رواية في فضل زيارة قبر الإمام الحسين (ع)

     

 سئل : سمعنا من أحد خطباء مجلس التعزية الحسيني لمناسبة أربعين سيد الشهداء عليه السلام ما يأتي : "إن من زار الحسين عليه السلام في قبره كمن زار الله في عرشه" ، لقد أثارت هذه العبارات جدلاً طويلاً بيننا ، وقال البعض منا إن مساواة منـزلة الحسين (ع) بمنـزلة الله سبحانه وتعالى غير جائزة ، كما إن القول بزيارة الإنسان لله في عرشه يتناقض مع الفقه الجعفري الذي ينفي التشبيه عن ذات الله تعالى نفيا قاطعاً ، وقال الخطيب إن ذلك من باب المجاز . نرجو من سماحتكم تنويرنا برأيكم في هذه المسألة وشكراً..

فأجاب : "هذا كلام يتنافى مع أبسط عقائدنا التوحيدية التي تؤكد أن الله سبحانه هو فوق الزمان والمكان ، وأن العرش ليس هو المكان الذي يضم الله سبحانه ، مع ملاحظة أخرى ، وهي أن مساواة زيارة الحسين (ع) بزيارة الله في عرشه لا ينسجم مع العقيدة التي ترتفع بعظمة الله عن خلقه حتى المقربين إليه ، وإننا ندعو الخطباء والعلماء إلى التدقيق في صحة هذه الأحاديث أولاً ، وإلى دراسة تأثيراتها السلبية على مصداقية مذهب الإمامية ثانياً . حتى إنه لا يجوز أن نلقي على الناس كلاماً لا نلتزم بظاهره ثم ندخل في تأويله بعنوان المجاز أو غيره ، بل إن الواجب هو التحدث عن العقيدة ورموزها بوضوح تام لا يثير أية شبهة أو إشكال" .
( تاريخ إجابة الاستفتاء 6/11/2003م ، موقع بينات التابع له ) .

التعليق :

الحديث مروي بسند صحيح ، وقد رواه :
الصدوق في ( ثواب الأعمال ) ، وفي ( البحار ) عن ( الأمالي ) ، والطوسي في ( التهذيب ) ، وابن قولويه في ( كامل الزيارات ) بستة أسانيد ، والشيخ المفيد في ( المزار ) ، والمشهدي في ( المزار ) ، وروي مثله في حق الإمام الرضا .
من أسانيدها : ما رواه الطوسي في ( التهذيب ) بسند صحيح عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن يعقوب بن زيد عن محمد بن أبي عمير عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام ..
قال الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ) : "معنى قوله عليه السلام : كان كمن زار الله تعالى في عرشه ليس بتشبيه ، لأن الملائكة تزور العرش وتلوذ به وتطوف حوله ، وتقول نزور الله في عرشه كما نقول : نحج بيت الله ونزور الله ، لأن الله تعالى ليس بموصوف بمكان ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا" .
وفي كتاب ( الدروس ) ج2 ص10 للشهيد الأول :
"وهو كناية عن كثرة الثواب والإجلال ، بمثابة من رفعه الله إلى سمائه وأدناه من عرشه وأراه من خاصة ملكه ما يكون به توكيد كرامته" . وللعلامة المجلسي كلام مشابه في ( البحار ) ج89 ص69 ، واقرأ أيضاً كلام الشيخ محمد السبزواري في ( معارج اليقين في أصول الدين ) ص70 ، والشيخ المفيد في ( المقنعة ) ص458 ، وراجع ( التهذيب ) للشيخ الطوسي ج6 ص5 ، ( مفاتيح الجنان ) للشيخ عباس القمي ناقلاً لكلام السيد ابن طاوس والمشهدي ، ( منتهى المطلب ) للعلامة الحلي ، ( جواهر الكلام ) للشيخ الجواهري ج20 ص81 ، ( فقه الصادق ) للسيد محمد صادق الروحاني ج12 ص242 .
وقال المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم :
"بناءً على صدور النص تكون الرواية بصدد تشريف زائر الحسين (عليه السلام) لأنه استشهد في طريق الله تعالى واشادة دينية ، كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) (الفتح : 10) حيث نسب البيعة لله تعالى ، لأن بيعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره مبلّغاً عن الله وداعياً لدينه وتعاليمه .
وفي الحديث عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : قلت لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنّة ؟
فقال (عليه السلام) : يا أبا الصلت إن الله فضّل نبيه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) على جميع خلقه من النبيين والملائكة وجعل طاعته طاعته ، ومتابعته متابعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته . فقال : (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) وقال (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله) . ودرجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع الدرجات فمن زاره إلى درجة في الجنّة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى ... الحديث)) (الوسائل 9/255)" ( استفتاءات 4 محرم 1424هـ من موقع سماحة المرجع ) .
فهل غابت هذه التأويلات عن السيد فضل الله ؟
ولماذا أمكن تأويل استواء الله قوله عز وجل : "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" ولا يمكن تأويل زيارة الله بنفس الطريقة دون أن يتنافى ذلك مع الأدلة العقلية والنقلية بلا أي شبهة أو إشكال ، كما أن للسيد فضل الله تأويلات غريبة كما في روايات الأنوار وروايات الرجعة – كما سيأتيكم - ، فلماذا جاز التأويل هذه الروايات ولم يجز في هذه الفضيلة العظيمة لزوار الإمام الحسين (ع) ؟
وقد روى الكليني في ( الكافي ) ج4 : "استلموا الركن فإنه يمين الله في خلقه ، يصافح بها خلقه مصافحة الرجل يشهد لمن استلمه بالموافاة" .
وليس في هذه الفضيلة أي تشبيه أو شرك لمقام الله العظيم مع الإمام صلوات الله عليه ، فتشبيه زيارة قبر الإمام الحسين (ع) بزيارة الله في عرشه لا يعني تشبيه الإمام بالله سبحانه ، وإلا فإن الآية الكريمة "مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ" تستلزم أيضاً تساوي رسول الله صلى الله عليه وآله والله عز وجل ! بل هو قياس باطل .
وقد حذر أئمتنا عليهم السلام من التسرع في تكذيب أحاديثهم ، فعن الإمام الباقر (ع) : "... وإن أسوأهم عندي حالا وأمقتهم إلي الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله ولم يقبله قلبه ، اشمأز منه وجحده ، وكفر بمن دان به ، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج ، و إلينا أسند ، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا" ( الكافي ج2 ) .

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت