|
أن
مقولة أن أهل البيت (عليهم السلام)
كانوا من المجتهدين.. مخالفة صريحة لمسلمات وبديهيات الشيعة الأمامية
فيما يعتقدون في أئمتهم المعصومين..
ولعلنا نحتاج هنا الى تذكير الدكتور بما هو واضح عند جميع الشيعة على
مختلف طبقاتهم.. من أن الأمام عندنا: معصوم من الخطأ مطلقا.. وكل ما
صدر منه صادر من جده رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) بحيث يمكن نسبته الى الرسول مباشرة وأنهم لا
يأتون من عند أنفسهم بشيء بل كل ذلك صادر من معدن الوحي.. فأقوالهم
ليست اجتهادا في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله.. قد يصيب وقد يخطأ..
وليس فهما بأزاء فهم الصحابة أو غيرهم.. بل هو عين الواقع وعين الصواب
بلا مرية ولا ارتياب.
ولا يخفى أن المجتهد قد يصيب وقد يخطأ.. خصوصا اذا جعل في مصاف
المجتهدين من الصحابة. وليت شعري هل يحتاج عدل الكتاب الى اجتهاد.. ومن
جعله الله تعالى هاديا من الضلال وأمانا من الأنحراف الى يوم القيامة
؟! ومن كان باب مدينة علم الرسول (صلى الله
عليه وآله وسلم).. ومن علمه الرسول ألف باب من العلم يفتح له من
كل باب ألف باب ؟! هل يحتاج أمثال هؤلاء الى الاجتهاد،
وهل خفي عليهم وجه لكي يجتهدوا في فهمه واستنباطه ؟!
وعلى هذا فلا يمكن نسبة هذه المقولة الى الشيعة ولا يمكن أن نصدقها على
الدكتور نفسه.. وليتنا نعتبرها سقطة قلم وكبوة جواد لولا أن الدكتور
رتب عليها نتائج خطيرة لا يمكن المرور عليها بصمت أو اغضاء،
حيث قال أن اجتهادهم كان منشأ للتشيع كما مر عليك في نص
عبارته..ثم انه ناقض نفسه بعد قليل من هذا الكلام فصرح بعدم اجتهادهم
فقال في ص27: (كما أن الأئمة من أهل البيت لم يكونوا مجتهدين، وانما
كانوا رواة لحديث رسول الله ينقلونه ويشرحونه)
ثم نقل عدة من الروايات تؤكد عدم قول أهل البيت برأيهم وعدم اجتهادهم
منها: ما روي عن جابر عن أبي جعفر الباقر
(عليه السلام) قال: (يا جابر ان لو
كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين،
ولكنا نحدثكم بأحادث نكتنزها عن رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم). وما روي عن الامام الصادق
(عليه السلام) قوله:
(مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله،
ولسنا نقول برأينا من شيء).
فاذا لم يكن أهل البيت مجتهدون.. فكيف نبني على ان اجتهادهم كان هو
بذرة التشيع في زمن الرسول (صلى الله عليه
وآله وسلم)؟! كما بنى على ذلك الدكتور. وكيف نحل ذلك التناقض
الواضح؟!.
ان بذرة التشيع نشأت في زمن الرسول الأكرم
(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن لا بسبب اجتهاد أهل البيت في
استنباط الأحكام – كما يقول المؤلف-.. بل لأن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يؤكد
على المسلمين لزوم الالتفاف حول علي (عليه
السلام) والأخذ عنه وتوليه وتولي أولاده من بعده.. وقد عرف
مجموعة من أكابر وأفاضل الصحابة بتوليهم عليا والألتفاف حوله أيام
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
حتى عرفوا بشيعة علي.. وقد أقر بهذه الحقيقة التاريخية جملة من العلماء
منهم:
- أبو حاتم السجستاني في كتابه الزينة قال: (ان لفظ الشيعة على عهد
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
كان لقب أربعة من الصحابة سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن
الأسود وعمار بن ياسر) راجع أعيان الشيعةج 1ص 18.
- وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتابه الفرق والمقالات قال
(جميع أصول الفرق أربع فرق: الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج.
فالشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمون بشيعة علي في زمان النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وما بعده
معروفون بانقطاعهم اليه والقول بامامته،
منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر جندب بن جنادة
الغفاري وعمار بن ياسر ومن وافق مودته مودة علي
(عليه السلام) وهم اول من سمي باسم
التشيع من هذه الامة لان اسم التشيع قديما لشيعة ابراهيم وموسى وعيسى
والانبياء صلوات الله عليهم) المصدر السابق نفس الصفحة.
ثانياً: عن أي صحابة يتحدث الدكتور!! أولئك الذين كانوا يأخذون العلم
عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
ويسألونه عن تفسير القرآن.. ويجتهدون في فهم القرآن والحديث.. كما كان
أهل البيت يفعلون ذلك.. ثم عادوا نواة لتأسيس مدرسة فكرية مستقلة في
مقابل آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
من هؤلاء الصحابة ولم لم يذكر احدا منهم باسمه؟.
ان كان يقصد من أولئك أبا بكر وعمر وعثمان ومن وافقهم..ممن كانوا- بحق-
نواة لنشوء الخط المناويء لآل الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم).. فان أحدا من هؤلاء لم يكن من أهل العلم
أو من أهل السؤال والتتبع للأحكام وللتفسير.. وقد وصف أبو هريرة حالهم
أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بأنهم كانوا مشغولين بالصفق في الأسواق والبيع والشراء (1).. في حين
كان علي ملازما للنبي يكثر من سؤاله والأخذ منه.
وان أراد غير أولئك.. فان كل من عرف من الصحابة بالعلم وطلبه والحرص
على تحصيله.. بحيث أصبح ممن يرجع اليه الناس في الفتوى، لم يكن الا
شيعة لعلي أو موافقا لآل البيت ومتعاطفا معهم.. كسلمان وأبي بن كعب
وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن العباس وأمثالهم..فمن يا ترى الصحابة
الذين شكلوا النواة الفكرية والعلمية لمذهب التسنن ؟ على الدكتور أن
يخبرنا بذلك مشكورا.
على أني على يقين كامل أن الدكتور لا يقصد بأولئك سوى عمر وأبي بكر..
لكن المشكلة في قبول ذلك أنهما لم يكونا من أهل العلم ليتم تركيب
الدليل عليهما..وليتم وصفهما المفترض بالاجتهاد في فهم النصوص.. فضلا
عن تطوير الأجتهاد كما أخبرنا الدكتور عن عمر أنه كان رائدا في هذا
المجال.راجع ص11من كلامه.
-------------------------
1- تفسير الطبري: 14/126، وروى مسلم في ج 2
ص 349، من صحيحه في حديث الاستئذان عن عمر قوله: أخفي هذا عليّ من أمرِ
رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم)؟ ألهاني الصفق في السوق.
وذكر الاميني عن الحافظ السيوطي: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور
واسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن مجالد قال: مرّ عمر بغلام
وهو يقرأ في المصحف:
(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم)
(وهو أبٌ لهم). فقال: يا غلام حُكَّها.
فقال: هذا مصحف أُبي بن كعب. فذهب إليه فسأله فقال: انه كان يلهيني
القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق. (الغدير: 8/60).
|