متفرقــــــــات

 

 بين الابداع و الابتداع الاجتهاد نموذجا

 

بقلم : ابن عربي

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

في أي مناخ علمي ,وفضاء فكري تنمو حركة الابداع وتطفوا على سطحها ظاهرة نسميها الابتداع تحاول ان تسرق جهد المبدعين ,ولتغطية خوائها العلمي تتسلح بالالفاظ البراقه ,واطلاق الشعارات ظانة انها بذلك تكون امتدادا لهذا النبع الثر الذي يحفره المبدعون بجهدهم وعرقهم ومعاناتهم الفكرية .
وليست اوساطنا بمعزل عن ذلك بل هي في قلب هذه الازمات, بل لعل المناخات الاخرى, اقل اصابة من مناخنا بمثل هذه المسائل .
كثيرا ما نقرا في عالم اليوم محاضرات ومقالات من هذا النوع البائس غير المتسلح بادوات التمكن المعرفي سواء في نسقها المدرسي الاسلامي او في نسق التناص مع المناهج الناقدة والقارئة والفاحصة للنصوص في العلوم الانسانية المعاصرة.(1)
سنتناول هنا مسألة الاجتهاد بين الفكر الناضج المتمكن معرفياوالفكر المتطفل عليه, لنرى مدى الفرق بين الابداع والابتداع , كنموذج مهم في الفكر المنتج للوعي سواء على مستوى الخطاب الشيعي او السني .
فالاجتهاد كمفهوم لغوي مستنبط من بذل الجهد لاكتشاف الحكم , يمثل الطاقة المحركة للمجتمع , التي لا يمكن ان تكتفي بما طرح في السابق بدعوى الاكتفاء بما توصل له اجلة علماء الاسلام في السابق لذلك تحرك العلماء لاكمال هذا الطريق ,كانجاز متواصل مع جهد من سبق .وهذا يستدعي في العقل الاجتهادي سعة الافق والتمكن المعرفي والعلمي , مع الاطلاع على شؤون المجتمع المعاصر واشكالياته .ولكن بسبب الظروف التي مرت بها الامة حصل نوع من الانكماش المعرفي والانكفاء على الذات في الاوساط العلمية مع نظرة الانبهار لجهد السابقين فسادت نظرة ابقاء ما كان على ما كان بحسب تعبير المرحوم الشهيد الصدر قدس سره,ودراسة سبب او اسباب ذلك له محله الخاص فالمراكز العلمية جزء من بنى المجتمع التي تتاثر به فالمشكلة النهضوية كانت تعم جميع العالم الاسلامي .
من ذلك طرح الشهيد المطهري رحمه الله صرخة لا بدية هز العقلية الاجتهادية في العالم الاسلامي وتحقيق ارضية مناسبة لثورة تشريعية يقول رحمه الله ( لا تخفى اسباب هذه الحالة وعواملها على احد والذي لا ينبغي كتمانه ان الجمود والركود الفكريين اللذين حكما العالم الاسلامي خلال القرون الاخيرة وخاصة توقف الفقه الاسلامي عن التحرك وظهور روح الميل الى الماضي والنظر اليه والامتناع عن مواجهة روح العصر تعد من اسباب هذه الهزيمة واليوم يحتاج العالم الاسلامي اكثر من أي وقت مضى الى نهضة تشريعية تنبع من رؤية جديدة شاملة وواسعة وعميقة الى التعاليم الاسلامية ....)ختم النبوة ص 49 ترجمة عبد الكريم محمود.
والفقيه عندما يمارس قراءته الاجتهادية لاكتشاف الحكم الشرعي وبيان مفاهيم ونظريات الاسلام ,يدخل الامر وهو مسلح بثقافة خاصة وظروف خاصة, فهو ليس الا بشر عادي ,وهذا كله له تأثير على العملية الاجتهادية, وربما هذا ما دفع الشهيد مصطفى الخميني رحمه الله في بحثه الاصولي الى القول (يجب ان تتم العناية في عصرنا بالمشاركة العلمية ,اذ يجب ان يبذل الكثير من العناية بتبادل الافكار والمشاركة في الاراء الفقهية لكي لا يقع الناس ضحية الاختلاف والمفاسد الواقعية وعلى هذا الاساس تصبح حجية فتوى الفقهاء المعاصرين موضعا للاشكال والشبهة فبسبب غياب المشاركة العلمية هذه والابتعاد عن تبادل الاراء تجد الحياة العلمية للفقيه تشهد تبدلا وتغيرا منظورا في الرأي.وكذلك ليس عقلانيا الجلوس في زاوية من زوايا الدار واطلاق الفتاوى على اساس الافكار الفردية مع كثافة المشكلات العلمية في عصرنا وكثرة المعضلات الفنية....)تحريرات في الاصول ج2 ص 524.
ومن هنا اعتبر الشهيد المطهري رحمه الله عملية الاجتهاد عملية نسبية تاريخية وانطلق للكلام عن دور تغير طريقة التفكير ومنظور الفقيه باعتباره مكتشفا للحكم في عملية تكامل الاجتهاد, ويرهن ذلك بتقدم العلوم الانسانية الاجتماعية والنفسية واللغوية والنقدية وغيرها وبتعبيره قدس سره( من هنا يمكننا ان نفهم جيدا ان الاجتهاد مفهوم نسبي ومتطور ومتكامل وان كل عصر وزمان يستوجب نظرة وادراكا خاصين,وهذه النسبية تنشأ من أمرين : القابلية اللامتناهية للمصادر الاسلامية والتكامل الطبيعي للعوم والافكار البشرية)ختم النبوة ص 52 .
ان كل ذلك حدا بالعلماء الشيعة والسنة الى الدعوة الى الاجتهاد الجماعي او المجلس الفقهي او لجنة الافتاء وهذا ما يمكننا مراجعته في طرح الطالقاني والمطهري / مرجعيت وروحانيت بالفارسية ص 60,وكذا عدة غيرهم كما في تفسيرا آفتاب ص 371 او زمينه حقوق طبيعي 105-107 .
ونفس هذا الطرح موجود في الدراسات الفقهية السنية ومفاهيم الاجتهاد ومثاله الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الاجتهاد في الشريعة الاسلامية ص 182-184, او الدكنور محمد مصطفى شبلي في كتابه الفقه الاسلامي بين المثالية والواقعية ص 220-221.
ومع غض النظر عن مدى واقعية مثل تلك الفكرة فانها تعبر عن عمق الهموم الفكرية التي يتعامل معها امثال هؤلاء المبدعون من اجلة علمائنا ولكن الفكرة التي نود ان نوضحها ان الدعوة الى الاختصاص هي احدى اهم ملامح المشروع النهضوي عند المبدعين .
وتتميز اهم ملامح تفعيل العقل الاجتهادي والعملية الاجتهادية بعدة ملامح نشير الى بعضها كدور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد التي ارسى قواعدها سيدنا الامام الخميني قدس سره الطاهر فلهما تأثير على الموضوعات فيتبدل الحكم تبعا لتبدل الموضوع , فالحكم في حقيقته ثابت ولكن المواضيع متغيره , يقول قدس سره ( فالزمان والمكان عنصران اساسيان مصيريان في الاجتهاد فظاهر القضية التي كان لها حكم معين في السابق قد ينطبق على قضية اخرى ولكن هذه القضية الثانية ذات نفس الظاهر قد تستلزم حكما جديدا لوقوعها في ظل المعادلات الحاكمة على سياسات نظام ما ,واقتصاده ونظمه الاجتماعية أي ان المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل نفس موضوع القضية الثانية يستلزم حتما حكما جديدا....)الامام الخميني –من بيانه الى المراجع والعلماء والحوزات العلمية في رجب 1409ه-1989للميلاد.والى ذلك يشير الشيخ احمد الجنتي ( لو تم التركيز على هذه الحقيقة لامكن للفقهاء بشكل اكثر سهولة اعادة النظر في كثير من الفتاوى ولمنحوا انفسهم الحق في التشكيك بصحة الفهم الفقهي السابق )الحكومة الاسلامية والتقنين ص 55 الطبعة الاولى.وهنا نرى المطهري رحمه الله يصف حقيقة الفقاهة (ان معنى الاجتهاد نفسه يصح في تطبيق السنن الكلية العليا لجديد من الحوادث المتغيره والمجتهد الحقيقي هو الذي ادرك هذا المعنى,وعرف كيف ان المواضيع تتغير مما يستتبع تغير احكامها اما مجرد اعمال النظر في القديم الذي سبق للاخرين ان اعملوا فيه نظرهم ثم تبديل حكم من –على الاقوى- الى –على الاحوط- او بالعكس لا يستحق كل هذا الصخب والجدل)الاجتهاد في الاسلام ص 26 .
الملمح الاخر للعملية الاجتهادية في جهود المبدعين تقسيم الاحكام الى ثابت ومتغير , وضرورة التمييز بين انواع الحكم ,وهذا هو من اقدم الامور التي تم الاشارة اليها , كما نجدها في طرح ابن القيم من اعلام اهل السنة في كتابه اغائة اللهفان حيث يقول ( الاحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الازمنة ولا الامكنة ولا اجتهاد الائمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع للجرائم ونحو ذلك فهذا لا يتطرق اليه تغيير وى اجتهاد يخالف ما وضع عليه والنوع الثاني ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا ....)اغاثة اللهفان ج1 ص 349 وهذا ما اشار اليه من اجلة علمائنا العلامة المدقق السيد الطباطبائي قدس سره الشريف حيث فال ( عرفنا اجمالا ان الاسلام وزع احكامه وقوانينه ومقرراته الى قسمين متميزين هما: الاحكام الثابتة والاحكام المتغيرة...) در ساية اسلام وقران ص 119-125 وفي هذا البحث تفصيل رائع ومبتكر وينبغي ان نشير الى ان السيد العلامة يقول بان الاحكام الثايتة هي التي تتصل بالواقع الطبيعي للانسان,واثارها رحمه الله في بحثه عن الولاية والقيادة في الاسلام مبينا معنى الاحكام الولائية /بررسيهاي اسلامي ج1 ص 180-181 مؤوسسة الاعلام الاسلامي.
وفي العربية اشار الى تلك الابحاث المرحوك محمد جواد مغنية قدس سره في كتاب الاسلام نظرة عصرية ص 94 وما بعدها , علما انه رحمه الله يرى بان المعاملات تدخل باجمعها في باب المتغيرات وان الثابتة هي العبادات والارث واحكام الزواج والطلاق .وفي تفسير هذا البحث يقول الاستاذ يوسف القرضاوي( ان الثبات في الاهداف والمرونة في الاساليب والوسائل , الثبات في الاصول والكليات والمرونة في الفروع والجزئيات, الثبات في القيم الدينية والاخلاقية والمرونة في الشؤون الدنيوية والعلمية .....)الخصائص العامة للاسلام ص 200 وما بعدها .
وفي تفسير هذا البحث بعد الاتفاق النظري عليه , توجد تفاسير متعددة ادقها ما طرحه العلامة الطباطبائي قدس سره والشهيد الصدر في بحث منطقة الفراغ في اقتصادنا او كتابه الاخر الاسلام يقود الحياة .
طبعا لا يسعنا ذكر جميع ملامح المشروع الابداعي المكون لعملية الاجتهاد فسنكتفي بذلك ,ولمن يود الاستزاده العودة الى المصادر التي اشرنا اليها .
هذا هو ما نسمية ابداع العقل الاسلامي , ولكن للاسف الشديد فان هناك من يسطو على الفكر الجاد ليشوهة بطرح فاشل ,متناقض مع نفسه ونتائجه , ففرق كبير مثلا بين السيد الخميني والعلامة الطباطبائي والشهيد المطهري والشهيد الصدر قدست ارواحهم الطاهرة , الذين كانوا اساطين في العلوم العقلية والعرفانية,ومجمل علوم الحكمة المتعالية والتفسير , عندما يتصدون للبحوث الفقهية الاجتهادية وتحليل اليات العقل وعمله , يساندهم البرهان العقلي المتين و وعطر النص المقدس الذي يستنشقوه في كل لحظاتهم الوجودية , وبين لم يحقق مسئلة لغوية بسيطة تعد من اساسيات البحث التفسيري عن روح المعنى والغاية في اللفظ المطروحة في اشارات الشيخ الرئيس والمفصلة على ايدي الحكماء كما في تفصيلات السيد العلامة رحمه الله وغيره , وبين من غامر في –من وحي القران - فوقع في قضايا بسيطة اثبتتها النصوص القرانية لو انه اتقن مبادى التفسير قبل ان يخوض مغامراته التفسيرية , مما ادى به الى دعوى : انه يرى كل القران دليلا على نفي الولاية التكوينية , والقران ناطق بها كما اثبتناها في بحث تفسيري مستقل نشرته بعض المراكز في لبنان ودول الخليج.
ونحن انما نضع الاصبع على هكذا مواضع,لا بقصد المماحكة والجدل بل لتصحيح مسيرة فكر وتأسيس منهج نقدي هادف , فمثلا التخبطات الكبيرة التي نراها في عدة بحوث تستهويها الالفاظ دون ان تقف على ارض ثابتة يسبب ارباك لمسيرة العمل العمل النهضوي الجاد الذي يقوم به مفكرو وعلماء المسلمين,فننشغل بالضجيج اللغوي وننسى او نغيب عن الفكر العلمي الرصين,اضرب مثالا بتجربة الاستاذ محمد حسين فضل الله التي وصفها بانها: تجربة اصلاح تسير بين الالغام. فبعد رحلة طويلة بين كتاباته لم نجد ملامحا مميزة للفكر الناضج -كمشروع متكامل لا كاراء متفرقة-, سواء العبارات الكبيرة او ادعاء التواصل مع تجربة المطهري والشهيد الصدر رحمهما الله , اما استعمال الالفاظ الخلابة فهي بحسب تعبير ديكارت تزويق يحاول طمس الحقيقة.
اضافة الى غلبة الجانب اللفظي على مشروعه المذكور, فاستعمال الالفاظ في المناهج العلمية يعتمد الرصانة والدقة في نحت الالفاظ لكي لا يطغى عليها,الاسلوب الفضفاض فلسنا تناول جماليات اللغة في لعبة الادب ,لذا اسست في سبيل ذلك في العلوم مناهج تنحت المصطلحات بدقة,لمعرفة دلالتها كمباحث الالفاظ الاصولية وعلوم البلاغة في شقها القديم او شقها الحديث متمثلا بالمناهج النقدية المعاصرة ,فاستعمال مصطلح الاستيحاء في مشروع الاستاذ فضل الله مثال لغائمية الالفاظ التي لا تصلح في الدراسات العلمية,ناهيك عن المشاريع الجادة التي تحمل الامة هما في وجدانها,
فالانسان يصحح استعمال هذا الاسلوب في التعامل الدبلوماسي في السياسة كاجراء احتراسي وتكتيك للتراجع عند الحاجة ولكن الهم العلمي لا يتعامل بهذه الطريقة , اللهم الا اذا اسمينا ما ذكره الاستاذ فضل الله يوما من ان الكثير من اجوبته ميدانية ولا تمثل الاجوبة العلمية , عندما لا يكون لديه الاطلاع الكافي على الاسئلة التي توجه اليه .
فينبغي على الباحث اذن ان يبتكر منهجا جديدا ليميز بين جوابه الميادني وجوابه الحقيقي .

ملحوظة اعتمدنا في الكتابات الفارسية على ترجمة وتعريب الاخ الفاضل حيدر الجواهري والاستاذ الفاضل جواد علي فجزاهما الله خير الجزاء على جهودهماالكبيرة .

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003