موسى (ع) ورؤية الله عز وجل

     

 من موقع بينات ، تحت عنوان ( عقائد ومفاهيم ) :
س: إذا كان النظر إلى الله تعالى محالاً ، فكيف يصدر طلبه من الأنبياء كموسى (ع) في قوله : {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف:143] ، فهل أن الأنبياء يمثلون القمّة في ذلك ؟
ج: "المشهور بين المفسرين أنه ليس طلباً ذاتياً ، ولكنه من أجل إقامة الحجة على قومه ، ولكننا لا نستبعد أن يكون هذا السؤال من موسى (ع) لنفسه ، لأنه من الممكن أن لا يكون قد مضى في خاطر موسى هذا التصوّر التفصيلي للذات الإلهية في أنه ليس ممكن الرؤية ، لأنه تعالى ليس بجسم ، وهذا ما يُعطينا معنى التكامل التدريجي للتصورات العقائدية في شخصية الرسول ، والله العالم" .

التعليق :

هل يعقل أن نبي الله وحجته على خلقه وأحد أولي العزم تغيب عنه هذه الصفة العقلية البديهية لله سبحانه ، بأنه لا يُرى ولا تدركه الحواس ولا يقيده مكان ؟ إن ذلك لا يليق حتى للأفراد العاديين فكيف بصاحب هذا المقام العظيم ؟!
إن موسى (ع) لم يصل إلى مقامه إلا بمعرفة الله وصفاته حق المعرفة ، عن أمير المؤمنين عليه السلام :
"أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ ، وَكَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ،وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، [وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ، ]وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ قَالَ : «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَمَنْ قَالَ : «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ.كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم ، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة ، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَة ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالاْلةِ ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ" ( نهج البلاغة ) .
فهل يمكن الاحتمال بأن نبي الله موسى عليه السلام وهو أحد أولي العزم ، كان يعاني نقصاً في معرفة الله والتصديق به وتوحيده ؟
قال الشيخ الصدوق في ( التوحيد ) :
"إن موسى عليه السلام علم أن الله عز وجل لا يجوز عليه الرؤية ، وإنما سأل الله عز وجل أن يريه ينظر إليه عن قومه حين ألحوا عليه في ذلك ..." .
وفي رواية الصدوق :
"كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟ فقال الرضا عليه السلام : فقال الرضا عليه السلام : إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى عن أن يرى بالاَبصار ، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجياً رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين ألفاً ، ثم اختار منهم سبعة آلاف ، ثم اختار منهم سبعمائة ، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه ، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل ، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور ، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه ، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام ، لاَن الله عز وجل أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه ، فقالوا : لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة ، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا ، فقال موسى : يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا : إنك ذهبت بهم فقتلتهم لاَنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله ، إياك فأحياهم الله وبعثهم معه فقالوا : إنك لو سألت الله أن يريك تنطر إليه لاَجابك ، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ! فقال موسى عليه السلام : يا قوم إن الله لا يرى بالاَبصار ولا كيفية له ، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه . فقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى عليه السلام : يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم فأوحى الله جل جلاله إليه : يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم ، فعند ذلك قال موسى عليه السلام : رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ، وهو يهوي ، فسوف تراني ، فلما تجلى ربه للجبل بآياته جعله دكاً وخر موسى صعقا ، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ، يقول : رجعت إلي معرفتي بك عن جهل قومي ، وأنا أول المؤمنين ، منهم بأنك لا ترى" .
قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره ( الأمثل) :
"ومن القرائن الواضحة التي تؤيد هذا التفسير ما نقرأه في الاية (155) من نفس هذه السورة , من أن موسى (ع ) قال بعدما حدث ما حدث : (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)" .
يقول السيد جعفر مرتضى العاملي في ( خلفيات ج2 ) :
"إن موضوع رؤية الله سبحانه ، وصفاته ، وأصول العقيدة ، هي من الأمور التي يدركها العقل ، وبه تعرف ، وليست مما يعرف بالسمع ، إلا من حيث تأكيـد حكم العقـل ، والإرشـاد إليه .
إذن كيف لم يكن موسى النبي (ع) ، الذي سبق له مواجهة فرعون ، المدعي للربوبية ، كيف لم يكن يعرف ـ على حد قول البعض ـ إلى مضي زمن طويل من نبوته أن الله سبحانه لا يرى ؟
فهل يعقل أنه لم يخطر في بال موسى أن يستعد لمواجهة طلب محتمل جدا من فرعون ومن بني إسرائيل رؤية هذا الإله الذي كان يأتيه جبرئيل بالأوامر والتوجيهات والتوجهات من قبله ، ولم يطلب من جبرئيل أن يجمعه به ويتحدث إليه!!" .
للمزيد راجع : الميزان للعلامة الطباطبائي ، التبيان للطوسي ، وتنزيه الأنبياء للسيد المرتضى .

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت