|
ان
الصحيح في موضوع نشأة التسنن..هو أنه خط نشأ في ايام الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) كونه
مجموعة من ذوي المصالح المشتركة ومعظمهم من قريش.. لم يعرف أحد منهم
بالعلم بل كانوا أهل تجارة وكسب وأموال وضياع.. اجتمعت كلمتهم على
مجانبة علي (عليه السلام) والتثاقل
منه.. بين حاقد عليه لأنه قتل في بدر وأحد ما لا يستطيع الجاهليون
نسيانه نوعا وعددا. وقد قيل أنه يندر أن يوجد بيت في قريش ليس لعلي فيه
قتيل. وبين حاسد له وهو الفتى المحسود على علمه وشجاعته واستئثاره
بالمنزلة الخصيصة عند الله وعند رسوله.. وصاحب الكرامات والفضائل التي
ملئت الخافقين، وصاحب المواقف
المشهودة في حروب الاسلام والمتفرد بأمجادها حتى عاد أمثولة الأبطال في
جميع الأزمنة. وبين من يفضل دنياه على آخرته ويحب أن تكون له حصة من
دنيا قريش وأطماعها، وبين من يستكثر
على بني هاشم أن يجتمع فيهم النبوة والخلافة.
ان هذه المجموعة بدأت على شكل توجه واحد وهموم وأهداف مشتركة تلخصت في
استثقال الخضوع لحكم بني هاشم.. لكنها اذ علمت ان لا سبيل الى معارضة
نفس النبي فقد بدأت بالتفكير في مرحلة ما بعد النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم)،
وبشكل طبيعي كان المستهدف الأول هو علي بن أبي طالب
(عليه السلام).. لأنه الشخصية
الثانية بعد الرسول والمعد ألهيا لتولي الأمر من بعده،
فعرفت هذه الجماعة ببعدها عن علي والتربص به وايذائه ومحاصرته
بأنواع الاشاعات والأقاويل.. وكانت كلما شعرت بالتدبير النبوي لأستلام
علي مقاليد الأمر من بعده نشطت في التخطيط للحيلولة دون ذلك..كما حصل
في قضيةالتخلف عن جيش أسامة، ومن
أراد التفصيل فليرجع الى كتاب المواجهة للأستاذ أحمد حسين يعقوب
الأردني ليرى كيف خططت هذه المجموعة للأستيلاء على الحكم وحالت بين
رسول الله وما أراد.. وما يهمنا التأكيد عليه هنا هو: أن التسنن كان في
نشأته حركة سرية ضد توجهات النبي الأعظم
(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم عاد حركة انقلابية استولت على دفة
الحكم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)..
ثم الى خط حاكم استولى على مقدرات المسلمين وأقصى أهل البيت
(عليهم السلام) عن مواقعهم التي
رتبهم الله فيها، وبدأ بأعادة كتابة
الأسلام وتاريخه كما شاءت له مصالحه السياسية.
حتى جاء من العلماء الذين تربوا على تقديس رموز هذا الخط ومؤسسيه.. من
ينظر للواقع الذي جرى بمنظار التقديس للصحابة والتصويب لأفعالهم بالغا
ما بلغت في القبح والشذوذ.. ويفلسف الأحداث التي كانت كبرى جرائم
الدهر.. ليحولها بذكائه الى اجتهاد من أصحابها وعبقرية من أبطالها
أنقذوا بها الأمة من السقوط في الفتنة.. وتداركوا الأوضاع
من اأوضاع من الأنفلات.. ويفسر لنا بعد مضي تلك القرون الطويلة
مقولة عمر: أن بيعة أبي بكر كانت فلتة.. أنها كانت غير مدبرة مسبقا بل
حصلت ارتجالا وتداركا لوضع خطير.. حيث أراد الأنصار القفز على الخلافة
فتصدى لهم الأبطال من قريش ليحفظوها في قريش لئلا تخرج من هذا الحي الى
أحياء العرب..
تاركين جسد نبي الأسلام مسجى في داره وقد أحاط به أهله والثلة القليلة
من علماء أصحابه.. نعم.. جاءنا بعد مرور أكثر من مأتي سنة من تلك
الأحداث بعض علماء المعتزلة لينشأ الخط الفكري وينظر له.. ويلتمس
الأعذار بل يستخرج الحكم الفريدة ! من أفعال أولئك القوم.. الحكم التي
لم تخطر ببال أحد حتى أولئك البؤساء الذين لم يكونوا يحلموا في يوم ما
أن يحشروا في جمع العلماء وأهل الفكر واذا بهم اليوم.. علماء مجتهدون
تدرس أقوالهم وأفعالهم بدقة للتعرف على الحكمة الغائرة فيها وللوصول
الى واقع أسرارها !
نعم.. لقد بدأ التسنن خطا سياسيا انقلابيا متسلطا حاكما بالقوة
والقهر..على يد مجموعة لا علاقة لها بالعلم والأجتهاد.. وانتهى مذهبا
فكريا فلسف له علماء البلاط في أزمنة متأخرة عن مؤسسيه ونظروا له حتى
عاد مذهبا محاطا بالحجج والأستدلالات.. والتي لم تخطر ببال أحد من
أصحابه الأوائل. هذا هو واقع التسنن يا سماحة الدكتور.. لا ما سطرته
بدوافع الضعف والخوف..آمنك الله وأيانا من فزع يوم القيامة.
|