)الأمر الثالث): أنه يظهر من بعض كلمات أهل الجرح والتعديل تعمد ترك جرح بعض الرواة وإخفاء حالهم صيانة للحديث.
فهذا الحاكم ذكر أقسام التدليس ـ الذي يأتي شيوعه منهم ـ ثم قال: ((قد ذكرت في هذه الأجناس الستة أنواع التدليس، ليتأمله طالب هذا العلم، فيقيس بالأقل على الأكثر. ولم استحسن ذكر أسامي من دلس من أئمة المسلمين صيانة للحديث ورواته))(1).
وقال الذهبي: ((وكذا لم اعتن بمن ضعف من الشيوخ ممن كان في المائة الرابعة وبعدها. ولو فتحت هذا الباب لما سلم أحد، إلا النادر من رواة الكتب والأجزاء))(2).
وقال أيضاً: ((ثم من المعلوم أنه لابد من صون الراوي وستره. فالـحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة. ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلا القليل. إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر، فالعمدة ((والعهدة))(3) على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث))(4).
ولا ندري كيف يكون صون الحديث النبوي الشريف بالستر على رواته المطعون فيهم؟! وكيف يمكن مع ذلك قبول حديث الذين يوثقهم أهل الجرح والتعديل إذا كان من طريقتهم تعمد إخفاء الطعون الثابتة عليهم، وكتمان ما يوجب جرحهم بنحو يعارض التوثيق، ويسقطه عن الحجية؟!
ثم ألا يكون هذا تدليساً من أهل الجرح والتعديل الذين يفترض فيهم ذكر جميع ما يرد في الرجل مما له دخل في قبول روايته وردها؟!
اضطراب موقف الجمهور إزاء ذوي الاتجاهات المختلفة
)الأمر الرابع): أن الجمهور يرون أنهم على حق، وأنهم المؤمنون، وأن غيرهم من فرق المسلمين مبدعون خارجون عن الحق. وهذا في الجملة أمر طبيعي، لأن كل فرقة من المسلمين ترى لنفسها ذلك. وإنما الكلام في أدلتها على دعواها، ولسنا الآن بصدد ذلك.
كما أن الجمهور أيضاً يدعون أنهم وسط بين التشيع والنصب، بأقسامهما. وليس هذا مهماً إنما المهم هو موقفهم من روايات الفريقين وأحاديثهم.
والذي نفهمه أن الأمر يدور بين منهجين..
)الأول): أن يشترط في العمل بالحديث عدالة الراوي له ـ التي هي فرع الإيمان ـ ولا يكتفى بتحرزه عن الكذب. ولازم ذلك عدم قبول الجمهور روايات الفرق الأخرى، وإن كان الراوي ثقة، من دون فرق بين الشيعة بأقسامهم، والنواصب بأقسامهم، من العثمانية، والخوارج، وغيرهم.
بل مقتضى ذلك أن كل صاحب عقيدة من الجمهور لايعمل برواية من يخالفه في تلك العقيدة إذا كان يراه مبدعاً خارجاً عن الإيمان، كما تقدم من أحمد بن حنبل وغيره في حق من يخالفهم في مسألة خلق القرآن أو الرؤية أو غيرهما.
(الثاني): أن يكتفى في العمل بالحديث بوثاقة الراوي وتحرزه عن الكذب، من دون نظر إلى عقيدته، كما سبق أنه المشهور عند الشيعة.
يبدو من الجمهور أخذهم برواية الثقة وإن خالفهم في المذهب
والذي يبدو من الجمهور عدم جريهم على الأول، لأنهم أكثروا من الرواية عمن يخالفونه في الرأي، معللين لذلك بأنه لولا ذلك لذهب جملة من الآثار النبوية(5).
وقال الجوزجاني: ((وكان قوم من أهل الكوفة لا يحمد الناس مذاهبهم، هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي إسحاق، ومنصور، والأعمش، وزبيد بن الحارث اليامي، وغيرهم من أقرانهم. احتملهم الناس، لصدق ألسنتهم في الحديث))(6).
وقال علي بن المديني: ((لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي ـ يعني التشيع ـ خربت الكتب)).
ويقول الخطيب البغدادي: ((قوله: خربت الكتب. يعني: لذهب الحديث))(7)... إلى غير ذلك.
ولكن مع ذلك يبدو منهم أمران لا يتناسبان مع الضابط المتقدم.
تركهم رواية الثقة نكاية به أو بمذهبه
(الأول): ترك بعض أهل الخلاف لهم، كالداعية في فرقته، والرافضي مطلقاً، أو إذا كان داعية، لا لعدم وثاقتهم، بل نكاية بهم وبدعوتهم. <