1 ـ فهذا مالك بن أنس إمام المذهب روى عن حميد بن قيس الأعرج، ووثقه، إلا أنه لما تحامل عمر بن قيس أخو حميد على مالك،وبلغ ذلك مالكاً، قال مالك:((لو علمت أن حميد بن قيس أخوه ما رويت عنه))(1).
وقال ابن المديني: ((ذكر مالك حميد الأعرج موثقاً، ثم قال: أخوه! أخوه! وضعفه))(2).
وما ندري ما ذنب حميد بن قيس إذا كان أخوه قد تحامل على مالك، حتى أنه يترك الرواية عنه ويضعفه بعد أن روى عنه ووثقه.
بل قال ابن حجر، عن حميد هذا: ((وثقه كل من ابن معين، وأبي زرعة، وأحمد بن حنبل، وأبي داود، وابن خراش، والبخاري، ويعقوب ابن سفيان، وابن سعد))(3).
وإذا كانت الانفعالات العاطفية تتحكم في جرحه للرجال فما المؤمن من تحكمها في توثيقه لهم وتعديلهم؟!
ويأتي عند الكلام في طعون المتعاصرين بعضهم في بعض، وفي الطعون بسبب اختلاف المذهب، بعض الطعون الأخرى في مالك.
2 ـ ويحيى بن سعيد القطان حين جرح همام بن يحيى بن دينار، قال فيه أحمد بن حنبل: ((شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، فلم يعدله همام، فنقم عليه))(4).
وهو كما ترى صريح في اتهام أحمد ليحيى بن سعيد بأن جرحه لهمام عدوان بلا حق. فكيف يعول مع ذلك على جرح يحيى لغير همام وتعديله له؟!.
3 ـ وقال الذهبي عن يحيى بن معين: ((وقال أبو عمر ابن عبد البر: رويناه عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال ليس ثقة ... قال ابن عبد البر أيضاً: قد صح من طرق عن ابن معين أنه يتكلم في الشافعي. قلت: قد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت الناس إلى كلامه في الشافعي، ولا إلى كلامه في جماعة من الأثبات. كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس، فإنا نقبل قوله دائما في الجرح والتعديل، ونقدمه على كثير من الحفاظ ما لم يخالف الجمهور في اجتهاده، فإذا انفرد بتوثيق من لينه الجمهور، أو بتضعيف من وثقه الجمهور وقبلوه، فالحكم لعموم أقوال الأئمة، لا لمن شذّ... وقد ينفرد بالكلام في الرجل بعد الرجل، فيلوح خطؤه في اجتهاده بما قلناه، فإنه بشر من البشر، وليس بمعصوم. بل هو في نفسه يوثق الشيخ تارة. يختلف اجتهاده في الرجل الواحد، فيجيب السائل بحسب ما اجتهد من القول في ذلك الوقت)).
وليت الذهبي اكتفى بذلك! ولكنه عقب عليه، فقال: ((وكلامه (يعني ابن معين في الشافعي) ليس من هذا اللفظ الذي كان عن اجتهاد، وإنما هذا من فلتات اللسان بالهوى والعصبية، فإن ابن معين كان من الحنفية الغلاة في مذهبه وإن كان محدثاً. وكذا قول الحافظ أبي حامد ابن الشرقي: كان يحيى ابن معين وأبو عبيد سيئا ((كذا في المصدر)) الرأي في الشافعي. فصدق والله ابن الشرقي، أساءا في ذاتهما في عالم زمانه))(5).
وعن أحمد بن حنبل أن ابن معين لقي شجاعاً، فقال له: يا كذاب. فقال له شجاع: إن كنت كذاباً، وإلا فهتكك الله. ثم قال أحمد: ((فأظن دعوة الشيخ أدركته))(6). ويأتي عن أحمد موقفه منه ومن أمثاله.
يقول أبو زرعة عن يحيى بن معين: ((ولم ينتفع به، لأنه كان يتكلم في الناس)) (7).
ونحوه روي عن علي بن المديني من وجوه، كما قال ابن حجر(8).
ولما حدث أبو الأزهر بحديث عبد الرزاق في الفضائل، عن معمر، عن الأزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، قال: ((نظر النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى علي (رضي الله عنه) فقال: أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة... )) أخبر بذلك يحيى بن معين. فبينا هو عنده في جماعة من أهل الحديث إذ قال يحيى: من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هوذا أنا، فتبسم يحيى، فقال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته. وقال الذنب لغيرك في هذا الحديث(9).
فانظر إلى يحيى كيف تسرع بتكذيب أبي الأزهر، ثم تراجع عنه مصراً على كذب الحديث الذي رواه، متهماً غيره بالكذب فيه، مع أن رواة الحديث من أعلام القوم وثقاتهم. بل لو فرض عدم ثبوت وثاقتهم عنده فلا يبرر ذلك تكذيب الحديث، إذ ليس كل ما يرويه من لم تثبت وثاقته كذباً.
ولعل تكذيبه له لعدم ملائمة متنه لهواه ومبانيه، خصوصاً قـوله (صلى الله عليه و آله و سلم)<