لوازم هذا القول

     

 

 ليت الدكتور التفت الى لوازم ما يقول وتأكد من سلامة نتائج كلامه قبل أن يتخذه كتابا ينتشر في الآفاق ويقع بيد القراء من شتى الطبقات.. ولنستعرض شيئا من تلك اللوازم الخطيرة لذلك القول الذي حاصله: أن التسنن والتشيع نشآ من اختلاف الأفهام والآراء بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين بعض الأصحاب في تفسير حديث الغدير وأمثاله من الأحاديث التي تحدد مصير الأمة.

أولا : الطعن في عصمة أمير المؤمنين والزهراء وكافة أهل البيت (عليهم السلام)..

 وذلك لأن من الثابت الذي لا يخفى على أحد أن ردود الفعل الصادرة منهم (عليهم السلام) على ما جرى بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تتناسب مع فرضية اختلاف الآراء..لأنها كانت تتسم بالحدية والصراحة.. وكانت تتهم الفاعلين لذلك بسوء النوايا والاعتداء وتقرعهم أشد التقريع. وتعبر عن استلامهم للحكم بالأنقلاب على الأعقاب وبالوقوع في الفتنة وأمثال ذلك من تعابير لا تدع مجالا للشك بأن أولئك القوم كانوا ظالمين متربصين يبطنون سوء النوايا وأن ما جرى كان اعتداءا عظيما على حرمة الاسلام وحرمة الرسول وآل بيته، ومخالفة صريحة للقرآن الكريم وآياته وبيناته ولأوامر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع سبق العلم والأصرار.. بعد أن فهموا وبشكل كامل ما فهمه علي وأهل بيته وأصحابه وشيعته من ثبوت الحق لعلي فقط دون أدنى ريب.. ولو كان الموضوع لا يتجاوز اختلاف الآراء والأفهام لما بقي مسوغ صحيح لهم (عليهم السلام) لمهاجمة القوم بتلك العبائر القاسية التي ستمر عليك والتي تتهمهم في نواياهم بل تؤكد غدرهم ونشاطهم للأستجابة للشيطان ولفتنته. بل كان ينبغي أن يقتصر كلامهم على توضيح الأمور دون تقريع واتهام للآخرين بسوء النوايا..

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية: (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر الي السيل ولا يرقى الي الطير). (9)

وقالت الصديقة الطاهرة فاطمة (عليها السلام): في جمع المهاجرين والأنصار في المسجد وفيهم أبو بكر وعمر ومن تآزر معهما: (فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهر فيكم حسكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الآفلين وهدر فنيق المبطلين، أطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا.. هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر.. ابتدارا زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين..) (10).

أفترى أن الزهراء (عليها السلام) وبعلها (عليهما السلام) كانا يعلمان بأن المشكلة نتجت من سوء الفهم ومع ذلك يعالجانها بالهجوم والتقريع والتهمة بالغصب والظلم والأعتداء؟! وهل يجوز لأحد يختلف معه الآخرون في الرأي والفهم أن يهاجمهم بسبب ذلك الأختلاف ويتهمهم بالظلم والاعتداء؟! إلا أن يكون غير منصف في سلوكه وغير متوازن في نفسيته.. والحاصل أن الألتزام بذلك القول يؤدي لا محالة الى الطعن فيمن صدرت عنه تلك التقريعات في حق القوم.. فهل يرى الدكتور بقاء عصمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد هذه المقالة التي أطلقها ليرتب عليها أن التسنن نشأ خطا فكريا وان أربابه كانوا ذوي رأي خاص في فهم النصوص لأنهم كانوا من أهل العلم والنظر؟!.

وهل يرى أن تبرءة القوم من سوء النوايا أمر مهم الى درجة تعريض مبدأ عصمة أهل البيت (عليهم السلام) للخدشة؟!.

-----------------------

9- نهج البلاغة ص 30.

10- الاحتجاج: 1/253.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت