متفرقــــــــات

 

الولاية التكوينية : القرآن يجيب

 

بقلم :غلام علي

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وال بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين .
قبل الخوض في هذا البحث المبارك عن الولاية التكوينية ,نذكر رواية تيمنا وتذكيرا ,ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (ان لربكم في دهركم نفحات الا فتعرضوا لها ).
ولرب العزة والجلال نفحات ينبغي على الانسان المؤمن ان يتعرض لها لتزكية نفسه وتطهير قلبه, يقول السيد الامام الخميني قدس سره(ولهذا فان الاشتغال بتهذيب النفس وتصفية الاخلاق وهو في الحقيقة خروج من سلطة ابليس وحكومة الشيطان من اعظم المهمات واوجب الواجبات العقلية)جنود العقل والجهل ص 54 .
مبحث الولاية التكوينية من لوازم البحث عن الامامة ضمن التصور الشيعي ,وهنا نفترض ان المطالب التي تسبقه من ان الامامة بالنص قد ثبتت سلفا لدى القارئ-ولمن لم تثبت لديه ان يعلمنا بذلك- وانه يلتزم اصول المذهب الامامي والا فقبل هذا البحث ينبغي الفراغ من مقدمات اثبات الامامة وفق التصور الشيعي ,على اية حال فالبحث قراني ووضوحه في هذا الامر سيكون حجة حتى لمن لا يثبت ان الامامة ثابتة بالنص لائمة اهل البيت عليهم السلام. ,لبيان معنى الولاية التكوينية سنبحثها هنا على ضوء القران الكريم ,لنرى هل ان القران الكريم يقدم الاجابة لصالحها ام لا ؟
يقول امير المؤمن عليه السلام (وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه, وبيت لا تهدم أركانه, وعز لا تهرم أعوانه,كتاب الله, تبصرون به, وتنطقون به ,وتسمعون به ,وينطق بعضه ببعض, ولا يختلف في الله, ولا يُخالف بصاحبه عن الله ...)نهج البلاغة الشريف.
فمحل اتفاق ان القران هو الحجة عند الاختلاف ,وهنا نرى بعض الاخوة يقولون من اين لكم قولكم ان الولاية التكوينية من العقائد؟؟؟فنحن سنبين باذن الله انها من العقائد القرانية لجمهور المسلمين فيما يخص الانبياء ولائمة مذهب اهل البيت عليهم السلام في المذهب الاثني عشري اعلى الله رايته .
قال تعالى (وما كان لرسول ان ياتي باية الا باذن الله ),ومصطلح الاية في القران الكريم يستعمل بمعنى المعجزة ,فما من نبي جاء الا وهو مؤيد بمعجزة ,تعجز الاخرين اثباتا لدعواه,فلا يحكم العقل بقبول دعوى النبوة بدون معجزة تمثل البرهان والدليل على نبوته ,قال تعالى (ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات) وهذه البينات والايات هي التي تدفع الانسان الى قبول دعوى النبوة .
والمعاجز كما هو معلوم بعضها معاجز عملية وبعضها معاجز قولية ,فالعملية كقلب العصا الى حية تسعى او اليد البضاء او منطق الطير او احياء الموتى وابراء الاكمة والابرص والانة الحديد فيتعامل معه بعض الانبياء كما نتعامل نحن مع الطين ,والمعاجز العملية لا يكتب لها الخلود, ونبينا صلى الله عليه واله وسلم جمع الله له المعجزة القولية الخالدة والمعاجز العملية المختلفة كتسبيح الحصا بيدة الشريفه ,والى هذا المطلب اشار الامام الصادق عليه السلام (وان الله بعث سفراء بينه وبين خلقه كانوا مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من احياء الموتى وابراء الاكمة والابرص ….).
والمتأمل في الايات القرانية يكتشف بسهولة ان ما من سنة طبيعية الا وقد خرقت على يد نبي ,قال تعالى (ولقد اتينا داود منا فضلا يا جبال اوبي معه والطير والنا له الحديد),وقال تعالى ( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ),)وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من باسكم فهل انتم شاكرون,ولسليمان الريح عاصفة تجري بامره ...),(فالقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين ),( وجوزنا ببني اسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت انه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين),( ولقد اتينا موسى تسع ايات بينات) الايات التسع معروفة كالجراد والدم وغيرها , ومعاجز النبي عيسى عليه السلام معروفة في احياء الموتى وخلق كهيئة الطير وعلاج الامراض المستعصية كالعمى والبرص ,قال تعالى (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيراا باذن الله ),(واحيي الموتى باذن الله ),والخليل عليه السلام (ربي ارني كيف تحيي الموتى قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) فكان جوابه (فخذ اربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل هلى كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ).
ولنبينا صلى الله عليه واله وسلم انشق القمر فصار نصفين في السنة الخامسة للهجرة (اقتربت الساعة وانشق القمر ).
فما من سنة في عالم الطبيعة الا وقد خرقت على يد نبي ,وهنا يتسائل علماء التفسير في الدراسات القرانية وعلماء العقيدة والكلام , ما هو معنى المعجزة : هل هي فعل الله بدعاء النبي, او لا , هي فعل النبي باذن الله ؟
ففرق كبير بين المقامين,وهنا يكمن سر اشتباه البعض ممن لا يحسن ويتقن هذه المباحث :
هل هي فعل الله بدعاء النبي
ام
هي فعل النبي باذن الله ؟
بعبارة اخرى ماذا يجيب القران عن هذا السؤال ,هل ان الافعال هي افعال الله ووظيفة النبي هي ان يرفع يدية بالدعاء , ام لا , نفس الانبياء هذه افعالهم ولكنها باذن الله ؟
هنا وفي الاجابة على هذا السؤال وقع الاشتباه, فالقران الكريم صريح بانها افعال نفس الانبياء ,ولكن ذلك باذن الله , فنبي الله عيسى يقول واحيي , اني اخلق , وفي قضية النبي ابراهيم ثم ادعهن, أي انت ادعهن , وداود كان يتعامل مع الحديد بنفسه , بيديه ,لا انه يرفع يدية بالدعاء ليقع اللين بالحديد ,الريح كانت تأتمر بامر سليمان نفسه , فهنا نرى ان كتاب الله يجيب على هذا السؤال المهم بأن المعجزة هي فعل النبي ولكن باذن الله .
والولاية في احد معانيها اللغوية تعني التصرف ,فاذا كان تصرفا في التشريع فهي الولاية التشريعية واذا كان بالواقع الخارجي وعالم الطبيعة فهي الولاية التكوينية , فقول الفقهاء بان الاب او الجد للاب له الولاية في تزويج البكر معناه له حق التصرف في امر زواجها .
والقران اثبت ان التصرف في الواقع الخارجي تحت قدرة الانبياء باذنه وهذه هي الولاية التكوينية وهذا هو راي القران الكريم .
وهنا لا بد من الاشارة الى مطلب يذكره زبدة المحققين من اساطين التدقيق, ان حكمة الله اقتضت ان يخلق الله بعض الاشياء مباشرة بدون توسط سبب واخرى بتوسط الاسباب ,والموجودات بالصورة الاولى هي الموجودات الامرية وبالصورة الثانية هي الموجودات الخلقية ,الا له الخلق والامر , فهناك خلق وهناك امر , وهنا نرى اشتباه البعض عندما يتعاملون مع قوله تعالى (ويسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي ) فهناك اتجاه مشهور بين بعض المفسرين وكثير من اشباه المفسرين , يقولون بان الله لم يجب عن هذا السؤال , في حين ان المحققين يقولون بل هو جواب واضح فالروح هي من عالم الامر , لا من عالم الخلق .عموما هذا بحث مستقل ربما نوفق لتفصيلة لاحقا .
فلنراجع الان جواب السؤال هل التصرف بالواقع الخارجي , من ابراء الاكمة والخلق والانة الحدية ودعوة الطيور وكل هذه الايات , ماذا اجاب عنها القران صراحة , اقرا الاية الاولى التي قدمناها للبحث ( وما كان لرسول ان ياتي باية الا باذن الله ) فنحن نلاحظ بصورة واضحة ان القران اختار الشق الثاني من سؤالنا : هل الاية والمعجز وخرق السنة الطبيعية فعل الله بدعاء النبي ام فعل النبي باذن الله ؟
القران يقول هي فعل النبي ولكن باذن الله ,هم اي الانبياء يأتون بتلك الايات ولكن باذن الله .ربما يثار اشكالا هنا ويقال سلمنا بدليلكم ولكن هذا الامر خاص بالانبياء فلماذا تعمموه على الائمة من اهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم , ونقول في جواب ذلك بل القران يثبت المسئلة لغير الانبياء من الانس والجن قال تعالى (قال يا ايها الملا ايكم ياتيني بعرشها قبل ان ياتوني مسلمين وقال عفريت من الجن انا اتيك به قبل ان تقوم من مقامك واني عليه لقوي امين , قال الذي عنده علم من الكتاب انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك …) .
فهنا العفريت يقول انا اتيك به ,انا عليه قوي امين ,واصف بن برخيا الذي يذكر علماء الحديث –سنة وشيعة- هو القائل انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك (من اللطيف ان البعض يعد العفريت هو صاحب مقولة انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك ),ومن المعلوم ان هذا فعل من عنده شيئا ,بعض علم من الكتاب فما بالك بمن عنده علم الكتاب ؟
قال تعالى (وقل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) فقد نقل الخاصة والعامة في تفاسيرهم ومجاميعهم الروائية ان المعني بذلك علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام.
بقي ان ننبه على ان هناك مباحث اخرى تفصيلية في الدراسات القرانية والعقائدية, عن سبب وجود الولاية التكوينية عند بعض دون بعض ,والجواب هو ان الولاية التكوينية تاتي بالعلم فمنشأها وسببها نوع من العلم ( علمنا منطق الطير ),( قال الذي عنده علم من الكتاب), وربما يطرح بعض المشككين بمسئلةهي : لماذا لم يستثمر الانبياء والائمة عليهم السلام ولايتهم التكوينية لجلب الخير الى انفسهم ودفع الشرور عنها ,وهذا الاشكال قديم كان يطرحه بعض المعاندين لائمة اهل البيت عليهم السلام وقد اجاب عنه الامام الباقر عليه السلام قائلا : انهم كانوا قادرين على ان يفعلوا ما يشاء والله ابتلاهم اختيارا ولكنه لمنازل وكرامة لا يبلغوها الا بتلك المصائب والابتلاءات ما استعملوها فمقامات الامامة لا تنال الا بالابتلاء قال تعالى)( واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات ....ثم قال بعد ابتلائه ...اني جاعلك للناس اماما الكافي ج1 ص261 . فالحمد لله كثيرا ,امامنا الباقر عليه السلام اجاب عن نفس تلك الشبهة وفي ذلك عظة.وقد تبين لنا ان القران باجمعه دليلا على اثباتها ,لا العكس كما ورد على لسان وكتابات بعض الاصوات الثقافية والادبية من الاساتذة المعاصرين .

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003