توطئة

     

 أيامها كنت في اليمن حينما وقع هذا الكتيب في يدي فأقبلت عليه وطالعته في جلسة واحدة مشدودا الى اسم المؤلف ومتشوفا الى ما يريد بيانه في هذا المبحث المهم: نشأة التشيع وتعريفه.. فهو- أي المؤلف- من الأسماء التي أنسنا بها في أجواء الدراسات الحوزوية في مراحل المقدمات حيث المختصرات الدراسية المفيدة للطلاب والتي كانت ولا زالت منهجا وسيطا بين القديم والحديث. شكلت للطلاب مخرجا من الصعوبات في فهم عبارات القدماء وأعطتهم المواد على شكل جرعات مناسبة لأذهانهم وأعمارهم. فهو مؤلف خلاصة المنطق وخلاصة علم الكلام ودروس في فقه الأمامية وغير ذلك من كتب نافعة.. فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

انتهيت من قراءة الكتيب المذكور.. (مذهب الأمامية).. وتمنيت حينها أن يكون المؤلف غير الدكتور، وبدا لي أن من الأنسب أن يكون الكاتب لتلك السطور أحد أنصاف المثقفين البعيدين عن الموازين العلمية في فهم الأمور وترتيبها.

لأن ما قرأته وبصراحة.. لا يختلف عما تعودنا قراءته في كتابات ذلك الصنف من المثقفين المحسوبين على بعض الأحزاب و الحركات الاسلامية. وسأذكر شاهدا على التطابق ووحدة النبرة بين ما قرأته في عبائر الدكتور وبين تلك الكتابات.

وبادرت حينها بالكتابة الى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي دام ظله في قم وسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله في النجف موضحا ما جاء في الكتيب باختصار مع نقل أصل عبارته وسائلا منهما التصدي بالجواب لما ورد فيه من أخطاء.. فبادر سماحة الشيخ التبريزي الى الأجابة ونشرت في كتيب مع مجموعة من الأسئلة بعنوان (الكلمة الحق).. وستجد نص اجابته في نهاية هذه الرسالة..* وأما سماحة السيد الحكيم فقد أجابني شفهيا بواسطة ابنه الفاضل السيد حيدر الحكيم القاطن في بيروت وخلاصة جوابه: عدم ارتياحه الى طرح هذه الأفكار وتأكيده على ضرورة الرد عليها والكتابة في أبطالها. وأن ظروفه لا تسمح له بالتصدي المباشر لأبطال تلك الأفكار، وأن على طلبة العلوم الدينية التصدي لذلك. وامتثالا لهذه التوجيهات وحرصا على توضيح الحقائق المتعلقة بالمذهب كتبت هذه الأسطر راجيا أن تساهم في وضع الأمور والحقائق في محالها.. وأن تكون داعيا الى الانتباه والحذر من محاولات تفريغ الحقائق من محتواها والتجاوز على الواقع بأساليب عصرية أيا كان الكاتب أو القائل.. مع دعائنا للدكتور الفضلي بمزيد التوفيق لخدمة المذهب الحق الذي لا نشك في اخلاصه له.. لكنه قد يفوته الصواب في انتخاب الأسلوب والطريق حاله حال بقية البشر.

-------------------------

* س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد خالص الدعاء لسماحتكم بدوام العافية والخير ببركة محمد وآله الطاهرين...

لقد طالعت كتيب: (مذهب أهل البيت بحث في النشأة.. الخ. للشيخ عبد الهادي الفضلي ورأيت فيه أخطاء فاحشة لا توازيها إلا أخطاء السيد هاشم الموسوي فيما كتب حول: (سيرة رسول الله وأهل بيته) و(على خطى أهل البيت) وغير ذلك، خلاصة تلك الاخطاء:

1- إضفاء الصبغة العلمية والفكرية على المخالفات الصريحة التي بدرت من بعض الصحابة لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وبعد مماته، وهذا المنطق هو الذي يحاول جمع من علماء العامة الترويج له لإخراج تلك المخالفات الخارجة عن نطاق التمرد على الرسول وعلى أحكام الإسلام وإدخالها في اطار حسن النوايا والحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين، وذلك..

... على أصحابها وأنهم مجتهدون مأجورون على كل حال. كما نقل المؤلف عن الشهرستاني قوله:

(وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية كما قيل كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين..).

فقال تعليقاً على كلام الشهرستاني ص 12: (والاجتهاد في هذه المسألة كان من عمر وتبعه نفر من الحاضرين، وذلك أنّ عمر قدر أن المصلحة أن لا يكتب الكتاب ويكتفي بالقرآن).

ثم قال: (وهذا ما هو واضح اجتهاد رأي يقوم على تقدير المصلحة وفق ما يراه المجتهد شخصياً، ولكنه كما هو واضح اجتهاد في مقابل النص).

فالمؤلف هنا يعتبر موقف عمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن طلبه الدواة... اجتهاداً منطلقاً من شعور عمر بالمصلحة الإسلامية، وهذا هو عين ما يطمح إليه علماء العامة الذين بذلوا جهوداً عظيمة لتبرئة عمر والتخفيف من قبح ذلك الموقف.. أن ننأى بذلك الموقف- السوءة- عن دائرة التمرد والعناد والتآمر، وندخله في دائرة الاختلاف الفكري النزيه بين نبي الإسلام وبين عالم من علماء أمته، وهو: عمر‍‍‍‍‍!‍‍!.

2- إعطاء الصحابة المعروفين بالجهل صفة العالمية والاجتهاد، واعتبار ما بدر منهم من مخالفات للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تطويراً للاجتهاد، فعادوا مجددين ومطورين.

قال في ص 11: (فكان اعتماد فهم النص هو المنهج أو الطريقة التي سار عليها اجتهاد المسلمين في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في البداية الأولى للاجتهاد. وحدث بعد هذا. وفي عهد رسول الله أيضاً أن بعض الصحابة في منهج الاجتهاد المذكور حيث توسعوا فيه بإضافة الرأي مصدراً آخر. فكما كان النص الشرعي مصدراً للتشريع الإسلامي كذلك الرأي مصدراً آخر. وأريد بالرأي هنا رأي المجتهد الذي يتمثل في تقدير المجتهد للمصلحة أو المفسدة وإصدار فتواه وفق ذلك).

3- اعتبار نشاة التشيع مرتبطة بنشأة الاجتهاد. فاجتهاد علي وأهل بيته (عليهم السلام) شق طريق المذهب الشيعي، واجتهاد عمر وأمثاله من الصحابة شق طريق التسنن، وذلك كله في حياة رسول الله.

يقول في ص 8: (ترتبط نشأة المذهب الإمامي تاريخياً بنشأة الاجتهاد الشرعي إلى البدايات الأولى في محاولات فهم النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف...) إلى آخر عبارته.

4- جعل أهل البيت (عليهم السلام) في مصاف واحد مع الصحابة الذين يدعي بأنهم مجتهدون، دون أي إشارة إلى النص النبوي فيهم ولا إلى عصمتهم، كما هو واضح من عبارته المتقدم الإشارة إليها والتي جاءت في ص 8.

5- اعتبار أهل البيت (عليهم السلام) مجتهدون كغيرهم من الصحابة، لكنه يرجع ويقول في ص 22: (كما أن أهل البيت (عليهم السلام) لم يكونوا مجتهدين وإنما كانوا رواة لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينقلونه ويشرحونه).

6- اعتبار سبب نشوء التسنن هو سبب علمي وفكري محض، لا سياسي، ملغياً بذلك الحقائق المعروفة عن تآمر القوم على مستقبل الخلافة بعد الرسول بل على حياة الرسول نفسه.

قال في ص 26: (من هذا نتبين أن التشيع في نشوئه كان مع التسنن جنباً إلى جنب، ومنه نفهم أيضاً أن كلاًً منهما بدأ وجوده في عصر الرسالة وبشكل منهج علمي ثم تحول إلى مدرسة فكرية، ومن بعد ذلك وفي عهد بني أميّة تحولا إلى طائفتين).
فاعتراض عمر على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية، واعتراضه على الصلاة على رأس المنافقين حتى جذب ثوب الرسول... منهج علمي...!‍‍!.

وامتناع بعض الصحابة عن الذبح والحلق والإحلال في حجة الوداع.. منهج علمي!‍‍!.

والاعراض عن عشرات البيانات النبوية الملزمة في حق أمير المؤمنين (عليه السلام)... والهجوم لحرق دار فاطمة وإخراج علي (عليه السلام) لأخذ البيعة منه قصّرا‌ً وضرب سلمان واخرين من خلّص الصحابة... منهج علمي!‍‍!.

وعلى هذا يكون كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في التظلم من القوم في الشقشقية وغيرها، في غير محله، لإن المجتهد لا يلام على خطئه بالقول: (بلى والله، لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها). لأن ذلك اتهام لهم في نياتهم وتقرير لسوء خباياهم.

وقوله (عليه السلام): (وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) مقرراً أن الأول لم يفهم من بيانات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ما فهمه علي ين ابي طالب (عليه السلام) وبقية الصحابة وجميع العرب الذين سمعوها وفهموها كما يفهمها العربي العادي... لن تبقى له معنى معقول سوى التجني على هؤلاء المجتهدين الذين ما أرادوا باجتهادهم إلا المصلحة الإسلامية!! هذا.. وهناك ملاحظات أخرى يضيق المجال عن ذكرها، وقد رجوت بتصديعي لأوقاتكم أن أكون قد أديت واجب الإبلاغ عن مسألة يلزم الوقوف بحزم في علاجها وقطع دابر الفساد فيها، فإن هذه النبرة الجديدة في بعض الكتابات المحسوبة على الشيعة قد تكررت في عدة كتب وبأقلام مختلفة يجمعها اتجاه فكري هجين لازال يثير الشكوك المغرضة البعيدة عن روح العلم والبحث، وتقبلوا خالص التحية من المخلص:

علاء الدين الموسوي

* بسمه تعالى: لا يكون الاجتهاد الذي يعدّ عذراً للشخص مخالفاً للكتاب والسنة وطرحاً لحكم الله ورسوله، وإنما يكون الاجتهاد في الموارد التي لم يذكر حكمها في الكتاب والسنة. باتفاق المسلمين حتى عند المتفقهة منهم.

حيث قال الله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقوله سبحانه وتعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) إلى أخر الآية الشريفة.

وإذا كان الاجتهاد معناه ما تقدم فلا يمكن إدخال الموارد المذكورة في الاجتهاد والاعتذار عنها بذلك. فإنها أفعال قبائح مخالفة للكتاب والسنة.

وأما الأئمة (عليهم السلام) عند الشيعة فإنهم عالمون بجميع أحكام الشريعة وخصوصياتها وعندهم علم الكتاب والسنة وعلم ذلك كله وصل إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذا قالوا (عليهم السلام) إن كل ما ذكرناه إنما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا (عليهم السلام): نحن الراسخون في العلم ولو كانت دعواهم (عليهم السلام) افتراء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)- نعوذ بالله من الباطل- لما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي روى ذلك الفريقان بالاتفاق.

ومنه يظهر إنّ ما فعلوه في حق عليّ والزهراء (عليهما السلام) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن يعد اجتهاداً ويعتذر عن فعل القبيح بأنه اجتهاد، فإن المودة لذي القربى أجر الرسالة والمتيقن من ذي القربى فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإذا كان الإيذاء واقعاً من بعض الصحابة فكيف يكون الإيذاء مودة لذي القربة.

وكل عاقل يفهم أن الإيذاء غير المؤدة وكيف تكون مخالفتهم مع علي (عليه السلام)... للمصلحة!.

وكيف تكون دعوى علي وفاطمة (عليهما السلام) باطلة مع قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسنة المتواترة بين الفريقين إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

وكيف يكون قول القائل عند وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الرجل ليهجر اجتهاداً ولرعاية مصالح المسلمين؟.

فهل كان يريد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إضلال المسلمين وهل يكون ما يملي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابته باطلة أو مثل قول مجنون حتى يقال عنه بهذا الكلام؟.

وقول هذا القائل مخالف للكتاب المجيد، قال الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحيٌّ يوحى* علمه شديد القوى)، فالوجدان السليم من صاحب البصيرة يحكم بأنّ فيما ذكرنا كفاية فلا حاجة إلى التطويل فيما يوجب حرق قلوب المؤمنين مما جرى عند وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وما بعده في حق أهل البيت (عليهم السلام) من التشريد والقتل خصوصاً فيما جرى في قضية سيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه، والله هو الهادي إلى سواء السبيل فنعم المولى ونعم النصير.

ومن العجب أن يأتي هذا الزمان الذي نبحث فيه عن بديهيّات المذهب الذي أسّس صرح بنيانه النبي محمد أهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وما قتلنا إلا التغافل وترك نصرة الحق والتباطؤ عن قول كلمة الحق صريحة بلا خوف ولا مجاملة لأحد، وكيف نجامل ونهادن على تضييع حقّ أهل البيت (عليهم السلام)‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!!.

 


     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت