اللاحق

طباعة

الفهرست

السابق

الولاية التكوينية

ما هي عقيدة الشيعة في الولاية التكوينية؟

بسمه تعالى; إنّ المراد بالولاية التكوينية أنّ نفس الولي بما له من الكمال متصرّف في أمور التكوين بإذن اللّه تعالى، لا على نحو الاستقلال، وهذا هو ظاهر الآية المباركة (وَأبْرئ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأحيي المَوتَى بإذن اللّه)(3)، وقوله: (أنَا آتيك به قَبْلَ أنْ يَرتَدَّ إلَيك طَرفُك)(4)، حيث نسب الفعل المباشر إلى نفسه.

كما أنّ المراد من الإذن في الآية الإذن التكويني، بمعنى القدرة المفاضة من قبل اللّه تعالى، لا الإذن التشريعي.

وأمّا الآيات النافية كقوله تعالى: (قلْ لا أمْلك لنَفسي نَفْعاً ولا ضَرّاً إلاّ ما شَاءَ اللّه)(5) فالمقصود بها نفي الاستقلال في التصرّف لا نفي الولاية المعطاة من قبل اللّه تعالى.

هذا مضافاً إلى أنّ الأولياء لا يتصرّفون في التكوينيات استجابة لكلّ اقتراح يُطرح عليهم، وإنّما في خصوص الموارد التي شاءت حكمة اللّه التصرّف فيها لحفظ مصالح التشريع والتكوين.

وبالجملة: فالولاية التكوينية بالمعنى الذي ذكرناه من العقائد الواضحة التي لا مجال للتشكيك فيها عند المتدبّر في الآيات والمتتبّع لحالات الأنبياء والأئمة صلوات اللّه عليهم أجمعين في الأحاديث والأخبار، واللّه الهادي إلى سواء السبيل.

هل يجوز الاعتقاد بالتفويض التكويني للأئمة (عليهم السلام) وعلى فرضه فهل تكون (الولاية التكوينية) عبارة عن قدرة مودعة في المعصوم أو أنّه (أي المعصوم (عليه السلام)) يسأل فيُعطى من قبل اللّه عزّ وجلّ؟

بسمه تعالى; الاعتقاد بالتفويض باطل، فإنّ اللّه بالغ أمره، والأئمة (عليهم السلام) وسائط وشفعاء للناس بينهم وبين اللّه سبحانه وتعالى في مقام استدعاء الحاجات من اللّه تعالى، قال تعالى: (وَابتَغُوا إلَيه الوَسيلَةَ)(6) ولا نعرف وسيلة أشرف من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام)، ولهم الولاية التكوينية كما ثبتت لسائر الأنبياء، وهم أفضل من سائر الأنبياء، والحكمة اقتضت ذلك حيث انّهم ربّما يتصرّفون تصرّفاً تكوينياً لدفع كيد من يريد الاساءة للدين وللمسلمين، وإنّما يمتازون عن سائر الأنبياء من حيث انّ الانبياء يثبتون نبوّتهم بالمعجزة وخرق العادة، بخلاف الأئمة (عليهم السلام) فإنّ إمامتهم ثبتت بتعيين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم باب ابتلي به الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في الزيارة الجامعة، ولذا قلّت تصرّفاتهم التكوينية ولم يتصرّفوا باقتراح من الناس، بل كانوا يفعلون في موارد قليلة لاقتضاء الحكمة والضرورة لإبطال قول مدّعي النبوّة أو الإمامة، ونحو ذلك، كما أوضحناه في بعض الاستفتاءات، واللّه العالم.

هل يجوز أن نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد فوّض إلى الأئمة (عليهم السلام) بعض شؤونه؟ وعلى فرض صحّة ذلك القول، فما هو الفرق بين التفويض الباطل والتفويض الصحيح؟

بسمه تعالى; قد ذكرنا أنّ مذهب التفويض باطل، قال اللّه تعالى: (وَابتَغُوا إلَيه الوَسيلَة)(7)، واللّه العالم.

ما هو حدّ الغلو، وهل تصحّ عقيدة المؤمن إذا اعتقد أن للأئمة (عليهم السلام) مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل؟ وعموماً إذا اعتقد بالمضامين التي جاءت في الزيارة الجامعة الكبيرة، وهل يشمل اللعن في قوله تعالى: (يَدُ اللّه مَغلُولَة غُلَّتْ أيديهم وَلُعنُوا بمَا قَالُوا بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتان) القائلين أنّ اللّه فوّض إلى الأئمة (عليهم السلام)الأحكام الشرعية وشؤون الخلق والرزق، مع إقرارهم وإذعانهم بأنّ كلّ ذلك من اللّه سبحانه؟ وعموماً ماذا تعني الولاية التكوينية للأئمة (عليهم السلام) ؟

بسمه تعالى; الغلاة هم الذين غلوا في النبي والأئمة أو بعضهم (عليهم السلام) بأن أخرجوهم عمّا نعتقد في حقّهم من كونهم وسائط ووسائل بين اللّه وبين خلقه، وكونهم وسيلة لوصول النعم من اللّه إليهم، حيث إنه ببركتهم حلّت النعم على العباد، ورفع عنهم الشرور، قال اللّه سبحانه: (وَابتَغُوا إلَيه الوَسيلةَ)، كأن التزموا بكونهم شركاء للّه تعالى في العبودية والخلق والرزق، أو أنّ اللّه تعالى حلّ فيهم، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من اللّه تعالى، أو القول في الأئمة (عليهم السلام) أنّهم كانوا أنبياء، والقول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض، أو القول بأنّ معرفتهم تغني عن جميع التكاليف، وغير ذلك من الأباطيل ـ وعليه فالاعتقاد بأنّ للأئمة مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ـ ما عدا نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أو الاعتقاد بالمضامين التي جاءت في الزيارة الجامعة الكبيرة بنوعها صحيح، يوافق عقيدة المؤمن.

وأمّا آية (يَدُ اللّه مَغلُولَة . . .) فهي ناظرة إلى اليهود ولا تشمل مثل هؤلاء بمدلولها.

وأمّا الولاية التكوينية، فهي التصرّف التكويني بالمخلوقات سواء كانت إنساناً أو غيره، ويدلّ عليها آيات، منها قوله تعالى: (وَأوحَينَا إلى مُوسَى أنْ ألْق عَصَاك فَإذَا هيَ تَلقَفُ مَا يَأفِكُونَ * فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعمَلُون * فغُلبُوا هُنَالك وَانْقَلَبُوا صَاغرينَ)(8) ومنها قوله تعالى: (إذ قَالَ اللّه يَا عيسَى بنَ مَريمَ اذكُر نعمَتي عَلَيك وَعَلى وَالدَتِك إذ أيَّدتُك برُوح القُدُس تُكَلِّمُ النَّاسَ في المَهد وَكَهلاً وَإذ عَلَّمْتُك الكتَابَ وَالحكمَةَ وَالتَّورَاةَ وَالإنجيلَ وَإذ تَخلُقُ منَ الطِّين كَهَيئَة الطَّير بإذني فَتَنفُخُ فيهَا فَيَكُونُ طَيراً بإذني وَتُبرئُ الأكمَهَ وَالأبرَصَ بإذني . . .)(9)، حيث أسند اللّه الفعل إلى الأنبياء. وغيرها من الآيات.

وبما أنّه لا يحتمل أن يكون ذلك ثابتاً للأنبياء دون نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) فذلك ثابت لنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ثبت أنّ عليّاً (عليه السلام) نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصّ القرآن، ولا فرق بين الأئمة (عليهم السلام). إذن ما ثبت للأنبياء ثبت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ثبت له (صلى الله عليه وآله وسلم) ثبت للأئمة (عليهم السلام)إلاّ منصب النبوّة.

نعم، الفرق بين الأنبياء والأئمة أنّ الأنبياء كانوا يفعلون ذلك لإثبات نبوّتهم بالمعجزة، وأمّا الأئمّة (عليهم السلام) فكانوا لا يفعلون ذلك إلاّ في موارد نادرة كما ورد في الأخبار، وقد كان الناس مكلّفين بمعرفتهم امتحاناً من اللّه للأُمّة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى يتميّز من يأخذ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن لا يأخذ، ولذا ورد في الزيارة الجامعة أنّهم الباب المبتلى به الناس، فكيف يظنّ شخص يلتزم بإمامتهم وأنّهم عدل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ في منصب النبوّة، أنه لا يلزم الاعتقاد بالولاية التكوينية لهم (عليهم السلام) ، مع أنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الولاية التكوينية بأيديهم حتّى يتمكّنوا من إبطال دعوى من يدّعي النبوّة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر ونحو ذلك، مما يوجب إضلال الناس، واللّه العالم.

كيف توجّهون ما ورد في حقّهم من الروايات في التفويض؟

بسمه تعالى; إنّ تفويض التشريع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر ثابت في الشريعة في الجملة، وسنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الدّين أمر معروف، كتشريعه غسل الجمعة، وليس التفويض مربوطاً بأمر التكوين، والثابت في التكوينيّات شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ووساطته، فإنّ اللّه سبحانه يقول: (وَابتَغُوا إلَيه الوَسيلَةَ). نعم، للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)معجزة، يتصرّف في التكوين بإذن اللّه في موارد خاصّة، وهذا أمر غير التفويض، واللّه العالم.

ما هو أهمّ إشكال على إثبات الولاية التكوينية للمعصوم؟ وهل يمكن التصالح بين المنكرين والمثبتين؟

بسمه تعالى; الجواب عن هذا السؤال مذكور في كتاب صراط النجاة، الجزء الثالث، رقم السؤال 1225، صفحة 419.

معنى الفعل والقوة المنسوبين إلى الصفات والذوات

جاء في العقائد وعلم الكلام: أن اللّه علمه بالفعل لا بالقوة، والإنسان علمه بالقوة لا بالفعل، وكذا الوجود.

والسؤال هو: ما معنى الفعل والقوة التي تنسب الصفات والذوات؟

بسمه تعالى; احاطة اللّه بالأشياء كلها احاطة فعلية لا تتوقف على مقدمات، يقول اللّه سبحانه: (ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض) وأما الإنسان فعلمه تحصيلي يتوقف على مقدمات حسية أو حدسية، ففي النتيجة يكون الإنسان عالماً بالقوة سواء كانت قوة قريبة أو بعيدة، والتفصيل يحتاج إلى إطالة لا يسعها المقام، واللّه العالم.

هل يجوز أن يقول الموالي: إن الإمام المعصوم رزقني الأمر الفلاني، أو إنه يعلم الغيب من دون أن يقول: بإذن اللّه، علماً بأنه، أي القائل، يعتقد أن كل ذلك بتفويض من اللّه عزّ وجلّ؟

بسمه تعالى; إذا لم يكن اعتقاده بأن اللّه هو الرازق وان الإمام (عليه السلام) واسطة في طلب الرزق الواسع أو المناسب من اللّه تعالى، بأن اعتقد أن الإمام هو الرازق لا الواسطة في الفيض، فالاعتقاد المزبور باطل; فإنه يدخل في التفويض الباطل، وأما علم الغيب فإنهم يعلمون بقدر ما علمهم اللّه، قال اللّه تعالى: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً)، واللّه العالم.

القيم الدينية والأخلاقية نسبية أم مطلقة؟

ما هو رأي الشارع المقدّس على المستوى الكلّي فيمن يرى أنّ القيم السماوية ليست مطلقة بل إنّ هناك حدوداً للقيم تنطلق من واقعية الإنسان في حاجاته الطبيعية في الأرض، وبعد أن يتحدّث عن استثناءات تشريعية كما في مسألة جواز الكذب في بعض الموارد، وحرمة الصدق في بعض آخر يقول: على هذا الأساس فإن القيمة حتى في الأديان نسبية، القيمة الأخلاقية، ولهذا يقول الأصوليون: ما من عام إلا وقد خصّ؟

بسمه تعالى; إنّ تقييد الأحكام الشرعية، كحرمة الكذب مثلاً بعدم الإضرار ونحوه ثبوتاً، أمر لا ربط له بقول الأصوليين: «ما من عامّ إلاّ وقد خصّ» لأنّ نظر الأصوليين في هذه المقالة لعالم الإثبات والدلالة لا لمقام الثبوت، فالحكم الشرعي في مقام الثبوت إمّا مطلق من أوّل الأمر وإمّا ضيّق من أوّل الأمر، ولا يعقل فيه التخصيص والاستثناء ثبوتاً.

وأمّا القيم الدينية والأخلاقية فبعضها نسبي كقبح الكذب وحسن الصدق، وبعضها مطلق كقبح الظلم وحسن العدل، واللّه الهادي للحقّ.

هل اللّه تعالى هو علة هذا الكون؟

هل اللّه تعالى هو علة هذا الكون؟

بسمه تعالى; اللّه تعالى هو المنشئ للكون، وقد يكون الداعي منه هو خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام)كما يدل عليه ما ورد في الحديث من قوله تعالى مخاطباً نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)«لولاك لما خلقت الأفلاك»، واللّه العالم.

العلّة الغائية

هل يصح وصف المعصومين (عليهم السلام) بأنّهم علّة فاعلية ومادية وصورية وغائية للخلق، وما حكم من اعتقد بذلك؟

بسمه تعالى; إنّ خلق الدنيا ومن فيها وكذا خلق الآخرة ومن فيها وما فيها كلّه من فعل اللّه عزّ وجلّ ومشيئته، وبما أنّ اللّه سبحانه وتعالى حكيم لا يخلق شيئاً عبثاً، فالغرض من خلق الدنيا وما فيها هو أن يعرف الناس ربّهم، ويصلوا إلى كمالاتهم، بإطاعة اللّه سبحانه وتعالى،
والتقرّب إليه، وهذا يقتضي اللطف من اللّه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأوصياء والأئمة (عليهم السلام)ليأخذ الناس منهم سبيل الاهتداء، وبما أنّ الحكمة هي ما ذكر في الخلق حيث يفصح عنه قوله تعالى: (وَمَا خَلَقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليَعبُدونَ)، وبضميمة قوله سبحانه: (وَخَلَقَ لَكُم مَا في الأرض جَميعاً) يعلم أنّ الغاية من خلق الإنس والجنّ هي خلق الذين يعرفون اللّه سبحانه ويعبدونه، ويهتدون بالهدي، والسابقون على ذلك في علم اللّه سبحانه الذين يتخذون الحياة الدنيا وسيلة لكسب رضا ربّهم، والتفاني في رضاه، هم الأنبياء والأوصياء والأئمة (عليهم السلام) ، والسابقون في هذه المرتبة هم نبيّنا محمّد والأئمة الأطهار (عليهم السلام)من بعده. وبذلك يصحّ القول أنّهم علّة غائية لخلق العباد، لا بمعنى أنّ الخالق يحتاج إلى الغاية، بل لأنّ إفاضة فيض الوجود بسبب ما سبق في علمه من أنّهم السابقون الكاملون في الغرض والغاية من الفيض، واللّه العالم.