجه الثاني ـ، فلماذا
نصبت كلمة «المقيمين» ورفعت بقية الكلمات من بعدها؟
وقد نقل صاحب مجمع البيان، رواية عن عروة، عن عائشة
قال: سألتها عن قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ}،
وعن قوله: {وَالصَّابِئُونَ} [المائدة:69] وعن قوله:
{إِنْ هَاذاَنِ} [طه:63] فقالت: يا بن أختي، هذا عمل
الكتّاب أخطأوا في الكتاب. وذكر أيضاً رواية عن
بعضهم: أن في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب
بألسنتها؛ قالوا وفي مصحف ابن مسعود، «والمقيمون
الصلاة ». وعلق صاحب مجمع البيان على ذلك: ان هذا
«مما لا يُلتفت إليه، لأنه لو كان كذلك لم يكن
لتعلمه الصحابة الناس على الغلط وهم القدوة والذين
أخذوه عن النبي(ص)» (م.ن)، ج:3، ص:214 ـ 215.
ويمكن المناقشة في ذلك، بأن من
الممكن عدم الالتفات في البداية إلى اكتشاف الخطأ في
الكتابة، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي
لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن، ثم امتنع الجيل
الآخر عن التصرف في ذلك، حذراً من الإساءة إلى طريقة
الكتابة في القرآن، لئلا يتجرأ الناس
على
التغيير والتبديل في ما قد يسيء إلى أصل القرآن.
وهذا هو ما نشاهده في موضوع الطريقة الإملائية التي
كتب فيها القرآن، فقد بقيت على الطريقة الأولى،
بالرغم من استلزام ذلك صعوبة في القراءة على
المبتدئين في مثل كلمة «الصلاة» و «الزكاة»
وأمثالهما، مما لو استبدلت فيه الواو بالألف لكان
أسهل للقراءة... وإننا نسجل ذلك كملاحظة للتفكير
وللتأمُّل،