فضل الله ويوسف (ع)

     

 يقول السيد فضل الله في تفسيره لسورة يوسف :
"{وَهَمَّ بِهَا} في حالة شعورية طبيعية ، يتحرك فيها الإنسان غريزياً من دون تفكير ، لأنّ من الطبيعي لأيّ شاب يعيش في أجواء الإثارة أن ينجذب إليها ، تماماً ، كمن تتحرك غريزة الجوع في نفسه بكل إفرازاتها الجسدية عندما يشمّ رائحة الطعام ، وهذا أمر يلتقي فيه المؤمن بغير المؤمن ..." ( من وحي القرآن ) .

التعليق :

يقول سماحة المرجع الميرزا جواد التبريزي في ( الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية ) :
"معتقد الإمامية أنّ العصمة هي أن يكون لدى النبيّ أو الإمام حد من العلم بعواقب المعصية وأثرها السيئ بحيث يمتنع عن فعلها ولا يرغب فيها ولا يميل إليها أصلاً مع قدرته على ارتكابها ; فمثلاً الإنسان العادي إذا أدرك أضرار شرب البول فإنّه كما يمتنع عنه باختياره فكذلك يعرض عنه إعراضاً تاماً بحيث لا يميل ولا يرغب فيه ، لعلمه بخبثه وقذارته مع قدرته على شربه ، وكذلك العصمة ، فإنّ المعصوم كما أنّه لا يقدم على المعصية فإنّه لا تنقدح في نفسه الشريفة رغبة فيها ولا ميل إليها ; لعلمه بخبثها وقذارتها . وأمّا المقصود بقوله تعالى : (وهمّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه) فهو أنّ الإغراء الّذي حصل ليوسف (عليه السلام) مقتض للميل والهم والرغبة ، إلا أنّ يوسف (عليهم السلام) لمّا كان متحلياً بنور العصمة ومطّلعاً على برهان ربّه من أول أمره ، لم يقدم على المعصية ولم يقع في نفسه همّ ولا ميل إليها ; لأنّ أصل الهم كان معلقاً على عدم رؤية برهان ربّه الذي هو نور العصمة" .
ويقول المرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني في ( مقدمة في أصول الدين ) :
"منشأ الخطأ والذنب ضعف العقل والإرادة ، وعقل النبي كامل ، لأنه باتصاله بالوحي وصل إلى حق اليقين ، وصار يرى الأشياء على واقعها كما هي ، وإرادته لا تتأثر إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى ، فلا يبقى في شخصيته مجال للخطأ والذنب" .
ووضح الشيخ جعفر السبحاني العصمة بهذا المثال ، قائلاً :
"مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل ، كما أنّ كثيراً من اللصوص لا يقومون بالسرقة في منتصف الليل متسلحين لانتهاب شىء رخيص ، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وإن عرضت عليهم مكافآت مادية كبيرة ، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفاعيل المنكرة غير موجودة في نفوسهم ، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها ، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً" ( الإلهيات ) .
ويقول في ( عصمة الأنبياء في القرآن الكريم ) :
"لا شك أن التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي ، فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال ، وذميم الفعال على وجه الإطلاق ، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية ، فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره" .
ويقول الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي في ( دروس في العقيدة الإسلامية ) :
"لا نعني بعصمة الأنبياء أو غيرهم ، عدم ارتكاب المعصية فحسب ، إذ من الممكن أن لا يرتكب الفرد العادي معصية خلال عمره كله ، وخاصة لو كان عمره قصيراً ، بل نعني به توفره على ملكة نفسانية قوية ، تمنعه من ارتكاب المعصية حتى في أشد الظروف ، وهي ملكة تحصل من وعيه التام والدائم بقبح المعصية ، وإرادة قوية على ضبط الميول النفسية" .
لاحظ الفرق بين تعريف هؤلاء العلماء للعصمة وتعريف السيد فضل الله إذ يقول :
"المعصوم ينطلق بإرادته نحو الطاعة , ولكن إذا أراد المعصية فإن الله يعصمه في ذلك عندما تتوفر ظروف المعصية فإن الله يخلق حواجز تصده عن المعصية . فليس معنى العصمة أنه هنا لا يملك الاختيار بل هو يملك أن يفعل , ولكنه عندما يتوجه الضعف البشري في نفسه فإن الله يتدخل فالله يعصمه من ناحية داخلية وقد يعصمه من ناحية خارجية" ( في رحاب أهل البيت ص408 ) .
وأيضاً ، يقول الأستاذ السيد كمال الحيدري في ( عصمة الأنبياء في القرآن الكريم ) في الآية الكريمة "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين" :
"... بل إن قصد الذنب أو التوجه النفساني لارتكاب المعصية سيكون قبيحاً أيضاً ، والسوء بكل معانيه مصروف عن الأنبياء عليهم السلام كما قررته الآية المباركة في سورة يوسف عليه السلام" .
ثم يقول :
"لأجل أن يضع القرآن أيدينا على هذه الحقيقة المتمثلة بعدم وجود الميل النفساني للسوء والفحشاء في نفس يوسف عليه السلام أصلاً ، فقد عبرت الآية الكريمة بجملة : (لنصرف عنه السوء) ولم تقل : (لنصرفه عن السوء والفحشاء) .
تنسجم هذه الحقيقة انسجاماً تاماً مع ما قدمناه في بيان معنى (المخلَصين) ، بمقتضى أن من وٌجد عنده الميل النفساني نحو المعصية وارتكاب الذنب سوف لا يكون مخلَصاً ، بل مشوباً .
فلا يمكن أن يُدّعى إذاً أن نبي الله يوسف عليه السلام قد همّ بامرأة العزيز هماً نفسانياً نحو المعصية ، لأن ذلك مصروف عنه بنص القرآن الكريم .
مضافاً إلى أن الاعتقاد الصحيح في مسألة العصمة يتمثل في أن المعصوم تنكشف له حقائق المعاصي وبواطن الذنوب على ما هي عليه من القبح ، وحينئذ فلا معنى لأن يهمّ بالمعصية أو يفكر فيها فضلاً عن أن يقوم بها فعلاً .
فهل فكّر أحد منا بأن يشرب السم يوماً ما ؟ أو فكّر بأن يرمي نفسه في أحضان النار الملتهبة ؟! فالمعصوم ليس من يعصي الله تعالى فقط ، بل هو لا يفكر في ذلك بتاتاً" .
وقد علمنا الإمام السجاد (ع) في دعاء التوبة :
"اللهم إني أتوب إليك في مقامي هذا ، توبة من لا يحدث نفسه بمعصية" .
"اللهم وإني أتوب إليك من كل ما خالف إرادتك أو أزال عن محبتك من خطرات قلبي ولحظات عيوني ، وحكايات لساني" .
( أترك البحث حول العصمة ومعناها وحقيقتها للعلماء المختصين )

وبعد تلك العبارة بقليل يقول فضل الله :
"وهكذا نتصور موقف يوسف ، فقد أحسّ بالانجذاب نحوها لا شعورياً ، وهمّ بها استجابةً لذلك الإحساس ، كما همّت به ، ولكنه توقّف وتراجع" .

وهنا نقف ونتساءل في قوله "وهم بها استجابة لذلك الإحساس" :
إن كان الهم هنا هو ذلك الإحساس والانجذاب اللاشعوري فكيف يستقيم المعنى :
انجذب إليها غريزياً استجابة لذلك الإحساس الانجذابي الغريزي !

ويقول : "أن الطوق بدأ يضيق ويحاصره إلى درجة لا يستطيع فيها أن يتناسى على اعتبار أنه استنفذ كل طاقاته في المقاومة ، وهذا يجعلنا نشعر بالعذاب الذي كان يعيشه يوسف في مقاومته لإغراء هذه المرأة ..."
( دنيا الشباب ص36 ) .

هل يليق بنبي الله الكامل المعصوم وصفه بأنه ( استنفد كل طاقاته في المقاومة ) و ( عاش العذاب ) ؟!
والأمر الآخر هو : كيف استفاد ذلك فضل الله من كتاب الله ؟! أي جملة منه دلت عليه ؟ بل هو صريح في صرف السوء والفحشاء عنه (ع) .

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت