|
بقلم :
ابو أحمد العاملي
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا
محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله
عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
يقول السيد فضل الله: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه
ربه قال رب ارني انظر إليك،.. ووصل موسى إلى الموعد
الذي أعطاه الله له.. وكلمه ربه......... فطلب من
ربه أن ينظر إليه..
فقال: رب ارني انظر إليك فقد خيل إليه أن من يسمع
كلام الله، يستحق أن يراه.. أو يمكن له أن يطلب رؤيته..
وهنا يقف المفسرون وقفة حيرة فلسفية كلامية.. فكيف
يمكن لهذا النبي العظيم أن يطلب مثل هذا الطلب
المستحيل من ربه.. وهو يعرف من خلال سموّ درجته،
ورفعة منزلته في عالم المعرفة بالله.. أن الله ليس
جسداً مادياً محسوساً لتمكن رؤيته.. فهو ليس كمثله شيء..
وأجاب بعضهم أن المراد بالنظر.. الرؤية القلبية التي
هي كناية عن العلم الواسع بالحقيقة الإلهية..
وأجاب آخرون.. بأنه لم يسأل انطلاقا من قناعة
بالسؤال، أو انسجام معه.. بل كان سؤاله استجابة
لسؤال قومه الذين رافقوه إلى الموعد الإلهي.. فأراد
أن يجعلهم وجها لوجه أمام الجواب الصاعق على هذا
السؤال..
ولكننا لا نستبعد أن يسأل موسى هذا السؤال.. فقد لا
نجد من البعيد في مجال التصور والإحتمال أن لا يكون
قد مرّ في خاطر موسى مثل هذا التصور التفصيلي للذات
الإلهية.. لأن الوحي لم يكن قد تنزل عليه بذلك.. ولم
يكن هناك مجال للمزيد من التحاليل التأملية للجانب
الفلسفي من المعادلات العقلية التي تتحدث عن استحالة
تجسد الإله أو إمكانه.. لأن ذلك قد لا يكون مطروحا
لدى موسى (ع).. ونحن نعرف، تماما، معنى التكامـل
التدريجي للتصور الإيماني في شخصية الـرســول الـفـكريـة..
ولهذا فإننا نحـاول هنا أن نسجل تحفظنا على الكثير
من الأحكام المسبقة التي تحاول تطويق النص القرآني
ببعض الإستبعادات الذاتية.. كما في مثل هذه الآية..
فإننا نلاحظ أن تصورنا لشخصية الأنبياء، يبدأ من
القرآن، فيما يحدثنا عنهم من أحاديث، ويسبغه عليهم من
صفات فهو المصدر الأساس الأمين الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه..
ونحن نرى أن الحديث القرآني يركز في بعض نقاطه على
نقاط الضعف لدى الأنبياء كما يركز على نقاط القوة
عندهم.. من موقع البشرية التي يريد القرآن أن يركزها
في التصور القرآني في أكثر من اتجاه.. فهل نريد أن
ندخل في مزايدة كلامية على القرآن، فيما يتعلق بمثل
هذه الأمور.. فنفرض لأنفسنا تصورات معينة للأنبياء
ثم نحاول تأويل كلام الله بطريقة لا يتقبلها النص
في بعض الأحيان..
إننا نفهم التأويل حملاً للفظ على خلاف الظاهر، على
أساس المجاز أو الكناية أو ما يقترب منهما.. ولا بد
للخروج من الظاهر أن يكون هناك دليل لفظي أو عقلي
حتى نصرف اللفظ عن الظاهر من خلاله.. ولا نجد شيئا
من هذين في موضوع هذه الآية، فليس هناك مانع من
إرادة النظر بالمعنى الحسي فيما طلبه موسى بل هو الظاهر
الواضح جدا في أجواء الآية من خلال التجربة التي
قدمها الله أمامه، فيما تعطيه كلمة التجلي من أجواء
استحالة الرؤية البصرية فيما وجّهه الله للجبل من
نوره الذي لا يستطيع الجبل أن يتماسك معه.. فكيف لو
كان التجلي له ـ سبحانه ـ
ثم لو كان المراد الرؤية القلبية لما كان هناك وجه
قريب لهذه التجربة في انهيار الجبل، فيما تعطيه من
معنى مادي للمسألة.. لأن الجبل لا يحمل أي جوّ
للجانب القلبي في الموضوع في تأثره بنور الله.. {قال
لن تراني}.. لأن الرؤية لا تكون إلا للمحدود الذي
يحمل خصائص مادية، فيما يستحيل فرضه بالنسبة إلى
الله الذي لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء.. {ولكن
انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني..} إنها
التجربة التي تعطي لموسى فكرة توضيحية للمسألة
المطلوبة..
ولكن من جانب آخر.. فقد أراد الله له أن ينظر إلى
هذا الجبل العظيم.. وهو يتهاوى قطعة قطعة حتى يتحول
إلى رميم أمام التجلي الإلهي الذي قد يكون كناية عن
تسليط نوره عليه.. فكيف يمكن لمخلوق مثله أن يواجه
نور الله.. فضلا عن أن يواجه الله بذاته ـ لو كان
ذلك أمرا ممكناً}
كنت قد سمعت أن السيد فضل الله يقول: إن النبي موسى
ع قد طلب من ربه أن يجعله ينظر إليه ببصره فلم تصدق
أذني ما سمعت لأنني لم أكن أتصور صدور هذا القول عن
عوام الناس فضلا عمن يعد ويحسب في صفوف العلماء حتى
رأت عيني وقرأت له ما كتبه بيده فوجدت أن ما سمعته
صحيحاً وصريح في عباراته.
حيث يقول: (ولكننا لانستبعد أن يسال موسى هذا السؤال)
وإذا كان السيد فضل الله لا يستبعد هذا السؤال في
حق النبي موسى (ع) وهو من أنبياء أولي العزم فأي شيئ
يستبعد!!!!!!!!!
[وعلى هذا نقول في] الجواب على هذه الدعوى الخطيرة:
اولا : إن طلب الرؤية الحسية من النبي موسى (ع)
يستدعي اعتقاده بان الله تعالى جسماً مادياً محسوساً
موجوداً في المكان والزمان وهذا الاعتقاد يُنبئ عن
عدم معرفته (ع) بربه وانه تعالى ليس كمثله شيء.. لا
تدركه الأبصار ولا تناله الحواس.
فكيف يلتزم السيد [فضل الله] بهذه اللوازم الخطيرة
وينسبها إلى النبي موسى (ع) الذي اصطفاه الله
بالنبوة، واصطنعه لنفسه وائتمنه على وحيه، وأنتجبه لمناجاته
، وجعله من أنبياء أولي العزم الذين فضلهم على سائر
الانبياء ، وقال تعالى مادحا إياه : {وإذ أخذنا من
النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى
بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا}. وقال تعالى : {واذكر
في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا
وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا}. وقال
تعالى: {وكان عند الله وجيها} وقال تعالى: {واصطنعتك
لنفسي}..
المصدر :http://www.bayynat.org/bayynatsite/books/quran/alaaraf26.htm
وكيف يلتزم السيد [فضل الله] بان من كان شانه هكذا
كان يعبد ربا لايعرفه وانه كان يبلغ رسالة ربه التي
أهمها معرفة الله وتوحيده وغاب عن ذهنه هذا الأمر
البديهي بان الله ليس جسما؟!!!!!!!!!!
ثانياً: إن الرؤية تطلق ويراد منها احد معنيين الأول
الرؤية البصرية.. والثاني الرؤية القلبية؛ ومعناها
الحضور والشهود الكامل في القلب، وكثيراً ما يستعمل
لفظ الرؤية في هذا السياق ، كقولنا : (إني أرى في
نفسي القدرة على فعل ذلك العمل)، مع أن القدرة ،
ليست قابلة للرؤية ، فالمراد أن هذه الحالة حاضرة في
نفسي وقد كثر استعمال الرؤية بهذا المعنى في القران
الكريم وكذلك في الروايات قال تعالى: {ما كذب الفؤاد
ما راى} وقال أيضاً: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت
السموات والأرض وليكون من الموقنين} وقال أيضا: {كلا
بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا انهم عن ربهم
يومئذ لمحجوبون} وقال أيضاً: {كلا لو تعلمون علم
اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين}.
وروي انه سئل امير المؤمنين (ع) فقيل له: يا أخا
رسول الله هل رأيت ربك؟ (فقال: وكيف أعبد من لم أراه؟
لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب
بحقائق الإيمان) . [كفاية الأثر للخزاز القمي ص 261]
وكذلك روي عنه؛ انه قال: (لم أكن لاعبد رباً لم أره)
[بحار الأنوار ج 25 ص 119].
اذا اتضح ذلك نقول: إن معنى الرؤية في الآية
المباركة هو الرؤية القلبية لان احتمال كونها الرؤية
البصرية غير موجود للمحذور المذكور في الجواب الأول.
ثالثاً: لو قيل: إن هذا التفسير مخالف لظاهر الآية
لان ظاهرها هو الرؤية البصرية يقال له: ان طلب
الرؤية من موسى ع لم يكن لنفسه ولجهله والعياذ
بالله بان الله لايرى وإنما كان طلبا لقومه لأنهم
طلبوا منه أن يريهم ربه فأنكر عليهم ذلك فلم
يرتدعوا وأصروا على طلبهم وهددوه بالارتداد فاخذ
منهم سبعين رجلا وطلب الرؤية من اجل أن يثبت لهم
عدم امكانها.. فذهبوا الى الميقات وبعد طلب الرؤية
وتجلي ربه إلى الجبل صعقوا جميعا فلما أفاق موسى رأى
القوم صرعى فخاف أن يتهمه قومه بانه هوالذي قتلهم
فدعا الله فاحياهم، قال تعالى: {واختار موسى لقومه
سبعين رجلا لميقاتنا فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو
شئت أهلكتهم من قبل وايي اتهلكنا بما فعل السفهاء
منا} وقال تعالى: {يسئلك اهل الكتاب ان تنزل عليهم
كتابا من السماء فقد سالوا موسى اكبر من ذلك فقالوا
ارنا الله جهرة فاخذتهم الصاعقة بظلمهم} وقال تعالى:
{واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم
الصاعقة وانتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم
تشكرون} ويؤيد هذا المعنى ما روي عن الامام الرضا
(ع): (إن موسى انما سال ذلك عن لسان قومه لا لنفسه
فإنهم لما قالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثم
احياهم الله) .
والحمد لله رب العالمين.
|