متفرقــــــــات

 

 الفكر و العقيدة في شراك الألفاظ

 

بقلم : ابن عربي

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين .

تيمنا وتبركا وتذكيرا نستهل كلامنا بكلمات من وصية امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه  لولده محمد بن الحنفية رضوان الله تعالى عليه (وما خلق الله  عز وجل شيئا احسن من الكلام ولا اقبح منه,بالكلام ابيضت الوجوه وبالكلام اسودت الوجوه واعلم ان الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فاذا تكلمت به صرت في وثاقه فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك فان اللسان كلب عقور فان انت خليته عقر ,ورب كلمة سلبت نعمة )الوسائل جلد 12 باب 119 من ابواب احكام العشرة الحديث  15 .

يكثُر في  كلمات بعض الاصوات الثقافية المعاصرة ,استعمال وترديد اصطلاحات ينبغي علينا التوقف لديها طويلا لنكتشف مدى انسجام المعاني المطروحة مع ضوضاء الالفاظ, فالالفاظ في اللغات انما وضعت لتنقل المعاني فيتحقق التفاهم بين بني النوع الانساني ,لذا  فان  بحث  مسألة لغوية كالترادف  في البحوث الاجتماعية التحليلة تقول بأن  ظاهرة الترادف تكشف عن عن قلة المعاني التي تحيط  بمجموعة بشرية معينة لذا  فانهم يضعون الفاظ متعددة لمعنى واحد ,فلو لمس العقل صورا متعددة لانشغل  بخلق الفاظ لها (1).

والارتباط بين اللفظ والمعنى ارتباط كبير ,فاذا قلت لفظة ماء ينتقل الذهن البشري الى حقيقة الماء كما لو انك جئت بها امام السامع ,فالالفاظ تلعب دورا كبيرا في التواصل وفي  لعبة المغالطات  وما اكثرها في  في عالمنا المعاصر  اما  لجهل من منتجيها او لغايات لديهم و( سبب  الرواج مشابهتها للحق  او المشهور ولا تروج على العقول  فيشتبه عليها الحال  لولا قلة التمييز وضعف الانتباه) منطق المظفر ج3 ص 435.

من تلك الالفاظ المتداولة تمييع المعنى الحقيقي لاصطلاح التجديد واستعمال عبارات الثابت والمتحول والحداثي الاصلاحي ,رمز الحرية وقبلة الانام في الفكر الحر وغيرها الى ما شاء الله من الفاظ ,ونحن هنا نطرح سؤالا مشروعا هو ,هل  الالفاظ  الصارخة تجعل الكاتب مُجددا ومصلحا وخبيرا بادواء العلم والمجتمع ؟ام هذه معاني  تجسدها الافعال ,فرصد الخطأ غير اصلاحه ,والهدم سهل لكن البناء صعب والدوران في عالم الالفاظ حلم  يستهوي القلوب ولكن اين النتائج العلمية والمشاريع الجادة؟

عندما نذكر  الشهيد الصدر قدس سره نعرف المفردات العلمية التي كان يعمل عليها في مشروعه , نقل الفقه من فقه الفرد الى فقه النظرية ,أي محاولة اكتشاف نظريات الاسلام في الاقتصاد والاجتماع وتنظيم حياة الفرد والمجتمع , التحول من التفسير التجزيئي الى التفسير الموضوعي ,تحليل نظرية المعرفة وطرح المذهب الذاتي للمعرفة  وغيرها .

عندما نذكر الامام الخميني قدس سره ,نجد ان مشروعه في احياء الاسلام ,هو اقامة دولة اسلامية لرد شبهة ان الاسلام يصلح للمسجد ووقوع الشئ ادل دليل على امكانه ,تحليله لمسئلة الاجتهاد وفهم السياق الاجتماعي للنص ,ودخول معنى الزمان والمكان في تحديد الموضوعات الى اخر مفردات مشروعه ,وهكذا  المطهري ومن سار على خطاهم من علمائنا الاعلام رضوان الله تعالى عليهم .

وهذا ينسحب  حتى على باحثين نختلف معهم في  اغلب ارائهم ولكنهم ينطلقون من هم فكري وعلمي فنجد لديهم مشروعا متكاملا تتجسد  مفرداته بوضوح من خلال مؤلفاتهم ومقالاتهم التي يطرحون من خلالها ما يودون,نذكر منهم الاستاذ نصر حامد ابو زيد والاستاذ محمد اركون , بل حتى الاستاذ ادونيس في كتابه  الثابت والمتحول ,فقبل ان يخوض في دراسته عن مفردات الثبات والتحول في التراث ,حدد معنى واضح لمقصوده ,يقول (في الخلافة ومسأليتها مفتاح اول لفهم التاريخ العربي فهي ليست نقطة اللقاء  بين الدين والدنيا وحسب وانما هي رمز لسيادة الدين على الدنيا ولممارسة هذه السيادة.....الى قوله ....هذا البعد هو ما اردت في الثابت والمتحول ان افهم معناه واكشف عنه من خلال تحليلي لتجلياته في الممارسة لدى اطراف النزاع وليس الثابت الامصطلحا شأن المتحول وقد عنيت بالثابت  ما يبني احقيته على ماض  يفسره تفسيرا خاصا معينا ويعزل او ينفي  كل من لا يقول بقوله . وعنيت بالمتحول ما يرفض احقية هذا الثابت استنادا الى تفسير خاص  معين لذلك الماضي عينه  عاملا بواقعية كونه خارج السلطة) الثابت والمتحول : الاصول ج1 ص 1-2.

فنتيجة طبيعية ان يصل الى ان ( تجمع الاخبار المأثورة بمختلف رواتها وصيغها على ان النبي اراد قبيل موتة ان يعهد بخلافته لشخص يختاره هو بنفسه لكن هذه الارادة لم تتحقق,وثمة اجماع كذلك على ان اجتماع السقيفة عقد يوم وفاة النبي وقبل الانتهاء من تهيئته لتشييعه ودفنه )نفس المصدر ص 119  الطبعة الرابعة عام 1983.

مع غض النظر عن اراء الباحث ونواياه وما اراد ان يصل اليه في بحثه  فاننا  اما  شئ محدد  له دلالته وله مفاتيحه التي يمكن ان ندرس  مشروعه من خلالها لنكتشف مدى الدقة والمتانة وبالتالي النقاش معه فيما نحتلف معه فيه .

لكن من لا نجد لديه أي شئ من ذلك,وبنفس الوقت يلاحق هذه الاصطلاحات ليوظفها في تغييب العقل ,وتمييع المعرفة , افيعد من المجددين ام ممن  يحاولون اغتيال عقل القارئ ؟

لا  قدرة لدينا على اكتشاف النوايا فلا نحكم على نوايا  منتج الخطاب اللفظي غير المؤسس معرفيا ,وانما نتابع  نصوصه  لنقراها ونفحصها فلا نجد الا سراب بقيعة يحسبه الظمأن ماءا !!

هذا ما يمكن ان نلاحظه في مجمل  الخطاب  الفضلي –نسبة الى احد المثقفين والادباء المعاصرين الاستاذ محمد حسين فضل الله- اذا انتقيناه كمثل  لتلك الدراسات التي تكرس التخلف الفكري  ,فاحدى اهم ملامح التخلف الفكري التي انتشرت بعد سقوط بغداد على يد المغول عام 656 للهجرة –1258 للميلاد  ,هو انتشار ظاهرة التزويق اللفظي  حتى  سميت تلك العصور بعصور  الظلام في التاريخ العربي ولم نجد اديبا او مفكرا او شاعرا مجيدا الا بشكل نادر في هذه المرحلة من تاريخنا,فلم يكن صفي الدين الحلي الا نجمة في  السماء الملبدة بالظلام انذاك.

فعلى القارئ ان يتابع  المعاني بذهنه والا فالالفاظ سهل ان تحفظ وتقتبس من هذا وذاك لالقاء خطبة في مسجد  او حديث في فضائية ,نختم كلامنا بكلمة للامام الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه ,قال   ( ومنهم  قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا يتعلمون علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا وينتقصون بنا عند نصابنا, ثم يضيفون أليه اضعافه وأضعاف اضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن براء منها,فيتقبله المستسلمون من شيعتنا على انه من علومنا, فضلوا وأضلوهم.
وهم اضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه فانهم يسلبونهم الارواح والاموال وللمسلوبين عند الله أفضل الاحوال لما لحقهم من أعدائهم.
وهؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بانهم لنا موالون ولاعدائنا معادون يُدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب.
لا جرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لا يريد الا صيانة دينه ,وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر ولكنه يقيض له مؤمنا يقفُ به على الصواب ثم يوفقه الله تعالى للقبول منه فيجمع له بذلك خير الدنيا والاخرة ويجمع على من اضله لعن الدنيا والاخرة )التفسير المعروف بتفسير الام
العسكري عليه السلام ص 301

---------------------------
(1) هذا من ضمن اسباب اخرى منها  تكثر المجموعات البشرية في الاوساط التي تسود بها القبائلية وان كانت تنتمي لعرق واحد.
 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003