كيف نشأ التشيع ؟

     

   يجدر بنا هنا أن نوضح مسألة مهمة وهي: أن الأجتهاد انما يصح في موارد ظنية الدلالة والسند وحيث لا يكون المراد قطعيا.. والا فاذا كان النص قطعي السند والدلالة فلا معنى للاجتهاد المخالف له ولا للأجتهاد الموافق له، لأنه يدخل آنذاك في الواضحات والضروريات التي لا مجال للأجتهاد فيها، فوجوب الصلاة مثلا ثابت بشكل ضروري في الأسلام ولا يحتاج اثباته الى اجتهاد، لوضوح أدلته وجلائها، كما لا يمكن نفيه بالاجتهاد أيضا. وحديث الثقلين من هذا القبيل..فهو قطعي السند والدلالة ولا يتضمن احتمالات متعددة كي يتم ترجيح بعضها بالاجتهاد.. فلا معنى حينئذ للاجتهاد في اثبات مضمونه أو في انكار ذلك المضمون وهو (لزوم التمسك بالقرآن وأهل البيت (عليهم السلام) للأمان من الضلالة).

من هنا لا يمكن القول بان التشيع- المستند في الواقع الى أمثال حديث الثقلين- نشأ من الأجتهاد وذلك لأن النص على أهل البيت ليس ظنيا يحتمل الأجتهاد..كما لا يمكن القول بان التسنن نشأ من الاجتهاد بنفي مداليل تلك الأحاديث الجلية..لنفس السبب المذكور وهو أن النصوص على أهل البيت مما لا يحتمل الأجتهاد الموافق فضلا عن المخالف لأنها من الواضحات، فلا التسنن نشأ من الأجتهاد ولا التشيع. ولنعد الى عبارة الدكتور..

قال في صفحة 8 ما نصه: (ترتبط نشأة المذهب الأمامي – تاريخيا – بنشأة الأجتهاد الشرعي.. وترجع نشأة الأجتهاد الشرعي الى البدايات الأولى في محاولات فهم النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف. وتمثل هذا في مجالين:

1- مجال التعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان أهل البيت وهم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين) يتعلمون تفسير القرآن الكريم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستفهمونه عن أقواله واقراراته للآخرين في أفعالهم.

وكذلك الشأن بالنسبة الى بعض الصحابة.

هذا التعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضع أمامهم خطوط الاجتهاد، ويفتح لهم أبواب الأستنباط، فكان العالم منهم اذا سئل عن حكم شرعي يقرأ الآية ثم يفسرها، ويتلو الحديث ثم يشرحه، وهو لون من الأجتهاد ولكن في بداياتها الأولى التي لا تحتاج الى أكثر من قوة الفهم وسعة العلم.

2- مجال الفتيا، فقد كان المسلمون الذين كانوا يقطنون – في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)– خارج حاضرتي الحجاز مكة والمدينة المنورة، يستفتون الرواة من الصحابة لبعد هؤلاء المسلمين عن المركز (مكة والمدينة) وكانوا يفتونهم من خلال فهمهم للآية أو الرواية، وكان المسلمون يأخذون بفهم هؤلاء الرواة من الصحابة ويعملون وفق فتاواهم.ان هؤلاء العلماء سواء كانوا من أهل البيت أو من الصحابة كانوا النواة في نشوء المذاهب الأسلامية والخطوات الأولى في طريق الاجتهاد الشرعي.) انتهى كلامه.

من مجموع ما تقدم من عبارة الدكتور نفهم ما يلي:

1- أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يأخذون العلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان يأخذه جملة من الصحابة.

2- أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا مجتهدين.. حالهم في ذلك حال جملة من الصحابة.

3- أن بذرة التشيع في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) نشأت من اجتهاد أهل البيت في استنباط الأحكام الشرعية وتفسير القرآن..

4- أن بذرة التسنن في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نشأت من اجتهاد بعض اهل العلم من الصحابة ممن كان يسمع الحديث من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

5- وكنتيجة لذلك: فان التشيع والتسنن مدرستان فكريتان نشأتا جنبا الى جنب في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). يقول المؤلف في ص28 (ونخلص من هذا الى أن التشيع والتسنن ولدا معا وفي عهد رسول الله وبشكل منهجين علميين ثم تحولا بعد ذلك الى مدرستين فكريتين، وبعد ذلك وبمفعول السياسة تحولا الى طائفتين أطلق على أحداهما الشيعة وأطلق على الثانية اسم السنة).


     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت