2. انظر تاريخ الطبري: 2/458.
( 15 )
البيعة من علي وأهل بيته بالقوة والعنف والتهديد، وذلك عندما اجتمع رجال من بني هاشم في بيت علي معترضين على هذا النوع من البيعة.

وهناك ظهرت حوادث مريرة للغاية، وقد سكت قسم من المؤرخين عن سردها خوفاً ورهبة أو تزلّفاً وطمعاً.

وهناك من أخذته الحمية في الدين فسجلوا تلك الوقائع بنحو موجز، وهم على قسمين:

أ. من اقتصر على ما دار بين علي والبيت الهاشمي مع عمر من مناشدات واحتجاجات وتهديدات.

ب. من أزاح الستار عما قام به عمر بن الخطاب من أخذ البيعة بالعنف حتى انتهى الأمر إلى إحراق الباب وكسره وما تلاه من حوادث.

فها نحن نذكر كلمات كلا الفريقين ليعلم أنّ حديث الباب وشهادة بنت المصطفى من جراء تلك القلاقل ليست أُسطورة تاريخية وإنّما هي حقيقة تاريخية.
***

قد قرأت في هذه الأيّام مقالاً لبعض الكتاب الجدد، نقل فيه شيئاً من فضائل الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ ليكون ذريعة لما يريد إثباته وهو انّ
( 16 )
شهادة الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ أُسطورة تاريخية لا نصيب لها من الحقيقة، ومن أمعن في المقال يقف على أنّ الكاتب لا خبرة له في التاريخ، وقد جرّه رأيه المسبق إلى إنكار الحقيقة الساطعة، ولأجل ذلك ارتأينا أن نضع امام القارئ مصادر متقنة تُثبت شهادتها وهتك حرمتها.

ويدور بحثنا حول محاور ثلاثة:

الأوّل: عصمة الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ في لسان النبي.

الثاني: المكانة الرفيعة لبيت الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ في القرآن والسنّة.

الثالث: الحوادث المريرة التي جرت عليها عقب وفاة أبيها الرسول الأعظمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

الأوّل: عصمة الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ على لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

حظيت الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ بمقام رفيع عند الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، حتّى قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في حقّها:

«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني»
(1)

إنّ إغضاب النبي
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يستعقب إيذاءه، و من آذاه فقد حكم عليه بالعذاب الأليم، قال سبحانه:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1. فتح البارى في شرح صحيح البخاري:7/84، وأيضاً صحيح البخاري:4/210 دار الفكر، بيروت.
( 17 )
(وَالّذينَ يُؤْذُونَ رَسُول اللّه لَهُمْ عَذابٌ أَليم).(1)

وفي رواية أُخرى، بيّن انّ غضب الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ ورضاها يوجب غضب اللّه سبحانه ورضاه، فقال:

«يا فاطمة إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»
(2)

فأية مكانة شامخة للزهراء
ـ عليها السَّلام ـ حتّى صار غضبها ورضاها ملاكاً لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما انّه عادل و حكيم لا يغضب إلاّ على الكافر والعاصي، ولا يرضى إلاّ على المؤمن والمطيع.

وفي ظل تلك الكرامة أصبحت في لسان النبي
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سيدة نساء العالمين، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:

«يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء هذه الأُمّة، وسيدة نساء المؤمنين»
(3)

وعلى الرغم من أنّ الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ معصومة لا تعصي ولا تذنب،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1. التوبة:61.
2. مستدرك الحاكم:3/154; مجمع الزوائد:9/203، وقد استدرك الحاكم في كتابه الأحاديث الصحيحة حسب شروط البخاري ومسلم ولكن لم يخرجاه. وعلى ذلك فهذا الحديث صحيح عند الشيخين وهو متفق عليه.
3. لمستدرك للحاكم:3/156.
( 18 )
ولكنّها ليست بنبيّة، إذ لا ملازمة بين العصمة والنبوة، وهذه هي مريم البتول العذراء فهي معصومة بنصّ الكتاب الحكيم لكنّها ليست بنبية.

امّا انّها معصومة، فلقوله سبحانه في حقّها:
(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَة يا مَرْيَم إِنَّ اللّه اصْطَفاكِ وَطهَّركِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءْ العالمين)(1)

فانّ الأخبار عن تطهير مريم بعد اصطفائها دليل على تطهيرها من الذنوب ومخالفة شريعة زمانها.

وامّا انّها ليست بنبية فأمر واضح لا يحتاج إلى بيان. فلتكن بنت خاتم الرسل سيّدة نساء العالمين، كمريم البتول معصومة غير نبيّة.

ولنقتصر في بيان فضائل الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ بهذا القدر اليسير، فانّ استيفاء البحث فيها بحاجة إلى تصنيف مفرد.

الثاني: المكانة الرفيعة لبيت الزهراء
ـ عليها السَّلام ـ في القرآن والسنّة

نزل قوله سبحانه:
(في بُيُوت أَذِنَ اللّه أَنْ تُرفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(2) على قلب سيد المرسلين وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المسجد الشريف،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1. آل عمران:42.
2. النور: 36 .
( 19 )
فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول اللّه؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي و فاطمة عليمها السَّلام ـ قال: «نعم، من أفاضلها»
(1)

فقوله سبحانه:
( في بيوت) ظرف لما تقدمه من قوله (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْباح المِصباح في زُجاجة...)(2) فالنور الذي نوهت به الآية بما له من صفات، مصدر إشعاعه هذه البيوت التي أذن اللّه أن ترفع، فكيف لا يكون لها منزلة وكرامة.

قال السيوطي: أخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عن أُمّ سلمة
ـ رضي الله عنها ـ قالت: في بيتي نزلت: (إِنّما يُريدُ اللّه لِيذهبَ عَنْكُمُ الرِّجْس أَهْل البَيْت) وفي البيت فاطمة، و علي و الحسن، والحسين ـ عليهم السَّلام ـ ، فجلّلهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكساء كان عليه، ثمّ قال:« هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».

وقال أيضاً: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس: انّ رسول اللّه
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يمرّ بباب فاطمة ـ عليها السَّلام ـ إذا خرج إلى صلاة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1. الدر المنثور:6/203، تفسير سورة النور; روح المعاني:18/174.
2. النور:53.
( 20 )
الفجر، ويقول: «الصلاة يا أهل البيت الصلاة
(إِنّما يريدُ اللّه لِيذهب عنكمُ الرِّجس أَهل البيت وَيُطهّركُمْ تَطهيراً)(1)
فإذا كانت هذه منزلة البيت وكرامته عند اللّه، فيعد اقتحامه وكشفه من أكبر الذنوب وأقبحها.

لكن لم تُراعَ وصية النبي
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في احترام هذا البيت وأهله ، وشهد حوادث مريرة تعرض لها جمع من المؤرخين والمحدّثين ننقل نصّ أقوالهم حسب التسلسل الزمني.

والمؤرخون في المقام على طائفتين:

فطائفة تعرضت لمحاولات الترويع والت آمر المبيّت والنوايا الخبيثة.

وطائفة أُخرى أشارت بمزيد من التفصيل لتلك المحاولات وما أعقبها من حوادث .

وخصصنا الفصل الأوّل لذكر أسماء الطائفة الأُولى وأقوالهم، كما خصصنا الفصل الثاني لذكر أسماء الطائفة الثانية وأقوالهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1. الدر المنثور:6/604ـ 605، ط دار الفكر، بيروت; المصنف:7/527.