|
قال في ص21: (فأهل البيت (عليهم السلام)
وأتباعهم كانوا يرون احقية الأمام علي
(عليه السلام) لثبوتها له ب (حديثي الغدير والدار) معتضدين
بـ(حديث الثقلين الكتاب والعترة) ومؤيدين بنصوص أخرى. بينما استبعد
آخرون هذه النصوص تبريرا للموقف، وذلك أن خلافة أبي بكر
(رضي الله عنه) كانت كسبا للموقف
باحباط مبادرة الأنصار أن تكون فيهم الخلافة. والى هذا يلمح قول عمر
(رضي الله عنه): ان بيعة أبي بكر
كانت فلتة.. لأنه لم يمهد لها من قبل.) انتهى كلامه
- يبدو أن المؤلف مقتنع بأن معنى الفلته هو ماذكره القوم.. من أنه
الأمر يقع بلا تدبر ولا روية.. وأنهم انما بادروا الى استلامها والبيعة
لأبي بكر تداركا من أن تقع في أيدي الأنصار الذين قرروا استلامها،
واحباطا لذلك..ولنقف هنا قليلا لنرى وجهة نظر علمائنا في ذلك.
- لقد بحث السيد المرتضى علم الهدى قدس الله نفسه هذه المسألة في نقاشه
مع القاضي عبد الجبار المعتزلي صاحب (المغني) وأوفى..فلم يترك شبهة الا
وأوضح الحق فيها.. ومن تلك الشبهات هو ما ردده الدكتور الفضلي هنا: من
أن الفلتة تعني الأمر الذي يقع بلا تدبير مسبق.. وعلى هذا فبيعة أبي
بكر كانت مفاجأة لم يدبر لها القوم مسبقا بل أرادوا منها كسب الموقف
باحباط محاولة الأنصار الأستيلاء على الأمر. لقد أوضح الشريف قدس سره
تلك المسألة بجميع جوانبها ولا مجال هنا لسردها بتفاصيلها وعلى الدكتور
الرجوع الى كتاب الشافي للسيد المرتضى المجلد الرابع للأطلاع عليها.
وخلاصة ما ذكره قدس سره: أن الفلته التي حذر عمر منها هي الزلة العظيمة
التي تستوجب قتل من يقدم عليها ولذلك قال: فمن عاد اليها فاقتلوه.. وما
ذلك الا لاعتقاده أن بيعة صاحبه التي أبرمها هو كانت خطيئة وزلة تستوجب
القتل ثم ذكر روايات تؤيد هذا الفهم لكلام عمر والذي كان أمرا واضحا
الى أيام القاضي عبد الجبار.
منها:
رواية عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني عن سعيد بن جبير
قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر فقال رجل: كانا والله شمسي
هذه الأمة ونوريها، فقال ابن عمر:
وما يدريك ؟ فقال له الرجل: أوليس قد أئتلفا ؟فقال ابن عمر: بل اختلفا
لو كنتم تعلمون. وأشهد أني عند أبي يوما وقد أمرني أن أحبس الناس عنه
فاستأذن عبد الرحمن بن أبي بكر فقال عمر: دويبة سوء ولهو خير من أبيه..
فأوحشني ذلك منه فقلت: يا أبه عبد الرحمن خير من أبيه ؟ قال: ومن ليس
خيرا من أبيه لا أم لك ؟ ائذن لعبد الرحمن فدخل عليه فكلمه في الحطيئة
الشاعر أن يرضى عنه– وكان عمر قد حبسه في شعر قاله- فقال عمر: ان
الحطيئة لبذي اللسان فدعني أقومه بطول الحبس فألح عليه عبد الرحمن وأبى
عمر وخرج عبد الرحمن.. فأقبل علي أبي وقال: أفي غفلة أنت الى يومك هذا
على ما كان من تقدم أحيمق بني تيم علي وظلمه لي ؟ فقلت ياأبه
لا علم لي بما كان من ذلك، فقال يا بني وما عسيت أن تعلم.. فقلت: والله
لهو أحب الى الناس من ضياء أبصارهم. قال: ان ذلك لكذلك على رغم أبيك
وسخطه.. فقلت يا أبه أفلا تحكي فعله بموقف من الناس تبين لهم ذلك ؟
قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب الى الناس من ضياء أبصارهم،
اذن يرضخ رأس أبيك بالجندل. قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر
فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس فقال: يا أيها الناس ان بيعة
أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن دعاكم الى مثلها فاقتلوه. الشافي
ج4ص126 راجع أيضا شرح النهج ج 2ص 28.
- وروى أيضا عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن سعيد قال غدوت يوما الى
الشعبي وانما أريد أن أساله عن شيء بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقول..
فأتيته في مسجد حيه وفي المسجد قوم ينتظرونه فخرج فتعرفت اليه وقلت:
أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما حديثا لا يبلغه
عقولهم الا كان لبعضهم فتنة. قال نعم قد كان ابن مسعود يقول ذلك،
وكان ابن عباس يقول ذلك أيضا وكان عند ابن عباس دفائن علم
يعطيها أهلها ويصرفها عن غيرهم.. فبينا نحن كذلك أذ أقبل رجل من الأزد
فجلس الينا فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر فضحك الشعبي وقال: لقد كان في
صدر عمر ضب على ابي بكر. فقال الازدي: والله ما رأينا ولا سمعنا برجل
قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقوله بالجميل فيه من عمر في أبي بكر..
فأقبل علي عامر الشعبي فقال: هذا مما سألت عنه.. ثم أقبل على الرجل
فقال: ياأخا الأزد كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها؟.
أترى عدوا يقول في عدو ويريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من
قول عمر في أبي بكر ؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو أنت تقول
ذلك؟.
فقال الشعبي: انا أقوله؟ قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الأشهاد فلمه أو
دعه. فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم بشيء لم أفهمه في الكلام. انتهى.
وذكر السيد المرتضى رواية ثالثة أكثر صراحة في رأيه بأبي بكر مما لا
يدع مجالا للشك في أن ما قصده بالفلتة ليس هو ما يقوله الجبائي.. بل
قصد الذم واسقاط الشرعية عن بيعة صاحبه.. وهي رواية طويلة أعرضنا عن
ذكرها فمن أرادها فليرجع الى الشافي ج4 ص 129 والى شرح النهج أيضا.
فالكلام اذن في تفسير الفلته قديم قد استوفاه القدماء من علمائنا ومنهم
الشريف المرتضىعليه الرحمة..
|