متفرقــــــــات

 

المرجعية المؤسساتية !!



س11: تطرح في بعض الأوساط فكرة المرجعية المؤسساتية، بأن تشكل لجنة من العلماء، وينحصر بها مهمة اختيار المرجع الديني، ما هو نظركم إلى هذه الفكرة؟

ج: نظرتنا إلى هذه الفكرة تشابه نظرتنا إلى فكرة تعيين الخليفة على المسلمين من قِبَل أهل الحلّ والعقد التي تبناها المخالفون لخط أهل البيت (عليهم السلام). بل تلك الفكرة فرضت نفسها بالقوة اعترافاً بالأمر الواقع واستسلاماً له، وقد تحكمت القوة في تفسيرها وبيان حدودها، حتى بقيت بلا تفسير ولا حدود، وصارت عبارة أخرى عن تعيين الخليفة بالقوة باسم أهل الحل والعقد، وحتى آل الأمر بالنتيجة إلى اضمحلالها حين استغنت القوة عن الخلافة، فألغتها واكتفت بالسلطة.

أما المرجعية فحيث كانت دينية من أجل الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية وبراءة الذمة منها أمام الله تعالى وحصول العذر بين يديه يوم يعرضون عليه ويناقشهم يوم الحساب، فلابد من ابتنائها على الأدلة الشرعية الكافية التي تصلح حجة بين يدي الله تعالى يوم العرض الأكبر، والمرجعية الفردية ـ حيث يفترض حرية كل شخص في اختيار المرجع الذي يقلده ويقتنع بقيام الحجة الشرعية عليه ـ التي جرى عليها الشيعة هذه القرون الطويلة من عصور الأئمة إلى يومنا هذا قد ثبتت مشروعيتها بالأدلة والبراهين الكافية التي أجهد علماؤنا – رضي الله عنهم ورفع درجاتهم ـ أنفسهم في تشييدها على خلاف منهم في كثير من الخصوصيات، ولا يسع العامة إلا الاحتياط لأنفسهم ببذل الجهد لمعرفة من هو أهل للتقليد بالطرق الشرعية، كما يبذلون جهدهم لمعرفة سائر الموضوعات الشرعية، كعدالة إمام الجماعة الذي يصلّون خلفه، والشاهد الذي يقبلون قوله، وطهارة الماء الذي يتوضؤون به، وملكية الثياب التي يصلون فيها والأموال التي يتعاملون بها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

أما المرجعية المؤسساتية فلا يمكن فاعليتها دينياً إلا بإقامة الدليل الشرعي ـ الكافي في العذر ـ عليها وعلى جميع أركانها ومقوماتها، مثل من له حق تشكيل اللجنة، وتحديد صلاحيتها، من حيثية نصب المرجع فقط أو الرقابة عليه أو عزله إذا فقد الأهلية، وتحديد عدد أعضائها، ومرتبتهم من العلم والتقوى، وكيف يعرف ذلك فيهم، وما هو الموقف عند اختلافهم... إلى غير ذلك. ثم إذا كان الغرض من المرجعية المذكورة رفع الاختلاف فلابد من كون تلك الأدلة قطعية إجماعية غير قابلة للتشكيك والخلاف. ولا يظن بأحد توهم إمكان ذلك بعد أن مضى على عصر بيان التشريع أكثر من ألف عام من حين غيبة الإمام عجل الله فرجه. وهل من المعقول أن يغيب الإمام (عليه السلام) عن شيعته غيبة يتوقع طول أمدها ـ كما يظهر من النصوص ـ من دون أن تتضح لهم معالم مرجعيتهم في أحكامهم الشرعية التي يبتلون بها كل يوم بانتظار مرجعية تقترح بعد أكثر من ألف عام لا يعلم من يقترحها، ولا كيف يقترحها؟!

هذا كله من الجانب الشرعي. أما بملاحظة السلبيات والإيجابيات، فنحن لا ننكر السلبيات للمرجعية الفردية، الناشئة من عدم الضابط للتصدي للمرجعية، ومن تعدد المرجعيات وتباين وجهات النظر وعدم استفادة المرجعيات اللاحقة غالباً من إمكانيات المرجعيات السابقة، وغير ذلك، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يؤجج العاطفة نحو التغيير من دون موازنة بين البديلين ومقارنة بين إيجابياتهما وسلبياتهما والتدبر في الأصلح منهما والأجدى عملياً، فكم جرّ الاندفاع العاطفي إلى مآس وفجائع لا تدارك لها. وإن المرجعية الفردية ـ مع ما فيها من سلبيات ـ قد أثبتت جدارتها في قيادة التشيع وتكامل كيانه ورفع شأنه ووضوح حجته والحفاظ على واقعيته وعدم مساومته على مبادئه واستقلاله في دعوته من دون أن يسير في ركب القوى العالمية الفاعلة ويخضع لها أو يتجمد أمامها ويسكت عن فضحها.

والملفت للنظر أن الإسلام الذي أراد الله تعالى له الخلود والبقاء لتقوم به الحجة على الناس قد انشق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك الانشقاق المعهود الخطير، فكانت الغلبة لمن استلم السلطة وصار هو الممثل للإسلام الناطق باسمه في دعوته وفتوحه وغنائمه ومكاسبه، وكان الإسلام الشيعي ـ الذي غرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذرته المباركة في أول الدعوة وأقام قواعده وأكملها في أواخر حياته ـ محتضَراً يكاد يلفظ أنفاسه قد تمسكت به القلة المؤمنة المغلوبة، وهي لا تستطيع أن تنطق باسمه، لأنه غير معترف به على أرض الواقع، ثم استرد التشيع أنفاسه وبدأ مسيرته الهادئة بعناية الله تعالى وصبر الأئمة (عليه السلام) وحكمتهم وثبات شيعتهم والتضحيات الجسام التي حصلت من أجل ذلك، حتى فرض نفسه على أرض الواقع وبدأ الاعتراف به تدريجاً والتعامل معه على أساس هذا الاعتراف، إلى أن ظهر على الساحة العالمية الآن وإذا به الممثل الحق للإسلام، الناطق بدعوته، والذي تخشاه قوى الكفر العالمية وتجندت لمحاربته مستعينة ببعض الفرق الشاذة المنتسبة للإسلام، وبذوي النفوس المريضة والاتجاهات المنحرفة، وليس له من قائد بعد غياب القيادة المعصومة إلا المرجعية الفردية معتضدة بتسديد الله تعالى ورعاية إمام العصر (عليه السلام) الذي ينتفع به في غيبته كما ينتفع بالشمس إذا غيبها السحاب. ونستطيع أن نتعرف على أهمية هذه القيادة التي استمرت ما يقرب من أحد عشر قرناً إذا قارنّا التشيع حين استُلمت قيادته بالتشيع في هذا العصر، ولاحظنا صفاءه ونقاءه وما حصل عليه من مكاسب كبيرة على أرض الواقع في هذه المدة الطويلة. ويزيد ذلك وضوحاً بالمقارنة مع بقية طوائف المسلمين، وكيف كانت ثم أين انتهت في مسيرتها هذه المدة الطويلة.

ومن النكات المضيئة المثيرة للدهشة والإعجاب بهذه المرجعية أن التشيع الذي كان محروماً من السلطة قروناً طويلة قد قامت له في إيران قبل عدة قرون دولة قوية قد باركتها المرجعية وانسجمت معها مدة من الزمن، إلا أنها لم تنصهر بها ولم تندمج معها، كما اندمجت المؤسسات الدينية لبقية فرق المسلمين مع الدول التي قامت باسمها، بل بقيت المرجعية في دور الرقيب متمسكة بمبادئها وكيانها محاولة تعديل مسيرة الدولة ما وجدت لذلك سبيلاً، فإذا لم تستجب لها أنكرت عليها ورفضت مواقفها، ووقفت منها كما تقف من الدول الأخرى، وإن سبّب ذلك للمرجعية المتاعب والمصاعب وعرّضها للمآسي والفجائع. كل ذلك لأصالة هذه المرجعية وصلابتها، ولأن نظامها ـ غير المنضبط بضوابط محددة ـ لا يمكن السيطرة عليه ولا يتيسر تسييره في فلك الدولة أو غيرها.

وتتجلى ثمرة ذلك في مقارنة ظاهرة بين مصطفى كمال (أتاتورك) في تركيا ورضا بهلوي في إيران فقد جاءا في وقت واحد بعد اكتساح قوى الاستعمار الغربي الكافر للشرق الإسلامي، وهما يحملان مخططاً واحداً للقضاء على البقية الباقية للإسلام في المنطقة، وزاد مصطفى كمال على رضا بهلوي بإلغاء الخلافة التي لها قدسية خاصة عند المسلمين، وبإعلان علمانية الدولة، وبفصل الأتراك عن تراثهم الثقافي بتبديل الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية. ونجح في مشاريعه وبقيت نتائجها إلى الآن، ومع ذلك فهو حتى الآن له شعبية في تركيا لا يستهان بها. أما رضا بهلوي فقد ارتد خاسئاً في مخططه وصار لعنة الشعب الإيراني في عهد الحكم البهلوي، فضلاً عما بعد زواله. على أن حكمه أطول مدة، وهو على الدين أخف وطأة. وهناك كثير من النكات المضيئة في مسيرة هذه المرجعية عبر القرون الطويلة والمنعطفات التاريخية الهامة يضيق المقام عن التعرض لها، ويستطيع الباحث المنصف التعرف عليها.

أما المرجعية المؤسساتية ـ بمعنى أن تقتصر الشرعية على اختيار هذه المؤسسة ـ فهي لم تمرّ حتى الآن بالتجربة على أرض الواقع الشيعي، ولا يمكن أن تمر بها بعد ما سبق من الحديث عن الجانب الشرعي، إلا أنها تبقى فكرة وأمنية تثار ـ بحسن نية أو بسوء نية ـ ضد المرجعية الفردية عند ملاحظة السلبيات التي سبقت الإشارة إليها، والتي قد تضخم من أجل تأجيج العواطف ضدها للقضاء عليها أو أتعابها في مسيرتها، مع الغفلة أو التغافل عن سلبيات المرجعية المؤسساتية وأهمها أن حصر حق القرار بمؤسسة خاصة يحمل المنحرفين للتسلل إلى تلك المؤسسة لأنهم وحدهم القادرون على سلوك الطرق الملتوية من الغش والرشوة والكذب والتهريج والتشنيع والتخويف وغير ذلك مما يترفع عنه ذوو المبادئ وأهل الاستقامة، فإذا تسللوا وسهل عليهم السيطرة على المؤسسة واستحصال قراراتها لصالحهم بطرقهم الملتوية التي أشرنا إليها ،كما حدث في الشورى التي كان حصيلتها خلافة عثمان واستيلاء بني أمية الشجرة الملعونة على مقدرات الإسلام والمسلمين، وحينئذٍ يستطيعون حرف مسيرتها والتخلي عن مبادئها، ولم يخشوا إنكار المنكرين بعد أن كان القرار لهم وحدهم، ولا شرعية لحديث غيرهم. ومن هنا يسهل على الأعداء التسلل للمؤسسة بأنفسهم أو بمن يتعاون معهم من المنحرفين ومرضى القلوب وضعاف النفوس وذوي الأطماع، ثم السيطرة عليها وتسييرها لصالحهم. وبذلك يفقد التشييع المرجعية المخلصة التي سارت به أكثر من ألف عام في طريق الله تعالى وقادته إلى موقعه الآن حيث صارت عبئاً على الظالمين ومثيرة لقلقهم.

ويكفينا عبرة ودليلاً على ذلك أن ننظر إلى المؤسسات الدينية والإنسانية والحكومية والدولية لنجدها قد انحرفت عن أهدافها النبيلة التي كان المفروض أنها قد أسست من أجلها بل تخلت عنها، لتكون من مؤسسات الشرور والفساد أو السائرة في ركاب ذوي الشرور والفساد أو المنسقة معهم. وأول مؤسسة في الإسلام مؤسسة الشورى التي كان أعضاؤها من (السابقين الأولين)، ثم مؤسسة التحكيم، ثم بقية المؤسسات الدينية المنتسبة لفرق الإسلام، ومؤسسة الفاتيكان وغيرها من مؤسسات الأديان الأخرى، ومؤسسة عصبة الأمم المنحلة وخليفتها مؤسسة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما يتبعهما من مؤسسات، وكذا المؤسسات البرلمانية للدول كيف يتم التلاعب بها، بل حتى مثل مؤسسة جائزة نوبل من المسيطر عليها وإلى صالح من تصير؟! إلى غير ذلك مما لا يحصى.

ولا زلت أتذكر قضية طريفة وقعت في الثمانينات الهجرية بعد أن قامت المرجعية بدورها المشرِّف في مقاومة المدّ الشيوعي في العراق، وما استتبع ذلك من تأجج عواطف المتدينين نحوها وانشدادهم لها، وقد نغصتهم سلبيات تعدد المرجعية التي قد تعيق المرجعية العامة عن بعض مشاريعها أو تجعلها تتعثر في طريقها. وقد سافر بعض التجار المتدينين المتحمسين من ذوي الشهامة والخدمات الدينية – وممن أكن له شخصياً المودة والاحترام حتى الآن ـ إلى الدول الأوربية منتقلاً بينها ورجع، فجمعني معه مجلس كنت أرتاده كثيراً، فرأيته معجباً بالنظام البابوي في الفاتيكان، وقال متحسراً لوضع المرجعية الشيعية –وبحسن نية ـ ما مضمونه: يدخل الكرادلة مجمعاً لهم لا يخرجون منه إلا بتعيين البابا، ثم لا خلاف ولا نزاع. وقد منعني الجو الانفعالي والتأجج العاطفي من التعليق على حديثه، فسكت على مضض.

ولم تمر مدة طويلة ـ سنتان أو أكثر أو أقل ـ وإذا بالبابا يصدر قراره بتبرئة اليهود من دم المسيح وبحذف كل ما يسيء إلى اليهود من الكتاب المقدس والتعاليم الدينية، وكثر الحديث عن ذلك وعن دوافعه، وجمعني بذلك التاجر المؤمن نفس المجلس، ولعله بحضور أكثر الجماعة الذين سمعوا الحديث الأول، وإذا به منفعل من الموقف المذكور يوجه تهماً قاسية في الدوافع وراء قرار البابا، وهنا رأيت المناسب تذكيره بحديثه السابق، فقلت بتبسط معه ما مضمونه: يا حاج ليس لك الحق في ذلك، فأنت هنا وفي هذا المجلس بالذات وقبل مدة قريبة كنت معجباً بالنظام البابوي وقلت كذا وكذا ثم قلتُ له: إن ذلك النظام هو الذي أوصل إلى هذه النتيجة، وتم بيننا حديث ودي طويل حول ذلك.

ولا يخفى على المؤمنين سددهم الله تعالى وأعانهم في محنتهم أن الخلاف أمر طبيعي وقد عاش الأئمة المعصومون (عليهم السلام) مع شيعتهم متواصلين معهم مدة لا تقل عن ثلاثة قرون، ورأوا الخلاف بين شيعتهم عن حسن نية أو سوء نية، وشكوا من ذلك، كما شكى منه شيعتهم، وهم على علم بطول أمد الغيبة وتعقد الأمور على الشيعة فيها، فلو كان هناك نظام للمرجعية أصلح من المرجعية الفردية لما جهلوه، ولو عرفوه لما بخلوا به على شيعتهم في محنتهم، وكل ما فعلوه (صلوات الله عليهم) هو التأكيد على الإخلاص في العمل والخوف من الله تعالى والتحذير من حب الظهور والرئاسة ونحو ذلك مما يرجع لتهذيب النفوس وإصلاحها.

وفي الحقيقة أنه بعد غياب القيادة المعصومة وتعرض القيادة للخطأ المتعمد أو غير المتعمد، فالمرجعية الفردية، حيث تبتني على إيكال تشخيص من هو أهل للمرجعية لعامة الناس من دون أن يفرض عليهم فرضاً فهي تبتني في الوقت نفسه على أمرين مهمين:

الأول: رقابة عامة الناس على المرجع، فمن لا يعجبهم سلوكه ينكرون عليه ـ ولو في أنفسهم ـ ويعرضون عنه ويتجهون إلى غيره.

الثاني: فسح مجال التصدي لأهل الإخلاص والواقعية والاستقامة ممن يهتم بخدمة المبدأ. وحينئذٍ يبقى للحق ولأهله صوت ودعوة، وتقوم به على الناس الحجة. كما أنه يمنع من شدة الانحراف والبعد الكثير عن الحق، لأن وجود حق ظاهر ناطق يفضح الباطل. أما المنحرفون في سلوكهم فإنهم لو استطاعوا أن يجمعوا حولهم الناس ويقنعوهم ـ بطرقهم الملتوية أو بكفاءاتهم الشخصية ـ مدة من الزمن، إلا أن الحق بقوة حجته وبواقعية حَمَلته يعري الانحراف والزيف، فيتراجع إليه من يستيقظ ضميره وتقوم الحجة به على غيره، وهكذا يبقى الحق خالداً مستمراً في دعوته، إليه يرجع الغالي وبه يلحق التالي، وعنه يهلك المبطل.

أما المرجعية المؤسساتية فهي تسد الطريق على الغير، فلا يعترف به وإن كان محقاً في دعوته مخلصاً في عمله مستقيماً في سلوكه، فإذا انحرفت خفي على الناس انحرافها، لعدم وجود حق ظاهر، ليقارن بها ويفضحها. ولو ظهر انحرافها لبعض أهل المعرفة والتمييز لم يجدوا حقاً يلجؤون إليه ويستضيؤن بنوره، ولا يقبل منهم الإنكار، لأنه خروج على الشرعية المفروضة. وبمدة قليلة تضيع معالم الحق وتندرس آثاره، ويفرض الباطل نفسه على أرض الواقع ويتحرك كيف يشاء مستغلاً شرعيته المفروضة، وليس لله تعالى في مقابله دعوة ظاهرة ولا حجة ناطقة.

ولعل هذا هو السر في قِصَر الفترة بين نبي الله عيسى (عليه السلام) وبعثة نبينا (صلى الله عليه وآله) وفي طول أمد الغيبة، فإن معالم الدين الحق بعد عيسى (عليه السلام) ضاعت بسبب تشكيلة المرجعية الدينية المسيحية، حيث انحصرت بمؤسسات لا يعترف بغيرها، وبانحرافها عقيدياً وعملياً انحرفت المسيحية كلها، ولم يبق لله تعالى ناطق بالحق تقوم به الحجة على الناس، كما يشهد بذلك ما ورد في حديث إسلام سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، فكان مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه أن يجدد الحجة على الناس ببعثة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله).

أما في عصر الغيبة فالحجة باقية ببقاء دعوة التشيع المتكاملة المتناسقة، وببقاء المرجعية الفردية الحرة الحاملة لها والناطقة بها والداعية إليها، المسددة بعناية الله تعالى ورعاية إمام العصر أرواحنا فداه، والتي تستطيع بحقها وواقعيتها فضح الباطل والمبطلين والانحراف والمنحرفين والإنكار عليهم وبيان زيغهم وباطلهم {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}.

وحسب تقديرنا فإن الدعوة للمرجعية المؤسساتية دعوة غير عملية بعد فقدها للدليل الشرعي القاطع، ولا أثر لها إلا إتعاب المرجعية الفردية الحرة التي تمتلك وحدها الشرعية، واستغلال بعض السلبيات فيها وتضخيمها من أجل إغفال الناس عن واجبهم الشرعي وإشغالهم بنظرية قد تمتلك من جمال الطرح ما يغفلهم عن التبصر فيها والتعرف على مخاطرها، مستغلين حسن نية الكثير منهم وتأجج عواطفهم ورغبتهم في الإصلاح.

وكان الأولى بمن يدعو للمرجعية المؤسساتية الآن ـ من ذوي النية الحسنة ـ تجنباً لسلبيات المرجعية الفردية الحرة أن يدعو بَدَلَ ذلك للواقعية والإخلاص وقوة التدين في المرجع وفي الهيئة العاملة معه، مع الاهتمام بمراعاة الموازين الشرعية في الدعوة لتقليد المرجع، وفي الاستجابة لتلك الدعوة من قِبَل المؤمنين.

أولاً: لأهمية ذلك في أداء الوظيفة الشرعية والخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى، على ما بسطنا الكلام فيه في مقدمة رسالتنا العملية، وفي رسالتنا التي وجهناها لطلاب العلم والمبلغين بما لا يسع المجال للتعرض له هنا.

وثانياً: لأن ذلك من أهم أسباب الفيض الإلهي في توفيق المرجعية وتسديدها، لأن الله تعالى مع عبده المؤمن ما دام العبد معه، وكما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

وثالثاً: لأن للواقعية والإخلاص أكبر الأثر في تخفيف سلبيات تعدد المرجعية. وهناك نكات مضيئة في تاريخ المرجعيات السابقة والمعاصرة نتيجة الإخلاص والواقعية تكفي عبرة في ذلك، فقد كان الانسجام بين المرجعيات على أشده في أوائل القرن الثالث عشر الهجري في عصر مرجعية الشيخ كاشف الغطاء وإخوانه، واشتهر عن الشيخ صاحب الجواهر أنه أرشد لتقليد الشيخ الأنصاري من بعده مع أنه لم يكن من جماعته ولا من أتباع مدرسته، وكذلك اهتمام السيد الشيرازي الكبير بالمرجع المعاصر له الشيخ محمد حسن آل ياسين، ودعم مراجع النجف الأشرف للسيد المذكور. وقد عاصرنا مرجعيتي سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم وشيخنا المعظم الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سرهما)، فكان التعاون والتنسيق والاهتمام المشترك بينهما مثالياً رائعاً. ولا زلنا نلمس إلى اليوم تأثير الإخلاص والواقعية في انسجام المرجعيات والتعاون بينها لتجنب السلبيات والمفارقات. ولا يسعنا إحصاء ذلك فقد طال بنا الحديث.

نعم نودّ أن نشير في ختام هذا الحديث إلى أهمية اعتماد المرجع الديني على ذوي الاختصاص والتقوى والاستعانة بهم واستشارتهم، وتقسيم الأعمال على اللجان المختصة، لأن المسؤولية أكبر وأعقد من أن يستقل بها شخص واحد ، خصوصاً في العصر الحديث وتعقيداته. وكذلك دعمه ورعايته للعاملين المستقيمين في المؤسسات والمراكز والمشاريع الإسلامية المتنوعة.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد المخلصين في دعوتهم وعملهم وينفع بهم، إنه ولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المصدر :

"المرجعية الدينية " لآية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله الشريف ..

http://www.alhakeem.org/arabic/mrg/mrg1/index.htm

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003