رابعاً : هل التسنن مدرسة فكرية ؟

     

 

 قال السيد هاشم الموسوي في كتيب: على خطى أهل البيت، والذي طبعته نفس الدار التي طبعت هذا الكتيب الذي نحن بصدده، وهو يتحدث عن نشوء التشيع والتسنن ص33: (وهكذا نشأت كتلة التشيع والتجمع الصحابي حول علي (عليه السلام) ونشأ تياران بين الصحابة ومدرستان فكريتان في موضوع الأمامة والخلافة).

وقال الدكتور الفضلي في كتيبه ص24: (وبعد هذا نستطيع أن نطلق على أصحاب اتجاه النص (مدرسة أهل البيت)، ورأينا أن رأسها كان عليا (عليه السلام)، وأن نطلق على أصحاب اتجاه الرأي (مدرسة الصحابة) ورأينا أن رأسها كان عمر (رضي الله عنه)، ويرجع هذا الأختلاف بين هاتين المدرستين الأسلاميتين الفكريتين في المنهج العلمي الذي التزمته كل واحدة منهما …) انتهت عبارته.

وقال في ص 28: (ونخلص من هذا الى أن التشيع والسنن ولدا معا وفي عهد رسول الله وبشكل منهجين علميين ثم تحولا بعد ذلك الى مدرستين فكريتين، وبعد ذلك وبفعل السياسة تحولا الى طائفتين..) انتهت عبارته.

هذا هو أحد الشواهد التي واعدناك بها ويدل على اتحاد النبرة التي يتحدث بها الدكتور وهو (النجفي الحوزوي)، مع نبرة المثقفين البعيدين عن الموازين العلمية والمنظرين لبعض الأحزاب الأسلامية اسما والعلمانية عملا وسلوكا، والتي تعمل وتفكر وتكتب سياسيا أكثر من عملها وتفكيرها مبدئيا. ولنرجع الى سؤالنا المهم، هل يمكن أن نعتبر خط الخلفاء أو خط التسنن - ما شئت فعبر- خطا فكريا ناتجا من اختلاف الأنظار والاجتهادات؟. وهل نشأ الأختلاف أساسا من اختلاف الأفهام بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين مناوئيهم ؟ ففهم آل الرسول – من حديث الغدير مثلا – أمرا.. بينما فهم أولئك الصحابة أمرا آخر؟.

ان التاريخ المتيسر للجميع لا يدل على ذلك.. بل يدل على خلافه كليا.. فلقد فهم جميع من حضر واقعة الغدير كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجهه ورتبوا على ذلك آثاره فوقفوا مصطفين يسلمون على علي (عليه السلام) بأمرة المؤمنين (2).. وبخبخ عمر لعلي وقال له: (من مثلك وقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) (3). وأرجف المنافقون وأسروا الاعتراض على بيانات الرسول حتى قالوا: (لا زال يرفع بضبع ابن عمه حتى جعله علينا وليا من بعده) (4)... ودخل الحارث بن النعمان الفهري على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معترضا فقال: (يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا اله الا الله وأنك محمد رسول الله فقبلناه منك وأمراتنا أن نصلي الخمس فقبلناه منك وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك وأمرتنا بالصوم شهرا فقبلناه منك وامرتنا أن نحج البيت فقبلناه منك ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفسي بيده ولا اله الا هو أنه من أمر الله) .. فخرج الحارث مغضبا مستنكرا وهو يقول: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء أو اتنا بعذاب أليم.. فما جاوز المسجد حتى جاءته صخرة من السماء فضخت رأسه وخرجت من تحته فخر ميتا(5) الى غير ذلك من المظاهر والأحداث التي تدل بوضوح على عدم وجود غموض في دلالة كلام الرسول أو تردد فيه أو تحير في تفسير معناه عند أحد من المسلمين.. بل كانت جميع الأفهام في اتجاه واحد.. ولو كان أحد من أولئك النفر قد شك في مدلول كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تأخر لحظة في الأستفهام من نفس النبي وقبل أن يزول من مقامه تحت دوحة الغدير.. وذلك لخطورة الأمر وعناية تلك الثلة من الأصحاب بأمر خلافة النبي.. بل عناية الأمة جمعاء بهذا الأمر الخطير.

ثم ان حديث الغدير لم يكن الا اعلاما رسميا عاما على ملأ المسلمين القادمين من أطراف الجزيرة والذين كانوا في منأى عن المدينة وما يجري فيها.. والا فأن حقيقة ولاية علي (عليه السلام) وخلافته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأمور التي كانت واضحة لأهل المدينة بل لقريش أجمع منذ اللحظات الأولى للبعثة حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أعلن ذلك يوم الدار في مكة حينما نزلت الآية الكريمة التي تحث النبي على دعوة بني هاشم الى الأسلام في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين.. وما تلا ذلك من بيانات لا تحصى في مناسبات كثيرة يعلمها أهل المدينة وخصوصا (المجتهدون !!) منهم تؤكد ولاية امير المؤمنين (عليه السلام) على المسلمين بعد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم). وتؤكد وجوب التمسك بالعترة الطاهرة من بعده لضمان الأستقامة وعدم الضلالة.

وعلى هذا.. فافتراض أن بعض الصحابة لم يفهم ما أراده النبي في يوم الغدير واشتبه عليه الأمر وظن أن المراد من الولي هو الصديق أو المحب أو الناصر.. كلام يضحك الثكلى.. خصوصا اذا كان المراد من الصحابة هم عمر وأبا بكر وأمثالهما من عصبة قريش والذين كانوا يصبحون ويمسون على تصريحات النبي في فضل علي وأولويته عليهم بالخلافة والولاية.. حتى قالوا يوم الغدير وقد نفذ صبرهم من اصرار النبي على تفضيل علي: لا زال يرفع بضبع ابن عمه حتى..الخ. ولم يكن اعلان النبي ولاية علي مفاجأة لهؤلاء من حيث مضمون الأعلان.. لكنه كان مفاجأة لهم لأنه أخذ طابعا رسميا وعاما.. ولم ينحصر هذه المرة في حدود الأصحاب في المدينة.. بل عاد أمرا عاما بلغ الى جميع المسلمين المجتمعين للحج من أطراف الجزيرة العربية والذين سيحملون هذا الخبر الهام الى جميع تلك النواحي والأطراف ولن يبقى أحد من العام والخاص الا وعلم بهذه الحقيقة.. هذا هو الأمر الذي أزعج المنافقين وضاعف همومهم ومشاكلهم في طريق الأستيلاء على الحكم.. وما بعض حروب ما يسمى بالردة الا مصداقا لتلك المشاكل التي ولدها لهم يوم الغدير. اذ امتنع جملة من رؤساء العرب- كمالك بن نويرة-عن اعطاء الزكاة الى ممثلي الخلافة حتى يتاكدوا ممن يخلف النبي. (6)

وقد اعترف ابن حجر في صواعقه المحرقة بأن أبا بكر وعمر فهموا من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) أنه أولى بالأتباع. راجع الصواعق ص 26. وهذا ما فهمه حسان أيضا فألقى قصيدته على مسامع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال فيها:

فقال له قم يا علي فانني      رضيتك من بعدي اماما وهاديا (7)

دون أن يستنكر عليه أحد وهو بمسمع من النبي وحشد من اصحابه.

 ومن العجب كيف غاب عن الدكتور (أن المحاولات اليائسة لتوجيه الواقع التاريخي عن طريق تفسير وتأويل كلمة المولى أمر نشأ بعد مضي أكثر من مأتي سنة على واقعة الغدير وان ذلك من تمحلات عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغني) والتي اقتبسها من تأخر عنه من متكلمي العامة كالفخر الرازي وأمثاله، وأن تلك التأويلات الباردة لكلمة المولى لا وجود لها في المجتمع الذي صدر فيه حديث الغدير وبقية النصوص القرآنية والنبوية في حق الأمير (عليه السلام))(8)

-------------------------

2- تاريخ بغداد: 8/290، والصواعق ص 25، ومسار الشيعة للمفيد ص20.

3- تاريخ بغداد: 8/290، والصواعق ص 25، ومسار الشيعة للمفيد ص20.

4- غاية المرام: 4/332 في تفسير قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول). وعبارته: (عن جابر بن عبد الله قال لما نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً يوم غدير خم قال قوم: ما يألوا يرفع ضبع ابن عمه).

5- الغدير: 1/240، والحسكاني في شواهد التنزيل 2/286، والطرائف لابن طاووس ص 152 عن تفسير الثعلبي.؟؟؟؟

6- الاستغاثة ص 5.

7- اعلام الورى للطبرسي: ج1 ص 262.

8- التقريب على هدى الحقيقة لكاتب هذه الرسالة ص 11، والشافي في الامامة للسيد المرتضى: 2/290.


     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت