متفرقــــــــات

 

الملحمة الحسينية والشهيد المطهري

 

 

            بقلم : آية الله المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ان الكثيرين يعتقدون : ان كتاب "الملحمة الحسينية" هو ‏من تأليف الشهيد السعيد العلامة الشيخ مرتضى المطهري ‏رحمه الله ‏تعالى.. ولأجل ذلك فهم يطمئنون اليه، ويثقون به، ‏ويعتمدون عليه..‏
ولكن الحقيقة هي ان هذا الكتاب المكوّن من ثلاثة ‏اجزاء، ليس من تأليف هذا الشهيد السعيد. وان كان –ربما- ‏يشتمل على كثير من ‏افكاره، التي يتبناها، ويلتزم بها.‏
وانما هو من تأليف رجل آخر. وقد صرّح مؤلفه في ‏مقدماته لأجزاء الكتاب المطبوعة باللغة الفارسية، بأنه قد ‏جمعه، وطبعه بعد ‏استشهاد الشهيد المطهري بزمان، فإن ‏تاريخ استشهاده رحمه الله هو سنة 1358 هجري شمسي..‏
اما تاريخ الطبعة الأولى للكتاب فهو سنة 1361 هجري ‏شمسي. ونحن الان في اواخر سنة 1378 من هذا التاريخ. ‏
والتاريخ الشمسي الهجري هو الذي يتداوله الإيرانيون، ‏ويؤرخون به، والملفت للنظر، ان الطبعة العربية قد حذفت ‏هذه المقدمات ‏من أجزائها ، ولا ندري لماذا!.‏
ومهما يكن من أمر: فان هذا الكتاب لا يصح نسبته الى ‏هذا الشهيد السعيد، وهو لا يرضى ايضاً بنسبته إليه..‏
وحتى لو كنا نطمئن الى ان المؤلف قد أخذ مطالب ‏الكتاب من هذا الشهيد السعيد، فإننا لا نستطيع الجزم بأن ‏المكتوب في هذا ‏الكتاب يمثل رأيه النهائي بكل دقائقه ‏وتفاصيله.‏
ونحن نوضح هنا هذا الامر ، طالبين من القارىء الكريم ‏ان يتحلى بالصبر الى آخر الفصل، لأن ما فيه إنما يعطي ‏النتيجة التي ‏أشرنا اليها من حيث هو مجموع ومنضم بعضه ‏الى بعض.. لا بما هو جزيئات متفرقة ومتناثرة، فليلحظ ذلك، ‏فانه مهم جداً في ‏تحصيل ما نرمي اليه. ‏
فنقول:‏

شواهد من المقدمة:‏
يوجد عندي من المطبوع باللغة الفارسية لهذا الكتاب: ‏‏(الملحمة الحسينية) جزءان فقط، لهما مقدمتان شرحتا عمل ‏المؤلف فيهما. ‏وانا أورد بعض ما أشار إليه فيهما فيما يلي :‏
‏1- قد صرّح المؤلف في المقدمة بأنه استخرج من ‏اشرطة التسجيل محاضرات للشهيد مطهري، كان رحمه الله ‏قد القاها في ‏مناسبات مختلفة، فجعل المؤلف هذه المحاضرات ‏في ضمن الكتاب المعروف باسم "الملحمة الحسينية" وهو ‏المنشور والمتداول.‏
‏2- إنه يقول : ان قسماً مما نشره في هذا الكتاب ‏مأخوذ من اشرطة مسجلة لم يطلع مؤلف الكتاب عليها، ‏وانما اطلع على متون ‏مستخرجة منها فقط.‏
‏3- ويقول: إن بعض مطالب الكتاب هي أنصاف ‏محاضرات كان الشهيد قد ألقاها في بعض المناسبات، او في ‏جلسات في بعض ‏البيوت، كان رحمه الله يلقي فيها دروساً ‏فصادف بعضها أيام عاشوراء، فاستطرد في طائفة من حديثه، ‏ومحاضراته الى شؤون ‏كربلائية وعاشورائية احتراماً منه ‏للمناسبة، واحتفاءً بها.‏
‏4- قد صرّح المؤلف ايضاً بأنه قد أتم الجمل الناقصة، ‏واصلح منها ما يحتاج الى اصلاح. ‏

تصريحات الكتاب تشهد:‏
أضف الى ما تقدم : ان كتاب الملحمة الحسينية نفسه ‏يشهد على نفسه بأنه ليس من تأليف هذا الشهيد السعيد، ‏ونذكر هنا بعضاً من ‏ذلك؛ فنقول :‏
‏1- إنه في حين يقول : انه لم يتصرف في كلام الشهيد ‏إلا في موارد يسيرة تمم فيها عبارة ناقصة، او أصلح خطأ ما، ‏فانه يصرّح ‏في بعض الموارد في الكتاب بأنه قد لخّص خطبة ‏بأكملها، فهو يقول:‏
‏2- خلاصة خطاب للمؤلف الشهيد بعنوان الحماسة ‏الدينية"‏ ‏.‏(الملحمة الحسينية ج3 ص293).‏
والتلخيص يستبطن درجة عالية من التصرف المباشر، ‏الذي يحتاج الى درجة أعلا من الإستعداد العقلي، من حيث ‏اعتماده على ‏مستوى من الإدراك للمطالب ، وعلى القدرة ‏على جمع شتات الأفكار، وتحقيق قدر من التلاحم، ‏والإنسجام فيما بين متفرقاتها في ‏نطاق الصياغة والأداء.‏
‏3- ثم هو يقول ويصرّح في بعض الموارد بأنه ينقل عن ‏أوراق كانت للشهيد، قال في بعض الهوامش: "سيتم نشر ‏موضوع هذه ‏الأوراق في سلسلة مذكرات الشهيد ‏ ‏".‏.‏(الملحمة الحسينية ج3 ص235) ‏
‏4- ويقول أيضاً : عن القسم العاشر من الكتاب : إن ‏هذا القسم عبارة عن "حواش نقدية حول كتاب الشهيد ‏الخالد"‏ ‏.‏(نفس المصدر ‏ج3 الفصل الأخير)‏
‏5- ويقول في بعض الهوامش : "هكذا ورد في النسخة ‏الخطية للأستاذ الشهيد ‏".‏(نفس المصدر ج3ص229)‏
‏6- ويقول : " وقد أوردت في هذا الكتاب في فصل: ‏ملاحظات حول النهضة الحسينية، مزيداً من الأدلة بهذا ‏الإتجاه. أرجو ‏مراجعة الملاحظتين (10 – 11) بهذا ‏الخصوص ‏".‏(نفس المصدر ج3 ص174)‏
‏7- ويقول: "ونحن بدورنا نشير إلى تلك الإستعدادات ‏في أوراقنا، التي سيأتي ذكرها في فصل: ملاحظات حول ‏النهضة الحسينية، ‏تحت الرقم 38"‏ ‏.‏(نفس المصدر ج 3ص286)‏
فأين كل هذه النصوص من تصريح مؤلف الكتاب في ‏جزئيه الأولين بأنهما عبارة عن محاضرات استخرجت من ‏أشرطة التسجيل ‏، وتصريحه في بعض موارد الجزء الثالث: انه ‏قد لخص بعض خطاباته رحمه الله.‏


تعليقنا على النصين الأخيرين:‏
الف : انظر الى كلمة "أوراقنا" وكلمة "في فصل" وقوله: ‏‏"تحت الرقم 38"؛ فإن كل ذلك يشير الى أن الأوراق هي ‏لهذا الذي ‏جمع الكتاب، وإلى أنه هو الذي يفصل الفصول، ‏وهو الذي يضع الأرقام للفقرات.‏
ولكن تصريحاته السالفة التي ذكرناها تشير الى أنه ملتزم ‏بدقة النقل عن نسخة الشهيد الخطية!! فكيف نوفق بين ‏الأمرين!؟
ب: وانظر أيضاً الى قوله: "نشير الى تلك الإستعدادات"؛ ‏فإن سياق الكلام يدل على أن الذي يورد المطلب هو نفسه ‏الذي يقوم ‏بجمع مادة الكتاب ويؤلف بين متفرقاته. ويجعل له ‏فصولاً، وأرقام فقرات.‏
ج: وأوضح من ذلك قوله في رقم 5 الآنف الذكر: ‏‏"وقد أوردت في هذا الكتاب في فصل : ملاحظات حول ‏النهضة الحسينية ، ‏مزيداً من الأدلة".‏
فهذا يدل على أن المؤلف هو الذي يأتي بالأدلة، وهو ‏الذي يوردها في هذا الفصل، أو في ذاك.‏
وهذا المؤلف نفسه ملتزم بدقة النقل عن النسخة الخطية!! ‏وهو نفسه يلخص هذا الخطاب، أو ذاك!!‏
فتبارك الله أحسن الخالقين!!‏

شواهد أخرى من الكتاب:‏
ثم إن من يراجع كتاب الملحمة يخرج بحقيقة: أن الكتاب ‏لا يمكن أن يكون من تأليف الشهيد مطهري رحمه الله. اذا لا ‏يمكن لمفكر ‏يحترم نفسه، وقد بلغ هذا المقام الرفيع من المعرفة، ‏والخبرة بالشأن الثقافي، وفن التأليف أن يقدم للناس كتاباً ‏بمواصفات كتاب ‏الملحمة الحسينية.‏
ونستطيع أن نخلص بعض ما نرمي اليه ضمن النقاط ‏التالية:‏
أولاً: ان طائفة من النصوص قد جاءت بطريقة غير ‏مألوفة فقد وردت في الكتاب على ثلاثة أنحاء.‏
أحدها: أنه أورد كلاماً كثيراً للعقاد، وللصالحي، ‏ولغيرهما. بالإضافة الى نصوص كثيرة هنا وهناك أيضاً، ولكنه ‏لم يعلق عليها ‏بشيء . فلماذا؟!‏
الثاني: أنه يورد أحياناً نصوصاً ويعلق عليها، ولكنها ‏تعليقات مجتزأة، وموجزة جداً، وقد جاءت على شكل نتف ‏متناثرة، أو ‏تعليقات تحتاج إلى مزيد من المعالجة؛ لإنضاج ‏نتائجها بشكل حاسم وقوي. وهذا كثيراً أيضاً..‏
الثالث: إنه يفيض في تحليل نصوص أخرى أيضاً، ‏ويوفيها البحث والمناقشة بما لا مزيد عليه..‏
فلماذا هذا التفاوت والإختلاف في المعالجة ومستوياتها.‏
ثانياً: إن المعروف عن الشهيد السعيد العلامة المطهري: ‏أنه حين يطرح الشبهة فإنه يلاحقها بالنقد القوي، وبالنقض ‏والإبرام، ‏ويشحن ذهن القارئ او السامع بالشواهد ‏والدلائل..‏
ولكننا نرى في بعض فصول هذا الكتاب كمَّاً كبيراً جداً ‏من التساؤلات والشبهات الحساسة الى درجة كبيرة قد ‏طرحت، من دون ‏أن يقدم أية إجابة عليها ‏.‏(راجع: الملحمة الحسينية ج3من ص181 حتى ص186)‏
وقد سردت على القارئ بطريقة تجعله يستفظع الأمر، ‏وينبهر أمام عددها الكبير، ويسقط في مواجهتها، ويأخذ عليه ‏إتقانها، ‏وتفريعاتها الحاصرة كل المهارب والمسارب ، حتى يقع ‏فريسة الحيرة القاتلة، ولتلج الشكوك – من ثم – في عقله ‏وفكره، دونما ‏سدود، أو حدود، فتفتك في يقينياته، وتعيث ‏فساداً فيما لديه من مسلمات ايمانية، فطرية، وعقلية، ‏ووجدانية.‏
ثالثاً: ان الكتاب يعاني من خلل كبير في سبك وترصيف ‏مطالبه ، فتارة تظهر المطالب فيه بمثابة كشكول، حيث تذكر ‏الفكرة ‏القصيرة والصغيرة الى جانب المفصلة والكبيرة مع عدم ‏وجود أي ربط بينهما.‏
وأخرى تظهر الفكرة في حلة الخطابة والخطابيات.‏

وثالثة يظهر عليها اسلوب تأليف وتصنيف له منهجيته، ‏وأهدافه، يتميز بالموضوعية، والرصانة..‏
وبعبارة أخرى: تأتي المطالب تارةً على شكل نتف ‏وتعليقات، وأخرى على شكل بحوث وتحقيقات ، وثالثة على ‏شكل خطابة ‏وخطابيات.‏
ثم انك تارة تراه يورد نصوصاً مختلفة، ومن دون تعليق، ‏وأخرى يوردها مع تعليقات.‏
وتارة تأتي التعليقات موجزة، وتارة تأتي مطولة مسهبة.‏
وبينما هو: يوجز إلى درجة الإخلال تجده يطنب ‏ويسهب الى حد الإملال .‏
كما أنه تارة يجيب على كل سؤال يثيره مهما كان ‏بسيطاً، أو غير بسيط، بل ولو كان في غاية التعقيد.‏
وأخرى يطرح عشرات الأسئلة الهامة جداً، ولا يجيب ‏على شيء منها..‏
رابعاً: اضف الى ذلك كله، ان هذا الكتاب يعاني من ‏مشكلة التكرار لبعض مطالبه بكل تفصيلاتها، وبمختلف ‏نصوصها، ‏وتقسيماتها - تقريباً – رغم أنها تستغرق صفحات ‏كثيرة...‏

طريقة عمل مؤلف الكتاب:‏
قد اتضح مما قدمناه وفصلناه: أن المؤلف حسبما قال ‏وصرّح، وكذلك حسبما أظهره لنا فعله ووضَّح ، قد جرت ‏طريقته وفق ما ‏يلي:‏
‏1- انه قد أخذ بعض المحاضرات عن أشرطة التسجيل.‏
‏2- قد أخذ بعض أنصاف المحاضرات أيضاً كذلك عن ‏الاشرطة المسجلة.‏
‏3- قد حصل على بعض المحاضرات من أناس هم ‏استخرجوها من أشرطة التسجيل ، ولم ير هو تلك الأشرطة.‏
‏4- قد لخص بعض خطابات الشهيد.‏
‏5- قد حصل على بعض الاوراق التي كتب عليها ‏الشهيد نتفاً من الأفكار .‏
‏6- ان المؤلف قد أدخل في كتابه مضمون قصاصات ‏كتب عليها مقاطع لأناس آخرين ، وربما يكون الشهيد نفسه ‏قد جمعها . اما ‏بهدف تفنيدها، او بهدف تأييدها ، أو لأجل ‏الاستشهاد والتأييد بها، ولكنه رحمه الله لم يعلق عليها بشيء ‏
‏7- قد حصل على أوراق كتب عليها الشهيد مقاطع ‏لبعض المؤلفين، وعلق عليها باختصار، وأدخلها في الكتاب ‏ايضاً.‏
‏8- قد حصل على أوراق كتب عليها الشهيد أسئلة، ‏ربما كان يعدّها للإجابة عليها في محاضراته ، أو في كتاباته ، ‏وجعلها أيضاً ‏في ضمن الكتاب .‏
‏9- قد أضاف المؤلف عناوين، وفصل، وقسم فصولاً، ‏وأقساماً.‏
‏10- قد أنشأ المؤلف كلاماً كثيراً من عند نفسه، ‏وأدخله في ضمن المطالب التي سجلها.‏
‏11- قد صحح العبارات الواردة في ما حصل عليه من ‏محاضرات التي رأى أنها بحاجة الى التصحيح . وأتم العبارات ‏التي رأى ‏أنها تحتاج الى تتميم…‏

الشهيد لا يرضى بنسبة الكتاب اليه:‏
وبعد ما تقدم نقول : اننا نكاد نطمئن ، إلى ان كتابا ‏هذه حالاته، وتلك هي ميزاته، ومواصفاته ، لا يمكن ان ‏يرضى الشهيد السعيد ‏العلامة المطهري بان ينسب اليه ، ‏خصوصاً اذا قيس بسائر مؤلفاته ، التي تتميز بالإحكام ‏وبالإنسجام .‏
ولو انه كان رحمه الله على قيد الحياة، لم يرض بنشره، ‏وعليه اسمه ، لأنه – وهو بهذه الحال – يحط من مقامه العلمي ‏الرفيع ، ‏ويسيء الى موقعه الثقافي المميز ولكان رحمه الله قد ‏زاد عليه ، وحذف منه ، وقلّم، وطعّم، وغيّر وبدّل الشيء ‏الكثير ..‏
وكيف يمكن أن يرضى رحمه الله بأن يعمد أحد الى ‏اشرطة سجلت عليها محاضرات كان قد ألقاها قبل وفاته ‏بسنوات كثيرة ، ‏ويستخرج ما فيها وينشره بعجره وبجره ، ‏وعلى ما هو عليه ؟!.‏
ولعله وهو يرتجل كلامه (وارتجال الكلام يختزن في داخله ‏فوات فرص التأمل والتدقيق) قد عمم في مورد التخصيص ، ‏واطلق ‏فيما يحتاج الى التقييد ، ولعله أطنب في موضع ‏الاختصار ، وقدم ما يستحق التأخير ، وغفل عما كان ينبغي ‏الإلتفات والإلفات اليه ‏؟!.‏
وكيف يرضى رحمه الله ، أن يضمن كتابه أسئلة ‏تشكيكية خطيرة ، دون أن يشير الى الاجابة عنها. وهو الذي ‏كان قد أخذ على ‏نفسه الذب عن حياض هذا الدين، ‏والحفاظ على حقائقه، وحراسته من كل سوء يراد به ؟!؟ ‏
وكيف يمكن أن يرضى بعرض اخطر واعظم القضايا، ‏وأكثرها حساسية ، وأبعدها أثراً في حياة وبقاء الاسلام ‏والايمان، من ‏خلال قصاصات تركها، كان قد كتبها ‏لأغراض مختلفة، وفي حالات متفاوتة ؟!.‏
فهل يرضى ان ترتهن اخطر قضية وأغلاها، واعظمها ‏واسماها ، بهذه القصاصات التي قد لا تمثل الرأي النهائي ‏لكاتبها ؟!.‏
بل قد يكون ما كتبه عليها هو الرأي الآخر ، لمن كان ‏يهيئ للرد عليهم ، وتفنيد أقوالهم .‏
ولعله أشار الى جزء أو بعض الفكرة ، ولم يشر الى ‏البعض أو الجزء الآخر منها ، اعتماداً منه على ذاكرته ، أو ‏على بداهة الأمر ‏في عمق وعيه .‏
ولعله قد سجل عليها تحفظات افتراضية ، ولم يسجل ‏عليها سائر ما يدور في خلده من أجوبة أو من حيثيات، ‏وخصوصيات، ‏وشروحات، ومؤيدات .‏
وكل ذلك يوضح: انه لايمكن أخذ رأي الشهيد من ‏كتابٍ هذه حاله ، والى ذلك كان مآله ، فلعله كان يريد ‏العودة الى مضامين ‏محاضراته وخطاباته، والى قصاصاته ليقلِّم ‏ويطعّم وينقّح ويصحّح ويقدّم ويؤخّر ويتأمّل ويتدبّر . ‏ويضيف اليها ما استجد له من ‏دلائل وشواهد.‏

ولعله يريد تخصيص بعض عموماتها ، وتقييد بعض ‏مطلقاتها، خصوصاً فيما جاء على سبيل الخطابة والارتجال، ‏فضلاً عن ‏غيره .‏
ومن جهة أخرى: لعله رحمه الله لا يرضيه تلخيص هذا ‏أو ذاك لكلامه، ويجد انه لم يستوعب ما يرمي إليه، وأنه قد ‏أخل ‏بمقاصده…‏
وربما لا ترضيه العناوين التي أدخلها الآخرون ، ولا ‏التقسيمات التي مارسها المقسمون ، ولا التصحيحات التي ‏أعملوها ، ولا ‏الإضافات التي قاموا بها، لاكمال عبارة هنا أو ‏نص هناك ..‏
الى غير ذلك من أمور لا يصعب ملاحظتها على الكتاب ‏المذكور .؟
وأخيراً نقول : لقد عودنا علماؤنا الأبرار ان لا ينسبوا ‏بصورة القطع و الحتم ما يورده حتى أعلام الأمة في تقريرات ‏دروس ‏أساتذتهم الى اولئك الأساتذة، فلا ينسبون ما جاء في ‏أجود التقريرات مثلا الى الشيخ النائيني بالقطع والحتم، بل ‏يقولون نقل أو ‏حكي عن الشيخ النائيني أو نسب اليه قوله.‏
‏ وذلك لمراعاة احتمال ضئيل جداً وهو ان يكون ثمة أدنى ‏خلل في تلقي العبارة عنه، مما قد يوجب تغييراً في مفاد ‏الكلام.‏
فكيف يجوز لنا ان ننسب للشهيد المطهري كتاباً قد ‏ظهرت هناته، وتلك هي حالاته وميزاته ؟! مع ان الدرس ‏مبني على توخي ‏الدقة في التعبير من قِبَل الأستاذ.. أما ‏القصاصة والمحاضرة والخطاب فان الحديث فيه مبني على ‏التسامح والارتجال والعفوية كما ‏قلنا.‏

دعوة الى كل المخلصين:‏
وفي ختام هذا الفصل أوجه الدعوة الى كل المخلصين، ‏الذين يحملون همّ حمل الاسلام الصافي والطاهر والنقي ‏والدقيق والعميق ‏الى الناس بأمانة واخلاص . ويجهدون في ‏هذا السبيل . أدعوهم الى ان يوجهوا بعضاً من اهتمامهم الى ‏تراث هذا الشهيد السعيد، ‏والى ان يعقدوا المؤتمرات التي ‏يحضرها المتخصصون والعارفون لتقييم مؤلفاته رحمه الله، ‏وتحديد ما كتبه منها بخط يده، ‏واعتباره هو الذي يمثل آراءه ‏النهائية التي يمكن الاعتماد عليها في مقام التأييد أو التفنيد.‏
والاهتمام الى جانب ذلك بالمؤلفات التي استخرجت من ‏اشرطة التسجيل، ببذل المحاولة الجادة للتعرف على قيمتها ‏الحقيقية، ‏وقدرتها على اعطاء رأيه العلمي والنهائي المستند الى ‏الادلة والبراهين المعقولة والمقبولة.. ‏
ولعل من المفيد هنا القيام بمقارنات فيما بينها وبين ‏المؤلفات التي تصدى هو بنفسه لانجازها بعد تأمل ، وتروٍّ ‏وتفكير وتدبر، ‏ليكون هذا القسم الثاني هو الذي يعطي ‏الانطباع الحقيقي عن واقع آرائه وتوجهاته .‏
كما أنه قد يكون من المفيد أيضاً : التعرف على معايير ‏التفكي،ر التي كان رحمه الله يرتضيها حكماً، ويمارسها عملاً ‏في مختلف ‏الميادين ، لتكون هي المرجع في الأخذ أو في الرد لما ‏كان قد ألقاه على الناس بطريقة الارتجال التي تسلب معها ‏فرصة التأمل ‏والتدقيق، ويقل معها الالتفات الىضرورة ‏تخصيص لعام هنا ، أو تقييد لمطلق هناك، وتسجيل تحفظ على ‏هذه القضية ورفضها ، ‏أو الالتزام بتلك القضية وتأكيدها ‏وتأييدها من دون أي تحفظ.‏
الى غير ذلك من حالات تعتري حالة الارتجال والخطابة، ‏وتقلل من درجة الدقة لدى الخطيب ، ولينعكس ذلك من ثَم ‏على درجة ‏التلقي والاخذ منه .. ‏
وكذلك لا بد من دراسة ما نسب اليه اعتماداً على ‏قصاصات ، أو كتابات مذكراتية تامة أو ناقصة ..‏
وفي جميع الاحوال نقول: ان المؤلفات التي تصدى هو ‏للتخطيط ثم الانجاز لها تبقى هي الفيصل ، وهي الاساس في ‏الحكم ، ولابد ‏من الانتهاء اليها في الرد او في القبول ..‏
نعم، ان لفكر الشهيد العلامة مرتضى المطهري ولكتبه ‏تأثيراً عظيماً في المجال الثقافي؛ وذلك يفرض علينا توثيقها، ‏والتأكد من ‏أنها تعكس آراءه الحقيقية بدقة بالغة، فلابد من ‏ملاحظة كل خصوصية تدخل في نطاق بلورة الرأي الذي ‏ينتمي اليه ..‏
فالخطابات والمحاضرات لا تمتلك نفس القدرة التي تتوفر ‏للكتاب الذي توفرت لمؤلفه حال انجازه أجواء التأمل ‏والهدوء، والتروي ‏والتدبر .‏
نقول هذا مع تأكيدنا على أن كتاب "الملحمة الحسينية" ‏الذي عرفنا جانباً من اشكالاته، وأطلعنا على بعض هناته ‏ليس قادراً أبداً أن ‏يعكس رأي الشهيد السعيد العلامة ‏المطهري في شؤون عاشوراء .. ‏
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..‏(1)
------------
(1)كربلاء فوق الشبهات ص77 -97 ط 1

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003