|
.. ومن المؤلم أن يبرر الدكتور تلك الفعلة الشنيعة بما لم ينقدح حتى في
أذهان علماء العامة والمدافعين عن عمر فقال في معرض التعليق على تلك
الحادثة بعد أن نقل كلام الشهرستاني في الملل والنحل
قال الفضلي ص12: (والأجتهاد في هذه المسألة كان من عمر،
وتبعه نفر من الحاضرين.. وذلك أن عمر قدر أن المصلحة أن لا يكتب
الكتاب ويكتفى بالقرآن.. وهذا كما هو واضح اجتهاد رأي يقوم على تقدير
المصلحة وفق ما يراه المجتهد شخصيا،
ولكنه كما هو واضح اجتهاد في مقابلة النص الصادر من النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمر
بأتيانه الدواة والقرطاس ليكتب لهم الكتاب الذي يعصمهم من الضلال.)
انتهى كلامه.
ان غاية ما لاحظه الدكتور على جسارة عمر وتطاوله على شخص النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أنه
اجتهاد في مقابل النص، واعتذر له
بأنه قدر أن المصلحة في عدم كتابة الكتاب والأكتفاء بالقرآن..
وأقول: أولا: أن المعنى المصطلح للأجتهاد هو: بذل الجهد لمعرفة مراد
الشارع المقدس من خلال النظر في النصوص القرآنية والحديثية،
وأما الاجتهاد في مقابل النص أو ما عبر عنه الدكتور بأنه اجتهاد
رأي يقوم على تقدير المصلحة، فليس
من الاجتهاد بشيء، بل هو مخالفة
صريحة لأوامر الشارع المقدس الواضحة الجلية،
وتسميته بالأجتهاد لا يخرجه عن حريم المخالفة ولا يدخله في أطار
الأجتهاد المصطلح، ولو صح لنا اطلاق
لفظة الاجتهاد على مثل هذه الموارد لما بقيت مخالفة صريحة لرسول الله
وللكتاب العزيز الا ونالت هذا الوسام العلمي.. فالتخلف لفاضح عن جيش
أسامة اجتهاد!! وان كان النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم) قد لعن كل من تخلف عنه،
وترك الرماة لمواقعهم يوم أحد اجتهاد وان أودى بحياةالعشرات من
المسلمين وسبب لهم هزيمة نكراء ! ! وفرار من فر من (الأكابر) يوم أحد
اجتهاد وان قال الله تعالى في صريح كتابه:
(يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار
ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب
من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) الأنفال: 16.
وقتل يزيد لعنه الله للحسين وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه صلوات الله
عليهم أجمعين.. اجتهاد!! وهلم جرا.
ثانياً:
أن التخفيف من قبح الفعلة الشنيعة تلك،
والتقليل من آثارها الخطيرة على الامة جمعاء،
لا يصب في مصلحة الأسلام ولا في مصلحة التقريب بين مذاهبه.. بل
يصب في مصلحة الظلم والتجاوز الذي يدينه جميع المسلمين خصوصا اذا كان
موجها الى نبيهم، ويفتح الباب على
مصراعيه لكل ظالم أن يفعل ما يريد اعتمادا على قوته وبطشه وكثرة
أتباعه، واعتمادا على من يأتي بعده من أتباع الظلمة أو ضعاف الشخصية
ليأول له أفعاله القبيحة ويخرجها تخريجات فكرية و يعتبرها اجتهادات
ناشئة من الشعور بالمصلحة!!.
ان التعامل مع هذه الجسارة العظيمة على نبي الاسلام بهذا البرود
واللين.. تفريط بحق ثابت للرسول الكريم
(صلى الله عليه وآله وسلم) على أمته.. ألا ترى اجماع المسلمين
على أن من سب الرسول أو أهانه قتل دون مراجعة للحاكم الشرعي.. دون
ملاحظة لأي عامل من العوامل الأخرى سوى التقية والخوف على النفس.. سواء
أكان رئيسا ذلك المعتدي أم مرؤوسا..أم كان زعيما لمذهب كبير أو
صغير..وما ذلك الا ايجابا لحرمة النبي واعظاما لمنزلته وحفظا لكرامة
الدين الحنيف. ان أقل ما يجب في التعامل مع هذه الحالات هو الأنكار
والبراءة من الفعل وفاعليه.. لا التأويل والتماس الأعذار...وما الدعوة
الحقيقية للوحدة الاسلامية الا الألتفاف حول شخصية الرسول الكريم
(صلى الله عليه وآله وسلم)
والأستقاء منها وتبجيلها وتقديسها وتفخيمها.. والدفاع عن تلك الشخصية
بكل الوسائل وفي جميع الظروف.. والأنتفاض أمام أي محاولة للنيل منها
والحط من كرامتها.. لأن في ذلك حط من كرامة الأسلام والشريعة.. وما
كانت فتوى السيد الخميني رحمه الله في سلمان رشدي الا من هذا الباب..
وهل يرى الدكتور أن ما بدر من عمر في وجه نبي الهدى وامام الرحمة وهادي
الأمة والناطق عن الوحي الذي لا ينطق عن الهوى.. هو أهون مما بدر من
سلمان رشدي؟! وهل فوق التهمة بالتخريف اهانة وتصغير وسلب اعتبار؟! واذا
كان الدكتور يعيش التقية فانها لا تقتضي أكثر من السكوت وعدم التعرض
لتلك الحقائق من الأساس، أو التعرض
لها دون تعليق.. أو كما تعرض لها علماء العامة على الأقل حيث ذكروا ذلك
وفروا من التفصيل فيه.. وأما التأويل للباطل والتخفيف من قبحه والدفاع
عن أهله- في هذا المقام- فليس من التقية في شيء.
وما عسى مثلي أن يقول للدكتور في هذه الطامة .. سوى قول الشاعر:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
والى الله تعالى المشتكى من ظلم الأدنين الذي هو أمض وآلم من ظلم
الأباعد وقد قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة علـ ـى النفس من وقع الحسام المهند
|