تأويل معنى الرجعة ، وغيبيات أخرى

     

 يقول السيد فضل الله في مقالته ( مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد ) في مجلة الفكر الجديد العدد 9 :
"فقد كان جماعة من الشيعة يؤولون الاخبار الواردة في الرجعة على طريق الاستفاضة إلى رجوع الدولة ورجوع الامر والنهي إلى الائمة (ع) وإلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الأمور دون رجوع أعيان الأشخاص كما نقل ذلك السيد المرتضى عن جماعة من الشيعة تأولوا الرجعة بذلك .
وإذا كان محققو الشيعة قد رفضوا هذا التأويل لعدم لزوم محال عقلي في هذا الموضوع ، فإننا نتصور أن هؤلاء القوم لم ينطلقوا في تأويلهم من الاستحالة العقلية لأن الرجعة ليست أشد صعوبة من البعث ولكنهم انطلقوا من الفكرة التي تثير التساؤل حول ضرورة ذلك فإذا كان المقصود الانتصاف للمظلومين من الظالمين وغلبة المحقين على المبطلين ، فإن ذلك حاصل في يوم القيامة ، وإذا كانت القضية هي إظهار الحق على الباطل ، وبسط العدل في الكون فإن وجود الدولة المهدية الشاملة كفيل بذلك ، وإذا كانت المسألة تحقيق الأمنيات في دولة الحق للمؤمنين وشفاء غيظهم من معاصريهم من المبطلين فيما يمكن أن تحققه الرجعة من حصول الأماني وشفاء الغيظ ، فإن يوم القيامة يحقق ذلك بأعظم مما يحدث من خلال الرجعة لأنه يتصل بالمصير الأبدي في النعيم والشقاء .
إن المسألة ليست مرتبطة بالإمكان والاستحالة ، بل هي مرتبطة بالمبررات العملية الواقعية في ضرورة ذلك ، مما يجعل التأويل أكثر قرباً للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها ، لا سيما عند مواجهة التحديات الفكرية في هذه المسألة التي لا تمثل ـ في طبيعتها ـ أصلاً في اصول العقيدة" .

التعليق :

نقول كما قال العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي :
"أن عدم التمكن من فهم مبررات الرجعة ، وعدم قدرة البعض على مواجهة التحديات المعاصرة ، لا يخوّله تأويل الأحاديث التي قد تصل إلى مائتين وعشرين حديثاً ، بالإضافة إلى أدلة وشواهد أخرى" ( خلفيات مأساة الزهراء ) .

ومن قال بأننا قادرون ومكلفون بمعرفة وإدراك علل وحكم جميع أفعال الله سبحانه ؟ "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" .

قال العلامة المحقق : "أن الاستناد إلى الاستبعادات والاستحسانات في أمور ترتبط بالغيب ، وما لا طريق لنا إلى الاطلاع عليه ، وكذا عدم القدرة على تعقل أو فهم بعض الأمور ، الواردة في النصوص ، لا يبرر رفض النص ، ولا يلزمنا بتأويله ، وذلك واضح وظاهر" ( مأساة الزهراء ج1 ) .

فلا يحق لأحد أن يقول ما الحكمة في أن يملأ المهدي عليه السلام الدنيا عدلاً ويقضي على الشر مع أن الدنيا دار بلاء ، فيفرض بذلك هذه العقيدة لأنه لم يقتنع بمبرراتها !! ونفس الأمر ينطبق على خلق الجن والملائكة وسائر الغيبيات .

وقد قال السيد فضل الله في نشرة ( فكر وثقافة عدد 334 ) :
"ولذلك لا يمكن أن نتكلَّف تفسير كثير من الأمور التي لم يتضح لنا وجهها بدليل" في حديثه حول غيبيات مسألة غيبة الإمام المهدي (ع) .. فلماذا يكلف نفسه النظر وتحليل مبررات الرجعة – وبالتالي صرفها عن ظاهرها - وهي مسألة غيبية !؟
وفي نفس العدد يقول حول قوله تعالى " وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ " :
"... أما ما هي الوحوش التي تُحشر ؟ وما هي الحكمة في ذلك ؟ فهذا ما لم يبيّنه الله سبحانه وتعالى لنا ، فيُردّ علمها إليه تعالى" .

وذهاب جماعة من الشيعة سابقاً إلى تأويل أحاديث الرجعة لا يبرر موافقتهم في رأيهم من دون الدليل الشرعي الكافي وتأويل هذا الكم الهائل من الروايات وصرفها عن ظاهرها بغير قرينة ولا ضرورة ، وقد رد عليهم الشريف المرتضى في رسائله .

جاء في كتاب ( الندوة في الميزان ) للسيد علي أبو الحسن الموسوي العاملي :
"ولو كان يراد من الرجعة رجعة الحكم فلا معنى لأنْ يطعن أعداء الحقِّ على الشيعة في اعتقادها بالرجعة ، وقد صدرت الطعون من أئمة أهل الضَّلال وفي عصر أئمة أهل الحقِّ وما تزال ، ولو لم يكن إلا ما في ترجمة محمد بن علي بن النعمان مؤمن الطاق على ما في فهرست النجاشي لكفى ، كيف والأخبار أكثر من أنْ تُحصى والشواهد قد ملئت الخافِقَيْن .
ففي المحل المشار إليه آنفاً (وكانت له (لمؤمن الطاق) مع أبي حنفية حكايات كثيرة فمنها : أنه قال له يوماً يا أبا جعفر تقول بالرجعة فقال له نعم ، فقال له : أقرضني من كيسك هذا خمس مائة دينار فإذا عدتُ أنا وأنت رددتها إليك ، فقال له في الحال : أريد ضميناً يضمن لي أنك تعود إنساناً ، فإني أخاف أنْ تعود قرداً ، فلا أتمكن من استرجاع ما أخذتَ مني)" .

يقول الشيخ جعفر السبحاني في ( بحوث في الملل والنحل ج6 ) : "ولكن المحققين من الإمامية ، أخذوا بظواهرها وبينوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة الله على كل مقدور ، وأجابوا عن الشبه الواردة عليها" .

لسنا هنا في معرض بيان دلالة روايات الرجعة بالتحديد ، وإنما مناقشة ما يسميه سبباً لتأويل هذه الأحاديث وهو عدم استيعاب هذا الغيب ، ولو فتح هذا الباب على مصراعه لم يبق شيء من معالم الدين !

وقد وقع السيد فضل الله في هذا الخطأ عندما استقرب أن يكون حوار الله مع الملائكة في القرآن الكريم أسلوباً لتوضيح الفكرة وليس حواراً حقيقياً ( من وحي القرآن ، تفسير الآيات 30-33 من سورة البقرة ) ، والدليل هو "أننا لا نفهم الوجه في إدارة هذا الحوار مع الملائكة" ! وكذلك قوله حول حوار الله مع ما لا يعقل ، إذ يقول : "... نجد في كثير من آيات القرآن حواراً يدور بين الله وبين ما لا يعقل ، ولا ينطق من مخلوقاته ، كما فيما حكاه سبحانه في خلق السماوات والأرض ، إذ قال لهما : ( ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) لتقريب فكرة خضوعهما التكويني لله ..." .
مع أن الآيات القرآنية قد ذكرت وبصراحة تكلم أعضاء الإنسان يوم القيامة ، وتكلم النمل والهدهد وتسبيح السماوات والأرض ومن فيهن :
" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً" .
" الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" .
" وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" .

وعلى نفس المنهجية أوّل أحاديث خلق طينة الشيعة من طينة خاصة ( راجع بحار الأنوار ج5 للاطلاع على هذه الروايات ) ،
ففي موقعه ، سؤال : قال محمد بن حمران : سألت الصادق (ع) من أي شيء خلق الله طينة المؤمن ؟ قال من طينة عليين ، قال قلت فمن أي شيء خلق المؤمن ؟ قال من طينة الانبياء فلن يتنجسه شيء . فما هي دلالة هذا الحديث وآفاقه و ما مدى ثبوت الأبحاث المتعلقة بالطينة ؟
الجواب : "إن أحاديث الطينة إنما يراد منها وعلى نحو المجاز ، معنى عرفي يعبر فيه الإنسان عن طيب وحسن واستقامة الإنسان على إختلاف درجات ذلك ، ولذلك فإن كان ذلك خيراً وقد يبلغ حد العصمة حسن التعبير عن الطينة بأنها من عليين وفي نسبة طبقة المؤمن إلى فاضل طبقة الأنبياء ، لأن ما لدى الناس من فضائل ومحاسن للأخلاق هي من خلال تعاليم الأنبياء .. والله العالم" . ( موقع بينات ، استفتاء 14/10/2004م )
لا أدري ما المانع من الالتزام بالرواية على حالها ما دمنا عاجزين عن الإحاطة بعلومها وأسرارها الغيبية ؟!

وأيضاً راجع كلماته في رمزية الصراط وأنه ليس حقيقياً ! ( الندوة ج1 ص 275 ، ومقالته مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد ) مع الروايات الكثيرة التي تتحدث عن ماديته ، وكذلك قوله بأن الحوض قد يكون معنوياً وليس مادياً ( من كتاب لهذا كانت المواجهة للشيخ جلال الدين الصغير عن مجلة فكر وثقافة العدد 11 ) .
وسبق وأن تكلمنا أيضاً عن حديث الأنوار وتأويل فضل الله .

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت