ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

جاء الحق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

جاء الحق
دراسة نقدية
للأفكار المطروحة في كتاب
"مأساة  المأساة"
العلامة الشيخ محمد أبو السعود القطيفي
دار زينب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1418 هـ ـ 1998 م
دار زينب للطباعة والنشر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

مقدمة المؤلف   
بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء واشرف المرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعنة على أعدائهم وخاذليهم إلى يوم الدين.

وبعد..

فإنني لا أريد في كتابتي هذه أن أدخل في نقاش يهدف إلى تسجيل الأهداف لصالح فريق ضد آخر، وليس من أهدافي ملاحقة زيد من الناس أو عمر، في طموحاتهم أو انتماءاتهم السياسية أو غير ذلك، لأشجع هذا وأشد على يده، وأدين ذاك واعترضه من منطلق رصد الطموحات أو رفض الانتماء.

بل ما أريده هو معالجة بعض الأفكار التي طرحت أخيراً برسم التداول، رأيت انه ليس من المقبول السكوت عنها من الناحية العرفية والأخلاقية فضلاً عن الناحية الشرعية، كما لم يصح السكوت عن الأسماء والعناوين التي بها تمرر هذه الأفكار كالتجديد، والإصلاح، والعصرنة، والحداثة، ومحاربة كل من التخلف، والتحجر، والسلفية الشيعية الجديدة، علماً أننا لسنا ضد أي جديد ما لم يتعارض مع الأسس الدينية الثابتة والواضحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

وهذه الأفكار المرفوضة دينياً كثيرة ومتنوعة، نجدها مبثوثة يميناً وشمالاً، ومن جملة الموارد التي بثت فيها، كتاب طبع باسم «مأساة المأساة» كتب عليه اسم «نجيب نور الدين».

وهو الكتاب الذي وضع ليكون رداً على الكتاب الخالد «مأساة الزهراء (ع)»، زعماً منهم أنهم بذلك يستطيعون إسقاط مؤلفه العلامة المتبحر المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى العاملي، علمياً واجتماعياً بل ودينياً أيضاً، هذا عدا عما يجده القارى‏ء فيه من تهم وسباب وافتراءات وخيانات وغير ذلك، ما أبعده كل البعد عن «الموضوعية»  و«العلمية»، ولعلهما كانا آخر هم هذا الكتاب وكاتبه.

فما كان مني إلا أن شمرَّت عن ساعد الجد لبيان الحقيقة، بكل صراحة ووضوح، مؤثراً في ذلك رضى اللَّه تعالى على رضى غيره كائناً من كان، سالكاً فيه درب الحق، ونهج الصدق، متسلحاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأرجو من اللَّه تبارك وتعالى أن أكون قد وفقت في ذلك، ببيان ما أريد طمسه أو تشويهه من معالم الدين، وثوابت المذهب وواضحاته، مما أصبحنا نخشى أن تخرج معه هذه الأفكار بصورة مذهب جديد بدأت معالمه تظهر، وأفكاره تتواصل وتتلاقى.

وبعد صدور هذا الكتاب، لن يفاجئنا أن تتوالى على الكاتب أو غيره ممن يعملون في هذا السبيل، ممن نذروا أنفسهم للدفاع عن الحق والدين، هجمات التلفيق والتزوير، وفق ما اعتدناه وألفناه.

ومهما يكن من أمر، لا شك في أنه ينبغي أن يكون الميدان مفتوحاً أمام الجميع، ليعبر كل واحد عن رأيه وموقفه، وفق الضوابط الشرعية والأخلاقية والعرفية، بدون إرهاب أو افتعال مشاكل، وبدون تهويل بادعاء أن الساحة لا تتحمل، وكأني بهذه الساحة أو تلك تحتمل أقوالهم الخاطئة، ولا تحتمل الصواب بتصحيحها، وإعادة الأمور إلى نصابها، وبيان النهج الحق الذي ينبغي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

العمل على أساسه، من دون مكابرة عن تذوق طعم الحقيقة مهما كان مراً، بكأسٍ ملؤها الصراحة والصدق والإنصاف.

وقد جاريت في كتابي هذا كتاب مأساة المأساة في ترتيبه وأبحاثه وبعض عناوينه لأغراض اقتضتها المحاورة معه.

المؤلف

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

الفصل الأول     
ضوابط... ومعايير     
فكرية... مسلكية... وأخلاقية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

مع مقدمة كتاب مأساة المأساة

يبدأ الكاتب بالإشارة إلى كون علم التاريخ وصفيّاً لا معياريّاً، مشرعاً بذلك السبيل نحو سلب القارى‏ء التفاته إلى أي أرضية، تمهدها التحقيقات التاريخية أمام البحوث العقائدية والفقهية، فيقول (ص 13 من كتاب مأساة المأساة):

لا بد من إعطاء البحث التاريخي حيِّزاً مستقلاً عن المباحث والمعايير الأخرى، كالبحث الفقهي وإثبات مسائل الاعتقاد... فهو جهد محايد يبتكر أدواته ووسائله المنهجية المستقلة عن باقي العلوم.

كما يشير هذا الكاتب إلى لزوم تسلح الباحث... بأدوات الشك؟ وعلامات التساؤل! ويضيف إلى هذا استعماله ألفاظ الشك المنهجي والعلمي والموضوعي، كل ذلك ليفتح الطريق أمام ذهن القارى‏ء، ليتقبَّل، ومن ثَمَّ، ليذعن بتشكيكات المشكِّكين، وتساؤلات المتسائلين، التي يصفها فبزعمه بالمنهجية.

مع أنها فأي هذه الشكوك‏ مجردة غالباً عن السعي المنطقي والعلمي، نحو تحصيل الإجابات المناسبة لها، من خلال الرجوع إلى المصادر المعتمدة، وإلى أهل الاختصاص الموثوقين، ما يكشف أكثر عن عدم كونها من الأمور التي يصح جعلها ضمن إطار المنهج العلمي.

والسبب في هذا الأمر، إلقاء صاحب هذه الشكوك لها في محافل من عموم الناس، من الذين يفتقدون للكثير من القدرة على تمييز التساؤل من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

التحقيق، والتشكيك من التدقيق، والعلم من المعلومات، وبالتالي الخطأ من الصواب، ثم الحق من الباطل.

وبعد ذلك يوحي هذا الكاتب (ص13) إلى القارى‏ء بلزوم تجريد الباحث التاريخي لذهنه، عن كل ميوله وانتماءاته، معللاً بأن التاريخ علم وصفي، سالباً بذلك الباحث المحقق في كل من التاريخ والعقائد والفقه، حقه في إبداء وجهة نظره «المعيارية»! في حقل الاعتقاد والفقه، ولو كان اعتماداً على ما توصل إليه في تحقيقاته في هذين العلمين، وعذره في ذلك هو أن البحث إنما هو في التاريخ، وهو علم وصفي لا معياري، أو أن الكتاب المدوَّن في ذلك كتاب يبحث فيه التاريخ، فلا محل للأبحاث المعيارية فيه!!

ويمضي هذا الكاتب مدعياً (ص‏14) أن البحث التاريخي إنما يلتقي مع العقيدة والفقه في النتائج لا في غيرها، متجاهلاً لتوقف الكثير من مباحث الفقه والعقائد على الكثير من أبحاث التاريخ.

غافلاً عن أن ما أسماه فأعني الكاتب‏ بالإسقاط المذهبي (ص‏13)، إنما يضر لو أن ما ذكره تمَّ من خلال عملية تشييد هذه المقدمات لاستخلاص النتيجة منها، أما بعد ذلك فليس في البين ما يمنع الباحث الملتزم من إبداء الرأي في كيفية اندراج هذه النتائج التاريخية أو غيرها، تحت المعايير المناسبة لها.

وقد موَّه الكاتب في ذلك كله على القارى‏ء بقوله (ص‏15): إن غاية ما يرقى إليه التاريخ هو الظن الراجح، فكيف يمكن إدراج بحوثه في جداول الأمور الاعتقادية التي يفترض فيها ثبوتها بالجزم واليقين.

كما أوهم القارى‏ء، أن جميع ما يبحث في التاريخ لا يعدو كونه ظنّاً راجحاً، ولو لبس أحياناً لباس اليقين الذاتي، الذي غايته أن يدور مدار ظروف الباحث وأحواله، خلافاً لليقين الموضوعي الذي يفترض حصوله لكل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

من يطلع على المقدمات المنضَّدة، لاستخلاص النتائج بالشكل العلمي والفني.

وبذلك أراد أن يسد مسارب التفكير الصحيح والقويم أمام العقل الفطري السليم، لئلا يأخذ بموجبات القطع الذي ينبغي أن يحصل من خلال هذه الأبحاث، فقام بسحب بساط الموضوعية من تحت أقدام الأبحاث التاريخية، ممهداً بذلك لنفسه الطعن على كل من تسوّله نفسه الانتقال من مرحلة بناء وتشكيل الوصف القطعي والموضوعي للتاريخ (ص31 من مأساة المأساة)، إلى مرحلة عرض هذا الوصف على المعايير الثابتة، العقيدية منها والشرعية، وكأنه لم يعد للبحث التاريخي غرض سوى أنه للترف الفكري، وإشباع الفضول بالبحث الحثيث حول المجهول.

ومن هذا الكلام يتضح لك سقوط دعوى هذا الكاتب، وبطلان اتهامه لسماحة العلامة المحقق المدقق السيِّد جعفر مرتضى العاملي (أيده اللَّه ونصره) بالخلط بين العقيدة والتاريخ، لأن الباحث الملتزم في التاريخ أو في غيره، غرضه تحقيق وصون ما يصب في خدمة العقيدة والشريعة، ولا يضر في ذلك كون البحث حينئذٍ تاريخيّاً أو عقيديّاً أو غير ذلك.

التقليد في مسائل العقيدة

ويستوقفك بعد ذلك تعرض هذا الكاتب للمسائل الاعتقادية وشرائط ثبوتها بقوله (ص‏15):

لا تقليد في المسائل الاعتقادية.

موحياً بذلك للقارى‏ء بلزوم الأخذ بمجرد الوصف الظني للتاريخ، وعدم التعدي عن ذلك نحو الحكم بمعايير الأخلاق والعقيدة، على غرار فعل مؤلف كتاب مأساة الزهراء (ع)، لخلوِّ الوصف التاريخي عن صفة القطعية، وعدم توفر المعايير اللازمة للحكم في الأبحاث التاريخية، مدعّماً ذلك باعتباره لمسائل العقيدة من المسائل التي لا متابعة فيها، بل يحصلها من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

أرادها بنفسه، بالحجة القاطعة لا بالتعبد، قال «ولذا فإنها ليست من المسائل التي تحسم بسهولة، ولا يمكن التسلح بجملة تعميمات أو عناوين توحي بالتعبد والقداسة (ص‏17).

وقد فات الكاتب إن مسائل أصول الدين الاعتقادية يمكن العمل فيها وتحصيلها بالمتابعة شريطة حصول القطع والاعتقاد بها. وليس الأمر كما ذكر بقوله (ص‏27):

تكليف كل إنسان أن يحصل مسائله الاعتقادية بالدليل والحجة والمساءلة، وعدم الركون لوثائق التاريخ بسهولة إلا بعد عملية نقدية مطولة ودقيقة.

ولست أدري ولا أظنه يدري‏ أن كان يحكم بكفر العجائز من الآباء والأمهات، لمجرد كون اعتقادهم ناشئاً عن متابعتهم لغيرهم، ممن هو أعلم منهم في هذه المسائل، مع عدم تحصيلهم لها بالطريقة التي ذكرها، علماً أنا نقطع بسلامة تديّنهم، وقوة اعتقاداتهم، إلى حد لا يصل إليه اعتقاد كاتبنا الجليل! ونحن هنا نسلف القارى‏ء أمراً يعلم من خلاله أين الكاتب من صاحبه الذي عنه يدافع.

موسى(ع) يطلب رؤية اللَّه

فبينما نرى الكاتب يقول (ص‏15):

لا تقليد في المسائل الاعتقادية.

نرى السيد فضل اللَّه يقول في تفسير قوله تعالى: (قال ربّ أرني أنظر إليك): إن علَّة سؤال موسى(ع) هي جهله بأصول الدين، وبأن اللَّه تعالى لا يُرى، لأنه تعالى كان يعلِّمها (أي أصول الدين) لأنبيائه(ع) تدريجيّاً(1).

ـــــــــــــــ

(1) نشرة بينات تاريخ 21/2/1997.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

وهذا الكلام يستبطن أساسين باطلين:

  جهل موسى(ع) خصوصاً، والأنبياء(ع) عموماً بأصول الدين عند البعثة والنبوَّة. ومن المفروض أن ذلك مخل بأركان التوحيد والإسلام، وبالتالي فهو عبارة أخرى عن عدم الالتزام بعصمة الأنبياء عن المعاصي ومن جملتها الشرك قبل النبوة. وهو الأمر الذي اجمع على بطلانه علماء الطائفة الإمامية المحقة.

  إرسال اللَّه تعالى لمن لا يعرفه حق معرفته، بل لم يعرف أصول دينه ولو بمستوى طالب علوم دينية متواضع في مهمة هي من أشرف المهمات، ألا وهي الرسالة الإلهية المتجوهرة بالتعليم والتزكية.

هل الشك مدخل لليقين!؟

ثم يعود هذا الكاتب ليبين قائلاً:

إن الشك عند البحث التاريخي في واقعة ما، لا يعني إنكارها، لأن الشك مدخل لإعادة القراءة والنظر، وهو بداية للجهد العقلي في معالجة موضوع البحث... فلا معنى للبحث... حول ثبوت ما ينبغي ثبوته سلفاً.. (مأساة المأساة ص‏19).

ولنا تحفظ كبير على صحة قوله: لأن الشك مدخل لإعادة القراءة والنظر، وذلك لعدم توقف حصول القطع على حصول الشك، إذ تقدم الشك على القطع ربما كان صحيحاً في بعض الحالات، لكن ليس الشك من الأسباب التي لا يمكن حصول القطع إلا بواسطتها.

فمثلاً وجود الخالق الباري تعالى أمر فطري ليس محلاً للشك (أفي اللَّه شك فاطر السماوات والأرض) [إبراهيم: 10]، والاعتقاد بذلك ليس بالضرورة مسبوقاً بحال الشك، بل أكثر من هذا ليس الشك هنا مدخلاً لإعادة القراءة والنظر، بل هو ـ هنا ـ بوابة تعبر بصاحبه نحو الخروج عن دائرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

الإيمان والاعتقاد باللَّه تعالى.

ومع هذا فالكلام فكل الكلام‏ في كيفية كون الشك مُدخلاً لهذا اليقين، حين طرحه (أي الشك) عشوائيّاً، في الملأ! والهواء الطلق!، وأمام عموم الناس؟

إذ هل المطلوب من هؤلاء الناس العاديين الطيبين فالذين نحترم ونجلّ بذل كل هذا الجهد العقلي، لمواجهة العقبات الكبيره، المطروحة أمام الاعتقاد الصحيح بالمفاهيم الدينية، في مواجهة حملة الإثارات التشكيكية، خصوصاً أن مطلق هذه العقبات، ومثير هذه الشبهات، يكتفي بإثارة الشك، من دون أن يزيد عليه أي جهدٍ من قبل نفسه، في سبيل إزالته، ولن نزيد على ذلك قولنا: إنه يريد اقتلاع هذه الأفكار والمعتقدات بأمواج التشكيك التي يطلقها.

فنحن لم نجده على كثرة ما له من منشورات مكتوبة ومسموعة، قد تصدى بالأدلة والبراهين والوثائق، لتحقيق حقيقة من الحقائق الدينية الهامة، بعد إثارته للشك حولها، بل دأبه هو الاكتفاء بقوله: «لم يثبت»، و «غير معلوم»، ولعلّ في أجوبته الارتجالية وفي كتابته لمئات الصفحات، من دون الرجوع إلى الحد الأدنى من المصادر والمراجع اللازمة، للمواضيع التي يتحدث فيها، شاهد صدقٍ على ضعف البحث العلمي عنده، ومخالفة نهجه في إثارة القضايا، للنهج العلمي الواضح المعالم والمقبول والمتسالم عليه.

وذلك لأن العلماء والمثقفين لن يرضوا بعد إثارة الشك في قضية من القضايا «البحثية» من أي نوع كانت، سواء في الفقه أو العقائد أو التاريخ أو التفسير، لن يرضوا بالإكتفاء بالفتوى الصادرة من سماحته، والتي يبين فيها رجحان كفة هذا الطرف أو ذاك من طرفي الشك، ما لم يُثبت ذلك بالبراهين اللائحة، والأدلّة الواضحة، وهذا ما لم نشاهده منه.

وبعدما أشرنا لك وسنوضحه أكثر فيما يلي من استحكام حالة الشك والتشكيك ورسوخها عند سماحته، كيف يمكن لحركة العقل أن تأخذ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

مسارها المتواصل من دون انقطاع، في تصوير وفهم ما جرى كما يدعي هذا الكاتب (مأساة المأساة، ص‏20).

تقييم المنهج أم سباب وشتائم؟!

يبتدأ هذا الكاتب كلامه (ص20) تحت عنوان «منهجية كتاب المأساة» بقوله:

بعد هذا العرض المنهجي، نود... الخ!؟

وقد ارتكب بذلك ما عابه على غيره، حين يدعي على العلامة السيد جعفر مرتضى فيقول مرةً:

«سلب حق القارى‏ء في الحكم والتقدير... ويقول أخرى: واستلاب أذهان الناس وقمع حرية اختيارهم» (ص‏23).

ذلك لأنه كان من الواجب عليه أيضاً، أن يترك لنا فنحن القرّاء الخيار في حكمنا على عرضه هذا بالمنهجية وعدمها، فلا يسبقنا في ذلك أو يتبرع عنا، ليصف نفسه بما يحلوله أن يسلبه عن غيره، ولست أظن عاقلاً يصحح هذا الوصف بعد ملاحظة ما يلي، حيث قدم مقدمة مختصرة أمام نقاط ثمانية نستعرضها تباعاً، وأهم ما فيها قوله:

إن هذا الكتاب (أي مأساة الزهراء) ليس انفعالاً، ناتجاً من فعل خارجي، بل مبادرة في حد نفسها.

ويضيف إلى هذه التهمة جملة من الاتهامات والدعاوى والافتراءات، وإليك مسرداً بها جميعاً:

لائحة التهم والشتائم

ما تقدم ذكره من كون كتاب مأساة الزهراء مبادرة لا انفعال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

  التشكيك في حمل المؤلف المحقق (حفظه اللَّه) لهمّ العقيدة والدين.

  ادعاؤه وجود فاصل بين «العلمية»  ومضمون الكتاب، مبرهناً على دعواه الفارغة هذه بشتائمه واتهاماته كما يتبين لك لاحقاً، و«كل إناء بالذي فيه ينضح».

  دعواه وجود خلفية تستر صاحب مأساة الزهراء عليها تحت قناع دفع الشبهات ورد الأقاويل.

  ادعاؤه على العلامة مرتضى المصادرة على المطلوب.

  قمع حركة التفكير باسم الإيمان.

  تمييع البحث العلمي باسم مقامات الأولياء.

  اطلاق الاتهامات باسم حب أهل البيت(ع).

  الرؤية التسطيحية للفكر.

10ـ  استلاب أذهان الناس في تلقي المعارف.

11ـ  قمع حريتهم في الاختيار.

12ـ  الاتهام بالخروج عن الدين والردة.

14ـ  تهديد كل من يثير الاشكال العلمي والتساؤل المنهجي.

15ـ  التقليد الأعمى في المسائل.

16ـ  «المزاودة» (على حد تعبيره).

17ـ  الاحتكار (العلمي!).

18ـ  التعصُّب الأعمى.

19ـ  عقدة الأنا والآخر.

20ـ  الاستخفاف بعقول الناس.

21ـ  اخضاع الناس بلغة التهديد والتخويف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

22ـ  تنزيل الوقائع المبحوث عنها منزل المتيقن.

ولعل الذكي الفطن يعثر على غير ذلك في كلامه مما اتهم به العلامة السيد جعفر مرتضى.

ونحن أمام هذا التهويل والمبالغة وسيل «الشتائم» «المنهجي»، في عرض عيوب منهج كتاب «مأساة الزهراء (ع)»، «نقف مندهشين حائرين، حيث يتخلف فعل الكاتب عن قوله، ويبطل دعواه عمله، ولن نزيد كثيراً، على قول الشاعر:

‏لا تنه عن خلقٍ وتأت بمثله             عارٌ عليك إذا فعلت عظيم‏

ويضيف الكاتب المؤدب في سياق عرضه لشتائمه «العلمية والممنهجة»، فيقول (ص‏23):

العقيدة لا تحمى بالسبّ والتهم والمنع والتحريم، بل تحفظ بالحوار المفتوح والدليل الواضح، والبحث العلمي... فلا عقدة من الرأي المخالف.

ونحن فبلا تعليق نترك للقارى‏ء مجال المقارنة بين ما ذكره هذا الكاتب المهذب! هنا، وبين ما تقدم عرضه من الشتائم المبوبة على طريقته «العلمية، الموضوعية والممنهجة»، ثم نلفت نظر القارى‏ء إلى قوله (ص‏23):

وقد أكد كتاب المأساة أنه ينهج البحث العلمي، ويعتمد الدليل والحجج القاطعة، والفكرة الحاسمة للجدل، وهي ألفاظ حشدها الكتاب في مقدمته سالباً الحق للقارى‏ء في الحكم والتقدير ومصادراً خياره في الاقتناع، فهو إما منصاع لنتائج الكتاب، وإما مكابر ومعاند، لأنه رفض الدليل ونبذ اليقين».

وهل يرى القارى‏ء المنصف كلام هذا القاصر إلا منطبقاً عليه نفسه؟

وهل إن المنهجية والعلمية والنقد الموضوعي استدعى منه كل هذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

الشتائم والتهم؟

وكأني به نحر نفسه قبل أن يقيّم منهج سماحة السيد جعفر مرتضى في كتابه مأساة الزهراء(ع)، ثم قبحَّ منهجه ولم ينتقص من قدر سماحته (أيده اللَّه).

 

أسلوب التهمة وأسلوب الحوار

تستعرض هذه «الأبحاث المنهجية»! مقتضيات الحوار العلمي، فيُخال كاتبها بادى‏ء الأمر سابحاً في غمار العلم والحقيقة، ولكن سرعان ما يستوقفك قوله (ص‏24):

«يُبحث (في الحوار العلمي) وفق ما يراه صاحب الكتاب أقرب إلى الحقيقة، وهذا ما افتقده الكتاب (مأساة الزهراء)».

والظاهر أن هذا الكاتب لا يعلم أن الحوار العلمي، إنما يدار وفق المعايير الصحيحة، الواضحة، والمسلمة بين طرفي الحوار معاً، لا وفق ما يراه أحدهما دون الآخر، وبناءً على هذا وغيره معه صحَّ من هذا الكاتب، أن ينسب إلى كتاب (مأساة الزهراء) افتقاده لهذا (الحوار العلمي) على طريقته، وذلك لكون البحث فيه ليس في خصوص ما أذعن به مؤلفه السيد مرتضى دون غيره. بل هو بحث وفق الأسس المسلمة التي ينبغي ان يدور فيها الحوار بين الطرفين المتنازعين.

ولعل أهم ما يتعرض إليه هذا الكاتب في هذه الفقرة، هو دعواه حكم المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى بمخالفة اجتهاد «البعض» لثوابت المذهب (ص‏24).

وهذا الحكم هو التهمة التي ألقاها على كاهل سماحته، مبرأً السيد فضل اللَّه منها (أي التهمة) بقوله (ص‏24):

إننا لم نجد رأياً واحداً صدر عن البعض يخالف الثوابت، ويسقط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

الضروريات المذهبية، ويعتبر أن رأيه وما ثبت له هو اليقين والضروري.

ثم يشرع بسرد الاستفهامات الاستنكارية حول معنى الثابت؟ وما هي الثوابت؟ وماهو الغرض من زجها في البحث، وتعليقاً على كل ذلك نقول:

أما مخالفة الثوابت فسيأتي عرضها قريباً فانتظر، وأما الثوابت فنقول:

الخلط بين الثوابت والضروريات

يظهر من «مبعثر» سطور كتاب «مأساة كتاب المأساة» جهله الفاضح، وخلطه الواضح بين الثوابت والضروريات، وقصوره عن استيضاح الفرق بينهما، ولعله معذور في ذلك، لأنه لم يجد حوله من يمكنه الإجابة على تساؤله هذا، ونحن بدورنا نبين له ذلك، ونلفت نظره إلى أن:

الضروريات هي كل ما وجب العلم به من قبل المنتمين إلى هذا الدين أو المذهب بالبداهة، ويكون انكاره موجباً للكفر باعتبار استلزامه تكذيب النبي‏(ص)، أو موجباً للخروج عن المذهب باعتبار عدم تقيد منكرها بما به يدخل في إطاره.

وأما الثوابت فهي الأمور المقطوع بصحتها في هذا المذهب، ومع هذا لا يجب على كل معتنقيه العلم بها، ولا يضر جهلها في صدق انتمائهم المذهبي، لكن يجب مع تحقق العلم بها الاعتقاد بها، لوضوح وقطعية أدلتها سنداً ودلالة ومدلولاً، ويشتد قبحاً أمر جهلها في العلماء، من المدعين للعلم والمتظاهرين بحمله وتعليمه، ولا يقبل منهم انكارها.

ولعل عذر العلامة مرتضى في ترك هذا البيان، اعتماده على فطانة القارى‏ء، وإن لم يكن معذوراً في ما يتعلق بأمثال هذا الكاتب.

ومثال الضروريات: الصلاة والصوم والحج، فإنها من الواجبات التي يجب تعلم حكمها، وفي نفس الوقت تعرف بالبداهة من دين الإسلام، ويخرج من الدين منكرها، ومثلها حرمة شرب الخمر والزنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

ومثال الثوابت: الرجعة الثابتة لأئمة أهل البيت(ع)، في آخر الزمان، فهي أمر مقطوع الصحة في المذهب، للقطع بصحة الأخبار الكثيرة جدّاً، إن لم نقل المتواترة، كما وصفها بذلك العلامة السيد عبد اللَّه شبر، في كتابه حق اليقين في أصول الدين (ج2 ص2و3)، ولا يشك في ذلك إلا من اقتبس من غير أنوارهم(ع)، لكن لا يجب السعي لتحصيل العلم بها وبتفصيلاتها، ولا يضر بإيمان المكلف جهله بها.

لكن لو أنكرها العالم مع توافر الروايات الدالة عليها، استلزم ذلك تكذيب النبي‏(ص) والأئمة في إخبارهم، ومعه يشكل الأمر ويُترَيث حتى ينظر في الشبهة التي دعت المنكر للاقدام على انكاره هذا.

ومثلها في هذا الأمر الشفاعة لوضوح معناها وأدلتها الدالة عليها واستلزام نفيها، نفي الكم الهائل من الآيات والروايات المثبتة لها، والواضحة في معناها، مما يستلزم بالتالي تكذيب النبي‏(ص) وأهل بيته الطاهرين(ع)..

تحصين الاعتقادات لا يكون بالتشكيك:

ثم تصدى بعد هذا كاتبنا الحاذق! للإشارة إلى أن الفارق بين من يثير التساؤلات حول ثبوت أحداث تاريخية! «وليلاحظ اقتصاره على لفظة تاريخية»، ليثير النقاش من حولها، ويطرح قيمة وثائقها الدالة عليها، وبين من يؤكد الوقائع التاريخية ويدعي يقينيتها، ويتهم المخالف بالرِّدة أو بالخروج عن المذهب، هو الفارق بين منهجية من يحصّن!! الاعتقاد بالوعي والتفكير والبحث، وبين منهجية تثير الرعب باسم مقامات الأولياء وتقمع العقل باسم المقدسات الخ...(ص‏25).

ولعمر الحق لست أدري كيف يكون من جل آرائه شكوك وتساؤلات فكما اعترف الكاتب نفسه(ص27) محصناً للاعتقاد بالوعي أو التفكير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

والبحث، ومتى كانت الشكوك حصناً للحقائق؟! بينما يكون من أسهم في تحقيق الحقائق الدينية، وجلاء غامض الصور العلمية، صاحب منهج يثير الرعب، نعم هو مرعب لأعداء الحقيقة، نرجوه تعالى أن لا يكون كاتبنا البصير بغير الحقائق من جملتهم.

ومن كل هذا يُعرَف الهذيان والافتراء والخلط في قوله(ص‏25):

تلاعب بالضروريات وحقائق الدين ليجعلها على قياس قناعاته.

وتعليقاً على هذا الكلام نخاطبه بمثل ما يخاطب به غيره حيث يقول(ص‏26):

ولا ندري أين هي لغة البحث العلمي؟ لأنا لم نرى منها في كتابه عيناً ولا أثر.

ولا ينقضي العجب كيف يجيز هذا الكاتب للقارى‏ء العادي، أن يملي رأيه ويدلي به حسب الموازين العلمية، ووفق المعطيات والادلة اليقينية المتماسكة، بعد النظر في دعوى الخروج عن المذهب.

ثم يمنع الباحث المحقق من ذلك ويحرّمه عليه، وكأنما له كامل الحق في ذلك، لخبرويته وتضلعه هو دون غيره، ولفقاهته وعميق معرفته!!! خلافاً لمن سواه.

أسلوب المزايدة

وهنا يعود الكاتب ليكيل الشتائم ويحشد التهمة تلو الأخرى بقوله(ص‏28):

أسلوب المزاودة؟! يغيّب لغة العقل، ويعزز الخوف من التهمة، والمراءاة من أجل كسب المديح والتبجيل.

ويحول البحث عن مساره عندما يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

ويتحول البحث إلى مباراة في مقامات المعصومين، والمزاودة! في إثبات فضائلهم، وتصبح إثارة نقاش «علمي» حول مسألة تتعلق بأحوال المعصومين إنكاراً لكل المقامات والفضائل وإسقاطاً لعلو الأئمة.

النهج الخاطى‏ء أم إرادة التمويه؟

ونحن نعود بدورنا لننبه القارى‏ء على إرادة التمويه، والرغبة في التعمية، التي يمارسها منضِّد تلك الكلمات، إذ أن البحث لم يكن في كرامة أو معجزة معينة، أو في مقام للأئمة والأنبياء(ع) ينازع في الدليل على إثباته، بل الكلام إنما هو في كثير من الأمور التي يعالجها السيد فضل اللَّه، ويتّبع فيها نهجاً خاطئاً ومضطرباً، ويمارس فيها صداماً ظاهراً وحادّاً، يحلو له من خلال ذلك تبيان قصور الأنبياء(ع) والأئمة(ع) أو تقصيرهم عن بلوغ المراتب العالية للكمال الإنساني، بحجة الضعف البشري أو بحجة الغلو! وأشباه هاتين من المقولات، وإذا أردت وثيقة تدلك على واقع الحال فيما نذكره، فما عليك إلا النظر فيما يلي، ثم بعد ذلك اعطف عليه حديث الولاية التكوينية، وعصمة الزهراء والأئمة والأنبياء(ع)، وحديث الكساء والغدير، وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بمقاماتهم(ع) مما سنتحدث عنه لاحقاً.

العصمة التكوينية

قال السيد فضل اللَّه في مقالته مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد (الفكر الجديد عدد9، ص‏62): إننا نتساءل ما المانع من اختيار اللَّه بعض عباده ليكونوا معصومين، باعتبار حاجة الناس إلى ذلك؟ وما المشكلة في ذلك انطلاقاً من مصلحة عباده؟ وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم فإن الجواب...الخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

ومن الغريب بعد ذلك حل سماحته لإشكال صحة الثواب والعقاب المترتب على القول بالجبر بطريقة لم نكن نتوقعها، وليس هذا الكتاب موقعاً لبيان اشتباهه فيها(1)، ثم يؤكد السيد فضل اللَّه هذه المقولة في أجوبة المسائل المؤرخة في 8 رجب، والتي أرسلت إلى الحوزة العلمية في قم، حيث سئل:

ينسب إليكم أنكم تقولون بالعصمة التكوينية للأنبياء والأئمة عليهم السلام حتى قال البعض: إن معنى العصمة التكوينية ولازمها أن يكون الإمام المعصوم كالجدار لا فضل له أبداً؟ فأقر على هذا الأمر.

وفي هذا ما لا يخفى من إسقاط الرسول وأهل بيته المعصومين(ع)، عن مرتبة القدوة والأسوة الحسنة التي أمر اللَّه باتباعها، لأنهم على هذا القول بجبرية العصمة فيهم، لا فضل لهم في ذلك، فيكون المؤمن الذي يطيع تارة ويعصي أخرى، أفضل حالاً منهم في ذلك، لإعمال هذا المؤمن إرادته في طاعة اللَّه، ومجاهدته في دفع المعصية عن نفسه ومراقبتها ومحاسبتها، رغم كل ما يمكن أن يقف بوجه امتثاله لأوامر اللَّه تعالى ونواهيه.

بينما المعصوم الذي كُوّن وأجبر على هذه العصمة، لا يكلّف عناء شي‏ءٍ في ذلك، هذا مع الإغماض عن التناقض الحاصل في كلماته هذه وغيرها، مما يوافيك في محله المناسب.

الخوض في أنوار المعصومين لا يفيد؟

وهناك موردٌ آخر نذكره (للتمثيل لا الحصر)، وهو قول السيد فضل اللَّه في هذه المقالة أيضاً في ما يتعلق بأنوار أهل البيت(ع)، وأنهم كانوا أو كان بعضهم، ولم يكن معهم شي‏ء سوى اللَّه تعالى، الذي خلقهم وصورهم

ـــــــــــــــ

(1) نحيل القارى‏ء لحل هذه الشبهة الى كتاب «العصمة على ضوء المنهج القرآني» للسيد كمال الحيدري الصفحات (83 ـ 105).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

وبرأهم أنواراً، وأن اللَّه تعالى خلق الكون لأجلهم، يقول (ص‏13) من المجلة نفسها:

وهكذا نجد أن السؤال يفرض نفسه في الأحاديث التي تدل على أن اللَّه خلق الكون لأجلهم، فإننا لا نستطيع أن نجد له تفسيراً معقولاً حتى على مستوى وعي المضمون في التصور الفكري، فهل القضية واردة في نطاق التشريف، أو في نطاق الدور الرسالي أو في نطاق الهداية أو ما إلى ذلك؟

وهذا هو عين إزاحة أهل البيت(ع) عن مواضعهم التي وضعهم اللَّه فيها، وذلك لكثرة الروايات الواردة في هذا المعنى عند الفريقين من المسلمين، حتى أثبت تواتره العلامة الكبير السيد مير حامد حسين الموسوي الهندي صاحب عبقات الأنوار في كتابه(1).

ومع هذا نرى السيد فضل اللَّه يقول: ماذا ينفع أو يضر أن نعرف أو نجهل أن الزهراء(ع) [ولا بد من أن يكون غيرها من المعصومين مثلها] نوراً أوليست بنور، فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (مأساة الزهراء ج 1 ص 83).

ولما سئل عن خلق اللَّه النفوس قبل خلق سيدنا آدم، ثم خلق اللَّه سيدنا محمد(ص) قبل آدم(ع)؟

أجاب بما لفظه: المهم أن اللَّه خلق آدم، وخلق محمد وخلقنا، وليست مشكلتنا كيف كان الخلق، هذا أمر لم نكلف فيه دينيّاً، فلذا لا نحتاج إلى الخوض فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا.

ولما سئل عما ذكره الإمام الخميني‏(رض) في كتابه الحكومة

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ الجزء الخامس من كتاب عبقات الأنوار، وهو الجزء الخاص بأحاديث أنوار أهل البيت(ع) وقد وصف مؤلفه في أعيان الشيعة بأنه ليس له نظير في علماء الاسلام فراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

الإسلامية: حيث يقول: إن لأئمتنا(ع) مكانة لا يصلها نبي مرسل ولا ملك مقرب، وأنه هل هناك طريقة لمعرفة ذلك؟

أجاب:

«هناك نظرية تدل على أنه (أي النبي محمد(ص) فقط لا غيره من الأئمة) أفضل من الرسل وهناك جماعة تستثني أولى العزم مثلاً، مسألة خلافية وليست إجماعية، وكما قلنا: هذه الأمور ليست من الأمور التي تمثل مسؤوليتنا، نحن مسؤوليتنا فقط أن نعتقد بالأئمة(ع) أنهم أوصياء رسول اللَّه‏(ص)، وخلفاء رسول اللَّه‏(ص)، أما هم أفضل من الملائكة وأفضل من الأنبياء، أوليسوا أفضل؟ فهذه من الأمور التي ليست جزءاً من العقيدة، وليست جزءاً من الخط(1)». (مجلة الموسم ص 303).

إثبات التواتر لا مجرد حشد المصادر

أما ما ذكره هذا الكاتب في فقرة حشد المصادر ففيه الغث وربما فيه السمين، وفيه الخطأ وفيه الصواب، ونحن لن نلتفت إلى أخطائه العلمية الفادحة التي ارتكبها عند بيانه لهذا الأمر، وذلك لتطفله على هذا الموضوع وأمثاله، والذي يعنينا هو الا يتوهم بعض القرّاء، أن ما ذكره من الأمور الصحيحة في نفسها، قد أُخِلَّ به في كتاب «مأساة الزهراء(ع)».

ولذا فنحن نذكر أمراً عامّاً ينفع القارى‏ء في فهم ما قامت عليه طريقة مؤلف كتاب «مأساة الزهراء(ع)»، «وليست هي طريقة خاصة به دون غيره من العلماء، علَّه يستغني بذلك عن حشو هذا الكاتب وثرثرته، فنقول:

إن جمع النصوص في هذا الكتاب أو في غيره فحيث يراد منه إثبات

ـــــــــــــــ

(1) قال الامام الخميني (رحمه اللَّه) في كتاب الحكومة الاسلامية (52 ـ 53): إن من ضروريات مذهبنا أن لائمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا بني مرسل (انتهى).

ومن الغريب حقاً أن يكون ضروري المذهب بشهادة الامام الخميني ليس جزءاً من العقيدة ولا جزءاً من الخط عند السيد فضل اللَّه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

معنى توافقت عليه النصوص‏ ليس أمراً عشوائياً، كما ربما يتخيَّل أو يُخيِّل هذا الكاتب، بل يكون على النحو الذي يتكفل فيه كل نصٍّ بمقدار من الاحتمالات، وتزيد هذه الاحتمالات كل ما انضم بعض هذه النصوص إلى بعضها الآخر، إلى أن تصل إلى مرتبة من الظن، ثم تتراكم الاحتمالات تصاعديّاً إلى أن يسقط الاحتمال المخالف عن الاعتداد به عقلاً، فيحصل بذلك التواتر والقطع بصحة المعنى المراد إثباته.

وكلما كانت المصادر موثوقة وقريبة من زمن صدور النصوص أو زمن الحادثة المراد إثباتها، ازدادت فرص اثبات هذا المعنى.

ويساعد على هذا عوامل وظروف أخرى كيفية، فالمسألة المراد إثباتها مثلاً إن كانت من مثالب بني أمية، وكان المؤرخ أمويّاً، أو علويّاً يخشى سلطانهم، كانت فرص تقوي احتمال هذا الأمر أكثر وأقوى وأثبت، وكان تراكم الظنون معها أسرع وأوفر انتاجاً، وذلك من الواضحات خصوصاً إذا كانت هذه الكثرة بحيث لا يعارضها ما يكذبها من أعوان أمية ومحبيهم في مثالنا.

يبقى أن الاختلاف في التفاصيل الجزئية لا يضر بأصل الحادث على اعتبار أن الظن المتراكم يراد السير به قدماً إلى أن يتبدل إلى القطع والعلم، ولا يضر بحصول العلم اختلاف هذه المعلومات، نعم ربما تأخر حصوله عن الحالة التي ليس فيها هذا الاختلاف في تلك التفاصيل.

ولذا نرى سماحة السيد المؤلف في «مأساة الزهراء(ع)»، ينقل الروايات في ذلك عن أكثر الأئمة(ع)، وهي روايات لا يجمعها مصدر واحد ولا ينقلها راوٍ واحد، حيث نراه ينقل الأحداث عن المؤرخين في مختلف الطبقات، ومن مختلف الاتجاهات، وعن الشعراء والمتكلمين على تعدد ميولهم وتضاربها، واختلاف مراتبهم العلمية.

كل ذلك لتقوية احتمال ثبوت المعنى المراد إثباته، وهو وقوع الظلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

على الزهراء(ع)، مما هو أزيد من التهديد بالإحراق، وغصب حق علي‏(ع) في الإمامة، ومسألة فدك، وكل ذلك يصب في اتجاه تحصيل العلم بوجود نقلة لهذا الخبر، من أناس يمتنع تواطؤهم وتوافقهم على نشر هذا المعنى الواحد، لاختلاف مذاهبهم وأهوائهم وميولهم واختصاصاتهم على مدى العصور(1).

ومن هنا نعرف واقع ما ذكره هذا الكاتب ومدى انطباقه على مباحث كتاب مأساة الزهراء، حيث قال (ص‏9):

وإثبات واقعة تاريخية لا يكون بتراكم وثائق أو جدول من الروايات المتعددة على الواقعة المراد إثباتها، فالمسألة ليست مسألة كم، بقدر ما تكون مسألة كيفية، معينة لصدور الرواية، لظروف الحادثة، تولد الاطمئنان النفسي في ثبوتها إلى آخر ما قال فراجعه.

إثبات التواتر في كلام الشهيد الصدر

قال آية اللَّه السيد محمد باقر الصدر (رحمه اللَّه):

كل خبر حسِّي يحتمل في شأنه فبما هو خبر الموافقة للواقع والمخالفة له، واحتمال المخالفة يقوم على أساس احتمال الخطأ في الخبر، أو احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة، فإذا تعدد الإخبار عن محور واحد، تضاءل احتمال المخالفة للواقع، لأن احتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مستقلة إذ كان بدرجة ما،

ـــــــــــــــ

(1) ربما نوفق قريباً بعون اللَّه تعالى لعرض شامل، وتقييم وافٍ للمصادر والمراجع التي اعتمدها العلامة المتبحر المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى العاملي، في كتابه مأساة الزهراء(ع)، وتبيين كيفية توثيق مادة هذا الكتاب، بإظهار وثاقة مصادره والإرشاد إلى قرائن الصدق الدالة على صحة اخباره وثبوتها عند علماء الامة وكيفية إثبات حصول التواتر الاجمالي، بل والمعنوي في قضية ظلم الزهراء(ع)، ونشر ذلك كله في مؤلف خاص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معاً أقل درجة، لأن درجة احتمال ذلك ناتج ضرب قيمة احتمال الكذب في أحد المخبرين بقيمة احتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر تضاءل الاحتمال، لأن قيمة الاحتمال تمثل دائماً كسراً محدداً من رقم اليقين....

وفي حالة وجود مخبرين كثيرين، لا بد من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين لكي نصل إلى قيمة احتمال كذبهم جميعاً، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلاً جدّاً، ويزداد ضآلة كلما ازداد المخبرون، حتى يزول عمليّاً، بل واقعيّاً لضآلته وعدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدّاً.

ويسمى حينئذٍ ذلك العدد من الإخبارات التي يزول معها هذا الاحتمال عمليّاً أو واقعيّاً بالتواتر، ويسمى الخبر بالخبر المتواتر.

ولا توجد درجة معينة للعدد الذي يحصل به ذلك، لأن هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى وثاقتهم ونباهتهم، وسائر العوامل الدخيلة في تكوين الاحتمال...

والتواتر تارة يكون لفظيّاً، وأخرى معنويّاً، وثالثة اجماليّاً، وذلك أن المحور المشترك لكل الإخبارات، إن كان لفظاً محدداً فهذا من الأول، وإن كان قضية معنوية محددة فهذا من الثاني، وإن كان لازماً منتزعاً فهذا من الثالث، وكلما كان المحور أكثر تحديداً كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع، إذ يكونه افتراض تطابق مصالح المخبرين جميعاً بتلك الدرجة رغم اختلاف أحوالهم وأوضاعهم، أبعد في منطق حساب الاحتمالات.

وكما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر عنه ـ أي مفاد الخبر ـ وهي على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

نحوين: خصائص عامة، وخصائص نسبية.

والمراد بالخصائص العامة كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملاً مساعداً على كذب الخبر أو صدقه، بقطع النظر عن نوعية المخبر، مثال ذلك غرابة القضية المخبر عنها، فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه، فيكون موجباً لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون القضية اعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الأخرى المعلومة، فإن ذلك عامل مساعد على الصدق ويكون حصول اليقين حينئذٍ أسرع.

والمراد بالخصائص النسبية كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملاً مساعداً على صدق الخبر أو كذبه، فيما إذا لوحظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر، ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت(ع)، فإن مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية الخبر عاملاً مساعداً لإثبات صدقه بحساب الاحتمال، لأن افتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد.

وقد تجتمع خصوصية عامة وخصوصية نسبية معاً لصالح صدق الخبر، كما في المثال المذكور إذا فرضنا صدور الخبر في ظل حكم بني أمية وأمثالهم، ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الأخبار، ترهيباً أو ترغيباً، فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على الصدق، وخصوصية المضمون مع أخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك(1) (انتهى).

وكأنه (رحمه اللَّه) ينطق عنا في بيان الطريقة التي سلكها وجرى عليها العلامة مرتضى في كتابه «مأساة الزهراء(ع)».

ـــــــــــــــ

 (1) دروس في علم الاصول /الحلقة الثانية/ بحث الأخبار ص (108 ـ 110).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

التزاوج بين العقيدة والتاريخ

بقي أن نشير إلى إتهامه سماحة العلامة المتبحر السيد جعفر مرتضى بالخلط بين العقيدي والتاريخي من الأمور، ونحن قد أشرنا في مستهل هذا الكتاب إلى ما ربما ينفعنا هنا، ونزيد هنا شاهداً آخر يدل على مغالطته، أو قصور فهمه عن إدراك حقيقة ما رامه سماحة السيد مرتضى، وهو ما ذكره في كتابه «مأساة الزهراء» (ج1 ص‏256) تحت عنوان «دلالة حرجة» «حيث تعاضدت أبحاث العقيدة والتاريخ، لتنتج كل ما هو مفيد للباحث عن الحق الملتزم بآداب البحث ومناهجه.

ونحن بدورنا هنا نقول: «حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، حديث متواتر بين المسلمين، وله تعبير آخر هو: «من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية»، وليراجع في ذلك النصوص التي ذكرت في كتاب «مأساة الزهراء»  وشهادة العلماء بذلك أيضاً، (ولست ادري فبعد ما قدمناه في الفقرة السابقة إن كان الكاتب مصراً على تسمية ذلك بحشد النصوص).

وقد سئل السيد فضل اللَّه عن هذا الحديث فأجاب (وهو مسجل ومحفوظ بصوته): «ليس فوق مستوى النقد»

ونحن بدورنا نعرف عن السيد فضل اللَّه قوله: رضيت فاطمة عن الشيخين وتحدثت معهما بشكل طبيعي [ج‏1 مأساة الزهراء ص‏238]، وذلك في سياق الحديث عن عدم صحة حديث: خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال.

وهنا نقول: إن حديث الزهراء (ع) مع الشيخين بشكل طبيعي إن كان قد حصل في ظرف استثنائي، فهو لا يبطل هذا الحديث لأنه محمول حينئذٍ على غير صورة الضرورة، حيث يكون من الخير للمرأة أن لا ترى الرجال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

ولا يراها الرجال وهذا واضح.

وأما لو كان الظرف عادياً، فتحدثها معهم بشكل طبيعي، يدل على عدم وجود مشكلة بينها(ع) وبينهم، لكن يكذِّب هذا ما روي في الصحاح من أن فاطمة ماتت وهي واجدة عليهما.

ومن كل هذا نعرف أن التحقيق في حدوث غضبها والاستيثاق من صحة حدوثه، مع بيان السبب المؤدي إليه ـ وهو إيذاؤها(ع) ـ على وجه التفصيل، ثم التحقق من دعوى السيد فضل اللَّه رضاها فيما بعد، وانكشاف أمر قبرها(ع) بعد وفاتها، كل ذلك سيوصلنا إلى أنها ماتت ولم تبايع أبا بكر، ويؤيد ذلك أن المؤرخين يذكرون أن عليًّا بايع بعد وفاة فاطمة، بل قال بعضهم: إن علياً عليه السلام إنما تخلف عن البيعة إكرامًا لفاطمة(ع)، لا ادعاءً منه أنه هو الأحق بالإمامة.

فهل يعقل بعد هذا كله أن تكون فاطمة(ع) قد بايعت أبا بكر قبل موتها، بينما يكون عليٌ‏(ع) متخلفًا عن بيعته لأجلها.

وإذا عرفت أنها لم تبايع، فمن ذا الذي يجرؤ على وصفها عليها السلام بأنها ماتت ميتة جاهلية، وهي بضعة النبوة، وروح النبي(ص) التي بين جنبيه، وبالتالي من يمكنه أن يذكرها(ع) بقوله: «فلم تعرف إمام زمانها؟» أو «أنه لم يكن في عنقها بيعة لإمام بعد النبي‏(ص)؟».

بقي احتمال أن تكون هي الإمام، وهذا مقطوع البطلان، ولم يقل به أحد، فلا بد أن يكون إمامها هو ابن عمها أمير المؤمنين(ع)، كما تقول به الشيعة الإمامية، وهو الذي نقطع به، ونستدل عليه بما صدر عنها، ولا ينكر ذلك إلا معاند.

وبعد هذا نتساءل عن السبب الداعي إلى السيد فضل اللَّه للتشكيك في هذا الحديث، وجعله عنوة تحت مجهر النقد الذي سلطه على مسلمات المذهب وواضحاته، كما نسأله أيضًا لماذا يشكك بظلمها من غير جهة خلافة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

علي‏(ع) وفدك؟ ليقول: إنهم كانوا يحبونها ويحترمونها، مع أنه بقوله هذا يبطل واحدة من أهم الفرص الاستدلالية الواضحة على إمامة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وعلى أحقيته بها، وعلى بطلان إمامة غيره.

ظلامة الزهراء في غير الإمامة وفدك

ومما يرشدك إلى ظلمها عليها السلام في غير مسألتي فدك والإمامة فوهما المسألتان اللتان جاهرت بهما في حديثها مع الأول والثاني، وفي خطبتها المعروفة ـ قول عليّ عليه السلام حين دفنها:

وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً....

ونحن نعلم أنها بثت أمري فدك والخلافة، فتحصَّل من هذا أن هناك الكثير من الأمور التي لم تبثها، مما لا يتعلق بفدك والإمامة، وبهذا يُرَد على كل ما تخرص به المتخرصون، حين يقولون: لماذا طالبت بفدك والخلافة، ولم تطالب بغير ذلك سيما ضربها وإهانتها؟

ولماذا تعرضت لاستثارة الناس واستنهاضهم بخطبتها(ع) في المسجد، وفي جولاتها على بيوت الأنصار أربعين يوماً، ولم تستثرهم بمظلوميتها الشخصية؟

وإثبات كل ذلك إنما يكون ببركة هذا التمازج العقيدي التاريخي، الذي عبّر عنه هذا المخلِّط بالخلط، جاعلاً إياه واحدًا من مؤاخذاته على سماحة العلامة السيد مرتضى العاملي، موحيًا في ذلك بعدم ارتباط الأحداث التاريخية بالعقيدة والشرع، وعدم إمكان الاستفادة منها من قبل الباحثين، لتصحيح أو تأييد الكثير من الأفكار والمعتقدات الدينية، مع كمال ارتباط هذه الأحداث بالمعصومين‏(ع) قولاً وفعلاً وتقريراً.

وبعد كل هذا نراه يقول (ص 32):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

أليس من الأجدى أن تبقى مسائل الاعتقاد ومبدأ الإمامة فوق النقاش التاريخي... ولا نقحمها في أحداث تاريخية هي موضع نقاش....؟

إننا لا نرى وجه الربط بين هذه الحادثة التاريخية، وبين قضية الإمامة ومسائل الاعتقاد... إلى آخر ما قال.

بصَّر اللَّه كاتبنا الأجل، بوجه الربط بين المسألتين، وأراه عيوبه المانعة له عن إدراك ذلك، وجنبه عمى القلوب قبل عمى الأبصار.

الاختلاف المزعوم في جهة البحث

يتابع الكاتب بعبائره ذوات الطنين، من قبيل «زاوية النقاش»، مضافاً إلى ما تقدم من «المعيار» و«الوصفي»، وتأتيك «الغرفة المستديرة» و«التشكل» و «الإشكالية» إلى غير ذلك من العبارات التي يحلو له ولأشباهه استعمالها، جريًا في أكثر ذلك على طريقة المثقفين من غيرنا.

ونحن لن نتوقف عند هذا الأمر، لأنه لا يعدو كونه حديثًا في الشكل، والمهم دعواه أن صاحب الكتاب «مأساة الزهراء(ع)» يناقش في غير «الزاوية» التي يقصدها السيد فضل اللَّه، ويذكر على ذلك شاهدين على سبيل المثال لا الحصر.

يقول السيد فضل اللَّه (مأساة الزهراء، ج1 ص 49): إننا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيدة فاطمة الزهراء(ع) في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو روايتين.

ويقول السيد مرتضى (مأساة الزهراء، ج1 ص 52): أما إذا كان المقصود أن التاريخ لم يذكر أنها كانت تجهر بالحق لمن أراد معرفة الحق، ولا تقوم بواجباتها في تعليم النساء وتوجيههن، وفي صيانة الدين، وحياطته على مستوى قضايا الإسلام الكبرى... فإن ما أنجزته في هذا المجال كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

ويقول هذا الكاتب (ص33): إن النص فأي الذي تفوه به السيد فضل اللَّه‏ يذكر ندرة النصوص التي تتحدث عن نشاط السيدة الزهراء(ع) ، وبالتالي فإن هذا إجحاف بحقها من جهة عدم تبين وقائع حياتها، وفوات الفرصة للتعرف على الكثير من التفاصيل عنها.

وهنا نذكر للقارى‏ء النص الكامل الذي أورد جزءاً منه السيد جعفر مرتضى في كتابه، ليُعلَم أن ما تفتق عنه ذهن كاتبنا الألمعي! ليس هو المراد من كلامه هذا، يقول السيد فضل اللَّه في حديثه(الذي ألقاه في جمادى الأولى سنة 1414هـ) وهو الحديث الذي أشرنا إلى إنه كان واحداً من أسباب تعرض السيد فضل اللَّه للانتقادات الشديدة، والاعتراضات الحادة من علماء الشيعة ومراجعها، لا سيما في الحوزة العلمية في قم يقول السيد فضل اللَّه (ابتداء من دون سؤال):

عندما نريد أن ندرس سيرة الزهراء(ع) فيما كتبه تاريخها، فإننا لن نستطيع أن نجد الكثير الكثير إلا بعض اللقطات، ثم نلاحظ أن حديث هذا التاريخ عن الزهراء المهاجرة، لا يعطينا شيئاً سوى أنه يذكر اسمها مع المهاجرين والمهاجرات، ثم بعد ذلك زواجها، هناك مفردات صغيرة جدّاً في حياتها كزوجة، وفي حياتها كأم، حتى نشاطها في داخل المجتمع الإسلامي، كان في التاريخ محدوداً في رواية أو روايتين، ثم نلاحظ أن التاريخ يفيض في «ما لا نحتاجه»! في مسألة زواجها والجوانب الغيبية في زواجها فيما تحتفل به السماء، وفي الاحتفالات التي حدثت هناك وما إلى ذلك، وهكذا نجد أن التاريخ الصحيح وغير الصحيح أفاض في الحديث عن أحزانها، وربما كان بعض هذا الحديث غير دقيق(1).

وهو أيضاً يقول: ماذا ينفع أو يضر أن نعرف أو أن نجهل أن

ـــــــــــــــ

(1) ورد هذا الكلام في خطبة له في مسجد الامام الرضا(ع) كانت هي السبب في الاعتراض عليه سنة 1993 لاحظ الملاحق سيما رسالته إلى الجماعة التي اسمت نفسها بأنصار المقاومة الاسلامية والتي يصرح فيها بأن الشريط موجود عند كل الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

الزهراء(ع) نور أو ليست بنور، فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (مأساة الزهراء).

كيف ينسجم صريح هذا الكلام الدال على عدم حاجة سماحته لكثير مما يتحدث عن جوانب الغيب في حياة الزهراء(ع)، ومسائل زواجها، مع ما ادعاه هذا الكاتب من أن مراد السيد فضل اللَّه هو تأسفه للتعرف على الكثير من تفاصيل حياتها؟

أليست جوانب الغيب وأحداث الزواج وغير ذلك مما طفحت به كتب التاريخ من تفاصيل حياتها؟ وظني أن السيد فضل اللَّه لن يقبل منه هذا التأويل، نعم ربما قبل منه أن يقول:

إنه يأسف لفوات الفرصة للتعرف على كثير من تفاصيل حياتها الاجتماعية والحركية، مما نحتاجه في واقعنا العملي، وليت التاريخ ذكر لنا ذلك بدل أن يفيض في التفاصيل الغيبية، وفي مفردات زواجها ومقاماتها العالية، لعدم حاجتنا إلى شي‏ء من ذلك في واقعنا وحركتنا، ولعدم كون ذلك جزءاً من العقيدة ولا جزءاً الخط.

السيد جعفر مرتضى أعلم

وبهذا نعرف بطلان حديثه الآخر (أي هذا الكاتب) حول الغيب (لاحظ ص34 في مأساة المأساة)، والذي ذكر في جملته أن العلامة السيد جعفر مرتضى: أعلم بقصد الخصم من الخصم نفسه، «قال: فكيف يسمح لنفسه (أي السيد مرتضى) ويقوِّ له في الغيب ما لم يقله.

ولعل هذا الكاتب يريد القول: إن السيد جعفر مرتضى أعلم بوجوه تأويل كلام السيد فضل اللَّه، بما يتلاءم مع كلام كبار العلماء وعظماء المذهب، عندما يتفوه السيد فضل اللَّه ببعض الكلمات التي يضطر بعدها إلى تأويلها حملاً من السيد مرتضى له على الأحسن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

نعم أعلم من السيد فضل اللَّه نفسه، حين تعييه المذاهب فينطق بالمتشابه من الكلام، المخالف بظواهره لما أقرَّه أعيان العلماء، ثم يعود بعدها ليقول: لم يفهموا كلامي،! ولم يكن ذلك مقصودي، أولم يدققوا كثيراً، أو لم يتثبتوا، وكأن أعيان المراجع وأعاظم العلماء المجتهدين، الذين لم تستعص عليهم غوامض المسائل العلمية أجهدهم سماحته بأفكاره، التي يبينها بالأساليب الشعبية غالباً، فاستعصت على أفهامهم فلم يوفقوا إلى إدراك مغزى كلماته في مواعظه وخطبه التي يوجهها في معظم الأحيان إلى الناس العاديين!!!.

ولو علم السيد فضل اللَّه وليته لا يعلم‏ كثرة المفاسد المترتبة على عدم فهم كلامه! أظنه حرَّم على نفسه التكلم في ملأ من الناس.

وبذا تعرف مخالفة الواقع في تهمة هذا الكاتب للسيد جعفر مرتضى، بالحمل على الأسوء، واستعمال لغة التشفي والانتقاص، كما تعرف سوء أدبه في كثير من العبائر الأخرى فجرياً على عادته في «منهجه العلمي»! في هذا الكتاب.

إذ ليس في مقدورنا مع ذلك إلا قولنا له سلاماً سلاماً، فلنعف عن هذه الكلمات ولنصفح ونتجاوز، ولنعرض عن الجاهلين، كما أمر ربُّ العاملين، نبيه سيد المرسلين‏(ص).

اجتزاء النصوص

يدعي الكاتب (ص37) أن النصوص التي أوردها سماحة السيد جعفر مرتضى اقتطعت من سياقها، ما يسمح بأسر المعنى الذي يرغب صاحب النص، بالتصريح به، هذا مع عدم توثيق النص والإعفاء عن ذكر تاريخه ومناسبته، مضافاً إلى أن بعض هذه النصوص نقلت له مشافهة... في مقدمة «مأساة الزهراء».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

وتعليقاً على ذلك نقول:

لم يتحفنا الكاتب هنا فكما صنع غيره بأن هذه الكلمات المنقولة «مدبلجة مخابراتيّاً»، ولعله لم يفعل ذلك لأنه لم يشأ، أو لأنه لا يعتقد ذلك، خلافاً لمن لا يخفى أمره على أحد، في توزيع هذه التهمة في أكثر من مورد واتجاه.

لكنه بدل ذلك ادعى اقتطاع السيد مرتضى هذه النصوص من سياقها، وهذا أمر يسهل الفحص عنه والتثبت منه، إذ أن كثيراً مما هو مذكور في كتاب سماحة السيد جعفر مرتضى، مسجل من الإذاعة مباشرة خصوصاً ليالي الأربعاء ففي السنتين الأخيرتين. يضاف إليها مقابلة مشهورة لسماحته مع مجموعة من الشبان، أجريت صيف سنة 1996 تحدث فيها عن أمور عديدة منها مأساة الزهراء(ع)، يضاف إلى هذا الحديث المعروف الذي ألقاه في جمع من المؤمنات من مختلف الطبقات والأعمار فكما يظهر من تسجيل الفيديوف في مسجد بئر العبد سنة 1993، مع محاضرة تلتها فبعد ردة الفعل العنيفةف أرسلها مكتوبة إلى الحوزة العلمية في قم، وبثت من الإذاعة في بيروت، هذا مع الملاحق المذكورة في آخر الكتاب.

فمن السهل اليسير أن يطلب الكاتب من جهاز سماحته وهو من أركانه! تزويده بهذه الأشرطة، ثم يسمعها وينشرها كاملة للقراء(1) ويترك لهم الحكم بصحة كلامه حول فصل هذه الكلمات عن سياقها، ونحن بدورنا نكون له من الشاكرين(؟!).

ولا يفوتنا هنا التنبيه على معنى ما ذكره هذا الكاتب بقوله (ص37):

ـــــــــــــــ

(1) نعم ينشرها كما هي، ولا يصنع بها كما صنع بغيرها كالخطبة الملقاة سنة 1993 في قم، والتي يتحدث فيها عن الزهراء(ع) وقد نشرت هناك في مجلة قضايا اسلامية، ثم اعيد نشرها في بيروت سنة 97، في نشرة بينات مع كثير من التحريف، وقد أشار إلى ذلك العلامة مرتضى في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب مأساة الزهراء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

«نقلت له بالمشافهة»  واستعملها كدليل على الخصم في مقدمته.

فنقول: بعدما ذكرنا من المصادر، نجد القارى‏ء يطمئن إلى عدم تلقي السيد جعفر مرتضى لشي‏ء من هذه النصوص بالواسطة، وإنما كان مصدره ما تقدم.

كل ذا مع اعتراف الكاتب (ص51) بأن «السيد المراد نقده» (أي السيد فضل اللَّه):

تحدث في مقالات ومحاضرات ومقابلات صحافية أو اذاعية أو تلفزيونية... فأقواله وقناعاته وآراؤه! تتردد على كل شفة ولسان، وبالتالي فهي معروفة ومفهومة.

فالاتهام بقلة الأمانة تارة، وبنقل الأمور لا كما هي أخرى، وبطريقة انتقائية ثالثة، وهي التي يبادر كاتبنا المؤدب فمع أنه أولى بها إلى نسبتها مع غيرها من التهم الساقطة إلى مؤلف كتاب «مأساة الزهراء(ع)»،محاولاً إسقاطها عن عنقه فكما ستعرف ذلك وإلصاقها بذيل سماحته، مع قدرته على التأكد من صحة ذلك وسقمه، ومع عدم ابرازه لما يقنع القارى‏ء بدليل كلامه، كل هذا ينبئك عن عظيم ورعه! ووثاقته! ودقته! وأمانته! على أقوال وأفكار الآخرين، سواء في ذلك من ينقل عنهم، أو من ينقل إليهم من القرّاء، وسيتضح ذلك فيما يأتي أكثر لا سيما في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

ثم قوله (ص51):

أما عن كاد المريب أن يقول خذوني (وهو ما ذكره السيد مرتضى في مقدمة كتابه) فهو قول لا يجدي مع من يطرح قناعاته!! على الملأ، وبالتالي لا يخشى أن تعرض أقواله وتنشر.

ونقول: مع كون سماحته يطرح «قناعاته» على الملأ، كيف يمكن لكاتبنا الفطن! أن يدعي على مؤلف مأساة الزهراء(ع) انتزاعه هذه الأحاديث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

من سياقها ومناسباتها، ثم تقطيعه لها واجتزاؤه منها ما يفيده في أغراضه!!

على أننا لا يمكننا إلا أن «نبتسم»! حين نرى هذا الكاتب يعبر عن شكوك السيد فضل اللَّه بالقناعات، وهو (أي الكاتب) الذي يقول (ص27):

إن جل آراء البعض عبارة عن تساؤلات وشكوك منهجية يفرضها العقل العلمي في معالجة الكثير من القضايا.

ولسنا نعلم كيف، يقتنع سماحته بالشكوك ويعتقد بها؟؟

ثم كيف يجوز له أو لغيره تثقيف الناس بها ونشرها بينهم، وبهذا الشكل، ومع كل إصرار.

مسلمات موهومة ومنهجيات البحث

يشرع ناسج هذه الكلمات بذكر أمور تحت عنوان «مسلمات واهمة»، ولسنا ندري ولا هو على ما يظهر يدري!ف ما العلاقة التي تربط هذه الكلمات بمنهجية البحث عند المحقق السيد جعفر مرتضى، حتى لو سلمنا صحة نسبتها إليه، على أننا نرى أن كثيراً مما ذكره هذا الكاتب، منطبق على السيد فضل اللَّه نفسه دون غيره، وهو الذي انبرى للدفاع عنه، ويظهر ذلك جليّاً حين يقول (ص44):

إن في نظام العلوم الدينية وترتيب الدرجات والألقاب ثغرات لا يمكن التغاضي عنها، وإذا كان المعتاد أن يختبر الفقيه والعالم بشؤون الفقه فإن المراتب العلمية الأخرى قد تركت لكل راغب ومتطفل.

ونحن هنا لا يسعنا إلا أن نسأله عن المراد بقوله: «نظام العلوم الدينية».

فإن كان المراد بذلك ترتيب المراحل وطبقات الدراسة ومناهجها، فهذا أمر لا شغل له به قطعاً وهو أجنبي عنه، ولعل ذلك ظهر للقارى‏ء فيما تقدم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

وسيظهر له بوضوح ففيما يأتي إنشاء اللَّه تعالى.

أما لو أراد بذلك خصوص النظام الإداري والفوضى في كيفية الاتصاف بهذه الألقاب، فربما كان الجواب نعم. لكن لنتوقف عند جعله اختبار الفقيه العالم بشؤون الفقه والأحكام الشرعية أمراً معتاداً، وغير ذلك غير معتاد، منعاً له من تمريره لأمرٍ هام يريد إلباس الأمر فيه على القارى‏ء، فنقول:

إجتهاد السيد فضل اللَّه

صحيح أنه من المعتاد اختبار الفقيه أمام مجموعة وربما أقل من العلماء، من المراجع والأساتذة الكبار من رجالات العلم المسلم باجتهادهم في الأوساط الحوزوية العلمية، خصوصاً إذا كانوا من أساتذة العالم الممتحَن في الدراسات العليا، ممَّن خبروه وعرفوا قوته العلمية، وخبروا قدرته على استنباط الأحكام الشرعية.

لكن هل هذا يكفي للإشارة إلى كون «فقاهة» السيد فضل اللَّه اختبرت على النحو المعتاد؟

فمن الذي يا ترى شهد للسيد فضل اللَّه بالفقاهة أو الاجتهاد، فضلاً عن التخصص في العقائد والفلسفة وعلوم الحديث بل وتفسير القرآن؟

نعم من الذي شهد له بالفقاهة والاجتهاد، فضلاً عن الأعلمية المسوغة لتقليد الآخرين له؟

وليدلنا الكاتب على واحد من أساتذته يشهد له بذلك، بل نقنع منه بأن يدلنا على واحدٍ من العلماء يشهد له بذلك، شريطة أن يكون ممن يُدَّعى كون السيد فضل اللَّه في مرتبتهم العلمية وأنه من أقرانهم، ممن هم من مراجع التقليد، أو في مرتبتهم العلمية، من المدرسين المرموقين في الحوزات العلمية، بما في ذلك كل من النجف الأشرف وقم المقدسة، من الذين يعدون من أهل الخبرة، مع أن المعروف من جماعة منهم ـ وفيهم مراجع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

تقليد نفيهم لهذه الصفة عنه(1).

فمن يا ترى الذي خبر السيد فضل اللَّه؟ وتبين من فقاهته وقدراته، ومقدار انطباق كتبه على الموازين العلمية عند الشيعة الإمامية؟

ثم من الذي شهد له بكل هذه المراتب العالية في مختلف العلوم؟

ونحن هنا لا نريد الطعن بسماحته، بل نريد وضع النقاط على الحروف، لئلا يلتبس هذا الأمر على الكثيرين، ويمرر معه كثير من العناوين والمواضيع المطروحة في الساحة بعنوان الاجتهاد، والمرجعية، وحرية إبداء الرأي، والتجديد، والإصلاح والعصرنة، وغير ذلك مما يقرع المسامع كثيراً في هذه الأيام!

نهج السيد فضل اللَّه العلمي

على أنه لو سلمنا لسماحته هذا الأمر، فهو يعرف قبل غيره أن الشهادات بالاجتهاد، التي يكتبها هؤلاء الإعلام للعلماء هي كالتالي:

«فلان مجتهد... وله العمل بما يستنبطه من الأحكام على النحو المتعارف بين علمائنا الأعلام».

ونحن هنا نسأله: هل أن استنباطه لأحكام الشريعة موافق للنهج المتعارف عند أهل البيت عليهم السلام؟؟

أليس هو القائل بلزوم العمل بالقياس، وهو الأمر الذي أبطله وحرمه

ـــــــــــــــ

(1) ولذا التجأ سماحته ان يكتفي في الدعوة إلى تقليد نفسه باطمئنان المكلفين بذلك، ولو كان اطمئنانهم ناشئاً من ادعائه العلمية والاعلمية في حق نفسه فكما صرح بذلك في اذاعته‏ف وهو أمر لم يقل به احد من العلماء، ولذا كان بنفسه يطالب الناس بالانضباط وفق موازين الشرع عند ارادتهم العدول من الامام الخوئي إلى الامام الخميني، ولم يسمع عنه يوماً اكتفاؤه بالاطمئنان قبل ان يتصدى لهذا المنصب، هذا مع أن شهادة الانسان في حق نفسه غير مقبولة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

أئمة أهل البيت(ع)، ولم يعمل به أحد من علماء مذهبهم (لاحظ المنطلق العدد 111، وتأملات في آفاق الإمام الكاظم ص‏40).

أليس هو القائل: «إنه يجوز لنا العمل بمرويات أهل السنة في كتبهم، فيقول في (كتاب النكاح ص58): ولكن القوم (أي الفقهاء) أجمعوا قولاً واحداً بأن هذه الرواية ضعيفة، وعلى هذا فلا يمكن الاستدلال بها، ولكننا نلاحظ أنه لا بأس بالأخذ بالخبر الضعيف، إذا انعدمت دواعي الكذب فيه كما في المقام (مسألة فقهية فرعية)، حيث لا توجد أي مصلحة للكذب، وعلى هذا ينفتح لنا باب واسع بالأخذ بكثير من الأخبار التي ترد من طرق العامة، وذلك إذا حصل الوثوق بها».؟!!

وهو القائل في مواضع عديدة: «وربما كان توثيق حديث أهل البيت عليهم السلام من أهم المشكلات أو مشكلة معقدة، وإن فيه ركاماً هائلاً من الوضع والكذب» (المقالة نفسها ص31، للإنسان والحياة ص246 و295، وليلاحظ كتاب الإسلام ومنطق القوة ص 248).

وهو القائل بتعارض العام والخاص في حديث أهل البيت(ع)، عند تحقق الفاصل الزمني بين حديث الإمام والإمام الآخر القائل بما يعمم أو يخصص ما قاله الإمام السابق عليه، (المقالة نفسها (ص‏25)، ومجلة البلاد، العدد 239، ومجلة المرشد أيضاً)، هذا مع إطباق علماء الشيعة على كون كلامهم(ع) ككلام المتكلم الواحد في ذلك.

وهو الذي يحكم على حديث أهل البيت بلزوم عدم الخروج عن عناوين القرآن في شي‏ء من المواضيع التي لم يتعرض لها القرآن تفصيلاً، بحيث يجب علينا الإعراض عن كل عنوان، تعرضت له الروايات التي تفسر الآيات القرآنية ولم يتعرض له القرآن حين طرح بعض المواضيع، وذلك تحت ستارٍ من جعل القرآن الكريم هو الأساس في التصور الإسلامي، وكأن ذلك مبني على قاعدة (حسبنا كتاب اللَّه) (من وحي القرآن، ج14، ص‏94).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

وهو القائل: قاعدة التزاحم عند الفقهاء الشيعة هي المصالح المرسلة عند السنة (الإنسان والحياة ص169)، مع أن فقهاء الشيعة يبطلون العمل بالمصالح المرسلة ويعملون بالتزاحم، ولسنا ندري كيف غاب عن ذهنهم فعلى كثرتهم وعلو كعبهم في مختلف العلوم‏ الفرق بينهما حتى منَّ اللَّه عليهم بسماحته ليوضحه لهم؟!.

من أين نعرف؟

فمن أين يحصل لنا العلم بأن سماحته لا يعمل في فقهه بالمصالح المرسلة، كما ادعى ذلك في حق السيد الخوئي حيث ارتأى أخيراً العمل بشي‏ءٍ من ولاية الفقيه؟

ومن أين نعرف انه لم يعمل بالقياس، أو بالأحاديث المروية عن العامة؟

ومن أين نعلم أن كل ما يلقيه بين أيدي الناس مما يعبِّر هو عنه بالفتاوى، مستند إلى روايات أهل البيت(ع)، وهو القائل في حقها ما عرفت؟

ومن أين نعرف أنه يعمل بالقرآن الكريم، من خلال ما وردنا عن أهل البيت عليهم السلام، لا من خلال الآراء الخاصة به أو بغيره، وهو الذي يقول (لاحظ المنطلق 113 ص31 ـ 32):

وهكذا انطلق التفسير بالمأثور (أي بروايات أهل البيت(ع)) ليقدم إلينا حشداً كبيراً من الأحاديث المتعارضة المتنافرة، التي يدخل الإنسان معها في متاهات فكرية لا يملك معها القارى‏ء أي وضوح للرؤية في هذه الآية أو تلك...

ومع هذا يسمح لنفسه بالاستيحاء كما استوحى الأئمة(ع) (الموسم ص‏76 وللإنسان والحياة)، ويقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

... لا يمكن أن نتقبل أي تفسير من خلال رواية إذا كان الكلام لا يحتمل بحسب وضعه هذا المعنى.

وبذلك يسلب سماحته أهل البيت(ع) حقهم في تعليمهم له ولغيره معاني القرآن ومبانيه وأوضاعه.

وقد شهد له بإسقاط الكثير من هذه الروايات بعضهم في مجلة المعارج (ص31)، فليراجع العدد الخاص به.

المنهج الامامي في العقيدة والتاريخ

وأما الشؤون العلمية الأخرى فربما كان لمقالة هذا الكاتب: إنها عرضة لكل راغب ومتطفل، «وجهٌ من الصحة، إذ لم يستعص بعضها على سماحته فمضى فيها قدحاً وجرحاً وتنكيلاً بشكل أو بآخر، وهي مع كل هذا لم يتركها علماؤنا سدى، وخير دليل على أهلية أصحاب الشأن منهم وعلو كعبهم في هذه العلوم، نتاجهم الفكري الثر، وسيرتهم العلمية الغنية، والتي كانت في حركتها العلمية، «معياراً» عليها تعرض، وبها تقاس وتوزن أي حركة أخرى.

فما خالف سيرتهم العلمية في الاستدلال والاستنتاج ولو كان موافقاً لها في النتيجة لا يؤبه به، كما أنه لا يؤبه بما وافقها من الآراء، إذا خالف طريقتهم في هذه الحركة الاستنباطية والاستدلالية، لأن العمدة في هذا الأمر، هو في السير على الطريق المتعارف بينهم، والذي تفرضه الثوابت والضوابط المسلمة، والأصول الموضوعية في عملية الاستنباط، وفي مسيرة تلقف الحقائق، وهي واضحة ومسلمة في خطوطها العريضة عند الشيعة الإمامية، ولن يكون لمن يخرج عنها مكان بين علمائها مهما كانت مكانته ومنزلته عند غيرهم.

وليس في العمل وفق طريقة الإمامية هذه، وعلى النحو المتعارف بين علمائها من إشكال، ولا بأس في المواظبة عليه، لكن المشكلة في الذي ما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

انفك إذا سئل أجاب بقوله: «ليس بثابت»، أو «غير معلوم»، أو «لم يُناقش»، أو «هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله»، وغير ذلك من العبارات التي تغلف عدم اطلاع قائلها بغلاف يشعر السامع معه، بأن صاحبها إنما يذكر ذلك عن سابق علم، ومزيد فضلٍ، ونتيجة للتدقيق والتحقيق.

ونظرة واحدة إلى مجلة الموسم (العدد المزدوج 22 – 21) ذات الثلاثة آلاف سؤال وجواب، تعطيك شاهداً واضحاً ومصداقاً كاملاً لما ذكرنا، فمثلاً لا حصراً أجوبته فيها في ما يتعلق بالعقائد مع كونها كما ذكرنا تنبئك عن ضعيف قدرته في علمي الكلام والفلسفة.

وتفسيره قوله تعالى: (وليضحكوا قليلاً) (ص‏305) وغير ذلك ينبئك أيضاً عن مدى خبرته في التفسير.

وجوابه حين سئل عن الروح‏ (ص 243 و255) والعرش (ص250) وإنا أنزلناه في ليلة القدر (ص‏243) وكثير من الزيارات والأدعية والأحاديث تنبئك عن إحاطته المتواضعة بحديث أهل البيت(ع).

صلاحيات الفقهاء

وبعد هذا القليل من كثير مما لم نذكره، يطالعنا صاحبنا الكاتب ليقول‏ (ص‏45):

إن منطق الأمور يفترض التوسع في صلاحيات الفقهاء والعلماء لدخول غمار التاريخ والتثبت في معطياته ووقائعه وعدم التساهل، بغية قطع الطريق على حديثي العهد من البحاثة الذين يستفيدون من تساهل الفقهاء والإعلام.

وليت شعري كيف أبدأ في ترتيب أجوبته، وأنا حائر على أي وجهٍ أرتب أغلاطه وتخليطه؟!

فقوله: يفترض التوسع في صلاحيات الفقهاء...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

«ينبئك عن جهلٍ كبير بوظيفة الفقيه، وبالفقه ومقدماته، من الأصول وغيرها، فالفقيه حقّاً لا يحتاج إلى إجازة لتوسيع صلاحياته، ليتجه بذلك نحو الخوض في غمار التاريخ.

لكن مع هذا ليس الأمر جزافياً بحيث يتسنى لكل أحد أن يمارس فيه، ذلك لاحتياج الباحث في هذا المضمار إلى ما يتمكن معه من الإطلاع على مجريات الأمور، والإحاطة بدقائقها وتفصيلاتها، مع حسن العرض والمقابلة بين الأحداث، مضافاً إلى دقة النظر وقوة الحدس فيها، مع القدرة والتمكن من إعمال الموازين العلمية والعقلية والعقلائية.

طبعاً، وليس من أدوات هذه الأبحاث زيارة القبور!! التي أفرغها سماحته من مضمونها، حيث نهى عن الاستغراق في ذوات أصحابها ولو كانوا أئمة وأنبياء معصومين وأمر بدل ذلك بالاستغراق في التاريخ وأخذ العبر، مما يجعل من قبور الأولياء مدارس تثقيفية، تنطلق بنا إلى التاريخ لتدعو التاريخ إلى زيارتنا، ليزورنا من خلال تاريخهم أكثر مما نزورهم في ذلك التاريخ.

وعوداً على ما كنا فيه: فإن ما تقدم، ومعه غيره، هو الكفيل أن يخول العالم الباحث الدخول في هذا المضمار، وهنا نلفت نظر كاتبنا الحاذق!! إلى السؤال التالي وهو:

هل أن الفقيه الذي فعل ذلك، سيستخدم نتيجة أبحاثه التاريخية وهو العلم الوصفي لا المعياري كما يقول في ما ينفعه من العلوم الأخرى، كالعقائد والفقه في بعض مسائله، وأصول الفقه في بعض جوانبه، وهو ما يمليه عليه التزامه العقيدي أم لا؟

الثقافة والاختصاص

إن قدرة الفقيه العلمية، الحقيقية والواقعية (لا المدعاة أو المزعومة)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

هي التي تخوله الخوض في هذا الأمر عند التوفر على مقدمات البحث، بشكل يستجمع معه الحد الأدنى من المواصفات المشروطة فيه.

وبهذا ينقطع الطريق على كثير من الناس، وفيهم من حملة الألقاب الدينية ممن يدعون أنهم من أصحاب العلم، الذين يمكنهم الجواب على كل سؤال ارتجالاً، ومن دون تكلف المراجعة إلى المصدر والمرجع المختص، كل ذلك اعتداداً بتجربتهم الثقافية الطويلة!!

ولسنا نظن بصاحب اختصاص يعتمد في الإجابة عن ما يسأل عنه في اختصاصه، يعتمد على ثقافته العامة في حقل من الحقول، لكن وللأسف‏ هذا ما يجري فعلاً، ونراه في الخارج، حيث يدعى ذلك بعضهم ويقول: لكل سؤال جواب!!؟ ويجيب عنه ارتجالاً!!

البحاثة الجديد

إن من وصفهم هذا الكاتب في كتابه هذا، بأنهم حديثو عهدٍ من البحاثة، لم يستفيدوا من تساهل فقهائنا الأعلام، ذلك لكذب هذه الدعوى التي يطعن فيها بفقهاءنا الأجلاء من زعماء الحوزة، قبل أن يطعن فيها بسماحة السيد جعفر مرتضى، مع أن جلَّهم فحتى من جاء منهم في العصور الأخيرة من أصحاب المؤلفات والتحقيقات في علم الكلام، الذي يتوقف عليه الاجتهاد، وهم أجلّ شأنا من أن يتساهلوا في أمر هذا الدين، لكنه سوء الأدب والغرور يدفع بصاحبه نحو كل قبيح «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».

نعم لم يتساهل فقهاؤنا كما قذفهم الكاتب، بل إنما استفاد «حديثوا العهد من البحاثة» «كما تحلو له التسمية بذلك، من تجربتهم الطويلة الممتدة في السنوات المديدة التي ربما عدت بالعشرات، معتمدين على سلطان من الكفاءة والقدرة العلمية في الدخول إلى صروح التحقيق، والنفاذ منهما بالهامّ من الحقائق إلى أقطار العلم والعلماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

وإذا كان جهل هذا الكاتب أو تجاهله حالا بينه وبين النظر إلى مؤلفات المحقق العلامة المتبحر السيد جعفر مرتضى، والاستفادة منها ومنه شخصياً، فلينظر إلى العلماء الذين استفادوا من خبرته في أبحاثهم وكتبهم ومعاهدهم العلمية، وإلى تلامذته الذين عملوا معه في هذا الشأن، وقد تفرقوا في أنحاء إيران وحوزاتها العلمية فمن الايرانيين وغيرهم‏ ممن لهم الباع الطويل في هذه العلوم، لكن صدق رسول اللَّه ‏(صلى الله عليه و آله وسلَّم) حين قال: ارحموا عالماً بين جهال.

لحساب من يعمل هؤلاء المحققون؟

ومرَّة أخرى يستوقفنا العنوان، فنتساءل عن السبب الداعي إلى وضعه في هذا الموضع المخصَّص للبحث في عيوب منهج العلامة مرتضى في كتابه، فهو مع أنه لا يمت بصلة إلى البحث عن المنهج، فإنا نراه قد أدرجه فيه.

ونحن هنا بالجرأة نفسها التي يزعمها هذا الكاتب لنفسه، ولكن بعيداً عن التشهير، وبأدب إسلامي لا كأدبه، نطلب الكف عن استغلال جهل العامة بالتاريخ وبعلم الرجال وبالفقه وأصوله والكلام والمنطق، وبأصول البحث العلمي عموماً، بالتوقف عن دفع التساؤلات تترى إلى أذهان هؤلاء الطيبين، الذين نحبهم ونحترمهم، ثم اتباع ذلك بالتشكيكات، قبل الحصول على الجواب اللازم أو تحصيله من أهل الخبرة والاختصاص، بحجة التحرر من أي قيدٍ يفرض ظلماً على إبداء الرأي، وبحجة لزوم اظهار العالم علمه في ما إذا ظهرت البدع وسرت في العقائد الشيعية الموروثة والفاسدة في أذهان العامة وإلا فعليه لعنة اللَّه، وهو الأمر الذي يدعو أصحاب الهمم العالية من ذوي العلم والخبرة للقيام بدور تمييز بعضهاعن بعض وتعريف الناس بذلك، على حد تعبير السيد فضل اللَّه في نشرة بينات، بتاريخ 25/10/96.

ونحن لو أغمضنا وسلمنا له حرية إبداء رأيه فيما ذكرنا، لكن لن نقبل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

منه ولا من غيره أن يثير الشكوك مغلفاً لها بإطار التساؤلات والمنهجية والعلمية... التي ترقى بالبحث إلى النتائج الكاملة.

إذ أمام من تطرح هذه الأمور؟

ومن من مستمعيه يحقق فيها أو يدقق، وفيهم من البسطاء فمع كل الاحترام‏ الكثير رجالاً ونساءً؟؟

ثم ما هو العلم الذي حرم عليه كتمانه، فوجب عليه بالتالي إظهار علمه وآرائه التي يعترف صاحب هذا الكتاب (ص27) بأنها جلها شكوك وتساؤلات (ولن ينفعه وصفها بالعلمية أو المنهجية)؟.

 

بدع الشيعة!!

أضف إلى هذا سؤالنا: ما هي البدع التي دخلت في البنية الفكرية العقيدية أو التشريعية في مذهبنا نحن الشيعة الإمامية، حتى أرسله اللَّه إلينا فعلى حين فترة من الرسل والمصلحين!؟ف ليصلح أمر هذا الدين، أو يمنعه من الانحراف، ويحصنه من فاسد العقائد وكاذبها، حتى وصل به الأمر إلى القول بأن ذكر الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علي‏(ع) يترتب عليه المفاسد الكثيرة (المسائل الفقهية، ج2 ص‏123) الأمر الذي يوحي بأنه قد يتجه فيما بعد فضمن حملته هذه في النهي عن المنكر وإزالة العناصر الجديدة (المسائل الفقهية) فإلى دفع هذا الفاسد والمنكر، حينما تسنح له الفرصة بذلك، كما يقتضيه التدرج في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من القلب إلى اللسان (والقلم) ثم اليد.

ونحن بانتظار اليوم الذي يقدم فيه سماحته على تحريم ذكرها في الأذان والإقامة على من يقلده، ثم يحذفها من مسجده ومساجد مؤيديه وأتباعه(1).

ـــــــــــــــ

(1) ومن الطريف ان السيد فضل اللَّه قد أجاب على سؤال: انكم تمنعون الشهادة الثالثة مع=

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

حقّاً كما يقول هذا الكاتب (ص‏47):

إننا لا ندري من المستفيد من كل هذه الأعمال والتي يجهد العدو لعمل أقل طعناً وخطراً من هذا بمراتب... إلى آخر ما قال هذا الكاتب مما لا نحب تدوينه.

تشكيكات وأوهام

ونضيف لكن لا كما يضيف الكاتب: لقد قرأنا العديد من الكتب التي تشكك بأفكار ومعتقدات الشيعة الإمامية، إلا أننا لم نقع على مثل تشكيكات السيد فضل اللَّه وأوهامه التي تمرر باسم التشيع وهو مكمن الخطورة والتي لا يكلف نفسه وسعها في الإجابة عنها، ولا يكلِّفها السؤال والبحث عن الاجابات المناسبة عند أهل الخبرة والاختصاص، لينتفي بهذا مبرر وجودها، وذلك جرياً منه على عادته في إطلاق التساؤلات وإثارة التشكيكات (في الهواء الطلق، وبصراحة، وفي كل القضايا) مع حبسه للأجوبة عن الناس، على كثرة انتشارها بين صفحات الكتب المعتبرة لعلماء الشيعة الإمامية بل وغيرهم، ومع ثباتها في صدور الأعلام من علمائنا حفظهم اللَّه، وهو يريد بذلك كله أن يصدم الواقع كما يقول.

وبعد هذا وغيره من أحاديث سماحته، والتي يصر دائماً على التحدث فيها بهذه المواضيع، وبهذه الكيفية، واعترافه مراراً على المنابر وفي التلفزة والإذاعات والصحف والمجلات أن جرأته في طرح آرائه، وإيمانه الصريح

ـــــــــــــــ

= أنها شعار التشيع؟

فقال في الجواب: الشهادة الثالثة من حقائق الايمان القطعية عندنا وفي مذهبنا، إلا أنها ليست جزءاً من الأذان والاقامة، كما هو مشهور الفقهاء، ولم نمنع من ذكرها أبداً، والأذان في مسجدنا وجمعتنا أوضح برهان على ذلك. وتاريخ هذا الجواب هو (16 جمادى 1417)، بينما تاريخ صدور المسائل الفقهية التي يصرح فيها بالمفاسد المترتبة على الشهادة الثالثة كان قبل ذلك (صفر 1417هـ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

بأسلوب الصدمة للواقع الذي يعيش فيه، والذي يكرره دائماً على المسامع (دنيا المرأة ص 25)، هو السبب الكامن وراء الحملة العنيفة عليه.

تحريف الكلام

مع هذا كله فهو يكتب في أجوبة بعض المسائل (بتاريخ 8 رجب 1417هـ (ص‏4)): إنني أقول بكل محبة إن هناك 90% مما ينقل عني في العقائد كاذب، وإن عشرة بالمئة من هذا هو تحريف للكلام عن مواضعه.

أو أن 99،99 من المنقول عني كذب وافتراء.

باللَّه عليك أيها القارى‏ء إذا كان الأمر كذلك فأين إرادة صدم الواقع؟

وبأي شي‏ء يصدمه إذا لم يكن في كلامه مخالفةً للعلماء، ولما هو المألوف في أذهان العامة من مختلف الطبقات؟

وأين قوله (قاعة الجنان ـ بيروت، في عاشوراء سنة 1417هـ): أنا أصر ولو شتمني الشاتمون ولو اتهمني المتهمون... (حديث عاشوراء)؟

وأين قوله (بينات 25/10/96): إن أفكار الشيعة متوارثة قد تكون صحيحة وقد لا تكون... أنا لا أؤمن أن الناس عوام يجب أن نبقيهم على جهلهم... لا بد من أن نثير القضايا في المجالس العامة بالطريقة التي تحقق للناس توازناً في فهمهم وأفكارهم... فما المشكلة في طرح أفكار يعتقد أصحابها بصوابيتها؟؟.

أين الحوار وحرية الفكر؟

ومن حقنا هنا أن نرد هذا السؤال عليه لنقول ونسأل: ما المشكلة في طرح الأفكار المخالفة للسيد فضل اللَّه، والتي يعتقد بها علماء المذهب وهم يعتقدون بصوابها ولو أدت إلى ما لا يتلاءم مع أفكاره وأغراضه؟

ولماذا ردات الفعل العنيفة في العلن تارة، وخفية أخرى، كلما انتشرت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

الأفكار المخالفة له والمبينة لفساد آرائه؟

أليس من حقنا عليه كالأخرين أن يحاورنا بجدية ويناقش أفكارنا، فنحن ندعوه إلى ذلك كما يدعو هو إلى مناقشة أفكاره، لكن لن نناقشها على طريقته بالحملات الإعلامية في وسائل الإعلام وعلى المنابر ولا بغير ذلك من الوسائل التي يستيعنون بها.

وردّاً على سؤال: لماذا لا تطرح لبعض المسائل التي يكثر الجدل حولها في مؤتمرات علمية بدل طرحها على الناس وفي أجواء غير صافية؟

يقول في الجواب: أعتقد أن هذه المسائل يجب أن تطرح على الناس فنحن نؤمن بالناس!؟ فالبعض يقول: إنهم عوام لا يفهمون، أنا لا أقر ذلك، فللناس فكر وليس فقط لدى طلاب العلم، فهناك أناس مثقفون وهناك أناس غير متعلمين، ولكن لديهم تجارب وبإمكانهم مناقشة القضايا بعقلهم.

وهذا من العجائب حيث عوَّد سماحته الكثيرين على ترداد قوله (ص): إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.

وفي موضع آخر (فكر وثقافة عدد 4 ص2) يذكر ما يناقض فيه كلامه هذا، فيقول:

نريد أن نقول إنه من غير الصحيح أن ينطلق العوام من أجل أن يعطوا أفكارهم وآراءهم، وأن يعترضوا على العلماء، وأن يدخلوا بين رأي عالم وعالم، ليتبنوا هذا الرأي ضد ذاك الرأي، لمجرد أن هذا الرأي يألفه واقعهم، وذاك الرأي لا يألفه. إننا نقول ما قاله تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم)، فمن لا يملك علم الفقه وعلم الشريعة! وعلم العقيدة فليس له أن يتبنى أو يناقش من دون علم في هذا المجال.

وهو يقول (مجلة المنهاج عدد2/ الأصالة والتجديد ص‏71): .. يفرض علينا عقد مؤتمرات علمية تملك حرية النقاش في كل شي‏ء بحيث لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

يخاف أحد من طرح فكره في فهم الإسلام في هذا الجانب أو ذاك

ونحن بدورنا نتمنى عليه أن لا يسعى، وأن لا يفسح المجال أمام من يسعى، لإخافة من يطرح هذه الأفكار في فهم الإسلام لمجرد أنها تخالف فكره وتسعى إلى ترويج ما لا يروق له مما اتفق عليه علماء الإمامية.

تنازل الشيعة

ولا نريد إطالة الكلام كي لا نثقل على القارى‏ء الكريم، ونترك التعليق لعقله الواعي وضميره الحر، للقيام بمهمة الحُكْم بالعدل والإنصاف، ومن ثم ليفهمنا إذا فهم هو بأي وجه من الوجوه المعقولة يمكن الجمع بين هذه الكلمات لرفع التناقض المستحكم فيها.

نعم ربما يصلح قوله الآتي لتسليط بعض الضوء على ما يرمي إليه.

يقول في كتاب للإنسان والحياة (ص‏195) ومجلة المعارج (ص‏434):

المشكلة هي... وأن الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شي‏ء مما ورثوه، بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع، للدليل والبرهان أو لا يخضع لأن القضية في بعض أوضاعها (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون).

وبذلك تتضح المفارقة في ما ذكره هذا الكاتب بقوله (ص‏22):

هدفنا هو توسيع فضاء العقل والاعتراف بقدرات الناس على التفكير، وأخذ القرار أو حسم الخيار في مصيرها ومسائلها، ونبذ مقولة العامة التي تسلب عن الناس خواصهم البشرية والنفسية... فالحديث عن حفظ الإشكالات ضمن جدارن مغلقة وفي مجالس الخاصة، هو جزء من ذهنية الاستخفاف بعقول الناس وسياسة إخضاع الناس بلغة التخويف والتهويل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

من المعيب؟

والكاتب يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، حين يجيز لنفسه ما حرمه على غيره، حيث يقول (ص 46):

فمن العيب الذي يؤخذ على العالم أن يستغل جهل العامة بالتاريخ وبعلم الرجال وبأصول البحث العلمي ويدفع إلى مخيالهم! ما يرهقه بالمعطيات الهجينة التي يصعب عليهم بحثها ومناقشتها وأن يسوق المحاكمات جزافاً لرجال امتهنوا العلم والبحث عن الحقيقة وإخفائها أمام الجمهور الذي يبحث عن تكليفه.

ولست أدري على من ينطبق كلامه هذا؟ بعدما عرفت فيما تقدم.

ولست أدري إن كان تكليف الجمهور هو أخذ العلم بما ينبغي له العلم أو العمل به، أو أن شكوك سماحته كافية لتعليمهم؟ فلا هي ترهقهم ولا هم منها يضجرون.

وهل أن تشكيكات السيد فضل اللَّه ومحاكماته الصورية لكثير من أعيان الطائفة، ودخوله وبشكل مبتور أو مغلوط غالباً في كثير من الموضوعات التي قد لا يجد في من حوله من يستطيع ادراكها، تمنع من أن يؤخذ على السيد فضل اللَّه نفس العيب الذي يؤخذ على العالم كما ذكر هذا الكاتب إلا إذا استثنى هذا الكاتب السيد فضل اللَّه من جملتهم.

روزنامة الانتهاكات

قد عرفت فيما تقدم معنى الثابت والضروري، وتبين لك الفارق بينهما، ومعه لا وقع لما ذكره هذا «الحشري» الذي أدخل أنفه فيما لا يفقهه بقوله(ص‏54):

أولاً... وثانياً، فراجعه، لتعرف مدى توغله في الافتراء والتهمة فلا نطيل بنقل إسفافه وانحطاطه عن رتبة العلم والعلماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

وأما قوله: ثالثاً... «ومطالبته فيه بروزنامة! الموضوعات الخطيرة والمنتهكة، «فنحن نزولاً عند رغبته نسرد شيئاً من ذلك مع مراعاة الاختصار ما أمكن ذلك.

نفي الولاية الكوينية:

وهي قضية يقول بها الكثيرون من علماء الإمامية كما اعترف بذلك السيد فضل اللَّه نفسه (مجلة الفكر الجديد العدد 9 ص1415 )13 هجرية.

وهو يقول في أجوبة بعض المسائل المؤرخة في 16 جمادى 2/1417:

واللَّه سبحانه هو ولي التكوين وهو الذي يدبر الأمور فعليّاً، ولا نقصان في فعلية ولايته أو تدبيره، ولا يحتاج إلى أحد في ذلك.

وكأنه يريد بكلامه هذا أن يوحي للآخرين بأن القائل بالولاية التكوينية ينقص من تدبير اللَّه وفعليته وهو أمر باطل قطعاً.

ومع أنه هو الذي أثار هذه المواضيع، فهو يقول: هذه الأبحاث جدلية، وقد لا تكون فيها فائدة، فسواء كانت لدى النبي ولاية تكوينية أو لم تكن، فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن!!.

ثم أضاف إلى ذلك ما ذكره في مجلة الثقافة (العدد 65 ص72/1996):

وعلى ضوء ذلك فلا مجال في النص القرآني لفكرة الولاية التكوينية للنبي والأنبياء كافة.

ويقول أيضاً في (ص‏74) من المقالة السابقة: أما الولاية على الكون فهي ليست من شأنهم ولا من دورهم، لأن اللَّه وحده هو الذي يملك الولاية الخالقية والفعلية على إدارة نظام الكون كله، وليس لأحد من خلقه شأن فيه، لا سيما إذا عرفنا أن الأنبياء لم يمارسوا الولاية التكوينية (لاحظ أجوبته على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي ص‏12).

ويتابع ليقول: فما معنى ولاية لا يستعملها صاحبها حتى في دفع الضرر عن نفسه؟!!!

ولنا أن نسأله أيضاً: ما معنى ولاية للَّه تعالى لا يستعملها صاحبها عزَّ شأنه في دفع الضرر عن أوليائه؟ فَلِمَ لَمْ يدفع عن الحسين‏(ع)، مع أنه تعالى يقول في كتابه العزيز: (وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين)؟!.

وهل يفهم من معنى الولاية للَّه تعالى، أن يتدخل سبحانه رغم إرادة من خلقهم وخلق فيهم الاختيار، ليخالف السنن التي يجري على أساسها الكون؟

هل يظن سماحته أن القائلين بهذه الولاية، يلتزمون بإمكان مخالفتهم(ع) لما أجرى عليه تعالى نظام الكون، حتى يقول ولا نقصان في فعلية قدرة اللَّه وتدبيره؟ فهل توهم أن القائل بها ينقص من ذلك مع أنه نوع من أنواع الشرك.

هذا مع أن الإمام الخميني (قدس سره) من جملة القائلين بها، وهو يقول:

فإن ثبوت الولاية والحاكمية للإمام، لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند اللَّه، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام، فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون.

وهل يقبل منصف أن ينسب نقصان فعلية قدرة اللَّه أو تدبيره وهو معنى من معاني التفويض (الندوة ص‏34) إلى الكثير من علماء الإمامية ومنهم زعيمي الشيعة الإمامية في هذا العصر الإمام الخوئي والإمام الخميني (رحمهما اللَّه تعالى).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

من السبب؟

ومع هذا فانظر إلى هذا السؤال وجوابه من كتاب الندوة (ص‏391)،

يقول السائل: في بحثكم حول سيرة النبي في القرآن، المطروح في «مؤتمر السيرة النبوية»، فتحتم قراءة قرآنية تنفي الولاية التكوينية للبحث، ألا ترون هذا الجدل العقائدي الصرف لا إثبات فيه، ومن الأولى أن تطرح إشكالات نحن أحوج إليها.

الجواب: أنا مع السائل فيما يطرح، لأن هذه الأبحاث هي أبحاث جدلية، وقد لا تكون فيها فائدة، فسواء كانت لدى النبي ولاية تكوينية أو لم تكن، فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن.

ومن هنا نعرف أن سماحته كان هو السبب في فتح هذه الملفات(1).

وانظر واعجب إلى قوله (فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن).

ولا مناص من أن نسأله أيضاً: هل أن الأمر كذلك بالنسبة لإمام زماننا عليه السلام، والذي نقول بولايته التكوينية فكباقي الأئمة(ع)ف كما نقول بها للنبي (ص)؟

فلو سلمنا أنه لا فائدة في معرفة مقامات الأئمة(ع) ومن جملتهم إمام زماننا(ع)، كما تقدم عنه ويأتي أيضاً، لأنهم ذهبوا إلى ربهم، ولا يعيشون بيننا.

ولو سلمنا كذلك عدم الحاجة إلى التعرف على ماهية الولاية التكوينية

ـــــــــــــــ

 (1) من هنا يتبين لك بطلان تهمة هذا الكاتب لسماحة السيد جعفر مرتضى حين يقول (مأساة المأساة ص 21): إن الكتاب أي كتاب (مأساة الزهراء(ع)) ليس رد فعل ولا انفعالاً ناتجاً من فعل خارجي، بل هو مبادرة بذاتها وجدت مناسبة ومبرراً لتطلق لغتها وخطابها ولكي تختبى‏ء بظل دفع الشبهات... الخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

للنبي وللائمة(ع) ممن ذهبوا إلى ربهم على حد تعبير السيد فضل اللَّه، ولكن ألا من فائدة في معرفة مقام إمام زماننا ومدى ولايته وكيفيتها؟؟ وهل هو قد ذهب إلى ربه أيضاً؟!

العصمة:

وفيما يصرح السيد فضل اللَّه بعصمة الأنبياء والأئمَّة على جميع المستويات، في الفكر والعاطفة والحركة في التبليغ وغيره (الندوة، راجع ص 366 وما بعدها، والمسائل الفقهية ج2، ص‏449).

نرى منه مما يخالف ذلك صريحاً عدة أمور:

  ففي رسالة إلى المرجع الديني آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي ردّ عليه فيها كلامه حول بعض المسائل، يقول:

وقد دلَّ الدليل على امتناع الخطأ في التبليغ لا في غيره.

وينسب السهو إلى المعصوم (لاحظ المصدر السابق في نفس الموضع في الصفحة2)، وفي جريدة فكر وثقاقة (29/6/96).

  كما ينسب إلى نوح(ع) عدم الفهم حال تلقي الوحي حيث يقول:

وربما كان (نوح)، يجد في وعد اللَّه بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل، لأنه من أهله ولم يلتفت إلى كلمة (إلا من سبق عليه القول)، لأنها لم تكن واضحة (من وحي القرآن ج2 ص‏80) وليراجع (دنيا الشباب ص31)، وهذا إخلال واضح بالعصمة في التبليغ مع أنها محل إجماع المسلمين.

وربما يقول سماحته: إن هذا الأمر من الموضوعات الخارجية التي لا يشترط فيها العصمة كذلك.

ونقول في جوابه: إنه غير صحيح في نفسه لكونه متعلقاً بالوحي، عن اللَّه تعالى فيشترط فيه العصمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

مع أنا لو أغمضنا عن ذلك، فالحاصل هو إقرار سماحته بخطأ نوح أو نسيانه أو جهله في الموضوعات الخارجية، وهو مناف لكون العصمة على كل المستويات كما يصرح بذلك في بعض الموارد.

وقد اتفق المسلمون على لزوم العصمة في التبليغ، وجعلوا من شرائطها معرفة المبلَّعنه وتشخيص الملك المبلغ عن اللَّه تعالى، وضبط البلاغ، وسلامة أدائه إلى المبعوث إليهم.

 قوله في حق موسى(ع) وهارون(ع) الموسم(ص‏32):

هذا مع اختلاف هارون(ع) وموسى(ع) في التشخيص، فهارون عنده تقييم معين وانطلق من حيث {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل}، ولهذا واجه القضية بطريقة لينة، وكان موسى يعتقد أنه يلزم أن تواجه القضية بقوة لأن بني إسرائيل لا يفهمون إلا بالقوة.

 وقوله بوقوع الخطأ من داود (من وحي القرآن ج19 ص  275 ـ ‏277)... ثم قوله:

ولكن ذلك كله لا يمنع صدور الخطأ منه، فإنه لم ينتبه إلى أن الخصمين ملكين... بل المشكلة هي الخطأ في طريقة إجراء الحكم، وتابع يقول:

فلا بد من الاعتراف بأن مثل هذه الأخطاء لا تتنافى مع مقام النبوة، لا سيما إذا كانت الأمور جارية في بداياتها، مما قد يراد به الوقوع في الخطأ من أجل أن يكون ذلك بمثابة الصدمة القوية التي تمنع الخطأ في المستقبل.

  وتفسيره قوله تعالى: (ردّوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) بأن ذلك إنما كان جزاء ما اشتغل بها عن الصلاة... وان الآية ظاهرة في رد الفعل الذي قام به سليمان(ع) إزاء اشتغاله بالخيل وتركه للصلاة، مما جعله يفكر بقتلها.(لاحظ تفسير الآية في كتاب من وحي القرآن).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

والأعجب من هذا استناده إلى الروايات التي تضمنت ما يلي في حق داود(ع)، قال الراوي:

فضرب الرضا(ع) جبهته، وقال: إنا للَّه وإنا إليها راجعون، لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء اللَّه إلى التهاون في صلاته، حتى خرج في إثر الطير ثم أتى بالفاحشة ثم بالقتل.

ونحن نقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون حيث نسب سماحته إلى سليمان(ع) التهاون في صلاته.

  وقوله: إن موسى جر رأس أخيه بطريقة غير عقلانية (فكر وثقافة عدد6 ص‏3)، على أنه قال في مجلة الموسم (ص‏321)، لم يكن ما قام به تصرفاً عصبياً ناشئاً عن حالة انفعالية غير عقلانية...

  وقوله في حق النبي محمد(ص) حين ادعى نزول عبس فيه:

انه اختار ما كان الاستغراق فيه مضيعة للوقت (من وحي القرآن ج24 ص‏67) وقوله في تفسير قوله تعالى: (فأنت عنه تلهى) (ج24 ص‏75):

لأنك تحسب أن إيمان هؤلاء القوم الصناديد قد ينفع الإسلام أكثر من نمو إيمان هذا الأعمى الذي يمكن أن يؤجل السؤال إلى وقت آخر، ولكن المسألة ليست كذلك.... ولا مانع من أن يربي اللَّه تعالى رسوله تدريجيّاً ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعاً لحاجتها إلى ذلك.

وهو ظاهر الدلالة على أن تربية اللَّه تعالى له إنما كانت بعد وقوعه‏(ص) في الخطأ.

والأفظع من ذلك كله قوله في مجلة الموسم عند تفسيره هذه الآيات:

إن اللَّه يريد أن يفهمنا أنه إذا ابتليتم بمثل ما ابتلي به النبي، فلا تكن منطلقاتكم كمنطلقاته، فلا تفعلوا مثل ذلك!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

  ونسبته الخطأ إلى النبي‏(ص) حين فسر قوله تعالى عفا اللَّه عنك: (من وحي القرآن، ج1، ص129 ـ ‏130) فقال:

هذه الكلمة تستعمل في مقام العتاب الخفيف الذي يكشف عن طبيعة الخطأ غير المقصود... وليس هناك مشكلة أن يقع الخطأ في ما هو الواقع في رصد الأشياء الخفية، من خلال غموض الموضوع، لعدم وضوح مسائل المعرفة لديه.

وبعد كل هذا يقول سماحته (الندوة ص‏371):

من يرى بأن العصمة مختصة في بيان الأحكام والتشريعات، فإنه لم يفهم معنى العصمة ولا معنى النبوة.

هذا كله عدا عن نسبته الشرك إلى إبراهيم(ع)، والسذاجة إليه وإلى آدم(ع)، وعدم التوازن وخلف الوعد إلى نوح(ع)، وعدم الوحي إلى لوط(ع)، والإباق من اللَّه إلى يونس(ع).

العصمة أيضاً:

يقول السيد فضل اللَّه في كتاب الندوة (ص 375).

نظرية علماء الشيعة الذين يقولون إن النبي‏(ص) يولد معصوماً والإمام يولد معصوماً، لا يمكن أن تفسر إلا على أساس جبرية العصمة... لذلك فأنا أعتبر أن معنى وجوب العصمة يساوي حتمية العصمة.

ويقول أيضاً:

الزهراء ليست واجبة العصمة، هي معصومة من خلال إيمانها، ومن خلال أن اللَّه سبحانه وتعالى جعلها من أهل هذا البيت، يعني العصمة ليست شيئاً إجبارياً، وإنما هو حالة اختيارية يأتيها لطف من اللَّه تعالى (الموسم ص 296).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

ويقول أيضاً:

إن اللَّه تعالى أعطى لفاطمة(ع) لطفاً منه بحيث يرتفع بها إلى الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة (أجوبة المسائل المؤرخة في 16 جمادى 2/1417هـ).

ويقول كما في أجوبة بعض المسائل المؤرخة في (8 رجب 1417هـ) جواباً عن سؤال حول العصمة التكوينية:

المقصود أنهم خلقوا معصومين الخ.

ويشير إلى ذلك في حديث عاشوراء (ص‏102). ثم يقول في الندوة (ص‏368):

أما مسألة هل أن العصمة اختيارية، أو غير اختيارية فما هذا الجدل..... ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه!!.

يقول هذا مع كون الأمر متعلقاً بمعرفة أولياء اللَّه تعالى، الموجب لزيادة معرفته تعالى، مع أنه هو نفسه قد خاض فيه بكل ما تقدم.

فمن الغرائب تناقضه أولاً، ثم خلطه بين وجوب العصمة وجبريتها بمعنى عدم الاختيار، لأن الشيعة الإمامية في الوقت الذي توجب العصمة في الأنبياء والأئمة(ع)، تقول إنها اختيارية، فلا تنافي بين الوجوب والاختيار، وهو معنى فلسفي دقيق لست اعلم كيف لم يدركه سماحته، والأغرب قوله أخيراً: ما هذا الجدل؟ ذاك علم لا يضر من جهلة... إلخ.

مسألة الإمامة من بعد النبي‏(ص):

يقول السيد فضل اللَّه في كتاب للإنسان والحياة (ص257).

وهكذا انطلق رسول اللَّه‏(ص) ليؤكد مسألة القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في فراغ، بعد أن ينتقل‏(ص) إلى الرفيق الأعلى،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 65/

ولكن المسلمين فهموا القضية بطريقة معينة، ففرضت الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها خارج دائرة توجيهات رسول اللَّه(ص)، فأبعد علي.

فلينظر القارى‏ء كيف جعل فعل غاصبي الخلافة مبنياً على فهم خاص واجتهاد معين، وكأنه لم يكن تمرد ولا انقلاب على أصحاب الحق الشرعيين، وقد علل ذلك في بعض مجالسه بأن فكرة الإمامة لم تكن واضحة ولا ناضجة في الأذهان آنذاك، ولست أدري بماذا يجيب عن قول القائل لعلي‏(ع) بعد بيعة الغدير: بخٍ بخٍ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وإذا كان المسلمون فهموا القضية بطريقة معينة فكما يقول السيد فضل اللَّه‏ فصاحب هذا القول فهم منها شيئاً آخر؟؟؟

ويقول في كتاب الندوة (ص439):

علينا أن نمارس خلافنا في الرأي كما مارسه الأولون، فقد مارسوه فيما لم يكن الاختلاف مضرة للإسلام، حتى سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم!!

وهنا نسأل سماحته كيف استقامت المسيرة الإسلامية مع تنحية أهل البيت(ع) عن مواضعهم التي رتبهم اللَّه فيها؟.

تهميش أو تهشيم مقامات الأئمة(ع):

فقد حذف هذه المعرفة من سلسلة معارف الدين اللازمة أو الراجحة، وجعلها أمراً خارجاً عن الخط الذي يسلكه، مع أن ذلك من ضروريات المذهب، كما تقدم تصريح الإمام الخميني به.

القياس:

وقد تقدم الكلام فيه. يلاحظ كتاب تأملات في آفاق الامام الكاظم (ص‏43).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

مشكلة حديث أهل البيت(ع):

فقد زعم أن من أشكل المشاكل توثيق حديث أهل البيت(ع) لكثرة الكذب فيها كما يقول، هذا مع أنه يعمل بمرويات العامة في كتبهم، لعدم وجود الداعي إلى الكذب فيها فعلى حد قوله‏ وقد تقدم.

وقد كان اللازم له على أقل تقدير أن يساوي بين حديث أهل البيت وحديث أهل السنة، لكنه فمع الأسف لا يأخذ من حديث أهل البيت ما أخذ به علماؤهم، ويترك منه ما اجمعوا على الأخذ به كما ستعلم عما قريب.

النظرة الخاطئة إلى علي‏(ع):

قال في شرح دعاء كميل (ص‏94):

ألا تشعر أن عليّاً لا يزال خائفاً، ولا سيما أن الذنوب والخطايا التي طلب من اللَّه سبحانه أن يغفرها له، هي من الذنوب الكبيرة التي يكفي ذنب واحد لينقصم الظهر منه.

وقول (ص‏159) من الكتاب المذكور:

ويتابع الإمام بيان حاله (لاحظ قوله: بيان حاله) قائلاً:

ولا تفضحني بخفي ما أطلعت عليه من سري، يا رب هنالك الكثير من الأشياء التي أقوم بها من دون أن يراني أحد، وأتكلم بشي‏ء ولا يسمعني أحد، وأنت الساتر الرحيم، فيا رب لا تفضحني في الدنيا وفي الآخرة، وأعدك بأني سأتراجع عن خطأي وإساءتي ومعصيتي.

وقال (ص‏169):

فالإمام(ع) يقول: يا رب لقد خلقت لي هذه الغرائز، ومن حولي أجواء تثير هذه الغرائز، تستيقظ غرائزي عندما تحف بها الروائح والأجواء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

الطيبة التي تثيرها، أعطيتني عقلاً ولكن غرائزي في بعض الحالات تغلب عقلي فأقع في المعصية.

التشكيك في أحاديث الأنوار:

يقول السيد فضل اللَّه:

وهكذا نجد السؤال يفرض نفسه في الأحاديث التي تدل على أن اللَّه خلق الكون لأجلهم، فإننا لا نستطيع أن نجد له تفسيراً معقولاً حتى على مستوى وعي المضمون في التصور الفكري (مجلة الفكر الجديد عدد 9/1415 هـ، ص‏13).

وقد قال الإمام الخميني (الحكومة الإسلامية ص52 ـ 53):

إن من ضروريات مذهبنا، أن لأئمتنا(ع) مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدى السنة والشيعة من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم‏(ص) والأئمة(ع)، كانوا قبل هذا العالم أنواراً، فجعلهم اللَّه بعرشه محدقين(1)، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا اللَّه... وقد ورد عنهم(ع): إن لنا مع اللَّه حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء(ع).

وأيضاً يقول السيد فضل اللَّه (الموسم ص259): المهم إن اللَّه خلق آدم(ع)، وخلق محمد(ص) وخلقنا، وليست مشكلتنا كيف كان الخلق، هذا أمر لم نكلف فيه دينيّاً، فلهذا لا نحتاج إلى أن نخوض فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا.

ـــــــــــــــ

(1) هذه العبارة قطعة من الزيارة الجامعة الكبيرة، والمعروف أن السيد فضل اللَّه يشكك في صحتها (لاحظ مجلة الموسم ص 323)، واعتماد الإمام الخميني عليها واضح في هذا الكلام، وهي أرقى الزيارات الجامعة متناً وسنداً كما قال المجلسي (مفاتيح الجنان ص 654).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

ومع أن سماحته  وهو يدعو دائماً إلى دراسة الأحاديث في السند وفي المضمون طعن في هذه الأخبار، بأنه لم يجد تفسيراً معقولاً لها، قال في أجوبة بعض المسائل (المؤرخة في 16 جمادى 1417) ردّاً على السؤال التالي:

لماذا تشككون بما روي عن أهل البيت(ع) من أنهم كانوا أنواراً قبل أن يخلقوا؟

قال في الجواب:

نحن لا نمانع حديث الأنوار إذا ثبت بحجة شرعية، وليس بعيداً عن منزلة أهل البيت(ع) أن يكونوا أنواراً، ولعل هذه الروايات تشير إلى عظيم منزلتهم.

فكيف يأخذ بالخبر الذي لم يعقله، حيث لم يجد له تفسيراً معقولاً؟ وأين عرضه للأحاديث على الأدلة العقلية القطعية؟ أم أن عدم تعقله ناشى‏ء عن عدم قدرته على إدراك مراد أهل البيت(ع) من هذه الأخبار؟

ولا يخفى على القارى‏ء لجؤه بعد أن لم يعقل هذه الأنوار إلى تأويلها في هذا الجواب بمنزلتهم العظيمة(ع).

ومع كون هذه الروايات تشير إلى عظيم منزلتهم، فسماحته يقول: هذا أمر لم نكلف فيه دينيّاً، فلذا لا نحتاج إلى أن نخوض فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا كما تقدم!!!!! فهل مقامات الأئمة(ع) ليست مفيدة لنا في عقيدتنا(1).

10ـ التشكيك بحديث الكساء مع تواتره عند المسلمين.

سئل (في مجلة الموسم ص 315): ما صحة رواية أهل الكساء؟.

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ فقرة أسلوب المزايدة المتقدمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

فأجاب: الرواية مشهورة، ولكن بعض العلماء يناقش في سندها باعتبار أن رجال السند ضعاف.

ولسنا نعقل كيف يناقش بعض العلماء في السند والخبر متواتر، والمتواتر لا يحتاج إلى سند، ولم يفصل سماحته في الجواب بين رواية لهذا الحديث ورواية أُخرى له، بل شكك فيه مطلقاً.

ثم سئل سؤالاً آخر مذكور بعد هذا السؤال مباشرة وفي نفس الموضع:

قيل: ما الهدف من حديث الكساء المروي عن الزهراء(ع)، وهل الهدف منه تسبب نزول الرحمة والمغفرة على من يقرأه؟

فأجاب: ربما كان الغرض من ذلك هو محاولة معرفة أهل البيت(ع).

ونحن نلفت نظر القارى‏ء إلى أن ذيل حديث الكساء قد اشتمل على قوله جل جلاله: ما خلقت سماءً مبنية ولا أرضاً مدحية.... إلا لأجل هؤلاء الخمسة.

وهذا صريح في التعريف بمنزلة أهل البيت(ع).

فقوله ربما كان الغرض محاولة معرفة أهل البيت(ع) ناظر إلى بعض النسخ من الحديث التي لا تشتمل على هذا الذيل، لصراحته فيما يعرِّف بأهل البيت(ع).

فمحل كلامه إذاً هو حادثة الكساء الواردة في حديث الكساء، من دون الالتفات إلى ذيل هذا الحديث المذكور في بعض النسخ دون بعضها الآخر.

11ـ تجديد مضامين الزيارات:

فقد دعى إلى تجديد مضامين الزيارات المرسومة للنبي محمد(ص) والأئمة(ع) من  أهل البيت(ع)، باعتبار حاجة المرحلة المعاصرة إلى تربية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

الأمة على المفاهيم الإسلامية، التي تفرضها حاجة الحركة الإسلامية العالمية إلى استلهام فكر أهل البيت(ع) في فهمهم للإسلام (تأملات في مواقف الإمام الكاظم(ع) ص11).

وكأن الزيارت المعروفة عنهم(ع) عاجزة عن بيان الفهم الصحيح والذي هو فهم الأئمة(ع) للإسلام!

أو كأن الفكر الذي تحتاجه الحركة الإسلامية، إنما هو الفكر الذي لا يتضمن بيان مقاماتهم وفضائلهم وظلاماتهم(ع)!

ومع هذا فهو يقول في سياق الدعوى إلى عدم الاكتراث ببعض الأدعية:

لا بد أن نعرف أن بعض هذه الأدعية ليس وارداً عن أئمة أهل البيت(ع)، وإنما هي أدعية مجعولة (يعني مصنوعة) من بعض العلماء (الموسم 287).

وهو يقول: (زيارة الناحية المقدسة) موضوعة من قبل بعض العلماء، ولم يثبت لدينا صدورها عن الإمام الحجة(ع)، فلم يثبت سندها عنه (الندوة ص456).

ويقول أيضاً حين سئل عن رأيه في الزيارة الزينبية: إنها من صنع بعض الفضلاء وليست من صنع المعصوم.

ويقول: لم يثبت ذيل (زيارة عاشوراء)... الذي قد يرى بعض العلماء!!!؟ أنه من الزيادات (الندوة /653)، مع أن هذه الرواية إنما رويت بسند واحد، فإن ثبتت ثبتت جميعها، وإن لم تثبت لم تثبت كذلك، ونحن نطالبه أن يدلنا على العالم الذي ثبتت عنده زيارة عاشوراء ولم يثبت ذيلها.

وليت شعري هل يدري القارى‏ء أن ذيلها عبارة عن لعن ظلمة محمد وآل محمد، والسلام على الحسين وأهله، فما هو المانع من هذا الثبوت.

وغير ذلك كثير كإنكار زيارة الأربعين (شريط مسجل عن الإذاعة)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

واحتماله أن يكون أصل ذلك يهودياً.

ومع كل هذا، كيف يدعونا إلى عدم قراءة الأدعية والزيارات التي لم تثبت عن الأئمة(ع)، ثم يدعو إلى تجديد مضامين الزيارات الثابتة عنهم؟

وما هو الوجه في ترجيحه لما ينشؤه هو من الزيارات (مما يلائم حاجة الحركة الإسلامية على حد قوله)، على ما يذكره غيره وهم أعاظم علماء المذهب وأعيانه؟!

ولو سلمنا صحة دعواه إنشائهم (رحمهم اللَّه)، لبعض الزيارات والأدعية من عند أنفسهم، فكيف يدعونا إلى ترك ما روى عنهم(ع)، ويحثنا على الأخذ بالجديد الذي سوف ينشئه هو أو غيره؟!

12ـ إقامة العزاء ليست واجبة:

فقد قال في جريدة السفير، (عاشوراء 1417هـ): إن إقامة العزاء ليست واجبة، ثم قوله بعد ذلك في أجوبة بعض مسائله (المؤرخة في 16 جمادى2 1417 هـ ص‏5): الشعائر الحسينية ضرورة إسلامية لديمومة النهضة الحسينية.

ومع أنه كان من اللازم عليه أن يعلن ضرورتها في لبنان، بدل أن يصرح فيه بعدم وجوبها، في الصحف والمجلات.

فهو بدل ذلك أعلن وصرح بعدم الوجوب في لبنان، وأرسل إلى قم أن العزاء من الضروريات، مع أن ذلك لا يزيد أحداً علماً في قم المقدسة.

13ـ الإمامة متحولة:

قال في مقالة الأصالة والتجديد (مجلة المنهاج، العدد 2): إن الإمامة من المتحول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

وفي العدد 3 من المنهاج، فسر المتحول بالنظري.

ومع كون الإمامة منصوصة بالنص الإلهي، وبوحي النبوة عند الشيعة الإمامية، فهو يقول: الإمامة فكر بشري

فقوله (المنهاج عدد2): إن الإمامة من المتحول.

وقوله (المنهاج عدد 3 وغيره): المتحول هو النظري.

فالنتيجة أن الإمامة أمر نظري.

وهو يقول (حوارات ص480): إننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية هو فكر بشري وليس فكراً إلهيّاً.

فالنتيجة أيضاً أن الإمامة فكر بشري وليست فكراً إلهيّاً.

14ـ عبس وتولى

فقد قال بنزول آيات عبس وتولى في النبي، متابعاً بذلك روايات أهل السنة، مع اعتراف الفخر الرازي بأنها من روايات الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً (عصمة الأنبياء للفخر الرازي ص‏90). وتاركاً لروايات أهل البيت(ع) مع أن أهل البيت أدرى بالذي فيه، وقد أسلفنا لك شيئاً مما ذكره بالمناسبة في ما يتعلق بالنبي‏(ص) نلاحظ عنوان العصمة المتقدم رقم (8).

15ـ الشهادة في الأذان مفسدة

يقول السيد فضل اللَّه: إنه لا يشجع على إدخال أي شي‏ء في الأذان والإقامة ولو لم يكن بعنوان الجزئية (غير المبطل) «لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة (المسائل الفقهية ج2 ص123).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

16ـ الحسين (ع) يثور طلباً للسلطة

يقول السيد فضل اللَّه: إن الحسين‏(ع) ثار طلباً للحكم والسلطة (حديث عاشوراء/ محاضرة في قاعة الجنان)، والظاهر أنه يريد بذلك أن ينفي علم الإمام(ع) باستشهاده وسبي عياله.

17ـ منكر الولاية لا يعاقب:

يقول السيد فضل اللَّه: المنكر لولاية علي‏(ع) بعد قيام الحجة عليه يستحق العقوبة (وقد لا يعذبه اللَّه تعالى)، إذ الأمر فمن حيث الفعلية بيد اللَّه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (المسائل الفقهية ج2رص‏454).

مع أن هذا المنكر بعد قيام الحجة عليه يكون مكذباً للنبي (ص)، بعد ثبوت تواتر أدلة الإمامة وكثرة أسانيدها ووضوح مضامينها، حيث لا يسع المنكر انكارها، هذا مضافاً لقول السيد فضل اللَّه نفسه في شرح دعاء كميل لن تأتيك الشفاعة لمجرد انك تحب علي بن إبي طالب.

فلا ندري لماذا يُطمع سماحته منكر الولاية بالمغفرة، ويؤيس المعتقد بها من شفاعتهم(ع)؟!.

18ـ تغير مفهوم النص الديني

يقول السيد فضل اللَّه: قد يكون (أي النص) ثابتاً في حروفه، ولكن ليس من الضروري أن يكون ثابتاً في مفهومه ومضمونه (قراءة جديدة لفقه المرأة الحقوقي ص‏19).

وهذا معناه تجدد الدين كل فترة، وهي المقولة التي أنكرها العلماء بقوة على من أطلقها في إيران، لكثرة ما يترتب عليها من المفاسد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

19ـ لا سلبية تجاه النبي‏(ص)

يقول في فكر وثقافة (27/7/96):

ليس هناك في التاريخ شخصية اتفق عليها المسلمون كشخصية النبي‏(ص)، ولم يحدث هناك أية حالة سلبية تجاه النبي‏(ص) في كل واقع الإسلام.

ولعله لذلك يقول (للإنسان والحياة ص‏318):

ولا يمكن لأية قيادة إسلامية أن تقدم التنازلات للأعداء، حتى أن ذلك كان وعي الصحابة في عهد الرسالة عندما كان النبي‏(ص) يقدم بعض التنازلات التكتيكية لمصلحة الخط الاستراتيجية، فإن المسلمين كانوا يقفون ويقولون: إننا لا نعطي الدنية في ديننا، وإننا كنا لا نتنازل قبل الإسلام، فكيف نتنازل لهم بعد أن أعزنا اللَّه بالإسلام؟

وماذا يصنع بقول الرجل: إن النبي‏(ص) ليهجر، وبالتنفير بناقته‏(ص) يوم العقبة، وتخلفهم عن أمره‏(ص) في إنفاذ جيش أسامة، وغير ذلك مما يتعسر إحصاؤه، وفي ضمن أي إطار يصنف سماحته ذلك كله.

نخشى أن يكون كل هذا ومعه غيره ليس سلبيّاً في نظر سماحته.

20ـ لا ملحدين

ينكر السيد فضل اللَّه وجود الملحدين في العالم لعدم صحة الدليل على نفي وجود اللَّه. وهو الأمر الذي يلزم منه إنكار كل ما كان مستنداً إلى دليل باطل، إذ يمكن على هذا الأساس أن نقول: دليل النصارى على بطلان نبوة النبي‏(ص) دليل ضعيف، وهو مجرد صورة دليل، فإنكارهم المبني على هذا الدليل الخيالي كإنكار الجاحد لوجود اللَّه تعالى المبني في واقعه على دليل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

خيالي، فلا نصارى إذن كما لم يكن هناك ملحدون.

وكذلك دليل أهل السنة على بطلان إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب دليلٌ ضعيف، وهو دليل خيالي فهم ليسوا منكرين لإمامة علي‏(ع)، كما لم يكن النصارى منكرين لنبوة النبي محمد(ص)، فلا سنة ولا نصارى ولا ملحدون وهكذا.. إلى غير ذلك من خروقاته والتي لسنا بصدد استقصائها، لكن ما ذكرناه منها يكفي في إعطاء ملامح واضحة عن نهجه التشكيكي العريض.

موضوع كتاب مأساة الزهراء

وبعد هذه الوقفة الطويلة نعود إلى ما كنا فيه.

قال الكاتب ص‏55:

سنجنب الكاتب (يعني سماحة السيد جعفر مرتضى) مؤنة سرد موضوعاته المبعثرة في هذا «البحث العلمي».

ونحن نقول: لقد كان عذر سماحة السيد جعفر مرتضى في ذلك واضحاً وقد قدمه في قوله (مأساة الزهراء ج1 ص23):

إن هذا الكتاب لم يقدر له أن يعالج موضوعاً محدداً.... بل هو يعالج شتاتاً من المسائل المختلفة، استخدمها البعض للتشكيك في أحداث جرت على الزهراء(ع)....

أما دعواه أن محاور البحث العلمي محصورة في ما ذكره في هذا الموضع (فليراجعها من أحب)، فهذا جهل منه أو تجاهل.

وذلك لما عرفت من عدم وجود محور خاص لهذه البحوث، سوى أنها كانت مادة للتشكيك بكثير من الأمور المتعلقة بالعديد من جوانب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

شخصية السيدة الزهراء(ع)، وإن كانت من الأمور الإيمانية العامة.

فمن الأمور التي تجاهلها الكاتب وبحثها العلامة مرتضى:

المعرفة الايمانية الصحيحة والنظرة الدينية إلى الغيب.

العصمة ومدى أثر البيئة فيها.

حب القوم لفاطمة(ع) هل ردع عن ظلمها في غير أمر الخلافة وفدك.

حديث الملك معها(ع) والذي شكك  فيه سماحته.

مع أنه سئل عن حديث للإمام الخميني يتعلق بذلك. فأجاب بالموافقة ومن دون تعليق (لاحظ مجلة الموسم) مما يكشف عن قبوله له مع أنه كان قد أنكره في موضع آخر(1).

كيفية مناقشتنا لقضايانا، وهل أن اللازم هو إسقاطها قبل أن يسقطها الآخرون؟

إثبات التواتر المعنوي أو الإجمالي لمجموع ما جرى على الزهراء عليها السلام مما يتعلق بما بعد التهديد بالإحراق.

إثبات بطلان انكشاف موضع قبر الزهراء(ع) خلافاً لما ادعاه السيد فضل اللَّه.

بيان تشهير السيد فضل اللَّه بالقضايا الدينية بطرحها ابتداءً بمناسبة ومن دون مناسبة على الملأ، على النحو الذي يريد لها أن تتصور به في أذهان الناس، مع عدم وجود من يقابله ويرد عليه هذه الأفكار، ومع ذلك كان يرفض الاشتراك في الحوار المباشر مع أصحاب الاختصاص، مكتفياً بقوله ناقشت كل العلماء.

الإشارة إلى قوله: مسألة ضرب الزهراء ليست من مهماتي (استفتاء خاص بتاريخ 25 ذي القعدة 1417 هـ). مما يدل على عدم ـ اكتراثه

ـــــــــــــــ

 (1) سئل السيد فضل اللَّه عن هذا الموضوع في مجلة الموسم (ص 318) فأجاب: هناك قول بأن الزهراء(ع) أرسل ـ وهو غير ثابت‏ ـ اللَّه لها ملكاً بعد وفاة أبيها، ليؤنسها ويحدثها بأمور العالم وكانت تكتب ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

بهذا الأمر، مع كونه مناقضاً لقوله الآخر في نفس الموضوع: أثرت علامات استفهام.

وكيف لا يكون هذا الأمر من اهتمامه وقد تعرض أكثر من مرة لإثارة علامات الاستفهام حوله، ولو أن عشر معشار ما ندعي أنه أصابها عليها السلام، جرى على واحدة من نسائه وأهل بيته لرأيناه وغيره معه أقاموا الدنيا ولم يقعدوها!!.

10ـ البحث في حديث «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».

أين المنطق؟

وليس من جملة المحاور المفاضلة غير السليمة بدعواه، بين مريم(ع)  وفاطمة(ع).

بل الكلام إنما كان في طريقة الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة، حيث يقول سماحته: لا شغل لنا بهذا، مما يوحي برغبته صدَّ السائل وغيره عن الخوض في هذه المواضيع التي تعرِّف بمقاماتهم عليهم السلام، مما يزيد مواليهم رقيّاً في مدارج العلم والإيمان والمعرفة باللَّه ورسوله وأوليائه الطاهرين عليهم السلام أجمعين.

ومن هنا تعرف بطلان دعوى هذا الكاتب منطقية أسئلته (ص‏55 )، والتي حاول عبرها أن يحرف البحث عن مساره، والكلام عن مواضعه، كما تعرف أن كثيراً من المسائل الواضحات قد خدشت بنفس الطريقة التي تعرضت لها غيرها من المسائل التي قدمناها لك في «روزنامة المواضيع المنتهكة والخطيرة»، على سبيل المثال لا الحصر، وأن الكلام حول مسألة الزهراء ومأساتها، إنما كان حديثاً يقاس عليه غيره من الأحاديث، التي كانت تمتنع وتستعصي على المتكلم على طريقة:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء.

وها نحن نرى الكاتب قد طعن بالسيد مرتضى بإخلاله بما لم يرد ذكره أو اعلانه في كتاب مأساة الزهراء(ع)، حفاظاً على بعض ماء الوجه، لكن الظاهر أن الحق في هذا المقام، أحق أن يقال لا أن يتبع فقط.

تمييع محل النزاع

يقول الكاتب (ص56):

فكيف بالتساؤل حول معطيات تاريخية لا تشكك بأصل الحادثة، إنما تبغي التثبت من بعض وقائعها.

وهذا مع كونه تقليصاً صارخاً لموضع النزاع، فهو كذب وافتراء على السيد فضل اللَّه نفسه، وهو الذي صرح مراراً بأن الثابت هو التهديد بالإحراق حسبما ينقله هو عن السيد شرف الدين (ره)، وذلك حين قال القائل: أحرقوا الدار بمن فيها قالوا: إن فيها فاطمة! قال: وإن.

وحتى هذا المعنى (يعني التهديد)، فقد أفرغه سماحته من محتواه وأفسد معناه حين فسّره فقال (بالعامية): إحنا ما لنا شغل بفاطمة، إحنا، جايين نأخذ علي(1). (صفر 1417هـ درس التفسير). وقد أذيع على الهواء من الإذاعة وأعيد أكثر من مرة.

ونحن نقول: إذا لم يكن لهم شغل بفاطمة، فمعناه أنه لم تكن أذيتها مقصودة لهم، ولا نعلم إن كان بذلك يتحرى العذر لمن آذاها عمداً، ممن

ـــــــــــــــ

 (1) وصف ذلك السيد فضل اللَّه هذا الصيف (97) في جلسة عقدها في بيروت مع بعض طلاب العلوم الدينية من اللبنانيين المقيمين في قم المقدسة، وصفه بأنه انما كان ناشئاً عن زلة لسان، مع أنه حمل على المنابر على من اعترضه في هذا الخصوص حملة نكراء ونعتهم باوصاف مشينة أقلها أصحاب العقد، وعدم الفهم، والتحجر وربما المخابرات أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

ينطبق عليه الحديث المعروف والمشهور بين الفريقين والقائل: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه».

وكيف يكون قوله: لا شغل لهم بفاطمة، منسجماً مع ما كتبه نفسه أخيراً وأرسله إلى أكثر من مكان، ومنها الحوزة العلمية في قم (الأجوبة المؤرخة في 16 جمادى 2/1417هـ). حيث سئل: هل تنفون ظلامة السيدة الزهراء(ع)؟

فأجاب: أي ظلم وقع على الزهراء(ع) أشد من غصب حق زوجها أمير المؤمنين في الإمامة... وهو الإمام المعصوم المعين بالنصوص القطعية، وقد ذكرت الزهراء(ع) هذه الظلامة في خطبتها وأحاديثها، وقد تحدثت أيضاً عن ظلامة كبيرة وهي غصب فدك منها، وهناك ظلامات أخرى مادية ومعنوية وقعت عليها وعلى زوجها وحرمة بيتها (انتهى الجواب).

لماذا... الاستبعاد؟

وكيف ينسجم ما ذكره هنا من الظلامات المادية بل والمعنوية، مع ما أرسله إلى لندن ونشر في قم المقدسة باسم أنصار المقاومة الإسلامية/لندن (لاحظ الملاحق)، حيث يقول: إن التحليل التاريخي، يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع، لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبة وثقة وعاطفة لدى الناس لم يبلغها أحد... ولأن تحليل موقع الزهراء(ع) في نفوس المسلمين، يجعلنا «نستبعد» أنهم يجرؤون على ذلك، حتى ولو كانوا في أشد حالات الانحراف والوحشية.

وكلام سماحته هذا لا سيما ظاهر قوله «نستبعد» يفيد أكثر من الشك في المسألة، فتأمله جيداً مع أنه كان من أوائل كلماته التي أعلنها في هذا المجال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

لم تجد إلى بثه سبيلاً

يبقى تصريحه بأنها تحدثت بكل من غصب الخلافة وأمر فدك دون مسألة ضربها، مع أن عليّاً عليه السلام يقول عند دفنها، كما رواه في الكافي وفي نهج البلاغة:

وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليلٍ معتلجٍ في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً.

ومن هنا نعرف صدق العلامة السيد جعفر مرتضى (مأساة الزهراء، ج2، ص 44) حيث قال: فإن كلامه(ع) هذا وإن كان لا صراحة فيه بما جرى على الزهراء(ع)، ولكنه يدل على أن ثمة مظالم بقيت تعتلج في صدرها عليها السلام، ولم تجد إلى بثها سبيلاً، وهذه الأمور غير فدك والإرث وغصب الخلافة، لأن هذه الأمور قد اعلنتها(ع) وبثتها بكل وضوح، واحتجت لها وألقت خطباً جليلة في بيانها.

وبعد كل هذا يتضح سقوط باقي ما ذكره هذا الكاتب، فلا حاجة إلى التعرض لكلماته جميعاً خوف إحداث الملالة للقارى‏ء.

القول بالنصيحة

مع أن المعروف عن السيد فضل اللَّه أنه كثيراً ما يدعو مستمعيه وجلسائه إلى نصحه ومحاورته ولا يستنكف من ذلك، مع هذا، يقول الكاتب (ص‏59):

لا ندري كيف أعطى الكاتب لنفسه الحق بالنصيحة؟

وهذا إقرار منه بجهله بواقع حال الرجل الذي يدافع عنه، إلا أن يكون قد حمل دعوات سماحته للحوار والنقد على غير محملها الجدي، بل على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

المجاملة وما شابه، وحينئذٍ فإن لكلامه وجهاً وجيهاً.

ثم إنه لا يفترض في الناصح أن يكون أعلم من هذا المنصوح في شؤون الدين والعقيدة إلا إذا فرض كونه معصوماً، وهو الظاهر من تعامل الكاتب وسلوكه معه، حيث يمعن في اختلاق الأعذار والتبريرات له في هذا الكتاب.

ومع هذا فنحن لا نشك ولا نظن السيد فضل اللَّه يشك‏ بتقدم السيد جعفر مرتضى عليه في أمور العقيدة والتاريخ وما يمت إليهما بصلة، وهو الذي عود طلاب العلم في قم المقدسة وفي غيرها على إرجاعهم إليه في هذه الأمور، كما رُؤي مراراً يمتنع عن الإجابة بحضوره.

وأما في غير ذلك أعني الفقه، فلن نخوض فيه لبعض المحاذير وإن كان لنا فيه‏ وذلك إفساحاً في المجال أمام اختبار الاجتهاد والعلمية والأعلمية كي يأخذ مكانه عند أهله، إذ هم الجديرون بذلك دون سواهم، ولهم وحدهم كلمة الفصل فيه.

وأما قول الكاتب (ص59):

فمن حق سماحة السيد أن لا يرضى بالنصيحة في أمر يتعلق بنشر قناعاته، لأن من حق العالم أن يظهر علمه ولو لم يعجب كاتبنا الجليل (انتهى كلامه).

فنقول أما دعواه أنه من حقه أن لا يرضى بالنصح، فنذكِّره أنه: كما أن على المسلم نصح أخيه، فعلى أخيه أيضاً القبول بالنصح، نعم ربما كان له عذره في عدم الاستجابة للنصيحة أحياناً.

إلا أن تخليطه في ما اعتذر به للسيد فضل اللَّه لا يخفى على الجاهل فضلاً عن «ناقد» الأبحاث العقائدية والتاريخية، فبينما نراه يقول (ص27):

إن جل آراء البعض عبارة عن تساؤلات وشكوك منهجية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

مدعياً زوراً أن العقل العلمي يفرضها مع أن أكثرها قد يزول بالتأمل والمراجعة إلى أهل الاختصاص، ونحن لو سلمنا صحة زعمه أن العقلي العلمي يفرض هذه الشكوك، لكن لن نقبل منه أن يدعي ويقول: إن هذا العقل يفرض أيضاً نشر هذه الأفكار عشوائيّاً بين الناس العاجزين عن تقييم هذه الأمور وأدلتها نقضاً وإبراماً.

وبينما هو كذلك، تراه يعلل عدم رضا سماحته بالنصيحة فيقول: إن من حق العالم أن يظهر علمه الخ.

ولا أدري أي علم هو هذا الذي يجب على سماحته إبرازه مع أن آراءه باعتراف «كاتبنا المدقق»! عبارة عن مجرد شكوك وتساؤلات؟!

وأي إيمان هو الذي يتعلق بهذه الآراء (الشكوكية)؟

وكيف بنى سماحته إيمانه وقناعته على هذه الآراء (الشكوك)؟!.

ولست أدري كيف فسرَّ البينات في قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيناه للناس في الكتب أولئك يلعنهم اللَّه ويلعنهم اللاعنون) [البقرة: 159].

وكيف تمكن من تطبيقها على الشكوك والتساؤلات، ولو كانت «منهجية»! على حد زعمه؟!.

وهل الشك إلا محض عدم العلم، فكيف يكون دليل لزوم بث العلم منطبقاً على إثارة الشك الذي هو ضد العلم؟!

وهل المطلوب من العالم أن يبث شكه وتساؤله يمنة ويسرى؟

وكيف يقبل أن يبث عالم الدين شكه في مسألةٍ ما، بدعوى كونه عالماً بغيرها من المسائل، فهل هو مكلف بهذا؟. وأي أمر أو تكليف يقتضي منه ذلك؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

وهل فاقد الشي‏ء يمكن له أن يعطيه؟

وهل يمكن لمن استحوذت عليه ظلمات الشكوك، ودياجي التساؤلات، أن يفوز بنور العلم والبينات، ليبثها على شكل «بينات» بين الناس.

سماحة!! السيد

وأما قوله (ص60) ثالثاً:

وإذا كان سماحة السيد عوَّد صاحب الكتاب (يعني مأساة الزهراء) على سماع آرائه فليس لأنه يحتاج إلى نصحه.

فإن كان المراد منه كون السيد فضل اللَّه فوق أن توجه إليه النصيحة، فنحن نرشدك إلى بعض ما ذكره سماحته في مجلة المنطلق فيما يتعلق بحكم علي‏(ع)، حيث يقول السيد فضل اللَّه: يطلب من الناس أن يراقبوه وينقدوه ويقولوا له كلمة الحق ويشيروا عليه بخط العدل.

وسماحته الذي يقبل بهذا المعنى في حق علي ونحن لا نقبله على عواهنه‏ أولى في نفسه أن يقبله هو ولو نزهه البعض بجهلهم عنه.

فما عليك فأيها القارى‏ء إلا أن تسمع وتعجب، ولعل السكوت عن التعليق أبلغ.

وأما لو كان مراد الكاتب خصوص الطعن بسماحة السيد جعفر مرتضى بهذا، وإسقاطه عن الكفاءة والأمانة واللياقة لأداء النصيحة، فلعمر الحق إن أهل العلم في قم يشهدون فطبعا لو طلب إليهم‏ أنه دافع عنه، ونصحه من أجل دينه ودنياه، وأنقذه من ورطته سنة 1993 في قم المقدسة، وإن عبر عنها في بعض خطبه في مسجد الرضا(ع) بالفتنة، وقال: إنها هي التي ألجأته إلى كتابة بعض الرسائل المنشورة في الملاحق‏ إلى السيد مرتضى،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

خوف الوقوع في هذه الفتنة كما قال(1).

تقديس العقل

ولن نقف كعادتنا عند تعابير هذا الكاتب الرخيصة ـ كعادته في «نقده العلمي» لكتاب مأساة الزهراء(ع) ـ ونترك له مفاخرته باحترافه كيفية كيل الشتائم وحشد السباب والتهم والافتراءات (كحشد سماحة السيد جعفر للأدلة والبراهين)، ولن ننزل إلى مستواه ذلك، ولكن نتوقف عند تعليقه على عبارة العلامة السيد جعفر مرتضى في كتابه حين يقول (يعني السيد مرتضى):

يبدو لنا أن الإسراف في تقديس العقل باعتباره مصدر المعرفة الأوحد وجعله مقياساً لرد أو قبول النصوص، مأخوذ من المعتزلة.

وقد علق على ذلك حضرة الكاتب! بما خلاصته إستنكار هذا المعنى، وإنكار نسبته إلى السيد فضل اللَّه.

ونحن هنا نقدم للقارى‏ء نماذج يعلم بها كيف يسرف سماحته في تحكيم العقل، ولا يهمنا إن كان ذلك من المعتزلة أو من غيرهم، بل المهم كون المعلوم من سيرة علماء مذهب أهل البيت(ع) غير ذلك.

ولن ندخل في أمر قد يطول بنا البحث فيه، مع أن مراجعة شاملة لمسائل السيد فضل اللَّه في الفقه وفي غيره أيضاً تبين ذلك، ونكتفي كمثال‏ بالإشارة إلى:

القياس (تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع) ص‏43).

  استكشاف ملاكات الأحكام بالعقل. المنطلق (111/ ص 76).

رفضه لكثير من الأحكام في السفر، لأنها تؤدي إلى الشك

ـــــــــــــــ

 (1) ولعل خوف الفتنة الذي يثار أخيراً، أشد مما كان عليه سابقاً، فلا ندري ما السبب الذي دعا السيد فضل اللَّه إلى الكتابة خوف السقوط في الفتنة يومها، ويمنعه الآن من أن يكتب نظيرها مع أن احتمال الضرر من هذه الفتنة!؟ أعم وأشد الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

والجمود (تأملات في آفاق الإمام الكاظم ص47).

هذا عدا عن رأيه في رؤية الهلال، ومني المرأة، وغير ذلك كثير مما نزع فيه نزعة عقلية صارخة، ضارباً عرض الحائط الروايات المخالفة له، وعلى أقل تقدير متعسفاً في تأويلها، والجمع بينها وبين أقاويله، مع أنها من المسائل التي لا مسرح للعقل فيها ولا في إدراك ملاكاتها.

التناقض والتهافت

وقد تقدم كثير من ذلك عند البحث عن الثوابت فلا داعي للإعادة، ومنه يظهر للقارى‏ء المتناقض من غيره.

الحوار حسب وجهة نظر الكاتب

وكم يدهشني كلام الكاتب حين يأخذ السيد جعفر مرتضى بتناقضه في قوله (ص‏64):

«إن السيد فضل اللَّه» يصر على نشر طروحاته بكل الوسائل، وسرعان ما يقول: إنهم رفضوا إلا أن يكون الحوار الذي طلبناه منهم بين جدران أربعة وخلف الأبواب.

ثم سؤاله بعد ذلك: فهل إن كل الوسائل التي وردت في أقوال المؤلف (السيد مرتضى العاملي) لا تشتمل على الحوار المكتوب.

ونحن نبين لهذا الغافل معنى كلام سماحة السيد العاملي الذي قصَّر أو قَصُر عن فهمه وإدراكه، فنقول:

حين يتكلم الإنسان بكلام عام، فيقول مثلاً: فلان لا يجيئني أبداً، ثم يقول: في موضع آخر: فلان يصر على أنه إذا أراد المجي‏ء إلي، إنما يجيئني منتصف الليل، ويشترط علي مع ذلك شروطاً تعجيزية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

فمعنى الكلامين أن فلاناً لا يجيئني أبداً، وليس مستعدّاً لذلك إلا في منتصف الليل، وفي ظل الشروط المذكورة.

ولو قلنا: إن فلاناً لا يريد المجي‏ء، صحَّ قولنا أيضاً، نظراً لشروطه التعجيزية.

وفيما نحن فيه، مراد السيد مرتضى أن السيد فضل اللَّه يريد أن يطرح تساؤلاته وتشكيكاته مهما كلف الثمن، من إثارة وهيجان بين المؤمنين، وبكل الوسائل، وهو ليس مستعداً لإعادة النظر في ذلك عبر حوار مكتوب اقترحناه عليه، نعم اقترح هو بدل الحوار المكتوب أن يكون الحوار مسجلاً على الفيديو، ولكن سماحة السيد جعفر مرتضى وغيره من الوسطاء يقولون: إن رفض ذلك الطلب إنما كان لأجل إطلاق السيد فضل اللَّه التهمة بالدبلجة المخابراتية، لكل شريط مسجل ربما يكون مستمسكاً ضده، فلم يعد في ذلك فائدة ترجى، ومعها رأى السيد مرتضى أنه لا جدوى من هذه المحاورة ولا من تسجيلها، لأنها أفشلت قبل أن تنعقد، واقترح عليه أن تكون المحاورة على مرأىً من العلماء، أو في مكان عام فرفض أيضاً.

وسترى في الملحق الأخير ما ينفعك في تعقل حقيقة ما ذكرته لك فراجع.

ومن هنا تبين للقارى‏ء كيف يتداعى قول هذا الكاتب (ص65):

إذا رفض أن يكتب للمؤلف لأنه هو نفسه ما ينشره بكل الوسائل، ففي ذلك مضيعة للوقت، وأخذ السيد بجريرة هذا الأمر يصبح تعسفاً، ولأسباب شخصية بحتة كما لا يخفى على العارفين.

يتداعى قول الكاتب هذا، لأن دعواه أن ما سيكتبه السيد فضل اللَّه هو عين ما ينشره، دعوى مخالفة للواقع إذا كان ما سيكتبه للسيد جعفر مرتضى هو جملة شكوكه، لأنه بالمراجعة إلى العلماء وأهل الاختصاص فوان كان الفاعل هو السيد فضل اللَّه‏ تزول تلك الشكوك وتتبدد تلك التساؤلات، لما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

يبينونه له، خصوصاً أنه يردد دائماً أنه يثير التساؤلات لتركيز الإجابات العلمية.

ولا يعقل في الحوارات أن يطلق المحاور الرأي ويرسله إلى الطرف الآخر دون أن تتلاقح الأفكار من الجانبين.

أما إذا كان سماحته يريد إطلاقها، ولا يريد أن يسمع الجواب إلا في الملأ الذي أطلقت فيه هذه الإثارات، فهذا شأنه وهو يتحمل تبعته، وكتابنا هذا واحد من أثار ما يفعله على كثرة ما لفعله من أثار.

ولو فرضنا أن سماحته سوف يكتب للسيد جعفر مرتضى أجوبة هي عبارة عن معلومات لا مشكوكات، فقد عرفت فيما تقدم وبشكل لا غبار عليه، أنه كتب متناقضاً في أكثر من مورد، فمن أين علم الكاتب الفطن أن سماحته سيكتب للسيد جعفر مرتضى نفس ما كتب أو حدّث به غير السيد جعفر مرتضى؟!.

أسس فتح باب الاجتهاد

ومن المناسب التذكير بأن الاجتهاد بالمعنى الاصطلاحي إنما يكون في مسائل الفروع الفقهية، حيث يصيب المجتهد تارة، ويخطى‏ء أخرى، ويعد معذوراً إذا أخطأ، ويكون خطأه موضوعاً لأحكام شرعية أخرى تترتب على هذا الخطأ.

لكن النظر في المسائل العقيدية ليس من الاجتهاد الاصطلاحي أصلاً، وان كان عبارة عن اجتهاد خاص بالمعنى اللغوي للكلمة.

والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد داخل المذهب الفقهي، إنما تكون ابتناءً على أسسه المسلمة، وفي ضمن إطاره العام، وإجراء عملية استنباط الحكم الشرعي، إنما تكون بعد فراغ المجتهد المستنبط، عن تشييد أركان هذا المذهب وتحقيقها عقيديّاً وكلاميّاً، ولكل مذهبٍ إطاره العقيدي الذي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

يسيِّجه ويحرسه، وبه يتمايز عن غيره.

والعاقل حرٌّ في اختياره لأحب المذاهب إلى قلبه، وأقربها إلى عقله، طبعاً بالأدلة والبراهين، ولو من وجهة نظره، نعم هو مسؤول عن نتائج اختياره هذا.

لكن لا يمكن لمن اختار المذهب الأشعري مثلاً أن يدعي فيقول: مع أني أشعري فأنا أقول بالحسن والقبح العقليين، فهو إما أن يكون أشعريّاً أو يكون قائلاً بالحسن والقبح العقليين، لعدم إمكان الجمع بينهما، بداهة كون إنكار هذا الأمر من مقومات المذهب الأشعري.

كما لا يمكن للمعتزلي أن يقول: أنا معتزلي بيد أني لا أؤمن بنظرية العدل، للمفارقة الواضحة في الالتزام بالاعتزال والتخلي عن القول بالعدل.

كما لا يمكن للماركسي المعتقد بالمادية أن يدعي أنه يؤمن بوجود اللَّه تعالى.

ولا لممارس القمع والإرهاب أن يدعي ممارسة الديمقراطية.

وكذلك المذهب الإمامي الإثنا عشري، فبعد تحقيق المتصدي للإجتهاد، مبانيه الاعتقادية العالية ـ المحصنة عن الشكوك، والممتنعة عن مساورة الأوهام‏ ـ يلزمه التقيد بها، وعدم تجاوزها عند استنباط الأحكام الشرعية، فلا يمكن له رفع اليد أو الاعراض والاستغناء عما هو مسلم في الأبحاث العقيدية.

نعم يمكن لهذا المستنبط نبذ التزامه بمسلمات العقيدة، فيتفلت حينئذٍ منها أثناء عملية الاستنباط، لكن لن يعود بعدها من جملة الملتزمين بأركان هذا المذهب العقيدية، ولا من جملة المنتسبين إلى هذا الإطار العام.

وعلى هذا فالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد ليست جزافاً، ولا هي مجرد عملية تتقاذفها أمواج الاتجاهات، وريح الميول يميناً وشمالا، بل هي إنما تجري ضمن حدود تخطها مجموعة من القوانين والضوابط المحكومة بتحقق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

وصحة الانتماء إلى الإطار المذهبي العام.

العقيدة الشخصية

ومن هنا انطلقت الدعوة من السيد جعفر مرتضى إلى السيد فضل اللَّه للتقيد في ما يثيره بين الناس بالإطار الإنتمائي العام، والدعوة إلى التقيد بالإفصاح للمخاطبين عن هوية هذه الطروحات، وأنها ليست محكومة لهذا الإطار فيما لم تكن كذلك، والإعراب عن أنها مجرد آراء شخصية لصاحبها لم يدرج عليها السلف الصالح من علمائنا وهي تخالف ما أخذه عنهم، وتخالف ما أخذه علماؤنا يداً بيد عن أئمتهم(ع).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار ظاهرة رجوع الناس إلى العلماء، نجدهم إنما يرجعون إليهم ليستخبروا الحال في كثير من أمور العقيدة والشريعة بنظر أهل الشرع عامة، وبالخصوص علماء مذهبهم، ومع ملاحظة هذا فمن الضروري عدم الإجابة بغير ما هو كذلك، ولو أراد أحد أن يفعل ذلك، فاللازم عليه أن ينبه على أنه ليس من المأخوذ عنهم(ع)، ولا من المقتبس من أنوارهم(ع).

ومن هنا كانت هذه الطروحات التي أثارها سماحته، مما حاول فيها صدم الواقع، والتجديد، وتصحيح الفاسد من التراث، أو التخلص من التركة الثقيلة في كثير من القضايا، عقيدة شخصية له، لأن ذلك لم يكن محكوماً لمجموعة القوانين والضوابط العامة للإطار العقيدي والتشريعي العام، وفي ما تقدم من الأمثلة كفاية، ومع أنه لا بأس بمراجعتها فلا داعي لإعادتها.

على أنك عرفت أنه يصرح بأن كل ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية، فهو فكر بشري وليس فكراً إلهيّاً، فعلى هذا أكثر فكره بشري، وكثير منه شخصي، فلماذا يتحسس الكاتب من القول بأنها عقائد شخصية له؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

خطابات واتهامات وأباطيل:

لن نقف عند العبارات الكثيرة الجارحة، والشتائم العديدة الواردة في هاتين الفقرتين، ولكن نقف عند الموارد التي ذكر هذا الكاتب أن شيخ الشيعة الشيخ المفيد والإمام الحكيم والإمام الخميني قد خالفوا فيها المشهور.

فنقول: لا مانع من مخالفة المشهور، إذا قام الدليل المعتبر على لزوم ذلك، مع خضوع عملية الاستنباط للضوابط والقوانين المفترضة من قبل الإطار التشريعي والعقيدي العام كما تقدم.

وهذا أمر متعارف عند العلماء ولا داعي للخلط بينه، وبين مخالفة الثوابت أو مخالفة الضروريات والتنازل عن المسلمات.

إلا أنّا أيضاً نقول: ليس هذا هو مورد كلام العلامة السيد جعفر مرتضى، بل مورد كلامه أنه مع فرض تحقق هذه المخالفات من مثل هؤلاء الأعيان، فلا تصح نسبة هذه المخالفة الصادرة من أحدهم إلى مجموع الطائفة. هذا والحال أنهم من أعيانها وكبار علمائها وأعاظم محققيها، الذين يعوَّل عليهم في التعرف على معالم الدين.

فكيف بنا إذا لم يكن صاحب المخالفة (بل المخالفات الكثيرة، وفي مختلف العلوم)، من هذه الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب؟

على أن لكل جواد كبوة، فلو اجتمعت في جواد واحد كبوات الجياد كلها، عدَّ هو والجواد الميت نظيرين، لانعدام الفرق بينهما تقريباً، وسوف أضرب لك في هذا مثالاً بسيطاً:.

لو فرضنا أن هناك مئة لوحة بيضاء، وفي كل واحدة من هذه اللوحات جزء من مئة ملطخ بلون آخر، فلو اجتمعت هذه الألوان المتفرقة، في لوحة بيضاء واحدة، موزعة على أجزائها المئة، لن تبقى هذه اللوحة بيضاء اللون،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

بل سوف يجتمع فيها كل الألوان التي كانت متفرقة في اللوحات الأخرى وهكذا إذا اجتمع الشذوذ عند شخص واحد.

فشذوذ الرأي الحاصل أحياناً عند أفراد معدودة من العلماء، وهو أمر ربما كان طبيعيّاً لعدم كونهم من المعصومين، إذا اجتمع في واحد، سوف يخرجه عن تماهيه في الصورة العامة التي تجمعه مع زملائه الآخرين، تحت لواء الإطار المذهبي العقيدي أو التشريعي‏ العام.

العقدة الشخصية وعقدة المع والضد

نعرض عنهما لقوله تعالى: (وأعرض عن الجاهلين).

وقد عرفت ولم يعد خافياً عليك ما في كلام هذا الكاتب من الشتائم والتهم وغير ذلك لنتجاوزه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

الفصل الثاني    
كتاب مأساة الزهراء(ع)
حقائق دامغة     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

ولادة السيدة الزهراء(ع)

يقول الكاتب (ص‏77):

إن الأمر لا يعدو وجود جملة روايات تختلف في تحديد تاريخ ولادة الزهراء(ع) و.... هذا لا يقدم ولا يؤخر من أهمية سيدة نساء العالمين ولا ينقص من فضلها وكرامتها.

وهذا كلام غير صحيح وإن صح كلامه الآخر(ص‏77):

 إننا لا نساجل حول أمر اعتقادي يطال أصلاً من أصول الدين.

ذلك أن ولادتها(ع) ليست من أمور العقيدة، بل هي أمر تاريخي بحت، لكن هذا الأمر ـ وخلافاً للكاتب‏ ـ له أثره في بعض تفصيلات العقيدة ومكملاتها.

فمثلاً لو قيل: إن ولادة فاطمة(ع) كانت بعد البعثة بخمس سنوات، فسوف يكون عمر خديجة(ع) على المشهور حينئذٍ ما يقرب من ستين سنة، لأنها فكما يقال‏ تزوجت من النبي‏(ص) وكان لها من العمر أربعون سنة، وكان عمره‏(ص) آنذاك خمسة وعشرين سنة، وقد بعث‏(ص)، حين بلوغه الأربعين، أي بعد خمسة عشرة سنة من زواجه فيكون عمرها حين البعثة خمساً وخمسين سنة، فإذا صح أن ولادة فاطمة(ع) كانت بعد البعثة بخمس سنوات يكون عمر خديجة(ع) عند ولادة الزهراء(ع) ما يقرب من ستين سنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

أما لو قيل: إنها ولدت(ع) قبل البعثة بخمس سنوات، كان عمر خديجة(ع) حينئذٍ خمسين سنة، وعلى القول بالستين يواجه البعض غرابة إنجاب المرأة في هذا السن، فإذا أجيب بالاعجاز أو بأن القرشية تحيض إلى ستين سنة، ربما لم يستحسن ذلك، أو لم يقنعه، فلا يجد خياراً آخر سوى النظر في صحة سن خديجة حين الزواج، فإذا ثبت له ما يخالف ذلك، تداعت له علامات استفهام كثيرة حول سن بعض أزواج النبي وفيهم عائشة كما ينفتح الطريق نحو إعادة النظر في كثير مما يذكر في كتب أهل السنة وتواريخهم، حول ما يتعلق بفضائلها(رض) وفضائل عائشة وغيرها من زوجات النبي‏(ص).

الوحدة الإسلامية؟!

ومن هنا نعرف سقوط ما استشهد به الكاتب من حديثه حول الوحدة الإسلامية، لوضوح كونه خارجاً عن موضوع البحث، كما تعرف سقوط كلامه حيث يقول (ص78):

إذا كان الكاتب (السيد جعفر مرتضى) لا يرتب أي أثر عملي على هذا الاختلاف، فلماذا إثارة الموضوع أصلاً.

لأن مثير هذه المواضيع هو من يصر على تثقيف الناس بهذه الأفكار وصدم الواقع بها، هذا وقد تقدم اعتراف السيد فضل اللَّه بإثارته لهذه الأمور فلا نعيد.

مريم(ع) أفضل أم فاطمة(ع)

يدأب السيد فضل اللَّه على تجنب إعطاء هذا المباحث بعدها العقيدي اللازم بتصنيفه إياها من الترف الفكري، لكن كاتبنا «النبيه» يصر (ص‏79

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 97/

81) على أن سماحته ليس كذلك، وأنه (أي السيد فضل اللَّه) إنما اندفع إلى الخوض في ذلك من موقع علمه بمقام المعصومين الرفيع، أو إرادته عدم الخوض بحساسيات الساحة اللبنانية التي تدعو إلى الوئام بين أبناء الوطن الواحد. وأن القائد الحريص.. لن ينزلق إلى فخوخ وتفاصيل، الإسلام في غنىً عن الخوض فيها، وأنه داعية حوار ويطرح في كل مقام مقالة... إلى آخر ما ذكره.

وهنا نسأل الكاتب فنقول:

أولاً: كيف عرف أن علم سماحته بمقامها الرفيع هو الذي دفعه إلى عدم الخوض في هذا الموضوع، مع أن سماحته يقول (من وحي القرآن، ج14 ص197): ...وغير ذلك من الأبحاث التي تدخل في الفكر التجريدي الذي لا يؤدي إلى نتيجة كما هو الحال في الكثير من أحاديث التفضيل التفصيلية.

وقال في وحي القرآن (ج 5 ص15): وقد لا يكون لهذا كله أثر عملي في جانب العقيدة، وفي جانب العمل كما هي القضية في فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي، كما قد يثار ذلك لدى بعض الفرقاء، أو فيما يثار من تفضيل فاطمة الزهراء(ع) على مريم(ع) أو العكس، فإن هذا حديث لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا، سوى إتعاب الفكر أو إرضاء الزهو الذاتي، فإن الأنبياء السابقين قد مضوا إلى ربهم بعد أن أدوا رسالتهم كاملة غير منقوصة، ونحن نؤمن بهم كما أمرنا اللَّه بذلك، من دون أن يكون لنا أي تكليف خاص متعلق بشريعتهم، كما أننا ملزمون بالسير على شريعة الإسلام التي جاء بها نبينا محمد(ص)، من دون أن يكون لمنزلته بالنسبة إلى بقية الأنبياء أي دخل في ذلك...

ثانياً: من أين تأكد للكاتب أن علم سماحته بمقام الزهراء(ع) الرفيع، هو الذي حدا به إلى أن يقول: هذا علم لا ينفع من علِمه ولا يضر من جهله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

مع انك قد عرفت أن سماحته يقول: ماذا ينفع أن نعرف أن فاطمة نورٌ أو ليست بنور كما تقدم.

وهل يتناسب هذا الكلام مع قول السيد فضل اللَّه: لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا؟!

ثالثاً: قد عرفت فيما تقدم أن السيد فضل اللَّه يقول بأن العلم بأفضلية الأنبياء أو الملائكة وما شابه، ليس جزءاً من العقيدة ولا جزءاً من الخط، فكيف يتهم الكاتب سماحته بأنه إنما فعل ذلك من موقع العلم بموقعها الرفيع(ع)، نعم ربما كان يعلم بمقامها! لكنه لا يعجبه البوح بذلك، لأنه أمر لا ربط له بالدين، إما لأنه علم لا ينفع من علمه، أو لأنه ليس جزءاً من العقيدة والخط!.

رابعاً: لم يقتصر السيد فضل اللَّه في الإجابة على هذا الأسئلة في خصوص لبنان، بل هو كان ولا يزال يذكر ذلك في مجالسه الخاصة والعامة، وفي أكثر من دولة من الدول التي زارها في الخليج وايران والغرب، ومن جملة المواضع التي ذكر فيها ذلك، قم المقدسة سنة 1993 في المدرسة العلمية اللبنانية التي أسسها سماحة السيد جعفر مرتضى، حين أجاب عن بعض الأسئلة بين جمع من الطلاب من مختلف الجاليات، فأين الخصوصية اللبنانية المزعومة؟

على أن كتابته هذا المعنى في كتبه وطبعها وتوزيعها في انحاء العالم ـ لا فقط في لبنان‏ ـ يدل على شطط الكاتب في دعوى الخصوصية، لا سيما أن شخصية السيد فضل اللَّه ـ بنظر الكاتب‏ ـ شخصية إسلامية عالمية.

ومع الإغماض عن كل ذلك يكفينا العبارة المتقدمة في (من وحي القرآن)، وهو الكتاب الذي ما انفك يفتخر به ويرجع إليه في المناسبات والأحاديث.

خامساً: قد عرفت أن السيد فضل اللَّه يقول: إن المفاضلة فيما بين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

الأنبياء والأئمة والملائكة ليست جزءاً من العقيدة، وليست جزءاً من الخط، فكيف مع هذا يصح قول الكاتب (ص81):

فالمسألة إذاً مسألة تكتيكية الطرح، وليس التفريط باستراتيجياته الكبرى كما أنه ليس تفريطاً بالقناعات والثوابت.

وبعد ما ثبت لكاتبنا النبيه!؟ أن المسألة ليست من التكتيك في شي‏ء، بل هي تتعدى ذلك إلى ما هو أعظم، لسنا ندرى ماذا ستكون ردة فعله وفي أي اتجاه؟

خلط المواضيع

ثم إن قول العلامة السيد جعفر مرتضى: إن كل ما جاء به في كتاب اللَّه تعالى، وكل ما قاله رسول اللَّه‏(ص) وأوصياؤه(ع) وأبلغونا إياه، لا بد أن نعرفه بأدق تفاصيله إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وهو علم له أهميته، وهو يضر من جهله ولا ينفع من علمه.

إنما صدر منه للتأكيد على أن معرفة مقامات الأنبياء والأئمة والأصفياء(ع)، إنما هي جزء من العقيدة والخط، خلافاً لما نقلناه عن السيد فضل اللَّه، فلا غرابة في الأمر، ولا اقحام للموضوع فيما هو أجنبي عنه كما يدعي هذا الكاتب (ص‏81).

ويكفينا في الاستدلال على ما يقول السيد فضل اللَّه من عدم كون معرفة مقامات الأنبياء جزءاً من الخط، ما تقدم ذكره في تفسيره من وحي القرآن وفي مجلة الموسم.

يا فاطمة إن اللَّه اصطفاك

هذا ونذكر هنا رواية لم يذكرها السيد جعفر مرتضى في كتابه بشكل كامل، فقد روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع (ج1، ص‏146)، العلة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

التي من أجلها سميت فاطمة محدثة، سمعت أبا عبداللَّه‏(ع) يقول: إنما سميت فاطمة(ع) محدثة، لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم ابنة عمران، فتقول: يا فاطمة: إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين.. يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين فتحدثهم ويحدثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إن مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإن اللَّه عزّ وجلّ جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها، وسيدة نساء الأولين والآخرين.

لماذا الموعظة؟

وأما قول الكاتب (ص81):

هل أن سماحة السيد (فضل اللَّه) بحاجة إلى مثل هذه الموعظة؟...

فنقول: تسميته لها بالموعظة هي من عند نفسه، وما ذكره السيد مرتضى في كلامه ما هو إلا تنبيه على لزوم العلم والعمل بالأدلة والروايات، والجري على مقتضاها وتثقيف الناس بمضامينها، فقط، ولزوم العمل بما يقتضيه العقل السليم فيما يصح له الحكم فيه، لا شي‏ء آخر مهما كان رسمه أو اسمه. فإذا أراد أن يسمي ذلك موعظة فلا ضير فيه.

وأما أن السيد فضل اللَّه هل هو بحاجة إلى هذا التنبيه؟ فلا مانع منه مع وضوح عدم كون هذه الأمور جزءاً من عقيدته، ولا جزءاً من الخط الذي يسير عليه، على حد تعبيره المتقدم.

أما أنه صاحب تفسير قرآن، فذلك لا ينفع الكاتب في تصوير سماحته مطلعاً على أدق التفاصيل، لأن سماحته يكرر في تفسيره بأنه تفسير حركي، لا يعنى بكثير من المسائل العقيدية أو التاريخية أو الفقهية التي طرحت في القرآن، وهو أمر واضح لمن اطلع عليه، والظاهر أن كاتبنا ـ المتميز في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

الدفاع عن سماحته ـ ليس منهم.

وأما أنه لا تخلو مقابلات سماحته وغيرها من حديث وليّ أو نبيّ، فهذا لا يدل على أن ما يذكره يتعرض لأدق التفاصيل، ولا يدل على أنه يذكرها معتقداً بها، إذ ربما كانت هذه الأحاديث من جملة مخزونه الثقافي، والذي لا يعتقد بجزء منه، ولم تشمله إلى الآن حملة التطهير التي يشنها السيد فضل اللَّه نفسه على أحاديث أهل البيت(ع).

وأما أن سماحته يجمع في الحديث الواحد جمعاً كبيراً من الآيات والأحاديث، ولم يبخل بها على طالبي المعرفة، فأيضاً لا يدل على أنه مطلع على كل تفاصيل الأحاديث، حتى تلك الموجودة في غير ما يجمعه.

وعدم بخله على مراجعيه، إنما هو فيما يمكن له أن ينفق منه، لا في غيره مما لا يطيق الإنفاق فيه مما لم تشمله دائرة إطلاعه.

بهتان جديد

يبقى ادعاء الكاتب حيث يقول (ص‏82):

إن قول السيد جعفر مرتضى: إن هذه المعرفة (معرفة مقامات المعصومين) تزيد في صفاء الروح ورسوخ الإيمان ومعرفة النفس الموصلة إلى معرفة الرب، هو عبارة عن تلخيصٍ لما استفاده سماحته (يعني السيد فضل اللَّه) من كتاب اللَّه وكلام النبي والأئمة(ع).

وهذا عين البهتان على السيد فضل اللَّه، الذي يصرح بأن ذلك ليس جزءاً من العقيدة ولا الخط، وأنها من الفكر التجريدي الذي لا يؤدي إلى نتيجة تنفع على مستوى الدين أو الدنيا، فكيف يكون كلام سماحة السيد جعفر مرتضى تلخيصاً لهذا الكلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

دلالة المباهلة على مكانة الزهراء(ع)

قال اللَّه تعالى: (من حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللَّه على الكاذبين)[آل عمران: 61]. وهذه الآية نزلت بمناسبة طلب النصارى المباهلة مع النبي (ص).

والسيد فضل اللَّه ينفي دلالة هذا الحدث المشهور على مكانة الزهراء(ع) المعنوية والروحية، ويقول إنما يدل ذلك على منزلتها عند النبي‏(ص)، الذي يأتي بها للمباهلة، ليدلل على أنه حاضر للتفريط بأعز الخلق لديه في سبيل إثبات صدق دعوته، هذا ما نقله السيد مرتضى في كتابه (ج1 ص43).

لكن الكاتب شكك في صحة ذلك النقل فقال (ص‏83):

لا ندري حقيقة إن كان سماحة السيد قال هذا...الخ.

فإن كان لا يدري حقيقة أن السيد فضل اللَّه يعتقد بهذه المقولة فهذا ذنبه وهو القائل (ص‏51):

فأقواله (أي السيد فضل اللَّه) وقناعاته تتردد على كل شفة ولسان، وبالتالي أقواله معروفة ومفهومة ولا داعي لعدم ذكر صاحبها« (أي السيد فضل اللَّه).

ثم يضيف الكاتب على ذلك قوله:

بل كان أجدى به (يعني السيد جعفر مرتضى) أن يقول من البداية: انه يريد نقد شخصية مرجعية معروفة ومرموقة، ولا ينفع اغفال اسمها والمداورة؟! في ذكر أوصافها.

وإذا كان لا يدري فلماذا يعترض على من يدري؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 103/

ونضيف لنسأل الكاتب، كيف أمكنه التعرف على أن المقصود بهذا الكلام هو السيد فضل اللَّه والحال أن السيد مرتضى لم يصرح باسمه في كتابه، فلو لم يكن كلامه هذا صحيح النسبة إليه لم يمكنه ذلك، مع انه (أي الكاتب الأجل) وهو غير «السطحي» اعترف (ص‏34) بأن السيد مرتضى أعلم بقصد الخصم (السيد فضل اللَّه) من الخصم نفسه.

على أن هذا الكاتب الذي يتهم السيد مرتضى بالسطحية حين يقرر أن في الأمر تشكيكاً بقيمة الزهراء(ع) كما هو الظاهر من هذا الكلام، نخشى أن يكون قد أراد بذلك إيهام القارى‏ء بعمق فهمه، لأنّا لما قرأنا كتابته «العميقة»! هذه! رأيناه يعترف فعلى حين غفلة، ومناقضاً نفسه بنفسه‏ بأن السيد فضل اللَّه أراد استبعاد دلالة هذا الحدث على عظمة الزهراء(ع).

إنكار الدلالة صريحاً

يقول الكاتب (ص‏83):

إن القضية (يعني المباهلة) لا تفيد ذلك، بل إن معرفة عظمة مقام السيدة الزهراء(ع) نستدل به! من أحاديث وروايات أخرى غير قضية المباهلة.

إذن قد قرر الكاتب أن قضية المباهلة لا تدل على مكانة ذاتية خاصة بالسيدة الزهراء(ع)، ولا يهمنا بعد إنكاره لهذه المنزلة لها(ع)، أن يثبت لها مقاماً آخر بدليل آخر أو لا يثبته؟ فهو قد تابع السيد فضل اللَّه على إنكار أي دلالة لهذا الحدث على المكانة الذاتية للزهراء(ع).

فالكاتب يدعي أن غاية ما تدل عليه قضية المباهلة هو مكانتها العالية عند النبي‏(ص)، لأن المباهلة كما يقول (ص83):

كانت تقضي بأن يصحب النبي محمد(ص) أعز الخلق لديه.

وهذا الكلام مردود بأن مقتضى المباهلة هو إبراز وثيقة الصدق في كلام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

النبي‏(ص)، وذلك يكون بإبراز أعز الناس في الوجود، لا عند النبي‏(ص) فقط.

وفي كتاب الاختصاص في حديث طويل: فقال لهم رسول اللَّه‏(ص) إن اللَّه عزّ وجلّ قد أمرني بمباهلتكم، فقالوا إذا كان غداً باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بما يباهلنا غداً بكثرة أتباعه من أوباش الناس، أم بأهله من أهل الصفوة والطهارة، فإنهم وشيج الأنبياء وموضع نهلهم.

فلما كان من غد، غدا النبي  صلى الله عليه و آله وسلَّم بيمينه عليّ، وبيساره فاطمة(ع)، عليهم النماة النجرانية، وعلى كتف رسول اللَّه‏(ص) كساء قطواني رقيق، خشن ليس بكثيف ولا لين، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما، ونشر الكساء عليهما، وأدخلهم تحت الكساء، وأدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء، معتمداً على قوسه النبع، رفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة(1).

قال العلامة الطباطبائي في الميزان (ج3 ص226): وهذا يعطي أن يكون الحاضرون في المباهلة شركاء في الدعوى.

ثم كيف يكون أهل البيت أعز الناس عند النبي، ولا يكونون أعز الخلق عند اللَّه، واللَّه تعالى يقول: إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم؟

فالأكرم عند اللَّه، هو الأكرم عند النبي‏(ص)، كما أن المؤمن الأعز عند اللَّه هو الأعز عند النبي‏(ص)، إلا أن يدعي الكاتب أن ميزان النبي‏(ص)، في تفضيل الناس ليس هو ميزان اللَّه تعالى، وأن النبي‏(ص) يمكن أن يعزز ويكرم أهل بيته القريبين إليه، أكثر من الآخرين الذين يدعى أنهم أقرب إلى اللَّه تعالى من أهل بيته، لو فرض وجود من هم كذلك حقاً.

ومن الغريب أن يتفوه السيد فضل اللَّه بمثل هذا الكلام وتظهر أثار ذلك في كلمات أتباعه، ومنهم هذا الكاتب، بينما نجد الزمخشري يقول: وفيه (أي حديث المباهلة) دليلاً لا شي‏ء أقوى منه على فضل أصحاب

ـــــــــــــــ

 (1) مسند فاطمة ص 350 عن كتاب الإختصاص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

الكساء(ع)، (الكشاف ج 1، ص 234).

النشاط الاجتماعي للسيدة الزهراء(ع)

يقول الكاتب (ص‏58):

الذي يعرف طبيعة خطاب سماحة السيد ومبناه في مثل هذه الأقوال، يدرك بالبداهة أن دلالة قول سماحته «إننا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيدة الزهراء(ع)... إلا في رواية أو روايتين»: أن المؤرخين والرواة قد أجحفوا السيدة الزهراء(ع)، حين لم يذكروا عن نشاطها الاجتماعي أكثر من روايتين، وهم ربما قصدوا التعتيم على سيرتها(ع)...

ونحن بدورنا نقول:

ذكر التاريخ الكثير من الأخبار المتعلقة بولادتها وسيرتها وزواجها، وما حلّ بها بعد وفاة أبيها(ص)، ودورها في تلك المدة فيما يتعلق بالدفاع عن إمامة أمير المؤمنين(ع)، وغير ذلك مما أشار إليه سماحة السيد في «مأساة الزهراء».

ومع هذا فالسيد فضل اللَّه يعترض على ذلك بقوله:

عندما نريد أن ندرس سيرة الزهراء(ع) فيما كتبه التاريخ، فإنا لن نستطيع أن نجد الكثير الكثير إلا بعض اللقطات، ثم نلاحظ أن حديث هذا التاريخ عن الزهراء المهاجرة، لا يعطينا شيئاً سوى أنه يذكر اسمها مع المهاجرين والمهاجرات، ثم بعد ذلك في زواجها هناك مفردات صغيرة جدّاً في حياتها كأم، حتى نشاطها في داخل المجتمع الإسلامي، كان في التاريخ محدوداً في رواية أو روايتين.

ثم نلاحظ أن التاريخ يفيض فيما لا نحتاجه في مسألة زواجها، والجوانب الغيبية في زواجها، فيما تحتفل به السماء، وفي الاحتفالات التي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

حدثت هناك وما إلى ذلك.

وهكذا نجد أن التاريخ الصحيح وغير الصحيح أفاض في الحديث عن أحزانها، وربما كان بعض هذا الحديث غير دقيق، وأنا لا أتصور الزهراء(ع) وهي المنفتحة على الإسلام، وعلى قضاء الله وقدره إنسانة ينزعج أهل المدينة ـ كما يقرأ قراء التعزية ـ من بكائها، حتى إذا كان الفقيد على مستوى رسول اللَّه‏(ص).

... وأنا لا أتفاعل مع كثير من الأحاديث التي تقول بأن القوم كسروا ضلعها أو ضربوها أو... على وجهها، أو ما إلى ذلك... إنني أتحفظ في كثير من هذه الروايات. ثم رأينا الشيخين أبا بكر وعمر جاءا يطلبان المسامحة من الزهراء(ع)، مما يدل على أن الزهراء(ع) كانت تحتفظ بقيمتها في المجتمع المسلم حتى من كبار الصحابة. انتهى حديث السيد فضل اللَّه المسجل.

سبب المشكلة

وهذا الحديث هو الحديث الذي ألقاه في مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد، وكان سبباً للضجة التي حدثت سنة 1993 في قم وغيرها من المدن داخل إيران وخارجها، وكان من آثارها رسائل السيد فضل اللَّه التي أرسلها إلى بعض الجهات، ونحن ننشرها في آخر هذا الكتاب في الملحق فراجعها، ومن جملتها الرسالة التي نشرت باسم أنصار المقاومة الإسلامية في لندن، حيث يعبر عن هذا الشريط بقوله (والشريط موجود عند كل الناس). فلاحظه.

ونحن في الوقت الذي نرفض فيه أن تسطح الأفكار، لا سيما الصادرة منها عن السيد فضل اللَّه، ندعو ـ كما يدعو هو ـ إلى دارستها بعمق ودقة، وفي الوقت نفسه، نرفض أن تسطح أفكار غيره أو تحرف كما نرى في هذا الكتاب، حيث نرى الكاتب يحاول أن يقوِّل سماحة السيد مرتضى ما لم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

يقله، حين ينسب إليه تسخيفه لدور السيد فضل اللَّه الاجتماعي، حيث لم يكن في كلام السيد مرتضى أي تسخيف لأي دور، بل ظاهر كان مراد سماحة السيد مرتضى، هو تقريب المعنى إلى الذهن، من خلال إبراز خصوصية النشاط الاجتماعي في كل عصر ومكان، بما يمتاز به عن غيره، وأن شيئاً غير قليل مما يناسب الظروف الاجتماعية التي عاشتها الزهراء(ع)، قد نقل إلينا عبر التاريخ، كما أشار إليه السيد مرتضى في «مأساة الزهراء»(ع).

يقول هذا الكاتب (ص‏87):

هل يريد كاتبنا الجليل أن يتوقف سماحته عن خدمة الناس والمجتمع، ويجلس في بيته كغيره متفرغاً لتصدير الكتابات المغرضة، والتحريضات المريبة، حتى يرضى عنه زيد من الناس؟! علماً أن سماحته لا يعيش كل تلك العقد، ولا يتحرك على خلفية المزايدات، والأعمال تتحدَّث عن نوايا أصحابها (انتهى كلامه).

وتعليقنا على هذا الكلام، هو سؤالنا للكاتب الجليل! عن عمله الذي قام به وشتائمه واتهاماته ـ لا سيما هذه الأخيرة ـ عن أي نية من نواياه تتحدث؟

ومن أين حصل له العلم أو قامت لديه البينة على صحة كل هذا الذي يتفوّه به؟

ألم يقرأ قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) [الاسراء: 36]؟

ألم يقرأ قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) [الحجرات: 12]؟.

وقوله تعالى: (إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذي آمنوا لهم عذاب أليم) [النور: 19].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

علماً أن لسماحة السيد مرتضى أعمالاً قيمة تذكر فقد بنى مدرسة علمية في قم هي الأولى في المدارس غير الإيرانية فيها، وأنشأ لطلاب العلم كثيراً من البيوت لسكناهم، وأنشأ مؤسسة لتربية الطلاب وتعليمهم التأليف والتحقيق، وغير ذلك، أليس في هذا كله خدمة للمجتمع والدين؟

ولا ننسى قول الكاتب اللبق (ص‏87)، تعليقاً على إشارة سماحة السيد مرتضى، إلى مشاركة السيدة الزهراء(ع) بالحضور في عرس بعض اليهود.

حيث يقول:

هل هي دعوة من الكاتب إلى المسلمين والشيعة تحديداً إلى مشاركة اليهود في أعراسهم؟!.

ونحن هنا نذكره بعيادة النبي لليهودي المريض الذي كان يؤذيه دوماً بوضع النفايات على باب داره‏(ص)، ثم هل يفهم الكاتب من ذكر السيد فضل اللَّه لهذه القضية على المنبر مراراً، أنه يدعو إلى زيارة اليهود والتواصل معهم وعيادة مرضاهم، بل وجرحاهم ولو كانوا أصيبوا في حروبهم ضد المسلمين؟!

إن اليهود في زمن النبي ـ مع كل ما ورد من الذم في حقهم ـ هم من أهل الكتاب، وقد كانوا يتمتعون بنعم الدولة كما يتمتع غيرهم من المسلمين والنصارى. وتصرف الزهراء(ع) كذلك لا ربط له بمفاكهة الكاتب الباردة!.

وهل يرضى منا هذا الفطن، أن نذكره بأقوال سماحته في ما يتعلق بحكم المرتد ولو كان ارتداده إلى اليهودية، وأن أهل الكتاب ليسوا كفاراً ولو كانوا يهود، وأن كل إنسان طاهر حتى لو كان يهوديّاً، وأنه ولا وجود لملحد على وجه الأرض، إلى غير ذلك من أقوال سماحته التي يفتخر بها هو نفسه، ويُفتَخَر له بها؟

فهل يستفاد من كل هذه الأقوال دعوة سماحته إلى التقارب بين الأديان بإزالة الفروقات والحواجز وإسقاط الموانع أمام توحيدها...؟!.

ونذكر القارى‏ء بالنص الذي يعلم به بأي منظارٍ ينظر السيد فضل اللَّه إلى حياة الزهراء(ع) الإجتماعية، وكيف يقيِّم الأحداث التي حصلت في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

زمانها، وأن الأحداث التي حصلت في زمان غيرها أكبر منها، مع أن من جملة ما حصل في حياتها(ع) هو الاستيلاء على منصب خلافة رسول اللَّه، وهو أعظم الأحداث، ويأتي تفصيل ذلك تحت عنوان «تبرئة الظالمين».

الزهراء(ع) أم أبيها:

يقول الكاتب (ص88):

ثم ينتقل الكاتب (أي العلامة مرتضى) إلى الحديث الذي اقتطعه من كلام سماحة السيد (فضل اللَّه) حول الزهراء... إلى آخر ما قال.

وما ذلك إلا محاولة منه لإيهام القارى‏ء بأن الكلام المنقول عن السيد فضل اللَّه مبتور الأطراف، معزول عن سياقه، مما يسترعي الإلتفات إلى ما يمكن معه الخروج بفهم آخر للكلام، يغاير المعنى المتبادر منه، الذي حاول ـ السيد جعفر مرتضى ـ أن يُفهِمه للقارى‏ء، ثم تسرَّع في سرد عدة أسئلة كذلك، وفي مقام الجواب نشير إلى أمور يتضح بها سقوط هذا الكلام فنقول:

لا مشكلة في فقد النبي‏(ص) حنان أمه، ولا مشكلة كذلك في قول القائل إن الرسول وجد في حنان الزهراء(ع) حناناً كحنان الأم.

ولا مشكلة أيضاً في أنها كانت تمنحه من نبل العاطفة(ص) وحنانها ما لا تستطيعه زوجة أو أخت أو ابنة عادية، ولا مشكلة في أن تكون البنت كالأم بالنسبة إلى أبيها، فيما تعيشه معه من أجواء العاطفة والحنان.

الدعوى المشكلة

لكن المشكلة في ادعاء السيد فضل اللَّه في حق النبي‏(ص) أنه بحاجة إلى سد ما كان يشعر به من نقص الحاجة إلى العاطفة، حيث عبر عن ذلك بقوله (بينات 30/5/97):

إن النبي كان يعيش جوع الحنان والعاطفة، كما يجوع أحدنا للطعام،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

مما يدل على أن النبي كان لم يزل بحاجة إلى من يعوضه حنان أمه، إلى أن قامت ابنته بهذا الدور.

وهذا يستبطن قولاً بالنقص، بل هذا الكلام هو النقص بعينه، ونزيد على ذلك تصريحه في مقابلته الإذاعية التي أجريت بتاريخ (22/11/93)، حيث يقول:

كلمة «أم أبيها» تعني الإحساس النبوي باستفادة عاطفة الأم التي فقدها في طفولته فعاش فراغها في مشاعره.

فالمشكلة أن يكون الأب وهو النبي محمد(ص) بكل أوصافه وخصاله وكماله بحاجة إلى من يسد له فراغ الأمومة الذي يعيشه، ولو كانت ابنته التي تسد له هذا الفراغ بمستوى الزهراء(ع).

ومن هنا نعرف بطلان استنكار الكاتب (ص88) على سماحة السيد مرتضى، نسبته إلى السيد فضل اللَّه قوله بعقدة النقص في حق النبي‏(ص)، إذ ما معنى جوع العاطفة، وما معنى أن يعيش‏(ص) هذه العاطفة المفقودة في مشاعره؟ لاحظ (بينات 16/5/97).

وبعد هذا يظهر أيضاً سقوط كلام الكاتب حين يقول (ص90):

لماذا توضع الأفهام دائماً في حالة صدامية في مواجهة بعضها البعض.

وسبب سقوطه، هو أنه إذا تبين وجه الخلل في كلام السيد فضل اللَّه، فلن يكون كلام السيد مرتضى المبيِّن لهذا الخلل الموجود في كلام السيد فضل اللَّه إلا مصادماً لهذا الكلام المختل، فالصدام بين الكلمات يتحقق تلقائياً عندما تتعارض اتجاهاتها، حين يتفلت بعضها من الضوابط والمعايير الخاصة، فيضطر البعض الآخر إلى تبيان هذا الأمر، والتنبيه على مواضع الانزلاق فيه.

ومن الغريب كيف يعتب هذا الكاتب على هذا الصدام، بمجرد أن رأى كلمة الحق في كلام السيد مرتضى أقوى منها في كلام غيره؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

عصمة الزهراء(ع)

يقول السيد فضل اللَّه في كتابه تأملات إسلامية حول المرأة (ص‏9):

نلاحظ في المقارنة بين الرجل والمرأة اللذين يعيشان في ظروف ثقافية واجتماعية وسياسية متشابهة، أنه من الصعب التمييز بينهما... وهذا ما نلاحظه في بعض التجارب التاريخية التي عاشت فيها بعض النساء في ظروف متوازنة من خلال الظروف الملائمة لنشأتها العقلية والثقافية والاجتماعية، فقد استطاعت أن تؤكد موقفها الفاعل، ومواقفها الثابتة المرتكزة على قاعدة الفكر والإيمان.

وهذا ما حدثنا اللَّه عنه في شخصية مريم وامرأة فرعون، وما حدثنا التاريخ عنه في شخصية خديجة الكبرى أم المؤمنين‏(رض) وفاطمة الزهراء(ع) والسيدة زينب ابنة علي‏(ع).

إن المواقف التي تمثلت في حياة هؤلاء النسوة العظيمات، تؤكد الوعي الكامل المنفتح على القضايا الكبرى، التي ملأت حياتهن على مستوى حركة القوة في الوعي والمسؤولية، والمواجهة للتحديات المحيطة بهن في الساحة العامة.. وقد لا يملك الإنسان أن يفرق بأية ميزة عقلية، أو إيمانية، في القضايا المشتركة بينهن وبين الرجال الذين عاشوا في مرحلتهن.

وإذا كان بعض الناس يتحدث عن بعض الخصوصيات غير العادية في شخصيات هؤلاء النساء، فإننا لا نجد هناك خصوصية إلا الظروف الطبيعية التي كفلت لهن إمكانات النمو الروحي والعقلي والالتزام العملي، بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي.

ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة، تخرجهن عن مستوى المرأة العادي، لأن ذلك لا يخضع لأي إثبات قطعي، مع ملاحظة أن اللَّه، سبحانه وتعالى، تحدث عن اصطفاء إحدى النساء، وهي مريم، عليها السلام، من خلال الروحانية التي تميزها والسلوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

المستقيم في طاعتها للَّه. وهذا واضح في ما قصه اللَّه من ملامح شخصيتها، عندما كفلها زكريا، وعندما واجهت الموقف الصعب في حملها لعيسى عليه السلام، وفي ولادتها له.

وإذا كان اللَّه قد وجهها من خلال الروح الذي أرسله إليها، فإن ذلك لا يمثل حالة غيبية في الذات بل يمثل لطفاً إلهيّاً في التوجيه العملي والتثبيت الروحي، على أساس ممارستها الطبيعية للموقف في هذا الخط، من خلال عناصرها الشخصية الإنسانية، التي كانت تعاني من نقاط الضعف الإنساني في داخلها، تماماً كما هي المسألة في الرجل في الحالات المماثلة.. وهذا يعني أننا لا نجد فرقاً بين الرجل والمرأة عند تعرض أي منهما للتجربة القاسية في الموقف الذي يرفضه المجتمع من دون أن يملك فيه أي عذر معقول؛ الأمر الذي يخرج فيه الموقف عن القائمة المتمثلة فيه، من حيث القيمة الاجتماعية السلبية في دائرة الانحراف الأخلاقي.

انتهى كلامه في كتاب تأملات إسلامية، وهو الكتاب الذي يقول السيد فضل اللَّه فيه ضمن محاورة مطبوعة في آخر كتاب (المرأة بين واقعها وحقها ص75) يقول: إن هذه الأفكار لم تكن وليدة مناسبة ولا هي طارئة... الخ.

معنى كلام السيد فضل اللَّه

فالسيد فضل اللَّه يتحدث عن فكره الثابت فيما يتعلق بنماذج من النساء العظيمات، ويذكر السيدة مريم وامرأة فرعون وخديجة الكبرى والسيدة الزهراء وابنتها السيدة زينب بنت علي سلام اللَّه عليهن أجمعين، ويشير إلى السبب الذي جعلهن يرتقين إلى المستويات العالية من الإيمان والرسالية، ويؤكد أن السبب ليس هو إلا الظروف الطبيعية، وينفي وجود أي عنصر غيبي مميز، يخرجهن عن مستوى المرأة العادي.

فهن إذن نساء عاديات، وصلن إلى الكمال الذي وصلن إليه، بواسطة الظروف الطبيعية التي مكنتهن من التدرج والارتقاء روحيّاً وإيمانيّاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

والدليل على أن سماحته ينكر وجود خصوصية سوى الظروف الطبيعية، اكتفاؤه باستثناء مريم بالاصطفاء، كما ورد في القرآن حيث يقول تعالى: (يا مريم إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين).

ويظهر من هذا أن حال الزهراء(ع)، ليس كحال مريم(ع)، مع أنها سلام اللَّه عليها من أهل البيت الذين أذهب اللَّه عنه الرجس وطهرهم تطهيراً، بنص الكتاب العزيز.

وأيضاً قد تقدمت الرواية عن علل الشرائع والدالة على مخاطبة الملائكة لفاطمة (ع) بمثل مخاطبتهم لمريم(ع) باصطفاء اللَّه لها وتطهيره إياها. فلتراجع.

كما أن قول السيد فضل اللَّه: قد وجهها من خلال الروح الذي أرسله إليها في إشارة إلى قوله تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً)، يدل على أن هذا الأمر والذي عبر عنه باللطف مختص بمريم(ع)، وهذا لا ربط له بمسألة العصمة، إذ ليس كل لطفٍ عصمة، وان كانت العصمة لطفاً على بعض الأقوال دون بعضها الآخر.

بل اللطف هنا ناظر إلى مساعدة مريم(ع) على مواجهة هذا الأمر الإعجازي للتخفيف عنها، ولإزالة الحرج الشديد الذي كانت تشعر به شخصيّاً، في أعز ما يمكن أن تحافظ عليه امرأة.

ومع أن الأمر كما عرفت، ترى السيد فضل اللَّه في رده (جمادى 2/1417هـ)، على أجوبة المرجع الديني الكبير آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي يقول (ص‏6):

إن المقصود من الظروف الطبيعية، التي كفلت النمو الروحي والعقلي للسيدة الزهراء(ع)، وغيرها من النساء الجليلات، هو مثل تربية النبي‏(ص) للزهراء(ع)، وتربية زكريا(ع) لمريم(ع)، أما المقصود من عدم وجود عناصر غيبية، فهو أن أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها كانت باختيارها، ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

تكن حاصلة من أمر غيبي غير اختياري، ولا ينافي ذلك حصول بعض الكرامات لها، وهي ما زالت جنيناً في بطن أمها، ونزول الملك عليها(1).

ثم إننا ذكرنا في ختام الحديث الذي ذكره السائل(2): أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء وكان الحديث عن مريم(ع) لطفاً منه بحيث يرتفع بهن إلى الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة، ولكن السائل حذف ذلك في سؤاله واقتطع من النص الفقرة التي تناسب سؤاله (انتهى كلام السيد فضل اللَّه).

وأيضاً سماحته في بعض أجوبة المسائل المؤرخة في 17 جمادى 2/1417هـ، بعد أن قيل له:

ـــــــــــــــ

 (1) يُسأل السيد فضل اللَّه عن هذا الموضوع في مجلة الموسم (ص318) فيجيب بقوله:

هناك قول بأن الزهراء(ع) أرسل ـ وهو غير ثابت‏ ـ اللَّه إليها ملكاً بعد وفاة أبيها، ليؤنسها ويحدثها بأمور العالم وكانت تكتب ذلك.

(2) يقول السائل: ما رأيكم فيمن يقول عن الزهراء(ع) وطبيعة ذاتها الشريفة وكذا عن السيدة زينب وخديجة الكبرى ومريم وامرأة فرعون(ع) ما نصه: «وإذا كان بعض الناس يتحدث عن بعض الخصوصيات الغير العادية في شخصيات هؤلاء النساء، فإننا لا نجد هناك خصوصية إلا الظروف الطبيعية التي كفلت لهن امكانات النمو الروحي والعقلي والإلتزام العملي بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي... ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة تخرجهن عن مستوى المرأة العادي لأن ذلك لا يخضع إي اثبات قطعي.. ».

وقد أجاب: آية اللَّه العظمى التبريزي بقوله:

هذا قول باطل من أساسه، فإن خلقة الزهراء(ع) كخلقة الأئمة(ع)، بلطف من اللَّه سبحانه وتعالى، لعلمه بأنهم يعبدون اللَّه مخلصين له الطاعة، ولا غرابة في اختصاص خلقة الأولياء بخصوصيات تتميز عن سائر الخلق، كما يشهد به القرآن الكريم في حق عيسى بن مريم(ع).

وقد ورد في الأخبار الكثيرة المشتملة على الصحيح، ما دل على امتياز الزهراء(ع)، نحو ما ورد في حديثها لأمها خديجة وهي جنين في بطنها، وما ورد من نزول الملائكة عليها، كما في صحيح أبي عبيدة عن الصادق(ع)، أن فاطمة مكثت بعد أبيها خمسة وسبعين يومًا، وقد دخل عليها حزن شديد على أبيها، وكان يأتيها جبرائيل فيحسن عزاءها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، وما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي(ع) يكتب ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 115/

ذكرتم في أحد كتبكم أن الزهراء(ع) بلغت ما بلغت من خلال الطرق الطبيعية، فهل تلغون التدخل الغيبي واللطف الإلهي؟

أجاب قائلاً: إن المقصود من الظروف الطبيعية، هو مثل تربية النبي‏(ص)  للزهراء(ع)، وان أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها كانت باختيارها، ولم تكن حاصلة من أمر غيبي ليس منشؤه اختياريّاً، ولا ينافي ذلك حصول بعض الكرامات لها وهي ما زالت جنيناً في بطن أمها، أو نزول الملك عليها.

وقد ذكرنا في ختام الحديث الذي يشير إليه السائل أن اللَّه أعطى لفاطمة لطفاً منه بحيث يرتفع بها إلى الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة، وقد حذف بعضهم هذا المقطع من كلامي واقتطع منه الفقرة التي تحقق أهدافه.

اختلاف كلمات السيد فضل اللَّه

وبالمقارنة بين هذه الأحاديث الثلاثة التي نقلناها عن السيد فضل اللَّه، يتبين من الحديثين الثاني والثالث، أن للظروف الطبيعية تربية النبي (صلى الله عليه و آله وسلَّم) دخالتها في النمو الروحي والعقلي للسيدة الزهراء (ع)، وغيرها من النسوة اللاتي ذكرن في الحديث، وأن المقصود من عدم وجود عناصر غيبية هو أن أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها كانت باختيارها.

لكن الظاهر من الحديث الأول ـ وهو كلامه في تأملات اسلامية ـ خلاف ذلك، ونحن لو أغمضنا عن هذا الاختلاف، لنقبل من السيد فضل الله تفسيره لكلامه ـ مع ما في هذا التفسير من التعسف ـ لكن يستوقفنا قول سماحته في الحديث الثاني:

إننا ذكرنا في ختام الحديث الذي ذكره السائل: أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء ـ وكان الحديث عن مريم‏ ـ لطفاً منه إلخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 116/

إذ كما هو واضح ـ وباعتراف السيد فضل الله نفسه ـ أن الحديث إنما كان عن مريم(ع)، وليس عن باقي النسوة، وذلك بعد استثنائها (يعني مريم(ع)) بالكلام، باعتبار مزية الاصطفاء التي اختصها اللَّه بها في الحديث عنها في القرآن، ومع هذا فما هو الوجه الصحيح لجعل الحديث عنهن جميعاً مع أنه حديث خاص بمريم(ع).

هذا واللطف الذي يتحدث عنه سماحته، والذي هو موهبة من اللَّه تعالى تتمثل بالروح الذي أرسله إليها، مخصوص بمريم عليها السلام في هذا الحديث، ولا يشمل باقي النساء.

يقول السيد فضل‏ اللَّه في كتابه تأملات إسلامية (ص9 سطر 13): وإذا كان اللَّه قد وجهها من خلال الملك الذي أرسله إليها، فإن ذلك لا يمثل حالة غيبية في الذات، بل يمثل لطفاً إليها في التوجيه العملي والتثبيت الروحي.

فقول سماحته في جواب آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي: إننا ذكرنا في ختام الحديث الذي ذكره السائل: أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء ـ وكان الحديث عن مريم‏ ـ لطفاً إلخ.

ليس في محله، بل هو مخالف لما هو مذكور في كتابه، خصوصاً أنه يقول: «من خلال الروح الذي أرسله إليها»  والذي قد عرفت أنه إشارة إلى قوله تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) ولا ربط له بالعصمة.

وهو الدليل الصارخ على أن المقصود بـ«الملاحظة المخصِّصة بالاصطفاء» في كلام السيد فضل‏ اللَّه [في كتابه تأملات]، هو خصوص مريم(ع)، دون غيرها، فكيف يقول تارة: إن اللَّه أعطى هؤلاء النسوة لطفاً..؟! ويقول أخرى: إن اللَّه أعطى فاطمة لطفاً...؟! هذا مع أن اللَّه تعالى طهر فاطمة(ع) كما طهر مريم(ع).

مع أن هذا اللطف ـ كما عرفت في كلام السيد فضل ‏اللَّه‏ ـ والذي هو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 117/

عبارة عن إرسال اللَّه تعالى روحه إليها، إنما كان لأجل توجيهها العملي وتثبيتها الروحي، فلا ربط لهذا الأمر بالعصمة أصلاً، فضلاً عن يكون مرتبطاً بعصمة مريم(ع) نفسها، والتي كان الحديث عنها، فضلاً أيضاً عن أن يكون مرتبطاً بعصمة فاطمة(ع) أو باقي النسوة المذكورات في كلامه.

هل زينب(ع) معصومة؟

هذا مع إن اللازم من كلامه في هذه الأجوبة ـ وهو أمرٌ غير ظاهر من عبارته في كتاب «تأملات» ـ كون هؤلاء النسوة معصومات جميعاً، ونحن لا نمانع ذلك في حق هذه النسوة لا سيما أن فيهن سيدات النساء وذلك بملاحظة مراتب العصمة المتعددة، لكن سماحته لن يقبل ذلك لا سيما في خصوص السيدة زينب(ع)، لأنها عنده غير معصومة قطعاً، وإن كنا لا نستبعد عنها ـ وهي العالمة غير المعلمة (1)ـ أن تكون كذلك لا بوجوب عقلي، ولو أصر على عصمتها لزمه القول بصحة الاستدلال بفعلها(ع)، حين ضربت المحمل برأسها، على جواز اللطم والضرب في العزاء، وهو الأمر الذي أنكره، وأنكر حجية فعل زينب(ع)، وعدم صلاحيته لأن يكون مستنداً شرعياً.

ومع هذا كله فكلامه المذكور مخالف أيضاً لما ذكره في أجوبة بعض المسائل (المؤرخة في 16 جمادى الثاني)، حيث يقول:

ـــــــــــــــ

 (1) سئل السيد فضل اللَّه (للإنسان والحياة ص272) عن قول الامام زين العابدين‏(ع) في حق عمته أنت عالمة غير معلمة؟

فأجاب بأنها غير معلمة من الآخرين، بل هي معلمة من النبي وعلي وفاطمة والحسنين سلام اللَّه عليهم أجمعين

وفي ذلك إغماض واضح عما يدل عليه هذا الكلام من كونها محدثة، أو غير ذلك من الوان العلم الإلهي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 118/

وقد ذكرنا في ختام الحديث الذي يشير إليه السائل أن اللَّه أعطى لفاطمة(ع) لطفاً منه إلخ.

إذ لم يكن الكلام كما عرفت عن فاطمة(ع)، ولا عن غيرها سوى مريم(ع)، وذلك في سياق قوله: مع ملاحظة أن اللَّه سبحانه وتعالى تحدث عن اصطفاء واحدة من النساء، وهي مريم(ع).

فاطمة(ع) مطهرة أيضاً

ومن هنا يتجه السؤال إلى سماحته حول السبب الداعي إلى تخصيص مريم(ع) بحديث الاصطفاء في القرآن؟ أو ليست الزهراء أيضاً ممن أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، أو لم تكن الملائكة تناديها كما كانت تنادي مريم(ع): يا فاطمة إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين؟

فأي وجه هو الذي اقتضى من سماحته، تخصيص مريم(ع) بالاصطفاء دون فاطمة(ع) في حديثه عن اللطف ـ لو فرض وسلمنا أنه بمعنى العصمة ـ الذي أعطاه اللَّه لبعض النسوة.

وبعض الإغماض عن كل هذا نتوجه إلى السيد فضل اللَّه بالسؤال، فنقول: كيف يجتمع قوله: (إن أخلاقياتها وعناصر العظمة فيه كانت باختيارها)، هذا من جهة، مع قوله الآخر في نفس الردود المتقدمة على أجوبة آية اللَّه العظمى التبريزي، حيث يصرِّح:

إن الطاعة تصدر من المعصوم بإرادته وقصده، ولكن اللَّه يمنعه عن المعصية بلطفه.

وكيف تكون العصمة اختيارية، مع أنه يصرح في أكثر من مورد بأن العصمة تكوينية (حديث عاشوراء ص102) و (الندوة ص375) و (فقه الحياة ص267 وما بعده).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 119/

عصمة الزهراء (ع) مرة أخرى:

ومن هنا ربما يتضح معنى ما قاله السيد فضل الله (للموسم ص296) بعد أن سئل: ما هي الحكمة في جعل الزهراء (ع) معصومة؟

حيث يجيب: الحكمة في ذلك أنها معصومة طبيعياً، لأنها هي أطاعت اللَّه سبحانه وتعالى، ولم تعص‏اللَّه فصارت معصومة... الأنبياء(ع) والأئمة(ع) يكونون واجبي العصمة، الزهراء(ع) ليست واجبة العصمة، ولكنها معصومة...

فالزهراء (ع) حسب ما يظهر هذا الكلام معصومة فقط لأنها أطاعت ولم تعص اللَّه تعالى وإذا كان هذا معنى العصمة فعلى العصمة السلام.

ثم قيل له في نفس الموضع بعد هذا الجواب:

لكن الزهراء(ع) لا تحتاج إلى العصمة مثل سائر الأئمة؟

فأجاب: قلنا إنه ليس من الضروري أن تكون هناك حاجة إلى العصمة، بل هي في طبيعتها معصومة... حينما يكون واجب العصمة، نقول ما هي الحاجة؟ صحيح، لكن عندما يكون معصوم، قد يكون تفضل من اللَّه مع اختيارها هي في ذلك.

وبعد هذا البيان الطويل تعرف أن لا وجه صحيح لرد السيد فضل اللَّه على كلام المرجع الديني آية اللَّه التبريزي أو غيره من المراجع، فيما يتعلق بهذا الأمر، كما يتبين سقوط الكاتب وأقواله في هذا المقام، فلا داعي للوقوف على تهمه وافتراءاته.

نعم ادعى (ص 93) على سماحة السيد جعفر مرتضى أنه سخر من المرأة عموماً حين يقول: وهل ثمة أحب إلى قلب المرأة من القصر الشاهق والأثاث الفاخر واللائق، ومن وصائف الحور؟ ثم توجه هذا الكاتب إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 120/

سماحة السيد مرتضى بالسؤال قائلاً:

ولا ندري أين تقع الزهراء(ع) في نظر الكاتب من ذلك كله.

ونقول في جوابه إن كلام سماحة السيد مرتضى إنما كان ناظراً إلى طبيعة المرأة، وهو لا يتنافى مع الخصوصيات في أمثال السيدة الزهراء(ع)، وإلا لما كانت سيدة نساء العالمين.

وأما أن طبيعة المرأة هي كما ذكر سماحته فهذا أمر لا يحتاج إلى بيان وان كان له استثناءات ولكن هذا لا يضر بعموم كلامه حفظه اللَّه.

على أن سماحة السيد مرتضى يقول في (ص‏79) من كتاب مأساة الزهراء: قد ظهر مما تقدم أن للمرأة كما للرجل قوة حقيقية، وقدرة على التحكم بالقرار النهائي في أية قضية ترتبط بها، وأنها في مستوى الخطاب الإلهي، وتستطيع أن تصل إلى أرقى الدرجات، التي تؤهلها لأسمى المقامات في نطاق الكرامة والرعاية الإلهية.

وهذا كلام صريح في خلاف التهمة التي يوجهها هذا الكاتب إلى العلامة السيد مرتضى من أنه يسخر من المرأة؟ فكيف يجرأ على هذه النسبة إليه؟!

الجوانب الغيبية في حياة الزهراء (ع)

تحدث القرآن الكريم عن كثير من الأمور المتعلقة بالغيب إجمالاً وتفصيلاً، ونحن مدعوون للتزود من هذه الآيات، للترقي في مدارج المعرفة، كما أن الترقي في معرفة أهل البيت(ع) وعموم الأنبياء والأوصياء (سلام اللَّه عليهم أجمعين)، طريق نحو الترقي في معرفة اللَّه تعالى واليقين به، وهو موجب للازدياد في العمل كماً وكيفاً، وذلك أمر راجحٌ ومطلوب من كل واحد من المكلفين بحسب طاقته، ووسعه، وإمكاناته الفكرية والعقلية والجسدية، وهذا من مكملات الإسلام والإيمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 121/

وعلى هذا نعرف مجانبة الحق في قول الكاتب (ص‏95):

ما يعنينا نحن هو أن نهتم بالجانب الرسالي في أصحاب المعاجز والخوارق، لا الجانب الذي يعني أمورهم الخاصة والتي اختصوا بها لكرامات خاصة بهم.

«وقوله (ص‏98): ما يعنينا هو المواصفات الشخصية الرسالية للسيدة الزهراء(ع)، والتي تجعل من يقتدي بها يرتقى إلى أعلى مراتب الإنسانية، وليس أمراً آخر على الإطلاق (انتهى).

وفي هذا إيماء واضح إلى أن الأحوال الغيبية، ليست من المواصفات الشخصية للزهراء(ع)، ولا من واقعها(ع)، وبذا يتضح للقارئ ماهية نظرة هؤلاء القوم ـ والكاتب من جملتهم‏ ـ إلى مقامات المعصومين(ع) عموماً وأهل البيت خصوصاً، وفي ما تقدم الكثير مما يصلح لتأييد هذا الكلام فلا نعيد.

هذا والاهتمام الالهي بالجانب الاعجازي والغيبي في القرآن الكريم، لم يكن مقصوراً على الحالات التي يراد فيها التأكيد على صدق الدعوة الالهية، وذلك واضح في قصة ولادة عيسى(ع) من دون أب، إذ أي رسالة لعيسى التي أكدت بهذا؟ أم أن الرسالة كانت لمريم(ع).

ومثل ذلك قول امرأة إبراهيم(ع): (أألد وأنا عجوز)، حين بشرتها الملائكة بإسحاق، فقالوا: (أتعجبين من أمر اللَّه رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).

من عنده علم من الكتاب

ومثله قصة الذي عنده علم من الكتاب، حيث قال لسليمان(ع) حين سأل أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، وقد كان يكفي لسليمان(ع) جواب العفريت من الجن، حيث قال: (أنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 122/

آتيك به قبل أن تقوم من مكانك)، كما لم يكن من الضروري ذكر ذلك في الكتاب الكريم، لإمكان الاكتفاء بخبر الإتيان بعرش بلقيس من دون التعرض لكيفية الإتيان به.

فالتعرض لبيان هذه الأمور، يرشد إلى رجحان التعرف عليها والتدبر في حقائقها، للازدياد منها في مسيرة الكمال البشري، ولا يضر في التعرف على هذا الجانب عدم تعلق هذه الأمور بخصوص معاجزهم المؤيدة للرسالة، ولا يضر ذلك في كون هؤلاء الأنبياء والأولياء هم القدوة المتبعة والأسوة الحسنة.

ولا يمنع من النظر والتأمل في هذه المعاجز والكرامات، كونها مما اختصهم‏ اللَّه به، وبذا يبطل قول هذا الكتاب (ص96):

فلكي يكون النبي أو الوصي أو سيدة نساء العالمين الإنسان القدوة لا بد أن يتمتعوا بمواصفات مميزة، وهو ما يمكننا تلمسه في واقع شخصية الزهراء(ع)، لأنها مما اختصه اللَّه بها، وليس من غيبيات لا يمكن لإنسان ما أن يبلغها مهما علا شأنه، لأنها مما اختصه بها اللَّه، وإلا فلا نستطيع أن نقدم كل هؤلاء باعتبارهم القدوة، لأنه لا يجوز بحال من الأحوال الاقتداء بهم على مقتضى ما ذهب إليه المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) انتهى كلامه.

المقامات الغيبية للمعصومين(ع)؟!

ونحن إذ رأينا هذا الكاتب فيما سبق، ينفي عن السيد فضل الله إنكاره لمقامات الأئمة الغيبية، نرى في ظاهر كلامه هذا عين الدعوة إلى الإقلاع عن تلمس غيبيات هؤلاء الأئمة، والاكتفاء بتلمس مواصفاتهم الواقعية على حد زعمه، في إشارة منه إلى أن الأمور الغيبية المتعلقة بهم(ع)، ليست من واقع ذواتهم، ولا يمكنها أن تكشف شيئاً عن مقاماتهم وحقائقهم الذاتية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 123/

كيف نقتدي بالنبي‏(ص)؟

ثم إن الدعوة إلى التأسي بالنبي صلى الله عليه و آله وسلَّم، ليست دعوة إلى العمل بمعجزاته وكراماته التي اختصه اللَّه بها، وإلا كان واجب كل واحدٍ من المدعوين إلى الإيمان بالنبي صاحب المعجزة، والى التأسي به أيضاً أن يكون ذا معجزة أيضاً، كصاحب النبوة، أو أن يكون ذا نبؤة مثله!!

وعليه نسأل الكاتب: إذا رأى النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم أو الإمام ينظر إلى امرأة، فهل يحكم على نفسه بجواز النظر إليها اقتداءً به (ص)، مع أنها أجنبية عن الكاتب، «ما هكذا تورد يا سعد الإبل!».

إن الإقتداء بالنبي صلى الله عليه و آله وسلَّم، إنما يكون فيما جاء به من الأحكام الشرعية، والأخلاق الحسنة العالية، أما الأمور الغيبية فنحن مدعوون إلى الإيمان بها والتعرف على حقائقها، وهذا لا يضر في مسألة الإقتداء بالمعصومين(ع) شيئاً.

نعم ربما يضر في ذلك قول السيد فضل اللَّه، بأن عصمة المعصومين إنما هي بالتكوين، فهم يمتثلون أوامر اللَّه، ويجتنبون نواهيه من دون اختيار، ومع هذا فالواجب علينا بقدرتنا المتواضعة أن نقتدي بهم، وهذه هي المثالية والخيالية بعينها. وقد تقدم ذلك.

ومن هنا يظهر للقارئ أن القضية ليست في ثبوت هذه الأمور الغيبية وعدمه؟ ولا في أنها من أصول الدين أو المذهب أولا؟

بل الكلام في نظرة البعض ومن جملتهم السيد فضل اللَّه ـ ويتبعه كاتب مأساة المأساة ـ إلى هذه الأمور والمعطيات الغيبية على أنها هامشية ولا مساس لها بجوهر الدين.

وبعد الذي ذكرناه، وبعد ما تقدم منا في أول هذا الكتاب، تعرف صحة قول العلامة السيد جعفر مرتضى بأن هذا (أي كلام السيد فضل الله)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 124/

عبارة عن التشكيك بالغيب وبالثقافة الغيبية، مما يوجب البلبلة في صفوف المؤمنين الذي عرفوا الغيب واحداً من مسلمات الإسلام والإيمان البديهية.

تنزه الزهراء (ع) عن الطمث والنفاس

يقول السيد فضل‏ اللَّه في أجوبة بعض المسائل المؤرخة في (8 رجب 1417هـ) جواب السؤال العاشر:

إن لدي مقولة أرددها دائماً؛ إن كل فكرة ثابتة بالنص الصحيح، الظاهر في مضمونها بما لا يتنافى مع العقل والقرآن الكريم، فهي حقيقة ندين اللَّه بها حتى لو قال الناس: إنها ليست كذلك.

ولنشرع في هذا الموضوع منطلقين من هذه المقولة.

يقول سماحته في الجواب الخامس من الأجوبة المتقدمة: هناك روايات لدى السنة والشيعة إنها (أي الزهراء(ع)) لم تر دماً (انتهى).

وهي مجموعة كبيرة من النصوص، وفيها صحيح السند، أورد أربعاً وعشرين رواية منها سماحة السيد جعفر مرتضى في كتاب مأساة الزهراء.

أما من حيث الدلالة، فلا إشكال في دلالة الكثير من هذه الروايات، على أن فاطمة(ع) لم تكن تر الدم، وهذا أمر واضح لا لبس فيه، وبناءً على مقولة السيد فضل الله التي تقدم أنه يكررها دائماً، نقول: (ونأمل من سماحته ومعه الكاتب أن يقول ذلك أيضاً): إن قضية تنزه الزهراء(ع) عن الطمث ومهما كانت هامشية(1) حقيقة ندين اللَّه تعالى بها، حتى لو قال الناس إنها

ـــــــــــــــ

 (1) نلفت النظر إلى احتمال قيام بعض الناس بتهميش الموضوع الذي نتحدث عنه، ونحن وإن كنا نُقرَّ بأن هناك مواضيع أكثر أهمية من ذلك، ولكننا ننظر إلى هذه المسألة من منظار لزوم التسليم، والإعتقاد بالأمور الواردة عن الانبياء والائمةف)ع( على ما هي عليه، ولزوم عدم المبادرة إلى الطعن والتشكيك على فرض عدم التحقق من ثبوت هذا الأمر، وينسحب هذا الكلام على كل القضايا التي يُشَك فيها عند عدم المراجعة إلى=

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 125/

ليست كذلك، لورود النص الصحيح والصريح في هذا المعنى، ولعدم وجود ما ينافي هذا الأمر في العقل أو القرآن.

كلام مأساة المأساة

وفي هذا المقام لا بد أن نتلقى كلام هذا الكاتب المدقق! الذي يدافع فيه عن السيد فضل اللَّه على أحد وجهين:

الأول: أن يكون السيد فضل‏ اللَّه قائلاً بهذه المقولة (تنزه الزهراء (ع) عن الطمث)، كما يقتضيه ما نقلناه عنه، فيكون كل ما ذكره هذا الكاتب ـ مما لم نذكره مخافة التطويل ـ، عبارة عن إشكالات يوردها على السيد فضل الله، كما يوردها على السيد مرتضى وعلى كل من يقول بهذه المقولة على حدٍ سواء (طبعاً لم نعثر على من خالف في ذلك).

فالمطلوب من السيد فضل‏ اللَّه الإجابة عن هذه الإشكالات كما هو مطلوب من غيره في آن واحد، ولا ينافي هذا الوجه أن ينسب أحدٌ ما إلى السيد فضل اللَّه خلاف ذلك، وهو إنكار القول بتنزهها(ع) عن الطمث، لا مكان صدور كلا القولين عنه على غرار ما تقدم.

الثاني: أن لا يلتزم السيد فضل‏ اللَّه بتنزه الزهراء(ع) عن الطمث، وحينئذٍ نحن نطالبه بالتزامه بمقولته تلك، والتي يقول فيها: إنه يكررها دائماً، إذ لا يتنافى عدم وجود الحيض في النساء، مع شي‏ء من مقتضيات العقل أو النقل.

ومن هنا تعرف بطلان قول هذا الكاتب (ص‏99):

إن القول بعدم تنزه الزهراء(ع) عن الطمث قول وجيه.

وعلة البطلان: دلالة الروايات الواضحة ـ وفيها الصحيحة ـ على

ـــــــــــــــ

=الأدلة أو إلى أهل الخبرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 126/

تنزهها(ع) عنه، مع عدم المانع من العقل أو القرآن أو السنة القطعية، بل في السنة ما يقطع معه بصحة هذا الأمر.

الحيض وطبيعة المرأة

وإذا كانت الحالة الطبيعية في المرأة هي الحيض، فهذا لا يعني أن عدمها يعتبر نقصاً كما ادعى هذا الكاتب، كما لو قلنا: إن الحالة الطبيعية في الإنسان هي النسيان، فعدم هذه الحالة لا يعتبر نقصاً في صاحبها؟!

ولا مانع من خروج فاطمة(ع) عن الحالات الطبيعية التي تعرض النساء، كخروج مريم(ع) عن ما هو المألوف والطبيعي، في أمر ولادة عيسى(ع)، ومثلها امرأة إبراهيم(ع) حين قالت(ع): (يا ويلتا أألد وأنا عجوز)!.

أما كون الحيض أذى، فيرشد إليه ما في الروايات من وصفه بالعلة.

وتفسير السيد الطباطبائي للأذى ـ لو سلم صحة الكاتب له ـ في الآية بالطارى‏ء على الشي‏ء غير الملائم لطبعه، لا ينافي أن يكون الحيض منفياً عنها(ع)، ومن هنا يتضح لهذا الكاتب مخالفة مدعاه للواقع حيث يقول (ص100):

لا موجب لرفع المحيض والنفاس عن الزهراء لظن حصول الضرر لها(ع) بسبب الحيض.

ذلك أن الكلام ليس في الحيض بسبب كونه ضرراً، بل الكلام هو في عدم صحة نسبة المرض إلى سيدة النساء(ع) بسبب عدم رؤيتها الحيض، وذلك ببركة الروايات المتكاثرة في كتب الفريقين، والدالة بوضوح على أن علة انتفاء هذا الأمر هو التطهير لا المرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 127/

الحقيقة الدينية.. وأمقت الناس

ومع هذا الحشد من الروايات، ولزوم مراعاة المقولة المتقدمة عن السيد فضل الله، يثبت كون هذا المعنى حقيقة من الحقائق الدينية، يجب على المطلع أن يدين اللَّه بها، كما هو الحال في كل ما يثبت بالحجة الشرعية المعتبرة الموافقة للعقل والنقل، وبعد هذا يطالعنا الكاتب ليقول:

لا ندري ما هي الكرامة التي يريد المؤلف (السيد مرتضى) أن ينسبها إلى السيدة الزهراء (ع)؟

إلى أن يقول متهكماً (ص100):

إن المرأة بعد سن اليأس تصبح فاضلة وذات كرامة؟

وهذا تكذيب فاضح للروايات الشريفة، وفاعله من أمقت الناس إلى أهل البيت (ع).

روى في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الباقر (ع) قوله: «واللَّه إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا، فلم يقبله اشمأز منه وجحده وكفَّر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا».

ومع هذا فقد فات الكاتب أن منع الحائض عن مس القرآن، وقراءة سور العزائم منه، وربما غيرها من السور أيضاً، وقعودها عن الصلاة، وحرمة دخولها المساجد، وغير ذلك من أحكام الحيض، خصوصاً مع ملاحظة أمر النبي‏(ص) بسد كل الأبواب إلى المسجد إلا باب علي‏(ع)، وجواز دخوله(ع) وهو جنب إليه دون غيره من الناس، إن تنزه الزهراء(ع) عن كل ذلك أقرب إلى تطهيرها الوارد في الكتاب العزيز وغيره، وأقرب إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 128/

سمو ذاتها وعلو مقامها ومنزلتها عند اللَّه تعالى، من دعوى هذا الكاتب عليها خلاف ما تقتضيه الروايات الواردة عنهم (ع).

ويا ليته اكتفى بذلك، بل زاد فصنف القول بهذه الكرامة في دائرة الغلو، وجعله مندرجاً تحت عنوان إخراج المعصومين عن بشريتهم، وقد فاته أن الخروج عن حال الطبيعية البشرية أحياناً، لا ينافي البشرية بحال من الأحوال، كما لم تتناف ولادة عيسى(ع) بلا أب مع بشرية أمه مريم(ع)، وما شابه ذلك من الكرامات، التي ذكر بعضها القرآن الكريم، ولم يمنع ذلك من كون أصحابها بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

صحيح هو القول بأن من الخطأ التعرض لإثبات الكرامات والمعاجز كيفما اتفق، وبأي ثمن كان ولو لم يكن لها واقع، وهذا خطأ حتى لو كان المنسوب إليهم أهلاً لهذه الأمور، ولما هو أزيد منها.

لكن صحيح أيضاً أن التعسف في النفي والمبادرة إلى الطعن والإنكار، سواء كان تحت شعار التدقيق، أو عدم الغلو، أو المحافظة على الصفات البشرية، كل ذلك مع قيام الدليل على هذه الكرامات أمر باطل. نعم هذا الفعل باطل لا وجه من حق له، وهو أمر غريب يدعو إلى التساؤل ويثير علامات التعجب، ويُحتم التوقف والتأمل في دوافع فاعليه.

فلنناقش قضايانا

يقول السيد فضل ‏اللَّه (الندوة ج1، ص432):

ذكرت أكثر من مرة أن علينا أن ننقد ما عندنا بطريقة علمية وموضوعية، قبل أن ينقده الآخرون، لأننا عندما ننقده فمع المحافظة على العناصر الأساسية في خط الإسلام وخط التشيع، بينما عندما ينقده الآخرون فإنهم ينقدونه بطريقة أخرى، وربما بكثير من التشويه.

ومن خلال هذا النص المتضمن دعوة سماحته إلى نقد ما عندنا،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 129/

نستوحي قناعة السيد فضل اللَّه بأن هناك الكثير من الاعتقادات وغيرها عند الشيعة الإمامية، مما لم يقم عليه الدليل والبرهان، وهو بالتالي من الموروث الذي يحتاج إلى مراجعة شاملة بغية تنقيته من الشوائب.

وبملاحظة قوله: (مع المحافظة على العناصر الأساسية في خط الإسلام والتشيع) يمكن أن نعلم أن باقي العناصر ـ باعتبار كونها غير أساسية ـ قد لا يحافظ عليها، وهو ما أشار إليه السيد فضل اللَّه نفسه حيث يقول: (للإنسان والحياة ص‏195):

إن الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شي‏ء مما ورثوه! بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض أوضاعها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم معتقدون.

وهو يقول: (نشرة بينات/12 جمادى الآخر1417 هـ):

يخاف البعض أن يؤدي طرح المسائل الفكرية والعقائدية إلى مس أفكار متوارثة قد تكون صحيحة وقد لا تكون...الخ.

وهذا يدل على أن في الاعتقاد والفكر والشيعيين ـ من وجهة نظر السيد فضل اللَّه‏ ـ ما هو متوارث وغير صحيح ـ وربما لعدم قيام الدليل عليه ـ مما حداه إلى أن يقول في هذا السياق (بينات/ العدد السابق):

إنني أشعر بأن من مسؤولية العالم أن يظهر علمه إذا ظهرت البدع في داخل الواقع الإسلامي، وإذا لم يفعل ذلك فعليه لعنة اللَّه كما يقول النبي، واللَّه تعالى يقول: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم‏ اللَّه ويلعنهم اللاعنون) [البقرة: 59].

وبعد هذا كله لن نقبل من الكاتب كل ما تكلَّف فيه من أجل توجيه كلام السيد فضل ‏اللَّه، وعليه لن يبقى وقعٌ لكلامه المنمق في «محاضرته» التي سطرها في هذا الكتاب عن تنقية التراث، لعدم انطباقه على ما كان سماحة السيد جعفر مرتضى بصدد الرد عليه في كلام السيد فضل اللَّه، كما يتضح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 130/

جهل هذا الكاتب وربما تجاهله حين يقول في نفس الموضع (ص‏109):

والأغرب من ذلك أن المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) يورد عدداً من موضوعات ينسبها إلى سماحة السيد فضل الله بدون توثيق أو دليل أو ذكر الموضع الذي أخذ منه هذا الحديث.

وهنا نفرغ بعض ما عندنا في أمرين:

الأمر الأول: الرجعة

يقول السيد فضل اللَّه (مجلة الفكر الجديد/ عدد 9 ص14): إن مسألة الكلام في الرجعة ليست مرتبطة بالإمكان والإستحالة، بل هي مرتبطة بالمبررات العملية الواقعية في ضرورة ذلك، مما يجعل التأويل أكثر قرباً للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها، لا سيما عند مواجهة التحديات الفكرية في هذه المسألة، التي لا تمثل في طبيعتها أصلاً من أصول العقيدة؟

وهذا من سماحته تنازل واضح عن واحدة من أهم المسائل التي يعتقد بها الإمامية، من حيث ثبوتها بالآيات الشريفة وبكمٍ هائلٍ من الأحاديث، وتنازله عنها إنما كان لمجرد مواجهة التحديات الفكرية في هذه المسألة.

مع أن سماحته حين سئل عن الرجعة أجاب في (أجوبة المسائل المؤرخة في 8 رجب 1417) فقال:

الرجعة متواترة عند الشيعة الإمامية(1).

ـــــــــــــــ

 (1) من الغريب أن السيد فضل‏ اللَّه سئل عن الرجعة مراراً وأجاب عنها بأشكال مختلفة لا يمكن الجمع بينها، ففي مجلة الموسم (ص243) جواباً على سؤال: هل يمكن أن تشرحوا لنا الرجعة؟

يقول: مسألة الرجعة هي من المسائل التي اختلف العلماء في تفاصيلها، وهي حقاً مجملة، من يرجع وكيف ذلك؟ هذا أمر اختلفت فيه الروايات، وهو ليس محل ابتلائنا وليس شيئاً أساسياً في العقيدة، فلنتركه لأهله ونقبل على ما نحن مسؤولون عنه.

ويقول في المسائل الفقهية (ج1 ص312):=

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 131/

تواتر الرجعية

وهو يؤيد بذلك ما ذكره السيد مؤلف مأساة الزهراء فيما يتعلق بالرجعة، خصوصاً ما نقله عن العلامة المتبحر السيد عبدفاللَّه شبر عن شيخ الإسلام العلامة المجلسي، حيث يقول (مأساة الزهراء ج1، ص104):

اعلم أن ثبوت الرجعة مما اجتمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة بل هي من ضروريات مذهبهم... وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار في قريب من مئتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقاة العظام والعلماء الإعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم.... وإذا لم يسمى مثل هذا متواتراً ففي أي شي‏ء دعوى التواتر، مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف؟

وظني أن من يشك في أمثالها، فهو شاك في أئمة الدين، ولا يمكنه إظهار ذلك بين المؤمنين، فيحتال في تخريب الملة القويمة، بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين من استبعادات المتفلسفين وتشكيكات الملحدين (انتهى).

ومثل هذا تفسيره لقوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل اللَّه لك) الواردة في قصة عائشة، حيث يقول (فكر وثقافة 27/7/96): فمن

ـــــــــــــــ

= ليست (الرجعة) من ضروريات الدين ولكن يجب الإعتقاد بها على تقدير ثبوتها من الناحية العقيدية، لوثاقة رواياتها، ووضوح مضمونها، وعدم وجود معارض لها، وعدم وجود تفسير آخر لها ملائم للقواعد.

وقد عرفت أنه دعى للتنازل عنها في مجلة الفكر الجديد، كما عرفت أنه قال: التأويل أكثر قرباً للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها.

ولا ندري إن لم يوجد تفسير لها ملائم للقواعد غير ما هي ظاهرة فيه، كيف يمكن أن نؤولها، وإذا كان اللازم تأويلها كيف وجب الإعتقاد بها كما ذكر ذلك بنفسه؟. وإذا كان الأمر كذلك كيف كانت متواترة؟ وإذا كانت متواترة فلماذا الدعوة إلى التنازل عنها؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 132/

أخلاقه العالية أنه كان يقدم شهوة أهله في طعامهم على شهوته، كان يضغط على نفسه مرضاة لعياله لكي يكونوا مرتاحين.

وهذا تفسير عجيب وتبرأة غريبة لبعض أزواج الرسول (ص).

وهو يقول: (للإنسان والحياة ص257): إنطلق رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم ليؤكد مسألة القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في نزاع بعد أن ينتقل صلى الله عليه و آله وسلَّم إلى الرفيق الأعلى، ولكن المسلمين فهموا القضية بطريقة معينة ففرضت الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها في خارج دائرة توجيهات رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم فأبعد علي‏(ع).

وقد عرفت قوله في الشهادة الثالثة في (المسائل الفقهية ج2 ص123): إنني لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة(1).

وقوله بانفتاح الباب واسعاً أمام الأخذ بكثير من الأخبار التي ترد من طرق العامة (كتاب النكاح ج1، ص‏58)، مع إصراره على أن توثيق (حديث أهل البيت) من أشكل المشاكل وأعقدها، وأن في هذه التركة (أي حديث أهل البيت(ع)) ركاماً هائلاً من الكذب، وأنه يجب التخفف من أعباء هذه التركة (للإنسان والحياة ص295، الإسلام ومنطق القوة ص248، ومجلة المنطق العدد113، وحديث عاشوراء ص‏106) وغير ذلك من الأمور الكثيرة لا نتوسع في سردها.

لمن التنازل ومع من التغازل؟

ومع كل هذا لسنا ندري إن كان في ما ذكرنا شي‏ء يفصح لهذا الكاتب

ـــــــــــــــ

 (1) يلاحظ قوله (في مقدماتها وأفعالها)، والذي يدل على أن الإشكال في ذكر الشهادة الثالثة غير مختص بالإقامة باعتبار احتمال جزئيتها في الصلاة. وإلا فالأذان ليس من الأجزاء قطعاً، وهو من المقدمات ومع هذا فهو يرفض أن يدخل فيه الشهادة الثالثة لما يترتب على ذلك من الإفساد على حد تعبيره!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 133/

المتسائل؟! عن هوية الفِرَق التي يريد السيد فضل الله أن يغازلها.

الأمر الثاني: كانوا يحبون الزهراء.

يقول السيد فضل الله في رسالته إلى الجماعة التي نشرتها باسم أنصار المقاومة الإسلامية في لندن (تاريخ 1414) (لاحظ الملاحق): إن التحليل التاريخي يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع، لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبة وثقة وعاطفة لدى الناس لم يبلغها أحد، لذلك عند هجم من هجم ليحرق بيتها بالحطب، وذلك عندما امتنع علي عن المبايعة واعتصم في بيته، قيل له: إن فيها فاطمة ولم يقولوا فيها علي، ورد هو بغلظته، وإن يكن....

إن هناك تحفظاً بالرواية! الواردة لأن سندها ضعيف، ولأن تحليل موقع الزهراء في نفوس المسلمين آنذاك، يجعلنا نستبعد أنهم يجرؤن على ذلك، حتى ولو كانوا في أشد حالات الانحراف والوحشية (انتهى موضع الحاجة).

وهنا نسأله: أين الحب مع أنه لما سألها نساؤهم: كيف أصبحت يا ابنة رسول‏ اللَّه؟ قالت: أصبحت عائفة لدنياكم قالية لرجالكم؟

وأين الحب حين حملها علي‏(ع) ـ بعدما رُفِضَت شهادتها ـ يدور بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار، والحسن(ع) والحسين (ع) معهما، وهي تقول:

يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا اللَّه، فإني ابنة نبيكم وقد بايعتم رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم يوم بايعتموه، أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم بيعتكم.

فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها؟!.

وأين الحب فيما يحفل به التاريخ بشهادة السيد فضل الله نفسه (قضايا إسلامية، العدد الأول ص13/1415هـ). حيث يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 134/

وعندما انطلقوا من أجل أن يأخذوا علياً(ع)، وقفت وعانت الكثير، وحفل التاريخ والحديث، وتظافرت الروايات من أنها ضربت، وأنها أسقطت جنينها وأنها... وأنها(1)..؟؟

وبعد هذا، هل يشك الكاتب فيما ذكره السيد مرتضى في كتابه.

أم أنه لا يشك، ولكن يشكك في ذلك، لحاجة في نفسه يقضيها! نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ونسأله الهداية والتوفيق للعلم والعمل الصالح.

مناقشة العلماء

يقول السيد فضل اللَّه: ناقشت كل العلماء في إيران.... فلم يقنعوني...

ولن يسع الكاتب المناقشة في صحة نسبة هذا الكلام إلى السيد فضل اللَّه، لأن آراءه على كل شفة ولسان باعتراف الكاتب نفسه كما عرفت.

ـــــــــــــــ

 (1) من الأمور المريبة أمر هذا الكلام المنشور في قضايا إسلامية (سنة 1415)، حيث صرح فيها بأنها عبارة عن الخطبة التي ألقاها السيد فضل‏ اللَّه في مسجد أهل البيت (الشهيد الصدر في قم) سنة 1414/ الموافق لـ 93 مطلعها معهم معهم .....

ثم نشرت هذه الخطبة بينات أشير فيها إلى أنها ألقيت في سنة 1995 في مدينة قم المقدسة ومن المعروف أن السيد فضل‏فاللَّه لم يذهب إلى قم منذ سنة 93، ولم يكن في قم سنة 95 قطعاً، وبمراجعة الخطبتين وشريط التسجيل أدركنا التطابق بينهما في غير العبارة المنقولة هنا، حيث انفرد ما ورد في بينات فبدِّل ما ذكرناه نحن على النحو التالي:

فيما يحفل به التاريخ من أحاديث وروايات تنوعت من أنها ضربت وأسقط جنينها... وأنها... وأنها... وروايات اختلفت عن ذلك، لكنها لا تنفي الإساءة إلى حرمتها وحرمة بيت النبوة بالهجوم عليه والتهديد بإحراقه حتى لو كانت فاطمة (ع) في داخله. انتهى.

وذلك في عملية تحريف واضحة للمضمون الأول الذي يصرح بتقوي الروايات الواحدة مع الأخرى، وهو الأمر الذي سار على أساسه السيد مرتضى في كتابه مأساة الزهراء وقد أشار إلى كل ذلك في مقدمة الطبعة الثانية من مأساة الزهراء فلتراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 135/

فليسأل أصحاب هذه الشفاه والألسن، حتى يجيبوه بصدق نسبة هذه المقالة إليه، ولا معنى بعد هذا لتردد الكاتب أو إيهامه القارى‏ء بتردده، حيث يقول (ص‏113):

إذا صح من سماحة السيد ما ذكره المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) من قوله (يعني السيد فضل اللَّه): ناقشت كل العلماء... الخ.

ثم يفسر الكاتب هذا الكلام ـ طبعاً بعد فرضه صحته ـ بأن السيد فضل اللَّه إنما ناقش كبار العلماء، وأنه إنما قال كل العلماء على سبيل المبالغة.

وجواباً على ذلك نقول: من المعروف في قم أن السيد فضل اللَّه كان يثير حديث الزهراء(ع) في كثير من المجالس، ويشكك في ذلك بل وينكره من طرفٍ خفي، وذلك منذ ما يقرب العشر سنوات، إلى أن اشتد به الأمر سنة 93، فتكلم بما تكلم به في بيروت، وارتفعت الصيحة بوجهه في قم من العلماء غيرهم(1).

فمن هم هؤلاء العلماء الذين ناقشهم؟ والحال أنه لم يكن يلتقي بالمراجع جميعاً، ولا بأعيان العلماء الذين أصبحوا هم الآن من المراجع، بل هو لم يكن يسمع ببعضهم، ولم يكن يعرف ـ ولا هو الآن يعرف ـ المراتب العلمية التي وصل إليها الكثير منهم، فلو لم يكن يناقش المسائل العلمية مع هؤلاء العلماء الكبار في قم، فمع من كان يناقش؟؟

ثم إن عدم وصول هذا الخبر إلى سماحة المحقق السيد جعفر مرتضى، يكشف عن بطلان هذه الدعوى وزيادة المبالغة فيها إلى حد يخشى معه مخالفة الواقع، ذلك أن سماحة السيد مرتضى ـ وكما هو معروف ـ من أبرز العلماء العرب وأقدمهم في قم، وكان كثير الإختلاط بالعلماء الإيرانين،

ـــــــــــــــ

 (1) ينقل بعض العلماء المعروفين من زملاء السيد فضل‏ اللَّه أنه أنكر أو شكك في موضوع الزهراء عليها السلام في بعض المجالس الخاصة في النجف الأشرف قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت على خروجه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 136/

والسيد فضل اللَّه كان يحل عنده ضيفاً في أسفاره إلى إيران، وكان السيد مرتضى غالباً ما يكون حاضراً عندما كان يأتي بعض العلماء لزيارة السيد فضل اللَّه، أو كان هو يقوم بزيارتهم، فمع كل هذا فكيف لا يصله خبر هذه المناقشات.

مع أن السيد فضل اللَّه أرسل إلى إيران رسالتين في هذا الشأن (راجع الملاحق)، يعترف في واحدة منهما بأنه لم يكن مطلعاً على المصادر حين شكك بقضايا الزهراء، وأنه إنما عثر على الأدلة والروايات فيما بعد.

مشاغل الحوزة في قم

فمن الغريب قول هذا المستهتر (ص‏114):

يظن المؤلف (السيد مرتضى) أن العلماء في إيران وغيرها، ليس لهم عمل إلا أن يناقشوا في مثل هذه الأمور... إن عندهم ما يكفيهم كي يناقشوا فيه (انتهى).

حيث نراه يتكلم وكأنه منهم وهو معهم، بل وأدرى منهم بما ينبغي أو لا ينبغي الخوض فيه، وهو كما عرفت أيها القارى‏ء ـ من كلامه هذا وغيره ـ من أبعد الناس عن العلم والعلماء.

وكم يبدو أجوف عديم الفطنة حين يقول (ص‏114):

معظم جهود علماء إيران منصبة على فضح اعتداءات ومؤامرات الشيطان الأكبر، صونا لثورة الشعب وحماية لها ممن يريدون أن يستدرجوا الثورة وعلمائها إلى صراعات جانبية، كالتي يخوضها كاتبنا مع أحد أبرز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 137/

علماء الإسلام في هذا العصر (انتهى كلامه).

إذ أن الظاهر من كلامه هذا أن العلماء ومراجع الدين لم يعد لهم شغل بالعلم ولا الفقه، ولا وظيفة لهم سوى فضح مؤامرات الأعداء ـ على أن ذلك أيضاً من الوظائف المهمة جداً ـ وإنهم قد تركوا كل شأن علمي، وكل هم من هموم الحوزة والدين، ولعله ظن أنهم كبعض الذين يراهم من حوله، لا شغل لهم إلا الخطابة أو الاستعراض، قد أفلسوا من الأبحاث والتحقيقات العلمية في مختلف المجالات، ولست أرى في ما ذكره هذا الكاتب إلا طعناً فاضحاً وقدحاً واضحاً بحال العلم والعلماء في الحوزة العلمية في قم وغيرها.

ثم قول هذا الكاتب أخيراً:

أوليس حري! بالكاتب (السيد مرتضى) أن يعترف للسيد (فضل اللَّه) بهذه الفضيلة بدل أن يبادر إلى التشهير به...

نقول: الاعتراف بالخطأ فضيلة، وهذا أمر صحيح في المبدأ، وليس ذلة كما حاول السيد فضل اللَّه أن يصور ذلك في خطب الجمعة في هذا الخريف (1997) والسيد فضل اللَّه نفسه تراجع عما ذكره في رسائله إلى قم (راجع الملاحق)، وفي خطبته التي ألقاها فيها سنة 93، والتي يصرح فيها بالمشهور المعروف في قضايا السيدة الزهراء(ع)، حيث عاد إلى التشكيك بذلك بل الإنكار، بعد أن صرح في أكثر من موضع أن تراجعه إنما كان انحناءاً أمام العاصفة، بل زاد على ذلك قوله في مسجد الإمام الرضا(ع) في 3 أيلول سنة 1996 في درس التفسير: كتبت هذه الرسالة (يعني رسالته إلى السيد جعفر مرتضى) نزولاً عند رغبة الكثير من الفضلاء، درءاً للفتنة التي كادت تحصل في قم.

وذلك إنما كان في سياق تبرير عدم التزامه بما أظهره عند اشتداد الأزمة ضده، مع أن الأزمة الآن أشد فالداعي أقوى إلى كتابة رسالة أخرى أو أي شي‏ء آخر يقل من حدة هذه الأزمة ويخفف من نتائجها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 138/

بقي اعتراض الكاتب الفطن على جمع السيد مرتضى في كلامه بين قوله: (ناقشت كل العلماء دعوى غير صحيحة)، وبين قوله الآخر (مأساة الزهراء ج1، ص130): (بقي احتمال ولعله فالأقرب أن يكون هو الذي اقتنع منهم) من جهة أخرى.

حيث يعترض هذا الكاتب بأنه كيف اقتنع منهم لو لم يناقشهم، وهذا يدل على أنه اجتمع مع العلماء، مع أن السيد مرتضى يقول إنه لم يجتمع معهم.

وليت شعري كيف غفل عن أن السيد مرتضى إنما اعترض على الإغراق في المبالغة، في إن النقاش قد جرى مع العلماء كافة في إيران وغيرها، ولم ينف أن يكون قد اجتمع مع بعضهم، وهو ما يصدق معه أنه قد ناقشهم، مع أنه لم يناقشهم جميعاً أيضاً.

وبعد فرض كونه قد ناقش جماعة منهم، فالأظهر أنه قد اقتنع منهم، والدليل على ذلك، ما كتبه من الرسائل إلى قم (راجع الملاحق)، حيث يعترف بعدم الاطلاع والتأخر في العثور على الأدلة والإثباتات.

إنكار ضرب الزهراء (ع) وتبرئة الظالمين.

بعد كيلٍ آخر من السباب والشتائم والتهم، يشرع هذا الكاتب بمناقشة هذا الأمر، ولا بد من الالتفات إلى قول السيد فضل الله المتقدم: (موقع الزهراء في نفوس المسلمين... يجعلنا نستبعد أنهم يجرؤن على ذلك).

وهذا تصريح منه باستبعاد ارتكابهم لما قاموا به، نعم هذا لا يمنعه من القول ـ ولو في موردٍ آخر ـ بأن غصب الخلافة من أكبر الجرائم، لكن لا ربط لذلك بمورد كلام العلامة السيد جعفر مرتضى حتى يعارض نسبة الكلام الأول إليه، وذلك لاحتمال صدور الكلام التالي غفلة.

وحين يُسأل السيد فضل اللَّه (أجوبة بعض المسائل المؤرخة في 16 جمادى2 /1417هـ) هل تنفون ظلامة السيدة الزهراء(ع)؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 139/

يقول: أي ظلم وقع على الزهراء(ع) أشد من غصب حق زوجها أمير المؤمنين(ع)، في الإمامة وقيادة الأمة الإسلامية، وهو الإمام المعصوم المعيَّن بالنصوص القطعية، وقد ذكرت الزهراء(ع) هذه الظلامة في خطبتها وأحاديثها، وقد تحدثت أيضاً عن ظلامة كبيرة هي غصب فدك منها، وهناك ظلامات أخرى مادية ومعنوية وقعت عليها وعلى زوجها وحرمة بيتها.

شهادة السيد شرف الدين

ومن المعلوم أن التهديد بالإحراق متواتر قطعاً، بشهادة الإمام شرف الدين (رحمه اللَّه) (مأساة الزهراء ج2، ص106)، فإذا كان حقاً ما يقوله السيد فضل اللَّه في هذا الجواب من كون غصب الخلافة من اكبر الجرائم عنده، فما الذي يدعوه إلى التوقف عن القول بضربها وإسقاط جنينها أو كسر ضلعها؟

ثم ما الذي دعاه إلى القيام بعد ذلك بالتشكيك في هذا أو التساؤل العلني فيه؟ مع أن من يتأهب ليهجم على بيت فاطمة(ع) ليحرقها ومن معها ـ ومعها الحسنان(ع) وعلي‏(ع) ـ ليحرقهم وهم أحياء، لن يمنعه شي‏ء عن ضربها وإيذائها إذا عزم على ذلك وأمكنه فعله.

إعتراف الحسيني

وقد أشار إلى ذلك المدعو محمد الحسيني في مهزلته التي سماها بهوامش نقدية(ص‏29) حيث أذعن وقال:

فإن ذلك كله (يعني دخول الدار وإحراقه...) لا يختلف فيه اثنان لا من الشيعة ولا من غيرهم.

مع أن يكذب ما نقله السيد فضل اللَّه عن السيد شرف الدين هو قوله: الثابت عندي إلى قوله (وإن).

ومع هذا بقيت تساؤلات سماحته تتطاير يمنةً ويسرة، وكأنه لا يدري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 140/

أيهما أعظم ضربها عليه السلام، وإسقاط جنينها، أو إحراقها وهي حية مع بعلها والحسنين وزينب وأم كلثوم، ومع أن هذا من أوضح الأمور، فقد احتمل السيد فضل اللَّه إحراقها حية ومنع من حجة وقوع الضرب عليها، وهذا من العجائب.

وبهذا الكلام تتطاير كلمات هذا الكاتب في طريقها نحو السقوط، لكن مع هذا يستوقفني قوله (ص‏117):

إن قضية اغتصاب الخلافة من علي‏(ع) تعادل كل القضايا الأخرى، وتترجح بثقلها على ما عداها مهما كانت أهميته، أم أن صاحبنا يريد تبسيط موضوع اغتصاب الخلافة... الكاتب (يعني السيد جعفر مرتضى) يفترض أن أمر اغتصاب الخلافة ليس من الأمور الهامة، التي يجب على الناس المطالبة بها، أو هي ليست بأهمية الاعتداء على منزل الإمام(ع)، والإساءة إلى الزهراء(ع)، علماً أن كل ما جرى على البيت العلوي من ظلمٍ وتعدٍ إنما أصله الأول والأساس هو اغتصاب الخلافة ومنع علي‏(ع) من حقه...

فكيف يصح قول الكاتب (السيد جعفر مرتضى): إذا كانوا كذلك (أي أبرياء من كسر ضلع الزهراء(ع)) لم يبق ثمة شي‏ء يطالبهم الناس به. (انتهى).

الأحداث الكبرى

ونحن إذ نقبل من الكاتب قوله: إن قضية اغتصاب الخلافة تترجح بثقلها على ما عداها، فعليه أن يقبل عائدة قوله هذا، وهي أن غصب الخلافة هو أعظم الأحداث في تاريخ المسلمين، وهو الأمر الذي يقول عنه القائل: ما سل سيف في الإسلام في مسألة كما سل في مسألة الإمامة.

وحينئذٍ نتساءل ـ وينبغي للكاتب أن يتساءل معنا ـ ما معنى جواب السيد فضل اللَّه، حول سؤالٍ عن تقصير الشيعة في إيصال صوت فاطمة إلى العالم الإسلامي، حيث يقول (الندوة ج1، ص‏439):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 141/

أما قضية عدم حضور الزهراء(ع) في ذهن العالم الإسلامي، فأعتقد أن هناك نوعاً من الحضور... لكن من الممكن جداً أن غيرها من النساء، (ولعله يقصد عائشة في حرب الجمل...) إنطلقن في أوضاع قلقة في الواقع الإسلامي، بحيث كان حجم الأحداث أكبر من حجم الأحداث التي عاشتها الزهراء(ع). (انتهى).

وهذا الكلام واضح الدلالة على خلاف ما ذكره الكاتب، من كون قضية غصب الخلافة لا يعدلها قضية أخرى.

فالسيد فضل اللَّه لا يوافقه في أن قضية الخلافة تعادل كل القضايا، إذ أنه يفترض كون حجم الأحداث التي عاشتها بعض النساء أكبر من الأحداث التي عايشتها الزهراء(ع)، وعليه فاللازم على الكاتب، عملاً بقاعدة: حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، أن لا يقتصر في طعنه على العلامة السيد جعفر مرتضى بتبسيطه لأمر الخلافة، ـ لو صح هذا في حقه! وليس بصحيح قطعاًـ، بل اللازم أن يعكس ذلك، ويقتصر في الطعن على السيد فضل الله، لما صح عنه من تبسيط لمسألة اغتصاب الخلافة من علي‏(ع)، فلا نعيد.

ليست هذه القضية من اهتمامي

يقول السيد فضل الله (أجوبة مسائل المؤرخة في 25 ذي العقدة 1417هـ): لم أنف‏

 ما يروى عن السيدة الزهراء(ع)، بل أثرت بعض علامات الاستفهام حول بعض الأشياء للمناقشة العلمية والقضية ليست محل اهتمامي.

ومع هذا نراه يقول في رسالته إلى نجل آية اللَّه العظمى السيد الگلبيگاني: وكنت في ذلك الوقت في حالة بحث تاريخي حول الموضوع.

ويقول في رسالته إلى السيد مرتضى:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 142/

لقد كانت المسألة أن لدي تساؤلات تاريخية تحليلية حول دراستي الموضوع كنت أحاول إثارتها في بحثي... فراجع الملاحق

وهنا أمور:

أولاً: من الغريب أن لا يكون ضرب الزهراء ـ مع ما هو عليه هذا الحدث من أهمية ـ من اهتمامات من يشتغل بهذا البحث لسنوات طويلة ويتصدى لتحقيق والإجابة عن تساؤلاته كما هو بقول هو نفسه.

ثانياً: صحيح ما يقوله الكاتب من أن مسألة ما جرى على الزهراء(ع) ليس من صلب العقيدة (ص‏118 ـ 119)، لكن القول بأنها مسألة لا صلة لها بالعقيدة قولٌ غير صحيح، لترابط هذه القضية بنواحي العقيدة في أكثر من جانب، على القاعدة التي مهدناها سابقاً، وقررت أن الأبحاث التاريخية ـ وإن كانت وصفية ـ لكن يمكن أن تكون في نتائجها واحدة من مقدمات أو موضوعات البحث في العقيدة والفقه

وقد عرفت فيما تقدم كمال الارتباط بين هذه المجريات من جهة، وبين أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم، وحديث (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) من جهة أخرى.

وصحيح أيضاً أنه لا يفترض بنا التسليم بكل الروايات التاريخية كما يقول الكاتب (ص‏119)، لكن غير صحيح أنه لا يجب التسليم لحقائق هذه الروايات الثابتة عن أهل البيت(ع)، لأنا نعتبر التسليم بها شرطاً من شروط الإيمان.

ذلك أن هذه الحقائق التاريخية حيث كانت واردة في الروايات الصادرة عن المعصومين(ع)، فهي بذا تصبح حقائق دينية، وبالتالي فمن الواجب على المؤمنين التسليم بها، كما أن التكذيب بما صح صدوره عنهم(ع)، مع الالتفات إلى صحة صدوره عنهم، يعتبر كفراً واضحاً، وخروجاً عن زي التدين، ولا يشك في ذلك واحد من المسلمين لأنه يعود إلى تكذيب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 143/

المعصوم وإن اختلفوا في بعض مصاديق المعصوم.

فليلتفت كاتبنا الغافل حتى لا يقع في هذا المطب، حيث قد تبين في كتاب مأساة الزهراء(ع)، أن من الأدلة التي تثبت أمر الظلم الذي جرى على الزهراء(ع)، هو مجموعة كبيرة من الروايات الواردة عن المعصومين(ع)، وفيها ما هو معتبر الأسناد.

ثالثاً: يتضح بما تقدم بطلان قول الكاتب (ص‏119).

إن السيد فضل الله لم يتصدى للانكباب على البحث في المسألة. (انتهى).

أجل، إذا كان مقصوده من ذلك، أن الوقت الطويل الذي استغرق ما بين سماع السيد فضل الله للمقولة التي ينسبها إلى السيد شرف الدين أوائل الخمسينات(1952) أو بين حالة البحث التي كان فيها سنة (1993) ـ على ما يظهر من الملاحق ـ يُظهِرُ أن السيد فضل الله لم يتصد للبحث في هذا الأمر فإذا كان هذا مقصود فلا مانع منه.

وذلك بملاحظة أنه انطلق في بحثه من كلام للإمام شرف الدين المتوفى (1957) قبل أربعين سنة (لاحظ الملاحق)، ونحن لا نرجح أن يكون سماحته مشغولاً في طوال مدة أربعين سنة بهذا البحث ثم يقول في رسالته إلى السيد مرتضى (راجع الملاحق): «عثرت أخيراً على رواية في البحار»...الخ

لأن كتاب بحار الأنوار من الكتب التي لا تخلو منها مكتبة طالب علم، ويقرأه صغير العلماء وكبيرهم. فهل يعقل أن يكون بصدد البحث في هذه المسألة كل هذه المدة الطويلة ولم يقرأ ما في البحار؟؟

ثم كيف يقول للسيد الگلبيگاني: وكنت في ذلك الوقت في حالة بحث تاريخي حول هذا الموضوع والحال أن الأمر ما عرفت. (لاحظ الملاحق).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 144/

رابعاً: إذا كان السيد فضل اللَّه مشغولاً عن هذا الأمر بما هو أهم في نظره، كما يكشف عن ذلك قوله المتقدم: (ليس من اهتمامي)، فلماذا أثار سماحته هذا الموضوع مرةً تلو الأخرى بين جموع الناس (راجع الملاحق)، مع أنها ليست من المسائل التي تعد من جملة اختصاصه، ولا هو متصدٍ لتحقيق الحال فيها، وليست هي من اهتمامه كما دأب على التصريح بذلك.

وكيف تكون إثارة التساؤلات للمناقشة العلمية! من اهتمامه، فيتصدى لإثارتها تكراراً؟ ولا يكون الفحص عن جواب هذه من اهتماماته، حتى إذا قام العلماء بدورهم في الإجابة عليها، رماهم الرماة بسهام التخلف، ونبال التعصب، ورماح الجمود، ورصاص التقليد، وضربوهم بسيوف السلفية وسياط التحجر؟

حقاً إن هذا من الغرائب.

تضعيف كتاب سليم، علم الكاتب المنكوس

يدعي الكاتب (ص‏125) على سماحة السيد جعفر أنه أخفى الآراء التي لا توثق كتاب سليم، في إشارة منه إلى رأي الإمام الخوئي في تضعيف الطريق الذي يروى به هذا الكتاب، وهو ـ أي الكاتب‏ ـ قد حث العلامة السيد مرتضى على الأخذ بنهج المحققين والمدققين كالسيد الخوئي، في طريقة البحث والعرض فيما يتعلق بكتاب سليم وغيره.

ونحن نرجو اللَّه تعالى أن لا يكون وصفه لطريقة السيد الخوئي بالعلمية، لمجرد أنه ضعّف الطريق إلى هذا الكتاب هنا، بحيث لولا ذلك لنزع هذا الوصف عنه.

ويهمنا إلفات نظر القارئ إلى ما يلي:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 145/

أمور لا بد منها:

  ليس كتاب مأساة الزهراء كتاباً استدلالياً صرفاً، فهو ـ كما يظهر لمن راجعه ـ إذا تناول موضوعاً ما، من المواضيع التي تعتبر من مفردات البحث العلمي في هذا الكتاب، أشار إليه أو بحثه، لكن على نحو يتحمله كتاب تتداوله أيدي العلماء، والناس العاديين في آنٍ واحد، فلا يتعرض لاستقصاء الأقوال في ذلك، لئلا يخرج وضع الكتاب عن حاله اللائق به.

  إن رأي سماحة السيد جعفر مرتضى ـ في مسألة العمل بالأخبار كما يظهر من كتابه ـ هو حجية الخبر الموثوق، وهو الرأي المشهور بين علماء الشيعة، ولا يكاد المتتبع يعثر على مخالف في هذا سوى ثلاثة أو أربعة تابعهم السيد الخوئي في ذلك فاختاروا حجية خبر الثقة.

والفرق بين القولين أن السيد الخوئي يشترط وثاقة الراوي في صحة العمل بالخبر، بينما المشهور لا يشترطون ذلك، بل يشترطون الوثوق بالرواية، سواء كان طريق هذا الوثوق هو الراوي، أو غيره من القرائن الدالة على صحة الخبر، حتى لو كان مستنده ضعيفاً.

ويترتب على هذا أمر آخر: هو أن السيد الخوئي يشترط في الأخذ بالأصول الحديثية صحة طرق الرواة إليها، بينما يعتمد المشهور على هذا تارة، وعلى غيره من القرائن الدالة على صحة الخبر تارة أخرى.

فالسبيل إلى تصحيح كتابٍ ما، لا ينحصر بصحة طريق الرواي إليه ووثاقة رواته، بل يمكن ذلك عبر قرائن أخرى تفيد في المطلوب، كما هو رأي المشهور من العلماء في ذلك.

  يهمنا التنبيه على أن السيد فضل الله ليس من موافقي السيد الخوئي في هذا الرأي قطعاً، بل هو يردد كثيراً أخذه بقول المشهور، وعمله على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 146/

طريقتهم في ذلك، كما هو ملحوظ في كتبه وخطبه المدونة، ومع أن لنا على ذلك ملاحظة سنبينها فانتظرها، لكن لن يمنع ذلك من عدنا له ـ مؤقتاً ـ في جملة الفريق المخالف للسيد الخوئي في مسألة حجية الأخبار، وقد ذكر السيد فضل الله في رسالتيه إلى كل من السيد جعفر مرتضى وإلى بعضهم في لندن، ما ينفع في تفهم هذا الأمر. فلتراجع الملاحق وسيأتي التعرض لها.

  ينبغي للقارئ أن يلتفت إلى أن الإشكال على السيد فضل الله، واقعٌ في إبرازه لكتاب سليم على أنه العمدة في إثبات ما جرى على السيدة الزهراء(ع)، بحيث تخيل أنه إذا طعن في هذا الكتاب سقطت القضية من أساسها.

وهذا غير صحيح، من جهة وضوح عدم اعتماد الروايات التي وردت في مأساة الزهراء، على كتاب سليم، خصوصاً أن السيد الخوئي ينكر أن سليم قد روى عن الصادق(ع)، بينما الروايات التي جمعها السيد جعفر مرتضى في هذا الموضوع، مما روى عن الصادق(ع) وغيره من الأئمة(ع) الذي جاءوا من بعده تبلغ (17) رواية أو أزيد، والروايات المتقدمة على ذلك والبالغة (23) رواية، هي ما روى عمن سبق الصادق(ع) من الأئمة والنبي صلى الله عليه و آله وسلَّم، والروايات التي رويت منها عن سليم هي الروايات ذوات الأرقام (2 و6 و7 و8)، فقط فراجعها.

فلو أردنا عدم الاعتماد على كتاب سليم، فلن يضر ذلك قطعاً في صحة الاعتماد على باقي الروايات، على أنك قد عرفت طريقة جمع النصوص، وكيفية إفادتها للتواتر أو الاطمئنان بصحة صدور الخبر، وأن ذلك لا يعتمد على أن يكون الخبر معتبر السند، أو موجوداً في كتاب معتبر، لأن العمدة في التواتر هو كثرة الرواة إلى حدٍ يمتنع معه اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب عمداً، فمع قبول ضعف روايات سليم في نفسها، فإنها لا تسقط عن قدرتها على إفادة نسبة من الاحتمال، تفيد في عملية تراكم الظنون المحصِّلة في النتيجة للقطع والتواتر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 147/

 اختصر الكاتب هذا البحث بشكلٍ مخل، ولعله لم يفهم خصوصيات ما ذكره المحقق العلامة السيد جعفر مرتضى، وعذره في ذلك تطفله على هذه الأبحاث، ودليلنا على ما نقول ـ عدا عما تقدم في صفحات هذا الكتاب ـ اكتفاؤه بعرض ما ذكره السيد الخوئي، مع كامل تقديرنا له قدس سره.

فاللازم حينئذ مع هذا، هو الرجوع إلى الأصل (مأساة الزهراء)، واستيعاب ما ذكره السيد مرتضى بدقة، ثم الاستماع إلى ما يمكن أن يعترض به زيدٌ من الناس، أو عمر ثم محاكمة ذلك بعين العدل والإنصاف.

خامساً: إن إقحام رأي السيد الخوئي في الموضوع سواء كان مثبتاً أو نافياً لحجية روايات سليم، لن ينفع السيد فضل الله من قريب أو بعيد، لاختلافهما في الطريقة التي يعتمدان بها على الأخبار عموماً، فموافقة السيد الخوئي للسيد فضل اللَّه بدليل آخر غير دليله لن تنفعه، وبذا نعلم أن التسلح بتضعيف الإمام الخوئي لكتاب سليم، ما هو إلا سيف الكاتب المكسور وسلاحه الصدأ المبتور.

هذا وقد ذكر الكاتب أموراً أربعة، جعلها محطاً لبحثه «العلمي» مع العلماء أمثال العلامة المتبحر السيد جعفر مرتضى على طريقة «الحشر مع الناس عيد».

كتاب سليم مقبول

النقطة الأولى: وهي مسألة تلقي العلماء لكتاب سليم بالقبول، واستنتاج الكاتب منها أنه كتاب «مرجعي»، ثم تفريعه على ذلك أن التواتر الذي يتحدث عنه الكاتب (السيد مرتضى) أصله شي‏ءٌ واحد، وهو هذا الكتاب، وبما أنه كتابٌ غير موثوق عند السيد فضل الله، فبالتالي لن يعود لهذا التواتر أية قيمة علمية «كما هو معروف عند الفقهاء والمؤرخين».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 148/

ويعجبني هنا قول هذا الكاتب:

كما هو المعروف بين الفقهاء والمؤرخين، وهو لم ير واحداً منهم على ما يظهر من كتابه، سماحة السيد جعفر مرتضى، لكن لم ندر لم جعله دون غيره عرضة لسبابه وشتائمه، جنب اللَّه العلماء ألسنة أمثاله.

وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن كتاب مأساة الزهراء(ع)، لم يعتمد في مجموع الروايات الأربعين التي ذكرها سماحة السيد جعفر مرتضى، لإثبات تعرض القوم لسيدة النساء(ع) بما هو أزيد من التهديد بالإحراق، لم يعتمد على كتاب سليم في أكثر من أربعة روايات، ويحتمل في واحدة منها رواها ابن شاذان أيضاً في فضائله، أن لا تكون مأخوذة من كتاب سليم الذي هو محط نظرنا، كما يدل على ذلك ما نقله الإمام الخوئي عن ابن شهر آشوب حيث يقول:

سليم‏ بن قيس الهلالي صاحب الأحاديث، له كتاب. (راجع مأساة الكاتب ص203).

كما ذكرنا أن خصوص الروايات المروية عن الإمام الصادق(ع)، ومن بعده من الأئمة(ع)، الذين لم يرو عنهم سليم ـ كما ذكر ذلك الإمام الخوئي أيضاً ـ وحدها تبلغ(17) رواية.

هذا مضافاً إلى أن النصوص التاريخية والكلامية التي أوردها السيد جعفر يمكن أن تثبت برواية عن المعصوم، كما ويمكن أن تثبت بغير ذلك من النصوص التاريخية.

فإثبات ظلم الزهراء (ع)، لا يتوقف على صدور الروايات عن أهل البيت(ع)، وإن كان في هذه الروايات غنىً عن غيرها.

والروايات الصادرة عن أهل البيت (ع) والتي تدل على المطلوب ـ بلا حاجة إلى معونة النصوص التاريخية ـ لا تتوقف على الرواية المأخوذة من كتاب سليم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 149/

فعدم الوثوق بهذا الكتاب، لا يقتضي من السيد فضل اللَّه أن لا يثق بصحة الروايات والنصوص، الدالة على مجريات الأحداث التي صُبَّت على الزهراء(ع).

الإشكال في كتاب سليم

النقطة الثانية: في التخليطات التي نفاها السيد مرتضى عن كتاب سليم، واتهمه الكاتب بأنه ناقض نفسه فأثبتها، يقول الكاتب:

ذكر النقاد ـ يراجع كلام الإمام الخوئي المنقول في مأساة هذا الكاتب (ص‏204) ـ أن في الكتاب أمرين مشكلين:

الأول: اشتماله على قصة وعظ محمد بن أبي بكر لأبيه عند موته، وهو لم يبلغ خمس سنين.

والثاني: اشتماله في بعض موارده على أن الأئمة ثلاثة عشر.

وقد رد الإمام الخوئي ـ كما صنع غيره من العلماء ـ أول الأمرين بأن ذلك ممكن وغير مستبعد، لا سيما إذا كان فيه كرامة لأمير المؤمنين (ع). فليراجع.

ورُد الثاني باشتمال الكتاب نفسه على ذكر كون الأئمة اثني عشر أكثر من عشرين مرة، قال السيد الخوئي:

ما نسب إلى سليم من رواية أن الأئمة ثلاثة عشر لا صحة له (مأساة الكاتب ص208).

وليس عند كاتبنا الأجل بضاعة أزيد مما في أيدي العلماء، ليرمي بها كتاب سليم، وهو يتجاهل أو يجهل على الأظهر، أن هذه الأمور لم تكن هي السبب في عدم اعتماد السيد الخوئي على هذا الكتاب، لأنه رحمه اللَّه لم يتوقف عندها، قال الإمام الخوئي (ص208 من مأساة هذا الكاتب):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 150/

إن اشتمال كتاب على أمر باطل في مورد أو موردين، لا يدل على وضعه (كذبه)، كيف ويوجد ذلك في أكثر الكتب حتى الكافي الذي هو أمتن كتب الحديث وأتقنها؟

رأي المفيد في الكتاب

النقطة الثالثة: دعوى أن الشيخ المفيد نسب إلى الكتاب التخليط.

وعبارة المفيد (لاحظ مأساة الكاتب ص202) كما ينقلها الإمام الخوئي:

غير أن هذا الكتاب غير موثوق به، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه، ولا يعول على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء في ما تضمنه من الأحاديث، ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد.

ونهاية ما يدل عليه كلام الشيخ المفيد، هو وجود بعض الروايات الفاسدة فيه، بسبب من التدليس الطارى‏ء على الكتاب، وربما كان ذلك لوثاقة سليم وجلالته في نفسه، مما يستدعى عرض هذا الكتاب على العلماء، ليعرضوه بدورهم على أصول المذهب وثوابته، وعلى الأصول الروائية المعمول بها بينهم، فيؤخذ بما وافق ويترك ما خالف.

وهنا نسأل الكاتب: هل تحتاج رواية ما كي تعلم صحتها وموافقتها لما هو المعلوم من روايات المذهب، إلى أكثر مما أورده السيد جعفر مرتضى في كتابه، ونزيد على ذلك، شهادة أخرى موافقة من كلام العلامة آية اللَّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء نفسه، الذي يقول طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الإسلام والقرن الأول نفسه إلى يومنا هذا إلخ.

ثم ذكر أكثر ظلاماتها عليها السلام فراجع (مأساة الزهراء ج1 ص193).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 151/

كتاب سليم وأصول المذهب

النقطة الرابعة: يقول الكاتب إن وقوع كتاب سليم مورداً للجدل بين العلماء، يدل على أن فيه لُبساً، وبالتالي فهو غير قادر على التعبير عن أصول المذهب وثوابته، وإلا كان اللازم أن يكون الأئمة ثلاثة عشر...

ثم يتساءل كاتبنا الفطن فيقول (ص‏129):

وإن أراد المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) أن يشكك في الحديث الذي هو من تخليط الكتاب، فما الذي يثبت صحة الروايات التاريخية الأخرى التي أوردها، ولم يتبرع المؤلف (يعني السيد مرتضى) بتوثيقها، بل اكتفى بما عودنا عليه من حشد!؟ تعابير كمثل «أجمع عليه أساطين الشيعة»  و «نصوص تاريخية متضافرة أوردها المؤرخون»... وما إلى ذلك مما لا يفيد البحث العلمي شيئاً انتهى كلام الكاتب في مأساته.

وأظن أن القارى‏ء في نهاية هذا المطاف قد أصبح قادراً على التبين من أن كلامه كبيت العنكبوت وهو أوهن البيوت، إذ قد تبين فيما تقدم كذب دعوى كون الروايات جميعها ترجع إلى رواية سليم.

كما أن حشد النصوص بعضها مع بعض، على نحو يحصل منه التواتر والقطع بالصدور، لا يحتاج إلى توثيقها كلها، فليلاحظ ما تقدم، ولا سيما خطبة السيد فضل اللَّه التي نقلناها عن مجلة قضايا إسلامية، والتي حرفت أخيراً (لاحظ مقدمة الطبعة الثانية من مأساة الزهراء(ع)).

أما كيف نثبت صحة الرواية التاريخية في كتاب سليم، فهو ما أرشدنا إليه الشيخ المفيد في عبارته المتقدمة، حيث يقول:

وليفزع إلى العلماء في ما تضمنه من الأحاديث، ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 152/

ونحن بعد ما فزعنا إلى العلماء المحققين من أهل الاختصاص في العلوم الإسلامية، والذين يروون كل هذه الروايات والنصوص التاريخية، التي نسقها العلامة المتتبع السيد مرتضى في كتابه القيم «مأساة الزهراء(ع)»، نفهم أن ما ذكر منها في كتاب سليم لا يخالف الباقي منها، وهو الذي يأخذ به علماء هذه الطائفة، ويعملون على مقتضاه، كما شهد بذلك الشيخ كاشف الغطاء (رحمه اللَّه)، وهكذا يثبت صحة ما في كتاب سليم مما يتعلق بموضوع مأساة الزهراء(ع)، وذلك ببركة باقي الروايات التي تثبت مدعى العلامة مرتضى، والتي عليها وعلى أمثالها توفر روايات كتاب سليم.

السيد فضل الله والعمل بالأخبار

والسيد فضل الله لا يعمل في الأخبار بمسلك الإمام الخوئي‏(رض)، فلا ينفعه تضعيف السيد الخوئي لكتاب سليم بالنحو المتقدم، فهو (السيد فضل اللَّه) يقول بحجية الخبر الموثوق خلافاً للسيد الخوئي (رض)، نعم هو دائماً يدعو إلى دراسة الأحاديث في السند وفي المضمون، مما يوحي بشي‏ء من التشدد، لا سيما تعبيراته المتقدمة حول كون توثيق حديث أهل البيت(ع)، من أكبر المشكلات، لوجود الركام الهائل ـ على حد تعبيره ـ من الكذب والدس في رواياتهم (ع)، ولكن سرعان ما يستوقف الباحث قول السيد فضل اللَّه، (كتاب النكاح ج1 ص58):

ولكن القوم أجمعوا قولاً واحداً بأن هذه الرواية ضعيفة (وهذا في سياق الحديث عن فرعٍ فقهي في النكاح) وعلى هذا فلا يمكن الاستدلال بها، ولكننا نلاحظ (والكلام للسيد فضل اللَّه) أنه لا بأس بالأخذ بالخبر الضعيف إذا انعدمت دواعي الكذب فيه كما في المقام. ـ يعني بحثه الفقهي الفرعي ـ هذا حيث لا توجد أي مصلحة للكذب، وعلى هذا ينفتح لنا باب واسع بالأخذ بكثير من الأخبار التي ترد من طرق العامة (أي أهل السنة) وذلك إذا حصل الوثوق بصدورها. (انتهى كلامه).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 153/

وهذا الكلام واضح في أن مبناه في الأخبار هو الوثوق بالصدور، لكن لم نعلم كيف يجتمع هذا الكلام مع ما عرفناه عنه فيما سبق حيث أن إعراض علماء الشيعة عن العمل بخبرٍ ما، لا يمنعه من العمل به حيث لا توجد مصلحة في الكذب كما يقول، وهو في كل مورد لا يوجد مصلحة للكذب فكما يقول  يمكن له أن يأخذ بالخبر الوارد في المسائل الفقهية الفرعية ولو كان الخبر من طرق العامة.

سؤال بحاجة إلى إجابة

وفيما نحن فيه ـ نعني مسألة ضرب الزهراء وهتك حرمتها وغير ذلك من الظلامات ـ نسأل سماحته فنقول: بعد شهادة الشيخ كاشف الغطاء بأن كتب الشيعة الإمامية طافحة منذ القرن الأول وإلى يومنا هذا، بذكر هذه الأمور، كما أن كتب أهل السنة والتواريخ والأنساب تذكر الكثير من هذه المسائل المتعلقة بالزهراء(ع)، والتي لا يوجد لأحدهم أي مصلحة في نقلها أو اختلاقها، لا سيما أن السيد فضل الله يعترف بأن الأحداث التي عاشتها الزهراء(ع) كانت أحداثاً لا تلتقي مع توجهات بعض المسلمين (الندوة ج1 ص‏44).

فمع عدم وجود ما يدل على بطلان هذا الأمر، كما يعترف السيد فضل الله، حيث يقول إنه لا ينكر بل يشك ويتساءل!؟ ومع تظافر العشرات من مصادر الفريقين التي تنقل هذه الحادثة، والتي ينقل عنها العلامة مرتضى في كتاب «مأساة الزهراء(ع)»، «ومع أن رأي السيد فضل اللَّه في الأخذ بالأخبار، هو العمل بكل خبر في المورد الذي لا يوجد فيه داعٍ إلى الكذب، ومع عدم وجود ما يدعو إلى الكذب فيما ينقله أبناء السنة في حق خلفائهم ومحبيهم، وهو الأمر المؤيد برواياتنا عن أئمتنا(ع)، وبروايات غيرنا كالزيدية وغيرهم، فهل يبقى بعد ذلك موقع لتشكيك السيد فضل اللَّه أو تساؤله، لا سيما أنه كان قد كتب في رسالته إلى السيد جعفر مرتضى يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 154/

وقد رأيت أن الكثيرين من علمائنا رووا هذه الروايات في كتبهم، بحيث أنه إذا ناقش البعض في سندها، فإن عمل العلماء مع الشهرة التي تصل بالقضية إلى مستوى التسالم وضروريات المذهب قد يجبر هذا الضعف.

وقد لاحظت وجود هذه الأحاديث في أكثر من مصدر من مصادرنا المهمة.... وإذا كنت قد تحدثت عن سقوط الجنين بأنه قد يكون في حالة طبيعية طارئة، فإنني لم أكن آنذاك مطلعاً على مصادره (راجع الملاحق).

ومن تصريح السيد فضل الله بأن هذا الأمر هو في مستوى التسالم وضروريات المذهب، تعرف مخالفته (أي السيد فضل الله) لما يذكره هذا الكاتب المغفَّل في أكثر من مورد من كتابه (ص21 و24 و25 و33 وص47 وص58 وص81)، حيث يعيب على السيد مرتضى جعله ضرب الزهراء(ع) وباقي الظلامات التي وقعت عليها، من ضروريات المذهب، مع أن السيد مرتضى لم يصرح بذلك، بينما صرح به السيد فضل الله نفسه بنفسه.

فهل نرى في هذا الكاتب الجرأة في وصف غير السيد مرتضى بذلك، فيصف السيد فضل اللَّه بنفس هذه الأوصاف التي وصف بها السيد جعفر مرتضى؟ أم أن الذي كان يدعوه إلى التفوه بهذه الكلمات في حق سماحة السيد جعفر مرتضى، ليس هو داعي التعرف إلى الحق، ولذا يمتنع عن ارتكاب هذه الأمور في حق السيد فضل اللَّه

رأي الشيخ المفيد

تعرض الشيخ المفيد (رحمه اللَّه) لمسألة الزهراء(ع) في أكثر من كتاب من كتبه:

  كتاب الجمل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 155/

كتاب الأمالي.

وفيهما التهديد بالإحراق وأزيد قليلاً، فليراجع مأساة الزهراء (ج1 ص‏75).

  كتاب المقنعة.

  كتاب المزار.

  كتاب الاختصاص.

  كتاب الإرشاد.

أما المقنعة والمزار فقد روى فيهما زيارة الصدِّيقة الطاهرة(ع)، والتي جاء فيها:

السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة.

وأما كتاب الإختصاص فسواء قلنا: إنه من تأليف الشيخ المفيد، أو قلنا إنه من تأليف غيره وقد رواه المفيد أو انتخبه منه، فهو منسوب بوجه من الوجوه إليه رحمه اللَّه، وقد اعترف بنسبته إلى المفيد السيد فضل الله نفسه في كتابه تأملات في آفاق الإمام الكاظم (ص‏40) فراجعه.

وهذه الكتب وما ورد فيها، مما يدل على أزيد من تهديد الزهراء(ع) بالإحراق، مرت على كاتبنا الكريم، مرور الكرام، فلم يفهم منها شيئاً يمكن للسيد جعفر مرتضى أن يستفيد منه في تأييد وتصحيح نسبة القول بظلامات الزهراء(ع) إلى الشيخ المفيد

بقي ما ذكره المفيد في الإرشاد، فقد شرع السيد مرتضى كلامه في بيان ما يمكن معه استيضاح الإجماع الذي ادعاه الشيخ الطوسي تلميذ المفيد، وهو الذي يظهر من عبارته في الإرشاد ـ كما يقول السيد فضل الله‏ ـ أن القول بسقوط المحسن كان محل خلاف بين الشيعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 156/

تهمة أخرى

ومع أن السيد مرتضى العاملي نقل عن المفيد مفصلاً لما أوجزناه للقارى‏ء هنا، يقول الكاتب (ص‏132 ـ 133):

إن الكاتب (السيد جعفر مرتضى) لا يتجرأ على نقل أي شي‏ء عن شيخ الطائفة! (يعني الشيخ المفيد) انتهى.

والمهم هو كيفية الجمع بين كلامي التلميذ (الطوسي) الذي يدعى الإجماع، والأستاذ (المفيد) الذي ينفي صفة الإجماع عن هذه الأحداث.

الجمع بين كلامي المفيد والطوسي

وقد جمع العلامة السيد جعفر مرتضى بينهما بوجهٍ لا يبعد عن ذهن كل مأنوس بعلم الكلام والفرق الإسلامية، حيث يعرف أهل الخبرة أن المفيد واحد من هؤلاء، بل من أعاظمهم، وأنه إنما يعبر على وفق الجري العام، وهو قد نقل في آخر الفصول المختارة ما يدل على ما نذكره هنا فراجع فرق الشيعة في الفصول المختارة، وفي غيرها من الكتب المتعرضة لبيان الفرق الإسلامية.

وهذا الوجه يقضي بحمل الشيعة في عبارة المفيد، على الشيعة الأعم من الإثنى عشرية والزيدية والإسماعيلية والواقفية والفطحية، وغيرهم من الفرق الشيعية المنقرضة، بل والمعتزلة أيضاً.

وعبارة الشيخ المفيد هي: وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة صلوات اللَّه عليها أسقطت بعد النبي  صلى الله عليه و آله وسلَّم ولداً ذكراً كان سماه رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم وهو حمل محسنا، فعلى قول هذه الطائفة، أولاد أمير المؤمنين ثمانية وعشرون.

وقد علق على ذلك الكاتب بأمور:

أولها: إتهامه السيد مرتضى بتغييب أقوال المفيد بشكل كامل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 157/

وهذا محض افتراء وبهتان، لأن السيد جعفر مرتضى ينقل عن كتب المفيد ـ التي ذكرناها ـ ما ينفعه في دعواه، فراجع (مأساة الزهراء ج1 ص175 ـ 177).

ثانيها: دعواه أن اختلاف المفيد والطوسي مما يخدش بالإجماع؟!

وجوابه: إنك قد عرفت أن الشيخ المفيد في باقي كتبه، موافق للشيخ الطوسي وعبارته في الإرشاد غير ظاهرة بما يدعيه السيد فضل الله من كون الإمامية في هذا على فرقتين، بل هي ظاهرة في أن الشيعة (وهو معنى يعم الإمامية وغيرها من فرق الشيعة) في مسألة ما جرى على فاطمة(ع) على قولين.

ثالثاً: يبلغ إسفاف الكاتب إلى حدٍ يتهم معه السيد مرتضى بإيراد الدليل على خلاف قناعاته، ويقول (ص‏134):

هذا القول بكون المراد من الشيعة في عبارة المفيد ما يعم الاثنا عشرية، ضعيف، لأن الكاتب يعلم تماماً أن المقصود بكلام المفيد كان الشيعة الإمامية ولا أحد غيرهم ويدل على ذلك التبريرات التي ساقها المؤلف لكي يجد مخرجاً لائقاً. (انتهى عقد درر هذا الكاتب).

عليم بما في الصدور! أم ماذا؟

ولا ندري من أين حصل له هذا الكنز الثمين، فعلم بأن السيد مرتضى يعلم تماماً مقصود المفيد من كلمة الشيعة في عبارته المتقدمة؟!.

ثم متى كان الدليل يبطل بقيام الدليل الآخر، حتى أبطل دليل السيد جعفر مرتضى على قولٍ يقول به لمجرد أنه كان يسوق التبريرات لقوله هذا؟!

والغريب بعد ذلك استشهاد الكاتب بكلام المفيد في كتاب الجمل، وهو يدل على التهديد بالإحراق، ثم تجاهله رواية المفيد في كل من المقنعة والمزار، لزيارة الزهراء(ع)، الصريحة باستشهادها(ع)، فهل هذا شي‏ء آخر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 158/

وراء التدليس لم نفهمه؟ أم أنه هو التدليس والكذب بعينه؟ وهل هذا غير التعمية وإرادة تزوير الوقائع والحقائق؟.

حقيقة رأي الإمام كاشف الغطاء

فبينما نرى الشيخ كاشف الغطاء يصرح بإطباق الإمامية على صحة ما جرى على الزهراء(ع)، ويلوح منه بعد ذلك توقفه في هذا الأمر.

نراه في موضع آخر ينظم الشعر في المحسن، فيقول:

وفــي الطفوف سقوط الـسبط مجدلاً         مــن سقط محسن خلف الـباب منهجــه

وبالخيام ضرام الــــنار من حطب‏          ببـاب دار ابنة الــهادي تـــأججــه‏

فلا بد حينئذ من طريق للجمع بين القولين ولو بالوجه الذي ذكره السيد مرتضى فلاحظه (مأساة الزهراء، ج1).

ومن هنا يظهر الوجه في تصدي العلامة مرتضى لتبرير كلام كاشف الغطاء والجمع بينهما، إذ هو يعترف بالإجماع في مسألة الزهراء(ع) على مر العصور، ثم مع هذا تراه يقول في نفس الموضع:

قضية الزهراء ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي ويقنع به مشاعري، مما يشعر بأنه يريد أن يقول شيئاً آخر في كلماته.

فليست المسألة مسألة الكيل بكيلين، كما يتهم الكاتب (ص‏141) سماحة السيد مرتضى، ويقول:

إن ذلك ناشى‏ء من عقدة تجاه السيد فضل الله.

والظاهر أن العلامة مرتضى أغفل ذيل عبارة كاشف الغطاء مع أن إيرادها كان أولى وها نحن نورد العبارة كاملة ومنها يظهر عدم صحة تمسك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 159/

السيد فضل اللَّه بكلام كاشف الغطاء لتأييد ما ذكره.

قال الإمام كاشف الغطاء (رحمه اللَّه):

طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الإسلام والقرن الأول: مثل كتاب سليم بن قيس ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده بل وإلى يومنا كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمة، وأبيهم الآية الكبرى وأمهم الصديقة الزهراء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وكل من ترجم لهم وألف كتاباً فيهم، أطبقت كلمتهم تقريباً أو تحقيقاً في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة: أنها بعد رحلة أبيها المصطفى ضرب الظالمون وجهها ولطموا خدها، حتى احمرت عينها وتناثر قرطها، وعصرت بالباب حتى كسر ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج، ثم أخذ شعراء أهل البيت سلام اللَّه عليهم هذه القضايا والرزايا، ونظموها في أشعارهم ومراثيهم وأرسلوها إرسال المسلمات: من الكميت والسيد الحميري ودعبل الخزاعي والنميري والسلامي وديك الجن ومن بعدهم ومن قبلهم إلى هذا العصر، وتوسع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر والرابع عشر الذي نحن فيه، كالخطي والكعبي والكوازين.

وآل السيد مهدي الحليين وغيرهم ممن يعسر تعدادهم، ويفوت الحصر جمعهم وآحادهم، وكل تلك الفجائع والفظائع وإن كانت في غاية الفظاعة والشناعة ومن موجبات الوحشة والدهشة ولكن يمكن للعقل أن يجوزها وللاذهان والوجدان أن يستسيغها، وللأفكار أن تقيلها وتهضمها، ولا سيما وأن القوم قد اقترفوا في قضية الخلافة وغصب المنصب الإلهي من أهله ما يعد أعظم وأفظع.

ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييداً وتأكيداً تمنع بشدة أن تضرب المرأة أو تمد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 160/

إليها يد سوء، حتى أن في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في أعقابه ونسله.

ويدلك على ترّكز هذه الركيزة بل الغريزة في المسلمين وأنها لم تفلت من أيديهم وان فلت منهم الإسلام: أن ابن زياد وهو من تعرف في الجرأة على اللَّه وانتهاك حرماته لما فضحته الحوراء زينب(ع) وأفلجته وصيرته أحقر من نملة، وأقذر من قملة، وقالت له ثكلتك أمك يا ابن مرجانة. فاستشاط غضباً من ذكر أمه التي يعرف أنها من ذوات الاعلام، وهم أن يضربها، فقال له عمرو بن حريث وهو من رؤوس الخوارج وضروسها انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشي‏ء من منطقها، فإذا كان ابن مرجانة امتنع من ضرب العقيلة خوف العار والشنار وكله عار وشنار، وبؤرة عرها مع بعد العهد من النبي صلى اللَّه عليه وآله فكيف لا يمتنع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وآله مع قرب العهد به من ضرب عزيزته، وكيف يقتحمون هذه العقبة الكؤود ولو كانوا أعتى وأعدى من عاد وثمود. ولو فعلوا أو هموا أن يفعلوا أما كان في المهاجرين والأنصار مثل عمرو بن حريث فيمنعهم من مدّ اليد الأثيمة، وارتكاب تلك الجريمة، ولا يقاس هذا بما ارتكبوه واقترفوه في حق بعلها سلام اللَّه عليه  من العظائم حتى قادوه كالفحل المخشوش فإن الرجال قد تنال من الرجال ما لا تناله من النساء.

كيف والزهراء ـ سلام اللَّه عليها ـ شابة بنت ثمانية عشر سنة، لم تبلغ مبالغ النساء وإذا كان في ضرب المرأة عار وشناعة فضرب الفتاة أشنع وأفظع، ويزيدك يقيناً بما أقول أنها ـ ولها المجد والشرف ـ ما ذكرت ولا أشارت إلى ذلك في شي‏ء من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم وسوء صنيعهم معها مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي ألقتها في المسجد على المهاجرين والأنصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين عليه السلام بعد رجوعها من المسجد، وكانت ثائرة متأثرة أشد التأثر حتى خرجت عن حدود الآداب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 161/

التي لم تخرج من حظيرتها مدة عمرها، فقالت له: يا ابن أبي طالب افترست الذئاب وافترشت التراب ـ إلى أن قالت: هذا ابن أبي فلانة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني، لقد أجهد في كلامي، وألفيته الألّد في خصامي ولم تقل أنه أو صاحبه ضربني، أو مدت يد إليّ وكذلك مع نساء المهاجرين والأنصار بعد سؤالهن كيف أصبحت يا بنت رسول اللَّه؟ فقالت: أصبحت واللَّه عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، ولا إشارة فيها إلى شي‏ء من ضربة أو لطمة، وإنما تشكو أعظم صدمة وهي عصب فدك وأعظم منها غصب الخلافة وتقديم من أخر اللَّه وتأخير من قدم اللَّه، وكل شكواها كانت تنحصر في هذين الأمرين وكذلك كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بعد دفنها، وتهيج أشجانه وبلابل صدره لفراقها ذلك الفراق المؤلم، حيث توجه إلى قبر النبي صلى اللَّه عليه وآله قائلاً: السلام عليك يا رسول اللَّه عني وعن ابنتك النازلة في جوارك إلى آخر كلماته التي ينصدع لها الصخر الأصم لوعاها، وليس فيها إشارة إلى الضرب واللطم ولكنه الظلم الفظيع والامتهان الذريع، ولو كان شي‏ء من ذلك لأشار إليه سلام اللَّه عليه، لأن الأمر يقتضي ذكره ولا يقبل ستره، ودعوى أنها أخفته عنه ساقطة بأن ضربة الوجه ولطمة العين لا يمكن إخفاؤها.

وأما قضية قنفذ وأن الرجل لم يصادر أمواله كما صنع مع سائر ولاته وأمرائه وقول الإمام عليه السلام: أنه شكر له ضربته فلا أمنع من أنه ضربها بسوطه من وراء الرداء وإنما الذي أستبعده أو أمنعه هو لطمة الوجه وقنقذ ليس ممن يخشى العار لو ضربها من وراء الثياب أو على عضدها وبالجملة فإن وجه فاطمة الزهراء هو وجه اللَّه المصون الذي لا يهان ولا يهون ويغشى نوره العيون، فسلام اللَّه عليك يا أم الأئمة الأطهار ما أظلم الليل وأضاء النهار، وجعلنا اللَّه من شيعتك الأبرار، وحشرنا معك ومع أبيك وبنيك في دار القرار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 162/

السجايا العربية... وضرب المرأة

ثم إن ما ذكره كاشف الغطاء رحمه اللَّه من أن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها، تمنع من إقدامهم على ضرب المرأة، قد أبطله السيد مؤلف كتاب مأساة الزهراء(ع)، واستشهد لوقوع هذا المؤلف المحقق بعدة أمور من جملتها تعذيب عمر للجارية.

وهنا يفقد «كاتب مأساته» صوابه، فينطق عن الهوى، ويجانب الحق ويطغى بقلمه ولسانه، حين يجعل من هذا الشاهد مورداً للطعن على سماحة السيد مرتضى، الذي أراد من هذا الشاهد وغيره، إثبات وقوع ضرب العرب للمرأة في ذلك الزمان، وأن قبحه في نظرهم لم يكن ليمنعهم عن فعله، كما لم يمنعهم ذلك عن الإقدام على ضرب جواريهم.

ولسنا ندري ما الذي أثار حفيظة الكاتب؟ هل هو المثال؟ أم عجزه عن الجواب؟ مع أن في شواهد السيد جعفر مرتضى ما لا يقدر هو ولا غيره على رده، وهو إقدام المشركين على قتل سمية (رحمها اللَّه) وتعذيب غيرها من النساء.

وقد يصلح شاهداً أيضاً ما فعله بسر بن أرطأة بالنساء، كما ورد في خطبة الجهاد لأمير المؤمنين(ع)، علماً أن السيد فضل الله قد صرح في مواضع عديدة من كتبه (الندوة، حديث عاشوراء...) بأن زينب وأخواتها قد جلدن، فكيف لم يمنعهم هذا القبح وما يترتب عليه من لحوق العار، كيف لم يمنعهم من الإقدام على ضرب النساء في واقعة كربلاء.

مع أن الفاصل الزمني بين الحادثين ليس بعيداً، والحسين‏(ع) قد خاطبهم بقوله: عودوا إلى أحسابكم فان لم تكونوا عرباً فكونوا أحراراً في دنياكم، ومع هذا فقد أقدموا على ما أقدموا عليه، ولم يمنعهم قبح ولا عار عن فعل شي‏ء من هذا، بل ما هو أفظع منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 163/

لما لم تذكر الزهراء(ع) ما جرى عليها؟

روى في الكافي الشريف، وفي نهج البلاغة، وهو الكتاب الذي يأمر السيد فضل الله أن نستنطقه ونأخذ منه (الندوة ج2 ص403)، روى عن علي‏(ع) أنه قال عند دفنه للزهراء(ع): وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليلٍ معتلجٍ في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً.

قال العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى (مأساة الزهراء ج2 ص44):

كلامه عليه السلام وإن كان لا صراحة فيه بما جرى على الزهراء(ع)، ولكنه يدل على أن ثمة مظالم بقيت تعتلج في صدرها(ع)، ولم تجد إلى بثها سبيلا، وهذه الأمور غير فدك والإرث وغصب الخلافة، لأن هذه الأمور قد أعلنتها(ع) وبثتها على الملأ بكل وضوح، واحتجت لها وألقت خطباً جليلة في بيانها.

وبعد هذا نلفت نظر الكاتب إلى أن تساؤله عن الموانع وجهله بها، لا يعني أنها لم تكن موجودة، وهذا علي‏(ع) يصرح بأنها(ع) لم تجد إلى بثها سبيلا، فاللازم في أمثال هذه الأمور، بعد التحقق من الحدث، وإبطال زيف الشبهات حوله، هو عدم المبادرة إلى الاعتراض على المعصومين(ع)، بل محاولة تفهم ذلك ولو بطريقة الحدس والتحليل كما صنع العلامة المدقق السيد جعفر مرتضى.

وأما بالنسبة إلى ذكرها(ع) لفدك، وعدم تعرضها(ع) لغير ذلك، فلا يصح جعل هذا الأمر دليلاً على عدم وقوع ما وقع، إذ يلزم إثبات تساوي أمر فدك من كل الجهات، مع باقي الأمور التي جرت عليها، حتى يصح الاستدلال بذكر فدك وترك غيرها، على عدم وقوع غير غصب فدك من المظالم، مع أن الأمر ليس كذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 164/

فلفدك جهة خاصة، ولكنها كانت باباً نحو كشف مخالفة القوم لحكم‏ اللَّه من عدة وجوه (النحلة، والإرث، وسهم ذوي القربى)، الأمر الذي ربما لم يكن بهذا الوضوح في حادثة الاعتداء.

كما كانت فدك باباً إلى المطالبة بالخلافة، كما يصرح بذلك السيد فضل الله (الندوة ج1 ص‏437).

المطالبة بفدك... مسؤولية عائلية للزهراء(ع)!

وقد احتمل سماحته أن تكون مطالبتها (عليها السلام) بفدك كانت من خلال حاجاتها الطبيعية ومسؤولياتها العائلية، وتابع يقول: وهو أمر شرعي وطبيعي (الندوة في الموضع السابق).

وهذا من الغرائب التي يجب تنزيه المعصومين عنها، إذ أين الزهراء(ع) في تلك الحال عن المطالبة بالحوائج الشخصية والعائلية؟ ولما يمض على وفاة النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم وقت طويل؟ إذ كل ما عاشته بعد أبيها يتراوح بين 75 يوماً و90 يوماً في رواية أهل البيت(ع).

ومع كل هذا فسماحته نفسه يقول في موضع آخر من الندوة (ج1 ص61): نحن نقرأ في نهج البلاغة أن علياً(ع) تحدث عن فدك، والزهراء (ع) لا تختلف عن علي في روحيتها وعصمتها... فقد كان علي‏(ع) يقول:

[نعم كانت في أيدينا فدك فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث] ذلك هو تفكير علي، كما هو تفكير الزهراء في المال. (انتهى كلام السيد فضل الله).

وقد ذكر أيضاً ما يصلح لأن يكون فارقاً بين قضية فدك والأمور القاسية الأخرى التي جرت على شخصها(ع)، قال (الندوة ج1 ص‏437):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 165/

إن أحد خلفاء بني العباس قال للإمام الكاظم(ع): إنني مستعد أن أرجع إليك فدكا فحددها، متصوراً أنها المنطقة الموجودة في الحجاز.

فقال له الإمام(ع): إذا عرفت لك حدود فدك فإنك لن تعطيني إياها.

فقال الخليفة العباسي: ما حدودها؟

قال له: حدود فدك هي حدود البلاد الإسلامية كلها.

فلقد كانت فدك رمزاً ولم تكن مطلباً... كانت المنطلق ولم تكن الغاية. (انتهى).

ثم ينقل السيد فضل الله عن ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، أنه سأل أستاذه: لماذا لم يعط أبو بكر فدكاً للزهراء (ع)، ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة(ع)؟

فقال له: لو أخَذَتْ(ع) فدكاً لطالبت بالخلافة لعلي‏(ع)، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أول الطريق حتى لا يمتد مطلبها إلى أبعد من ذلك. انتهى

وهو (أي السيد فضل اللَّه) يقول في موضعٍ آخر (الندوة ج 1 ص 62): أرادت أن تثبت أن غصب فدك يعني غصب الحق، وأن غصب فدك يلتقي مع غصب الخلافة، لهذا لم تتحدث في خطبتها عن أي شي‏ء من آلامها، فلم تتحدث عن هجوم القوم على البيت أياً كانت الأحداث في داخل البيت.

كانت قضية الزهراء(ع) قضية الحق، حق علي‏(ع) في الخلافة، ولم تكن قضيتها في شخصها وآلامها، وإن كان لها الحق في ذلك كله.

تحويل النزاع... أعظم هدية

وبعد كل هذا تعلم صدق ما قاله العلامة السيد جعفر مرتضى [مأساة الزهراء ج1، ص201]: إن تحويل النزاع إلى أمر شخصي، هو أعظم هدية تقدمها الزهراء(ع) إليهم، مع أن القضية ليست شخصية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 166/

ومن هنا يمكن تفهم السبب الذي منعها من بث غليلها المعتلج في صدرها كما يقول أمير المؤمنين(ع) في رثائه لها، وهي الرواية التي يعتمد عليها السيد فضل اللَّه كما في الندوة (ج 1 ص 195).

وبعد هذا نسأل الكاتب الأجل! عن حقيقة قوله في هذا الموضع (ص‏144):

إن المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) يريد إن يستدل بأمر واحد على الشي‏ء ونقيضه، وفي القولين والسياقين يريدنا أن نسلم معه، ونهز برؤوسنا شاكرين على إنجازاته العظيمة؟

كما نسأله عن مدى انطباقه على سماحة السيد جعفر مرتضى وعدم انطباقه على غيره من الناس؟!

الإمام شرف الدين

بقي رأي الإمام شرف الدين، ولن نخوض في ذلك كثيراً، لكن نذكر باختصار بعض الأمور التي تنفع في تعقل ما ذكره في هذا الشأن سماحة السيد مرتضى في كتابه.

فنقول بما أن السيد فضل الله يشكك في القضية، ويحلل ـ بحسب الظاهر ـ تاريخياً، نراه في رسالته إلى السيد جعفر مرتضى يقول:

فإن عمل العلماء مع الشهرة التي تصل بالقضية إلى مستوى التسالم وضروريات المذهب قد يجبر هذا الضعف، وقد لاحظت وجود هذه الأحاديث في أكثر من مصدر من مصادرنا المهمة.

فكيف يمكن أن نثق بما ينقله لنا السيد فضل اللَّه عن شك الإمام شرف الدين في الأحداث التي رويت زيادة على التهديد، بينما هو (السيد فضل اللَّه) يعتبر ضربها وإسقاط الجنين من ثوابت وضروريات المذهب على حد قوله،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 167/

ويقول: هو موجود في مصادرنا المهمة؟!.

شرف الدين وثوابت المذهب

ولعل هذا الأمر ـ لما يستبطنه من رمي السيد شرف الدين بالجهل بالثوابت والضروريات المذهبية والدينية، والتي يمكن أن تستعلم في ليلة أو ليلتين كما اتفق للسيد فضل اللَّه (راجع الملاحق) في قضية الزهراء(ع) ـ هو الذي دعا العلامة السيد مرتضى ـ كما دعا غيره ـ لعدم الوثوق بهذا النقل.

مضافاً إلى ما ذكره الإمام شرف الدين نفسه، من هجوم القوم على بيت فاطمة وكشفهم، واقتحامه(1) لهُ وإخراجهم علي‏(ع) منه كرها تحت وطأة السيف (مأساة الزهراء ج1، ص‏133)، ويكشف عن هذا تعبيرها عليها السلام «بأغرتم» حين نادت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول‏ اللَّه‏(ص).

فكيف يمكن أن نجمع بين تصريح السيد شرف الدين بكل هذا مما يزيد على التهديد بالإحراق بمراتب، مع ما ينقله السيد فضل الله عنه من أنه يقول:

إن الثابت عندنا أنهم جاؤا بالحطب إلى قوله «وإن».

ذلك لأن مقصود السيد شرف الدين بقوله (عندنا) إن كان هو كل الشيعة الإمامية، فقد عرفت أن السيد فضل الله يقول بأن ضربها(ع) من الضروريات المتسالم عليها، فالسيد فضل اللَّه مخالف له، كما يخالفه اتفاق الشيعة على ضربها والذي ينقله الشيخ الطوسي، على أن الحسيني في هوامشه النقدية (ص‏29) اعترف بأن إحراق بيتها لا يختلف عليه اثنان من

ـــــــــــــــ

 (1) تقدم قريباً تصريح السيد فضل اللَّه بهجوم القوم على البيت وأن ثمة أحداثاً قد حصلت بعد ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 168/

الشيعة، فكيف ينسب السيد فضل اللَّه المخالفة إلى الإمام شرف الدين (رحمه اللَّه)؟!.

وإن كان السيد شرف الدين عنى بها (يعني كلمة عندنا) خصوص نفسه، لم يصح ذلك، لما ذكره السيد شرف الدين نفسه في كتبه من الأمور التي جرت زيادة على التهديد بالإحراق.

حقيقة رأي السيد شرف الدين

وقد ذكر الإمام شرف الدين حقيقة رأيه في كتابه المعروف «بالمجالس الفاخرة في مآثم العترة الطاهرة» حيث يقول فيه (ص‏35) تعليقاً على ندبة فاطمة(ع) لأبيها رسول اللَّه‏(ص):

وكأني بها وقد أصلى ضلعها الخطب، «ولاع قلبها الكرب ولعج فؤادها الحزن، واستوقد صدرها الغبن، حين ذهبت كاظمة، ورجعت غائمة، ثم انكفأت إلى قبر أبيها شاكية قائلة:

قــد كان بعدك أنبــاء وهنبثة               لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنــا فقدناك فقد الأرض وابلهـا               واختـل قومك فاشهدهم فقد نكبوا

فليت بعدك كان الموت صادفنــا              لـما قضيت وحالت دونك الكتب

ولم تزل ـ بأبي هي وأمي ـ بعد أبيها(ص) ذات غصة لا تساغ، ودموع تترى من مقلة عبرى، قد استسلمت للوجد، وأخلدت في بيت أحزانها إلى الشجون حتى لحقت بأبيها(ص) معصبة الرأس، قد ضاقت عليها الأرض برحبها إلى آخر ما قاله قدس سره

بين النقل الشفاهي والمكتوب:

وهناك أمر آخر يلزم التنبيه عليه، وهو مع فرض صحة صدور هذا الكلام عن الإمام شرف الدين، فهو يثبت أن غاية ما قاموا به هو التهديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 169/

بالإحراق، مع أنا نعلم قطعاً أنهم اقتحموا البيت، وأخرجوا علياً (ع) منه، فبايع كرهاً.

وهذا يدل على عدم إرادة السيد شرف الدين نفي جميع ما عدا التهديد بالإحراق، حتى اقتحامهم البيت الذي ذكره هو بنفسه، وهو ينسجم مع ما ذكره في كتبه، ونقله السيد مرتضى في كتابه عنه، مما يزيد على التهديد بالإحراق.

فلعل مراد السيد شرف الدين فلو صحت الرواية عنه نفي حصول إحراق البيت فعلاً، ولا ينفي ذلك أنهم كانوا قد باشروا إشعال النار أمام البيت، كما لا ينفي ذلك وقوع باقي الظلامات عليها من الضرب وإسقاط الجنين وغير ذلك، والتي لا ربط لها بخصوص موضوع الإحراق، لأنه لم يكن بصدد التعرض لها.

هذا علماً أنا مهما حاولنا توجيه هذا الكلام المنقول عن السيد شرف الدين فلا يصح أن نبتعد عن كلماته الأخرى في كتبه لا سيما تلك التي نقلناها عن المجال الفاخرة.

كلمة خبيثة

يعود الكاتب مرة أخرى إلى ما انطبع عليه من كيل الشتائم والتهم، ولن نقف عند ذلك كعادتنا، بل نقف عند الخبر الذي عيَّر به سماحة السيد جعفر مرتضى، وهو الخبر المروي في كل من النوادر والجعفريات، وقد رواه في البحار والعوالم والمستدرك، وهو كالتالي [مأساة الزهراء ج1 ص‏261]:

إن فاطمة بنت رسول اللَّه‏(ص)، دخل عليها علي‏(ع) وبه كآبة شديدة، فسألته عن ذلك، فأخبرها أن النبي‏(ص) سألهم عن المرأة: متى تكون أدنى من ربها؟ فلم ندر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 170/

فقالت: ارجع إليه فاعلمه أن أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها.

فانطلق فأخبر النبي‏(ص).

فقال: ماذا؟ من تلقاء نفسك يا علي؟

فأخبره أن فاطمة(ع) أخبرته.

فقال: صدقت، إن فاطمة بضعة مني.

وقد استنفر الكاتب كل ما عنده لإبراز التزام العلامة مرتضى بما يظهر في هذه الرواية من خلل، داعياً السيد جعفر مرتضى إلى عرضها على ثوابت الدين والعقيدة.

مسألة أصولية

وهنا يجب التنبيه على أمر مهم يذكره الفقهاء والأصوليون من علمائنا، وهو إذا وردت رواية صحيحة، وفيها عدة فقرات، وفي واحدة من هذه الفقرات خلل ما، لا يسولنا معه الأخذ بها، فلا يوجب ذلك في نفسه سقوط الرواية بكاملها عن الحجية، بمعنى أن الرواية المتعددة الفقرات، إذا سقط بعض فقراتها عن إمكان العمل به لوجه من الوجوه، فلا يستدعي ذلك سقوط الرواية بأكملها، ولعل هذا من واضحات علم الأصول في هذه الأيام.

وفيما نحن فيه، مضمون هذه الرواية يعطينا رجحان عدم اختلاط المرأة مع الرجال، وفيها بعض الفقرات التي لا يمكن الالتزام بها، فهذا لا يسقط الرواية كلياً عن صلاحيتها لتأييد ما في الروايات، والاستشهاد بها على ما نحن فيه، وهذا الكلام لا غبار عليه الآن في سوق العلم والعلماء.

حديث مستهجن!

ومن الغريب كيف يطعن الكاتب (ص‏152) على إيراد السيد مرتضى لهذه الرواية في كتابه، مع أنه لا دلالة في ذلك على أنه يعتقد بجميع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 171/

مضمونها، بناءً على القاعدة التي تقدمت، ولا يطعن على السيد فضل الله مقولاته التي يسعه معها إيراد هذه الرواية، والاعتقاد بجميع مضمونها، وهو الأمر الذي نسبه هذا الكاتب الصادق! زوراً وبهتاناً، إلى السيد مرتضى ثم استهجنه منه.

عرض الرواية على عقائد السيد فضل اللَّه

يقول السيد فضل الله بأن اللَّه تعالى يزود الأئمة بما يحتاجون إليه من العلم في إمامتهم لا أكثر (الندوة ج1 ص360 ـ 362) مضافاً إلى عدم قوله بأن أحوال الأئمة(ع) والأنبياء قبل البعثة أو الإمامة كانت أحوال نبوّة وإمامة (الفكر الجديد العدد 6/ ص‏42).

فبناءً على هاتين المقولتين لماذا يفترض هذا الكاتب الفطن، في علي (ع) أن يكون عالماً بالمسألة، والحال أنه لا يجب أن يعلم بذلك عند السيد فضل الله؟ لأنه حينئذ لم يكن بإمام؟

وعليه فليس هناك من مشكلة عند سماحته في الالتزام بهذه الرواية، وبما تضمنته من عدم اطلاع علي‏(ع) على بعض الأمور قبل الإمامة.

وقوله(ع): سلوني قبل أن تفقدوني، وهو القول الذي تمسك به هذا الكاتب لإبطال هذه الرواية (ص‏153)، إنما صدر من علي‏(ع) بعد وفاة الرسول بمدة مديدة في زمن تصديه للإمامة، فلا تنافي حاله قبل إمامته بناءً على ما يلتزم به السيد فضل اللَّه.

وهناك وجه آخر يمكن للسيد فضل اللَّه أن يتوسل به في تصحيح متن هذه الرواية، وهو احتمال عروض النسيان أو السهو، اللذين لم يمنع منهما السيد فضل الله في حق المعصومين(ع)، وقد علم ذلك فيما مر بوضوح.

فلعل علياً(ع) نسي أو سهى فعجز عن الجواب، ولعله لذا أصابته(ع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 172/

كآبة شديدة كما تقول الرواية. وليس في ذلك ما يرتبط بإمامة علي‏(ع)، بل هو مجرد سؤال.

أوردها إيراداً لا اعتقاداً

ومن الطريف أن يكون السيد مرتضى إنما أورد هذه الرواية إيراداً، ليستشهد بجزءٍ منها ولم يصرح بأنه يعتقد بجميع مضمونها، ومع هذا حمل عليه الكاتب الشجاع هذه الحملة الشعواء، طعناً وتنديداً، فماذا تراه سيفعل بسيف عدله! ورمح انصافه! مع الذي يصرح بتبني هذه الأمور التي يمكن معها قبول هذه الرواية مع ما هي عليه، لأنها لا تتنافى مع وجهة نظره! في علم الأئمة (ع) وسهوهم ونسيانهم.

على أن سماحته يذكر ما هو مشابه لذلك في نشرة بينات (رقم 27): حيث يقول:

كان الحسن(ع) يحضر مجلس رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي بعد أن يبينه للناس، فيحفظه فيأتي أمه فيلقي إليها ما حفظه، وكان كلما دخل عليها علي‏(ع) وجد عندها علماً بالتنزيل ـ وهي لم تكن حاضرة في المسجد ـ فيسألها عن ذلك؟ تقول: من ولدك الحسن.

فها هي الزهراء(ع) تتعلم من ولدها، ولم يكن الحسن(ع) إماماً آنذاك، ومع ضم هذه إلى الرواية السابقة، فلا مانع عند السيد فضل الله أن يتعلم علي‏(ع) من ولده الحسن(ع)، لأن الحسن(ع) كان يعلم الزهراء(ع)، وهي كانت بدورها(ع) تعلم علياً(ع)، إلا إذا كانت باؤه تجر، وباء غيره لا تجر.

وقبل أن نختم نعلم الكاتب بلزوم مراجعته لكتاب النكاح (ج1 ص 89 ـ90)، حيث لم يجزم السيد فضل اللَّه ببطلان حديث آخر مشابه جداً لهذا الحديث في مضمونه، الذي يعترض به على السيد جعفر مرتضى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 173/

غيرة علي (ع):

يقول الكاتب (ص155):

إن هجوم المهاجمين على بيت الزهراء، ومخالفتهم للتكاليف الشرعية من الواضحات، والكلام فيه من قبيل تحصيل الحاصل.

ويقول أيضاً:

إن سكوت الإمام علي‏(ع) عن ما جرى عليها بمرأى منه ومسمع أمر غريب، لأنه لا يعقل بحال من الأحوال أن يكون تكليف الإمام علي‏(ع) هو السكوت على أذية زوجته إلخ.

كما يقول:

كيف يمكن أن يكون تكليف الزهراء(ع) هو أن تظلم وتضرب بمل‏ء إرادتها.

ثم يقول:

والسبب في ذلك هو أننا نعتبر حجة الإمام بالغة إلى درجة اليقين، وأن الطريق للوصول إلى هذا الحق، لا يكون بهذه الطريقة...

وهل عُدِم الإمام والزهراء(ع) وسيلة لإظهار الحق حتى يلجأوا إلى هذه الطريقة من التعاطي مع الظالمين (انتهى كلام مأساة المأساة).

ونحن أمام هذا الخلط الواضح نقول:

كيف يكون هجوم القوم على الزهراء(ع) من تحصيل الحاصل، والحال أنك قد عرفت كون الثابت عند السيد فضل الله إنما هو إلى قول القائل: وإن، يعني مجرد التهديد، وعليه فالقوم لم يهجموا على البيت.

نعم إذا أراد الكاتب من قوله: هجوم القوم، تهديدهم لها (ع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 174/

بالإحراق، كان البحث فيه من تحصيل الحاصل، لكن التهديد لا يسمى هجوماً.

هذا أولاً: وبالتالي فالكلام في الهجوم ليس من تحصيل الحاصل كما ادعى هذا الكاتب.

وثانياً: لست أدري كيف يتجاسر هذا الجاهل على أمير المؤمنين(ع)، ونحن مجرد أتباع لعلي‏(ع)، وهو إمامنا وليس الكاتب إماماً لعلي كي يحدد له تكليفه على طبق موازينه المتخلِّفة، وأفكاره المضطربة، وإدراكاته القاصرة.

وكيف تعقَّل هذا الكاتب من علي أن يسكت عن أمر الخلافة، حيث يقول(ع):

إني خفت أن أرى في الإسلام هدماً، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت يدي، حتى إذا رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يريدون محق دين محمد(ص)، فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم هذه التي هي متاع أيام قلائل (نهج البلاغة).

علماً أن هذا الأمر من أشد الأمور ظلماً على فاطمة(ع) فضلاً عن علي‏(ع) باعتراف السيد فضل الله (أجوبة المسائل المؤرخة 16 جمادى2/1417).

فكيف يعقل الكاتب هذا الأمر، ولا يعقل منه(ع) أن لا يتصرف ينحو يُرى معه في الإسلام كل هدم وثلم، ولو كان ذلك في سبيل الدفاع عن فاطمة(ع)، ولو كانت فاطمة(ع) هي وديعة رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم عنده وعند الأمة.

صحيح أن أمير المؤمنين(ع) مأمور أن يدفع عن فاطمة(ع) كل ما يؤذيها، ولكنه أيضاً مأمور بعدم ارتكاب ما يوجب أي هدم أو ثلم في الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 175/

فكيف يمكن الجمع بين الأمرين بغير ما صنع أمير المؤمنين (ع) بحكمته البالغة ونظرته الثاقبة؟!.

ثالثاً: يقول السيد فضل الله: (الندوة ج2 ص‏140) إن وقتها (أي السيدة الزهراء (ع)) في الأيام التي عاشتها بعد رسول‏ اللَّه كان موظفاً في الدفاع عن علي عليه السلام.

كما يقول (الندوة ج1 ص‏61): كانت كل قضيتها بعد رسول ‏اللَّه هي حق علي في خلافته كإمام (انتهى).

فالزهراء (ع) موظفة للدفاع عن حق علي (ع) في الإمامة، ونحن سمعنا قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته واللَّه يعصمك من الناس)، وأنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين (ع).

وهذا الأمر ـ أعني إمامة أمير المؤمنين(ع)، وهو الأمر الذي يعد الإخلال بتبليغه إخلالاً بتبليغ الرسالة كلها ـ ألا يستحق من فاطمة (ع) كل الجهد والتضحية في سبيله، وبكل وقتها وطاقاتها، وبكل ما تملكه من جاه «ومحبة في قلوب المسلمين»! ـ كما يقول السيد فضل اللَّه‏ ـ ولو أن محبتهم هذه لها، لم تحقق غرضها، ولم تمنعهم عما أقدموا عليه في حقها.

أليست هذه الرسالة هي التي استدعت من الإمام الحسين‏(ع) أن ينتفض وينهض في ثورة على الظلم والظالمين، ما أدى إلى تضحيته في ذلك السبيل بنفسه وأهله وولده وأصحابه؟

فإذا كانت وظيفتها (ع) أن تدافع عن حق علي (ع)، فأقدم القوم على ضربها وإسقاط جنينها أثناء قيامها بواجبها الديني العظيم، فما ذنب علي‏(ع) لو لم يدفع القوم عنها، لعدم قدرته عليه، لأنهم أخذوه كالأسير بعد ذلك؛ ولخوفه الإبتلاء بما ينجر معه إلى هدم الإسلام أو ثلمه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 176/

تكليف السيدة الزهراء(ع)

أجل هذا هو تكليف الزهراء وليس تكليفها أن تعرِّض نفسها كيفما كان، وبأي وجه إلى الظلم والاعتداء، وهل كان تكليف الحسين (ع) هو أن يعرض نفسه للظلم كيفما اتفق؟ أو كان تكليفه أن يجاهد ويبذل نفسه إحياءاً لهذا الدين؟

وهل سيشكر هذا الكاتب قاتلي الحسين‏(ع)؟ كما دعا السيد مرتضى إلى شكر قاتلي الزهراء(ع)؟

إن التكليف في كلا الموردين، كان منجراً إلى الظلم بالضرب في قضية الزهراء(ع)، والقتل في قضية الحسين‏(ع)، والعمل بالوظيفة المؤدية إلى شي‏ء من هذا لا يعد تفريطاً، كما أن سكوت علي‏(ع) لا يعد تقصيراً، وذلك لكونه ناتجاً عن عذرٍ، كقعود زين العابدين‏(ع) وهو المعصوم  ـ العاجز عن الدفاع عن أهل بيته ـ في كربلاء.

فالواجب هو الدفاع عن الإمامة، وبيان الأحق بها دون غيره، وهو علي‏(ع)، وليس هناك ما يمنع من أن يكون الدفاع عن الإمامة ـ ولو بمجرد بيان القائم بأمرها ـ واجباً على كل حال، لأنها من أهم الأمور الدينية، بل ربما كانت أهمها إذ لا يقبل عمل من دونها.

فيجب على الزهراء (ع) أن تسعى إلى امتثال هذا الواجب، ولو كان سيعود عليها عدواناً وظلماً، بل ضرباً وقتلاً لها ولجنينها.

وبعد كل هذا فلا وقع لتهويل هذا الكاتب في قوله (ص‏158):

كيف يتصور أن الإمام(ع) يمكن أن يسكت على ظلم الظالمين، ويكون ذلك تكليفه الشرعي؟ (انتهى).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 177/

إذ بعد سكوته (ع) عن استرداد حقه في الإمامة بالقوة وبأي ثمن، وهي من أهم الأمور التي ظلمت فيها الزهراء(ع)، كما صرح بذلك السيد فضل الله (أجوبة المسائل المؤرخة في 17 جمادى الثانية 1417 هـ).

فكيف يفرض الكاتب الفطن أن من واجبه‏ (ع) أن يتحرك للدفاع عن فاطمة(ع) في ما هو أقل من ذلك أهمية بنظره؟؟ ـ علماً أنه من الفظائع في نفسه ـ مع أنه ينجر إلى ما كان سينجر إليه دفاعه عن الإمامة، من القتل والمعارك والهدم والثلم في الإسلام وهو المحذور الذي فرَّ منه.

التفريط بوديعة الرسول (ص)

وبعد هذا تعرف بطلان قوله (ص156):

ومتى عرف عن الإمام علي (ع) تفريطه بوديعة رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم، وتركها تهان وتؤذى، دون أن يقلب الأرض على رؤوس هؤلاء، وهل الدين إلا تلك المكارم التي ما عهدناها عند أحد كما كانت عند رسول‏ اللَّه والإمام علي (ع)؟!.

حيث اتضح من هنا عدم تفريطه(ع) بوديعة رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم، وأن ليس تكليفه‏ (ع) قلب الأرض على الرؤوس ولو كان الثمن هو الإسلام، وأن المكارم التي تحدث عنها الكاتب، من جملتها الصبر على تحمل الأذى، والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيل اللَّه، هذا وليست الشجاعة فقط في الحرب والقتال، على أن الشجاعة التي عرف بها (ع)، لم تكن لتنحى به هذا المنحى الذي أشار إليه الكاتب، لأنه أقرب إلى التهور منه إلى الشجاعة، بل هو التهور بعينه، فعلي‏(ع) شجاع لكنه حكيم، وعلي‏(ع) قوي لكنه صبور، وعلي‏(ع) صاحب حق لكنه يخشى فوات حقوق أخرى فلم يكن يسعه التصرف إلا كما عرفت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 178/

الخدر وفتح فاطمة (ع) للباب

يتابع الكاتب إسفافه في تقويل السيد جعفر مرتضى ما لم يقله، وفي إيهام القارى‏ء بتناقضاته إلى حدٍ يدعي معه على السيد مرتضى التناقض بين الجواب الأول على مسألة ما، والجواب الثاني عنها على فرض عدم صحة الجواب الأول، كما هو الحاصل في (ص 162) من مأساة الكاتب، ولسنا ندري متى كان مجرد الفرض كذلك يستدعي تناقضاً؟!!.

والأغرب من هذا نسبته إلى السيد مرتضى قوله:

إن علياً(ع) وبكل أعصاب باردة، خطط لاستغلال الزهراء(ع)، وتوريطها، بجعلها طعمة للظلم والإهانة، لأنه لو حصل لغيرها لم يكن له فائدة تذكر (مأساة المأساة، ص163).

وهذا لعمر الحق عين البهتان والإفتراء، وقد عودنا عليه هذا الكاتب في كتابه هذا، ولسنا ندري إن كان في غيره كذلك، على أنه أي محذور في أن يكون إمام الزهراء(ع)، هو المخطط لها لما تقوم به، لكن لا بأعصاب باردة ولا استغلالاً، بل لأنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، فأين الاستغلال لولا إرادة هذا الكاتب استغلال هذا الموقف لتسويق بضاعته في سوق التزلف والتعصب، ثم إلقاء ذلك بين الطيبين والمؤمنين...

خبر إهانة الزهراء (ع)

ومن جملة إساءاته قوله (ص165):

إن الكاتب (يقصد السيد مرتضى) لا يجرؤ على تكذيب خبر إهانة الزهراء(ع) للإمام(ع) بصورة قاطعة، حتى لو كان في هذا الخبر إساءة للزهراء(ع) والإمام علي‏(ع) معاً، وذلك في سياق الحديث عن الكلام المنسوب إليها عليها السلام، حيث تخاطب علياً (ع)، فتقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 179/

اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الضنين... وهذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني.

أقول: وأيم اللَّه إن المرء ليحار، أيصدِّق كلام هذا الكاتب؟ أم يصدق كلام زميله في كيل الشتائم والتهم وحشد الأكاذيب والأباطيل، صاحب الهوامش النقدية (ص91) حيث يقول:

إن السيد مرتضى نفسه استبعد صدور بعض ما يروى عن الزهراء(ع) وهو قولها لعلي‏(ع): اشتملت شملة... إلخ.

شي‏ءٌ من الحقيقة

ومع أن عبارة الهوامش هنا أقرب إلى الواقع إلا أنها غير دقيقة، لأن السيد مرتضى لم يكتف بالاستبعاد بل قال: نحن لا نوافق على ما يقال، وهذا صريح برفض سماحته لهذا المعنى، ولكنه لالتفاته إلى احتمال الزيادة أو النقيصة، واحتماله إرادة معنى من المعاني التي عيينا عن أن نلتفت إليها في هذه الرواية، استدعى ذلك منه ـ كما هي سيرة علمائنا الأبرار ـ تأويل الخبر غير المعمول بظاهره، لاحتمال صدوره عنهم فلا يكون بذلك من أمقت الناس إلى أهل البيت(ع)، الذين يردون الخبر عليهم، ولعله قد صدر عنهم كما يفعل غيره وقد تقدمت الرواية فراجعها.

وربما كان مقصود الكاتب هنا أن الذنب أو الخطأ لا ينبغي أن يحتملا في حق المعصوم، ولذا وجب أن ننفي هذا الأمر عن الزهراء (ع) بصورة قطعية. لكنك عرفت أن العلامة السيد جعفر مرتضى إنما احتمل كون المراد غير ما هو ظاهر من الرواية، ولم يحتمل في حق المعصومين ما ينافي شأنهم كالذنب والخطأ.

ومع كل هذا فلو سلمنا صحة ما ادعاه الكاتب في حق السيد مرتضى، فليس هو أقبح مما نسبه السيد فضل الله إلى موسى(ع) وهارون(ع) من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 180/

الاختلاف، وأنهما اختلفا في تشخيص التكليف، وعليه فأحدهما قد أخطأ أو كلاهما، كما قد تقدم في فقرة مسّ الثوابت، وقد أشرنا إلى عدم جزم السيد فضل اللَّه بكذب خبر يشبه الخبر الذي يذكر عدم معرفة علي‏(ع) بحكم شرعي بسيط وأصابته كآبة لذلك، فراح يسأل عنه فاطمة، فراجعه فيما مرَّ، وفي كتاب النكاح للسيد فضل اللَّه (ج1 ص 89).

بيت الأحزان

سئل المرجع الديني آية اللَّه العظمى السيد مهدي المرعشي عن بكاء الزهراء (ع) على أبيها صلى الله عليه و آله وسلَّم السؤال التالي:

ذكر بعض الشيعة: أن بعض الحديث عن أحزان الزهراء(ع) غير دقيق، فلا أتصوّر أنَّ الزهراء(ع) لا شغل لها في الليل والنهار إلا البكاء، ولا أتصوّر أن الزهراء(ع) تبكي حتى ينزعج أهل المدينة من بكائها، مع فهمها لقضاء اللَّه وقدره، وأن الصبر من القيم الإسلامية المطلوبة حتى لو كان الفقيد في مستوى رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم.

هل أن كثرة بكاء الزهراء(ع) وزين العابدين‏(ع) أمر ثابت عند الشيعة أم لا؟ وهل كان بكاؤهما عاطفياً محضاً؟ أم كان وظيفة يمارسها المعصوم لهدف من الأهداف؟

وعلى فرض كونه عاطفياً، فهل يتنافى مع التسليم لقضاء اللَّه وقدره، خصوصاً مع كون الفقيد هو المصطفى صلى الله عليه و آله وسلَّم.

فأجاب مد ظله بقوله: إنَّ بكاء الزهراء(ع)، على أبيها(ص)، ممّا تناقلته الكتب والأحاديث المعتبرة، ولا محذور في ذلك، فإنَّ يعقوب عليه السلام قد بكى على فقد يوسف(ع) حتى ابيضت عيناهُ من الحزن، مع أنَّه كان نبياً يحدثنا القرآن بذلك في سورة يوسِف آيةـ84، فإنَّ هذه الآية تشهد على شدّة الحزن الذي أصابَ يعقوب(ع).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 181/

أضف إلى ذلك أنَّه أيُّ عيْبٍ في أن تبكي سيدةُ النساء(ع) على سيد خلق‏ اللَّه، فإنه قد بكى رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم على ولده إبراهيم الطفل الصغير، ولمّا كلمّوهُ في ذلك قال: إنّها رحمة.

وكذلك ما ورد عن الإمام زينُ العابدين عليه السلام من كثرة بكائه على مصاب أبيه، فهل يقال إنه كان في بكائه معترضاً على قدر اللَّه، وهي صلوات اللَّه عليها كانت تهدف من بكائها إلى تحريك الأمة حول مظلوميتها ومظلومية الوصي عليه وعليها السلام واللَّه الهادي للحق.

يقول السيد فضل الله (الندوة ج1 ص‏429):

بكاء الزهراء (ع) كان بكاءً إسلامياً، وكان بكاء الصابرين، ولم يكن بكاؤها بهذه الصورة التي تظهر في الروايات، «بل كانت تذهب إلى قبر رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم ومعها ولداها، وتتذكره في مواقعه وفي أماكنه، وكانت تأخذ وقتاً لتعبر عن ذلك، ولكنها كانت القوية الصابرة لذلك كان حزنها حزناً إسلامياً، ولم يكن حزناً ذاتياً.

بكاء الذات وبكاء الإسلام

وليت سماحته يوضح لنا أين رأى أنها كانت تذهب إلى قبر رسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم وتتذكره في مواقعه وأماكنه.. ومن أي مصدر أخذ ذلك وهل هذا يعني أنها كانت تكتفي بذلك في زيارته له صلى الله عليه و آله وسلَّم، وأن هذا هو معنى الزيارة لرسول‏ اللَّه‏ صلى الله عليه و آله وسلَّم لا شي‏ء آخر...؟! ومن أين ظهر له أن بكاؤها ليس كما يظهر من الروايات.

وليته يوضح لنا كيف يكون بكاؤها إسلامياً وليس ذاتياً، وبذاتها الطاهرة المطهرة يتجسد الإسلام الحنيف؟؟.

ومن أين أخذ ذلك؟ وأي قاعدة عقلية أو شرعية دلَّته عليه؟ إذ كيف تنفصم عرى الإسلام عن ذاتها الطاهرة(ع)؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 182/

وهل يمكن فرض امرأة خالية من العاطفة على أبيها، فكيف بالزهراء عليها السلام وهي أم أبيها؟

إن اللازم هو القول بأنها كانت تبكيه لنبوته، كما كانت تبكيه لأبوته، وكانت‏ (ع) تبكيه بذاتها، بعين بكائها بإسلامها، وكانت تبكيه بإنسانيتها وعاطفتها، بعين بكائها بالتزامها ومبادئها.

وليت شعري كيف تمكن السيد فضل اللَّه أن يجرد أرقى الناس إحساساً مع أبيها، حتى لقبت بأم أبيها، عن عاطفتها الفياضة تجاه نبيها وأبيها، خصوصاً بعد الحوادث التي جرت عليها بعد وفاته صلى الله عليه و آله وسلَّم، والتي جرَّت عليها ما لا يمكن وصفه من الإيذاء:

صبَّت علي مصائب لو أنها             صبت على الأيام صرن لياليا

وبعد هذا كله أحسبك إذا رجعت أيها القارئ إلى كلام الكاتب (ص167 ـ 169) لألفيته هباءاً منثوراً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 183/

الفصل الثالث    
صدق الكاتب وأمانته في الميزان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 184/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 185/

بداية الانزلاق:

يقول كاتب مأساة المأساة (ص173):

وفي ما يلي سنورد عدداً من آراء العلماء الذين أدلوا بدلوهم في الحادثة، وأعطوا آراء تخالف رأي المؤلف (السيد مرتضى) الذي يصر على أن الثابت هو ما يدعيه دون غيره، وأن ما خالفه مخالف لثوابت المذهب وحقائق التاريخ، ونحن هنا ننقلها كما جاءت في كتاب مأساة الزهراء، حتى لا نتهم بأننا جئنا ببدعٍ من القول في الموضوع، وعلى قاعدة من فمك أدينك.

وقبل الشروع في بيان خيانة الكاتب وتزويره نشرع في توضيح بعض مقدمات هذا الأمر فنقول:

كيف تحدِّد محل النزاع

يمكن تحديد موضع النزاع في قضية الزهراء(ع) من كلمات السيد فضل الله نفسه، المتكررة في أكثر من مورد، والمنشورة في أكثر من اتجاه، ففي رسالته إلى العلامة السيد جعفر مرتضى، وإلى العلامة السيد جواد الگلبايگاني، وإلى أنصار المقاومة في لندن، ينقل عن الإمام شرف الدين ـ والذي كان قوله هذا هو السبب في تساؤلات السيد فضل اللَّه ـ قوله:

إن الثابت عندنا أنهم جاؤوا بالحطب ليحرقوا دار فاطمة، فقالوا إن فيها فاطمة فقال: وإن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 186/

ويقول السيد فضل اللَّه أيضاً، في معرض رده على أجوبة آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي (ص‏16): إننا لا ننكر مظلومية الزهراء في غصب فدك، وفي الهجوم على بيتها، وفي غصب علي الخلافة، لكن لنا إشكالات على بعض الأمور (انتهى).

وهنا لنا أن نعترض على سماحته كيف يكتب إلى المرجع الديني الكبير آية اللَّه الشيخ جواد التبريزي بهذا في تاريخ 16 جمادى 2/1417 هـ، مع أنه كتب قبل ذلك إلى السيد جعفر مرتضى في رسالته إليه والمؤرخة في 1414 هـ، يقول:.... ويصل بالقضية (قضية ضرب الزهراء (ع)) إلى مستوى التسالم وضروريات المذهب.

درء الفتنة

نعم ربما كان عذره عن هذه الرسالة ما ذكره في واحد من دروس التفسير صيف سنة 1996، من أنه إنما كتبها نزولاً عند رغبة بعض الفضلاء، ودرءاً للفتنة التي كادت أن تقع في قم، والظاهر من حديثه هذا أنه لم يكن يعتقد بمضمون ما كتب. وقد كان يمكننا الخوض في حقيقة ما سماه بالفتنة، لكن سوف نرجى‏ء ذلك إلى موضع آخر أنسب من هذا الموضع، وإلى حديث آخر أنسب من هذا الحديث، مع تذكير القارى‏ء بأن الأمر لم يكن فتنة، وإنما كان مأزقاً وقع فيه سماحته، ولو قبلنا منه قوله: إنها فتنة، فنحن نذكره بأنه أول من ابتدأ بذلك فأثار التساؤلات علناً ومراراً، حول موضوع ظلم الزهراء(ع).

لفت نظر

يوجد في حديث السيد فضل الله مع آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي زيادة محدثة لاحقاً لم يكن السيد فضل اللَّه يذكرها في أحاديثه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 187/

السابقة على هذا الحديث، وهي مسألة الهجوم على بيت فاطمة(ع)، حيث كان يقتصر في رسائله السابقة (انظر الملاحق) على قوله: وإن.

والظاهر أن مراده من الهجوم هو مجرد إحضار الحطب للتهديد بالإحراق، حتى يتطابق الكلامان، وإلا فهذا تراجع واضح عن قول الأول.

كما أن ظاهر السيد فضل الله أنه يعتذر في رسالته إلى السيد مرتضى (راجع الملاحق) عن قوله في إسقاط الجنين: (أنه ربما كان في حالة طبيعية)، يعتذر بعدم الإطلاع آنذاك، فيعلم من ذلك أن إسقاط الجنين أيضاً هو محل كلام عنده.

محل النزاع

والمراد من كل هذا إثبات أن محل النزاع في هذه القضية، هو كل ما زاد على قول القائل: وإن، ولك أن تزيد فتقول: كل ما زاد على جمع القوم للحطب على باب دارها (ع) بداعي الإحراق، وهو المعبر عنه بالتهديد بالإحراق، فمراد السيد مرتضى من كتابه إثبات هذا المعنى، وقد أشرنا فيما تقدم إلى أنه يكفيه لذلك كل رواية تدل على أمر زائد على التهديد، وبذا يثبت التواتر المعنوي أو الإجمالي.

فحصر محل النزاع في خصوص كسر الضلع، أو إسقاط الجنين، تحريفٌ للكلام عن مواضعه، وصرفٌ للبحث عن وجهته، التي يقصد السير به وفقها قدماً نحو تحقيق الحق وإبطال الباطل.

الصدق والأمانة تستعصيان على الكاتب؟!

يسرد الكاتب (ص173) كلمات عدة يدعي في حقها بقوله:

«نوردها كما جاءت في كتاب مأساة الزهراء حتى لا نتهم ببدع من القول».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 188/

وهذه الكلمات هي عبارة عن آراء لجماعة من أعيان العلماء الشيعة، يستشهد بها السيد مرتضى في سياق تنسيق الشواهد والقرائن والأدلة، على حدوث ما حدث في ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم زائداً على مسألة التهديد بالإحراق، الذي شكك السيد فضل الله فيه.

فهذا الكاتب يدعي أنها لا تدل على مطلوب السيد مرتضى ومع هذا، لم يمنع الصدق والأمانة وحسنهما كاتبنا «الصادق الأمين!!» عن أن يتلاعب بهذه النصوص.

فلننظر ماذا صنع في فصله المشؤوم! الذي عنونه بقوله:

«البحث يستعصي على الباحث»، ونحن نذكر هذه الأمور في موارد.

المورد الأول:

قال الكاتب في مأساة المأساة (ص‏173) نقلاً عن كتاب مأساة الزهراء:

المحقق الكركي(940هـ):

قال المحقق الكركي: «إنّه قد روى نقلة الأخبار، ومدونو التواريخ، ومن تصفح كتب السير على صحة ذلك: أنَّ عمر لما بايع صاحبه، وتخلف علي‏(ع) عن البيعة، جاء إلى بيت فاطمة الزهراء(ع) لطلب عليّ إلى البيعة، وتكلم بكلمات غليظة، وأمر بالحطب ليحرق البيت على من فيه، وقد كان فيه أمير المؤمنين(ع) وزوجته وأبناؤه، وممن انحاز إليهم الزبير، وجماعة من بني هاشم» (انتهى).

بينما يلاحظ القارى‏ء، أن الذي نقله السيد جعفر مرتضى في مأساة الزهراء(ع) عن المحقق الكركي (رحمه اللَّه)، كان أزيد من هذا بكثير، وهو يتضمن الكثير من الظلامات، ومن جملتها إسقاط المحسن، وإغراء بعض الناس بظلم أهل البيت(ع)، والانتقام منهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 189/

يقول السيد جعفر مرتضى في مأساة الزهراء(ج2، ص‏91):

المحقق الكركي(ت940هـ):

وقال المحقق الكركي: «والطلب إلى البيعة بالإهانة والتهديد بتحريق البيت، وجمع الحطب عند الباب، وإسقاط فاطمة محسناً، ولذا ذكروا فكما رواه أصحابنا إغراء للباقين بالظلم لهم والانتقام منهم».

وقال: «فضلاً عن الزامهم له(ع) بها، والتشديد عليه، والتهديد بتحريق البيت، وجمع الحطب عند الباب، كما رواه المحدثون والمؤرخون، مثل الواقدي وغيره».

وقال أيضاً: «أنه قد روى نقلة الأخبار، ومدونوا التواريخ، ومن تصفح كتب السير علم صحة ذلك: أن عمر لما بايع صاحبه، وتخلف علي‏(ع) عن البيعة جاء إلى بيت فاطمة(ع) لطلب على البيعة، وتكلم بكلمات غليظة، وأمر بالحطب ليحرق البيت على من فيه، وقد كان فيه أمير المؤمنين(ع) وزوجته وأبناؤه وممن انحاز إليهم الزبير، وجماعة من بني هاشم.

وقال: «ولو أن رسول‏ اللَّه أوصى لهما بالأمر، ونص عليهما بالإمامة لما جاز لهما عقوبة الممتنع من البيعة بالتحريق، ولو كان من أداني القوم وأصاغرهم، فكيف وهما إنما يدعيان الخلافة إلخ...».

انتهى ما في كتاب مأساة الزهراء، «وفيه الكثير مما حذفه الكاتب، فليلاحظ.

المورد الثاني:

قال الكاتب‏(ص‏174):

الشهيد القاضي التستري‏(1019هـ):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 190/

قال القاضي نور الدين! التستري: «... وما ظنك بأمرٍ يُدفع فيه صدور المهاجرين، وتُكسر سيوفهم، وتشهر فيه السيوف على رؤوس المسلمين، ويقصد إحراق بيوت ساداتهم إلى غير ذلك».

أقول: قد اقتصر هذا الكاتب على هذا المقدار، وحذف الباقي، والحال أن الذي ورد في كتاب مأساة الزهراء، «يتضمن ما يصح الاستدلال به على ما يدعيه العلامة السيد مرتضى، من إكراه القوم لأهل البيت، وإيذائهم، واسقاط الجنين، وإرادة حرق البيت.

قال العلامة السيد جعفر مرتضى في مأساة الزهراء (ج2، ص‏92).

الشهيد القاضي التستري‏(1019هـ):

وبعد أن ذكر الشهيد السعيد والمتكلّم النحرير، القاضي نور اللَّه التستري، بعض النصوص الدالة على سقوط الجنين، وإرادة إحراق بيت الزهراء، وغير ذلك، قال:

«.. وما ظنك بأمر يدفع فيه صدور المهاجرين، وتكسر سيوفهم، وتشهر فيه السيوف على رؤوس المسلمين، ويقصد إحراق بيوت ساداتهم إلى غير ذلك.

وكيف لا يكون ذلك إكراهاً، لولا عمى الأفئدة، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور إلخ...».

المورد الثالث:

قال الكاتب‏(ص‏174):

الحرّ العاملي‏(1104هـ):

وقال المحدّث الجليل، والفقيه المتكلم، صاحب الموسوعة الحديثية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 191/

الرائدة، «وسائل الشيعة»، وهو يتحدث عن أبي بكر، وعمّا ينفي أهليته للخلافة:

«ومنها: أنَّه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين، لما امتنع هو وجماعة عن البيعة».

لكننا نلاحظ التفاوت بينه وبين ما مذكور في كتاب مأساة الزهراء(ج2، ص‏93) حيث يقول:

الحرّ العاملي‏(1104هـ):

وقال المحدث الجليل، والفقيه المتكلم، صاحب الموسوعة الحديثية الرائدة«وسائل الشيعة»، وهو يتحدث عن أبي بكر، وعما ينفي أهليته للخلافة:

«ومنها: أنه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين(ع)، لما امتنع هو وجماعة عن البيعة.

ذكره الواقدي في روايته، والطبري في تاريخه، ونحوه ذكر ابن عبد ربه، وهو من أعيانهم، وكذا مصنف كتاب أنفاس الجواهر الخ...».

وله كلمات متنوعة ومتفرقة عديدة في مقام الاحتجاج والاستدلال لا نجد ضرورة لنقلها فمن أراد فليراجعها (انتهى ما في كتاب مأساة الزهراء(ع)).

ويلاحظ: أن الكاتب قد حذف السطرين الأخيرين ولم يكلف نفسه عناء المراجعة إلى ما نقله العلامة مرتضى عن الحر العاملي، مع أنه قد أشير في هامش ص‏94 من كتاب مأساة الزهراء(ع) إلى عدة مواضع في كتاب إثبات الهداة للشيخ الحر العاملي، يمكن المراجعة إليها، فراجع (ج2، ص‏334، و361، و376، و377).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 192/

كما أن السيد جعفر مرتضى قد ذكر في مأساة الزهراء(ج2، ص‏23) أبياتاً للحر العاملي ومنها قوله:

ومحسن اسقط في يوم عمر     في فتحة الباب كما قد اشتهر

فلتراجع الأبيات بتمامها حتى تعلم عزيزي القارى‏ء صدق هذا الكاتب وأمانته.

المورد الرابع:

يقول الكاتب(ص‏174):

العلامة المجلسي (1110هـ):

وقال العلامة المتبحر شيخ الإسلام المولى الشيخ محمَّد باقر(المجلسي الثاني) في مقام الإيراد على خلافة عمر بن الخطاب: «... الطعن السابع عشر: إنّه همّ بإحراق بيت فاطمة(ع) وكان فيه أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسنان وهددهم، وآذاهم».

وقال أيضاً: «... إذ تبين بالمتفق عليه من أخبارهم وأخبارنا: أنَّ عمر همّ بإحراق بيت فاطمة(ع) بأمر أبي بكر، أو برضاه، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان، صلوات اللَّه عليهم، وهددهم وآذاهم» (انتهى ما ذكره الكاتب).

وقال في كتاب مأساة الزهراء:

العلامة المجلسي (1110هـ):

وقال العلامة المتبحر شيخ الإسلام المولى الشيخ محمد باقر(المجلسي الثاني) في مقام الإيراد على خلافة عمر بن الخطاب:

«... الطعن السابع عشر: إنه همّ بإحراق بيت فاطمة(ع) وكان فيه أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسنان. وهددهم، وآذاهم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 193/

وقال المجلسي أيضاً:

«... إذ تبين بالمتفق عليه من أخبارهم وأخبارنا: أن عمر همّ بإحراق بيت فاطمة(ع) بأمر أبي بكر، أو برضاه، وقد كان فيه أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسنان صلوات اللَّه عليهم وهددهم وآذاهم.

مع أن رفعة شأنهم عند اللَّه، وعند رسول اللَّه مما لا ينكره إلاّ من خرج عن الإسلام».

فحذف الكاتب هذه الفقرة الأخيرة، وهي تخالف ما يقوله السيد فضل اللَّه بصورة تامة حيث يقول:

إن التحليل التاريخي يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع، لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبةً وثقةً وعاطفةً لدى الناس لم يبلغها أحد (لاحظ الملاحق).

ومن جهة أخرى، فإن عدَّ الشيخ المجلسي في جملة القائلين بأن ما حصل هو خصوص التهديد بالإحراق مما يضحك الثكلى.

والسيد مؤلف مأساة الزهراء وإن لم يذكر هنا إلا العبارة التي استدل بها على الآخرين، لكونها من المتسالم عليه عندهم، إلا أن ذلك لا يعني أنه لم يذكر كلماته الدالة على صريح عقيدته فراجع كتاب مأساة الزهراء(ع) ج2، ص‏184، و185، الفقرات ذوات الأرقام: (30 و31 و32)، فإنها صريحة بأن فاطمة قد اسقط جنينها، وإنها ضغطت بالباب، وأن موتها شهيدة من المتواترات، وأنها قد كُسِرَ جنباها فلماذا اقتصر في استخراج رأي المجلسي على فصل ظلم الزهراء في الاحتجاجات المذهبية؟! ولم ينظر في غير هذا المورد مع كثرتها في ثنايا الكتاب.

المورد الخامس:

يقول كاتب مأساة المأساة نقلاً عن مأساة الزهراء(ع):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 194/

أبو الحسن الفتوني‏(1138هـ):

وهو من أعاظم علماء عصره قال: «فالآن نشرع في بيان نبذٍ مما جرى عليها بعد رسول‏ اللَّه‏(ص)، من التعدي والتفريط، بحيث أجهرت بالشكوى، وأظهرت الوجد والغضب على المعتدين عليها، حتّى أنَّها أوصت بمنعهم عن حضور جنازتها، إذ لا يخفى حينئذٍ على كل منصف، متذكر لما ذكرناه في شأنها، أنَّ صدور مثل هذا عنهم قدح صريح فيهم، حيث لم يبالوا ـ أولاً ـ بما ورد في حقِّها، ولم يخافوا ـ ثانياً ـ من غضب اللَّه ورسوله».

ثُمَّ يستمر في الاستدلال... ثُمَّ يذكر رواية عن بكاء النبيّ‏(ص) حين حضرته الوفاة، فسئل عن ذلك، فقال: أبكي لذريتي، وما يصنع بهم شرار أمتي من بعدي، وكأني بفاطمة وقد ظلمت من بعدي، وهي تنادي: يا أبتاه، يا أبتاه، فلا يعينها أحدٌ من أمتي».

ثُمَّ يقول: «هذا الكلام من النبيّ‏(ص) إشارة إلى ما سيأتي في المقالة الرابعة، من المقصد الثاني، مفصّلاً صريحاً، من بيان هجوم عمر وجماعة معه، بأمر أبي بكر، على بيت فاطمة، لإخراج عليّ والزبير منه للبيعة، وكذا إلى منعها عن فدك، والخمس، وبقية إرثها من أبيها(ص).

ولا بأس إن ذكرنا مجملاً من ذلك ها هنا:

نقل جماعة ـ سيأتي في الموضوع المذكور ذكر أساميهم، والكتب الّتي نقلوا فيها ـ منهم الطبري، والجوهري، والقتيبي، والسيوطي، وابن عبد ربّه، والواقدي، وغيرهم خلق كثير:

أنَّ عمر بن الخطاب وجماعة معه، منهم خالد بن الوليد، أتوا بأمر أبي بكر إلى بيت فاطمة، وفيه عليّ والزبير، وغيرهما، فدقّوا الباب، وناداهم عمر، فأبوا أن يخرجوا.

فلما سمعت فاطمة أصواتهم، نادت بأعلى صوتها باكية: يا أبتاه، يا رسول‏ اللَّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 195/

وفي رواية القتيبي، وجمعٍ غيره:

أنَّهم لما أبوا أن يخرجوا، دعا عمر بالحطب، وقال: والَّذي نفس عمر بيده، لتخرجن، أو لأحرقنها عليكم على ما فيها.

فقيل له: إنَّ فيها فاطمة؟! فقال: وإن...

وفي رواية ابن عبد ربّه: إنَّ فاطمة قالت له: يا ابن الخطاب، أجئتنا لتحرق دارنا؟ قال: نعم.

وفي رواية زيد بن أسلم: أنَّها قالت: تحرق عليّ، وعلى ولدي؟.

قال: إي واللَّه، أو ليخرجن، وليبايعن.

ثُمَّ إنَّ القوم الَّذين كانوا مع عمر لما سمعوا صوتها وبكاءها، انصرف أكثرهم باكين، وبقي عمر وقوم معه، فأخرجوا عليّاً.

حتّى في رواية أكثرهم: إنَّ عمر دخل البيت، وأخرج الزبير، ثُمَّ عليّاً.

واجتمع النَّاس ينظرون، وصرخت فاطمة وولولت، حتّى خرجت إلى باب حجرتها، وقالت: ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت نبيكم».

«... وكفى ما ذكروه في ثبوت دخول بيتها، الَّذي هو من بيوت النبيّ‏(ص) بغير إذنها، وفي تحقق الأذى، لاسيما مع التهديد بالإحراق، حتى أنَّ في «الاستيعاب»، وكتاب «الغرر»  وغيرهما، عن زيد بن أسلم، أنَّه قال: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى دار فاطمة».

«وقال رحمه اللَّه:... إنَّ الَّذي يظهر من روايات القوم، التي نقلناها من كتبهم، موافقة لما روي عن ذريتها الأئمة وغيرهم، هو أنَّ أسباب الأذية لم تكن شيئاً واحداً، بل كانت متعددة، تواترت منهم عليها من حين وفاة أبيها(ص) إلى أن توفيت هي؛ من الهجوم على بابها، بل على داخل بيتها بغير إذنها، وسائر ما ذكرناه، حتّى لو فرضنا أنَّه لم يصدر منهم غير محض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 196/

إظهار الإهانة يوم مطالبة عليّ للبيعة، إلخ..». (انتهى ما نقله الكاتب في مأساته).

ومع أن فيما ذكره هذا الكاتب غنية ودلالة على المدعى، تكذبه في دعواه كون الشريف الفتوني مخالفاً للعلامة السيد جعفر مرتضى، لكن الذي أورده العلامة السيد جعفر مرتضى في كتاب مأساة الزهراء(ج2، ص‏95) يتجاوز هذا المقدار بكثير، ولعله يبلغ ضعفيه، وقد حذف الكاتب كل ذلك، بسبب تضمَّنه أموراً كثيرة، يتحاشى الكاتب أن يلتزم بها أو أن ينسبها إلى السيد فضل اللَّه، لأنها تنقض غرضه ولا تفيده في مطلوبه

يقول السيد مرتضى في مأساة الزهراء(ج، ص‏95):

أبو الحسن الفتوني (ت1138هـ):

قال الشريف أبو الحسن الفتوني، وهو من أعاظم علماء عصره:

«فالآن نشرع في بيان نبذٍ مما جرى عليها بعد رسول‏ اللَّه‏(ص)، من التعدي والتفريط، بحيث أجهرت بالشكوى، وأظهرت الوجد والغضب على المعتدين عليها، حتى أنها أوصت بمنعهم عن حضور جنازتها، إذ لا يخفى حينئذٍ على كل منصف، متذكر لما ذكرناه في شأنها: أن صدور مثل هذا عنهم قدح صريح فيهم، حيث لم يبالوا ـ أولاً ـ بما ورد في حقها، ولم يخافوا ـ ثانياً ـ من غضب اللَّه ورسوله».

ثم يستمر في الاستدلال.. ثم يذكر رواية عن بكاء النبي‏(ص) حين حضرته الوفاة، فسئل عن ذلك، فقال: أبكي لذريتي، وما يصنع بهم شرار أمتي من بعدي، وكأني بفاطمة وقد ظلمت من بعدي، وهي تنادي: يا أبتاه، يا أبتاه، فلا يعينها أحد من أمتي.

ثم يقول:

«هذا الكلام من النبي‏(ص) إشارة إلى ما سيأتي في المقالة الرابعة، من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 197/

المقصد الثاني، مفصلاً صريحاً، من بيان هجوم عمر وجماعة معه، بأمر أبي بكر على بيت فاطمة، لإخراج علي والزبير منه للبيعة. وكذا إلى منعها عن فدك، والخمس، وبقية إرثها من أبيها(ص).

ولا بأس إن ذكرنا مجملاً من ذلك هاهنا:

نقل جماعة سيأتي في الموضع المذكور ذكر أساميهم، والكتب التي نقلوا فيها، منهم الطبري، والجوهري، والقتيبي، والسيوطي، وابن عبد ربه، والواقدي، وغيرهم خلق كثير:

أن عمر بن الخطاب وجماعة معه، منهم خالد بن الوليد، أتوا بأمر أبي بكر إلى بيت فاطمة، وفيه علي والزبير، وغيرهما، فدقوا الباب، وناداهم عمر، فأبوا أن يخرجوا.

فلما سمعت فاطمة أصواتهم، نادت بأعلى صوتها باكية: يا أبتاه، يا رسول اللَّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة.

وفي رواية القتيبي، وجمع غيره أنهم لما أبوا أن يخرجوا دعا عمر بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجن، أو لأحرقنها عليكم على ما فيها.

فقيل له: إن فيها فاطمة؟!.

فقال: وإن...

وفي رواية ابن عبد ربه: إن فاطمة قالت له: يا ابن الخطاب، أجئتنا لتحرق دارنا؟ قال: نعم.

وفي رواية زيد بن أسلم: أنها قالت: تحرق علي، وعلى ولدي؟ قال: إي واللَّه، أو ليخرجن، وليبايعن.

ثم إن القوم الذين كانوا مع عمر لما سمعوا صوتها وبكاءها انصرف أكثرهم باكين، وبقي عمر وقوم معه، فأخرجوا علياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 198/

حتى في رواية أكثرهم: إن عمر دخل البيت، وأخرج الزبير، ثم علياً.

واجتمع الناس ينظرون، وصرخت فاطمة وولولت، حتى خرجت إلى باب حجرتها، وقالت: ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت نبيكم.

وقد ذكر الشهرستاني في كتاب الملل والنحل أن النظام نقل أن عمر ضرب بطن فاطمة ذلك اليوم، حتى ألقت المحسن من بطنها، وكان يصيح: أحرقوها بمن فيها.

وفي روايات أهل البيت(ع) أن عمر دفع باب البيت ليدخل، وكانت فاطمة وراء الباب، فأصابت بطنها فأسقطت من ذلك جنينها المسمى بالمحسن، وماتت بذلك الوجع.

وفي بعض رواياته: ضربها بالسوط على ظهرها.

وفي رواية: «أن قنفذ ضربها بأمره».

ثم يذكر رحمه اللَّه خلاصة مما جاء في كتاب سليم‏ بن قيس، ويذكر أيضاً قول الإمام الحسن للمغيرة بن شعبة».

ثم يقول:

«وكفى ما ذكروه في ثبوت دخول بيتها، الذي هو من بيوت النبي‏(ص) بغير إذنها، وفي تحقق الأذى، لا سيما مع التهديد بالإحراق، حتى أن في الاستيعاب، وكتاب الغرر وغيرهما، عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى دار فاطمة، وسيأتي بعض الأخبار في المقالة الرابعة من المقصد الثاني.

وقال رحمه اللَّه أيضاً:

«ثبوت أذية الرجلين لفاطمة غاية الأذى يوم مطالبة علي بالبيعة، حتى الهجوم على بيتها، ودخوله بغير إذن، بل ضربها، وجمع الحطب لإحراقه، وكذا أذيتها في أخذ فدك منها، ومنع إرثها، وقطع الخمس، ونحو ذلك،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 199/

ووقوع المنازعة بينها وبين من آذاها، وتحقق غضبها، وسخطها على من عاندها، إلى أن ماتت على ذلك، فمما لا شك فيه عندنا من عشر الإمامية، بحسب ما ثبت وتواتر من أخبار ذريتها الأئمة الأطهار، والصحابة الأخيار، كما هو مسطور في كتبهم، بل باعتراف جماعة من غيرهم أيضاً كما سيأتي بعض ذلك، سوى ما مر من أخبار مخالفيهم.

وأما المخالفون، فأمرهم عجيب غريب في هذا الباب، لأن عامة قدماء محدثيهم سطروا في كتبهم جميع من نقلناه عنهم، وأكثروا طرحها؟ (كذا). بل أكثرها موجودة في كتبهم المعتبرة، بل صحاحهم المعتمدة عندهم، لاسيما الصحيحين، اللذين هما عندهم تاليا كتاب اللَّه في الاعتماد، كما صرحوا به.

وقد عرفت، ما فيها من الدلالة صريحاً، حتى على صريح طردها، ومنعها عن ميراثها، وفدكها، وخمسها، ودوام سخطها لذلك إلى موتها.

مع موافقة مضمونها لما هو معلوم بيّن من دفنها سراً، وإخفاء قبرها، بحيث أنهم إلى الآن مختلفون في موضعه..».

إلى أن قال رحمه اللَّه وهو يتحدث عن بعضهم الذي لم يمكنه إنكار أصل القضية:

«أسقط من بعض ما نقله ما كان صريحاً في دوام غضبها. بل موّه في النقل بذكر ما يشعر بعدم الغضب، غفلة منه عن أن مثل هذا لا ينفع في مقابل تلك المعارضات القوية كثرةً، وسنداً، ودلالة... إلخ».

وقال رحمه اللَّه:

«.. إن الذي يظهر من روايات القوم، التي نقلناها من كتبهم، موافقة لما روي عن ذريتها الأئمة وغيرهم، هو أن أسباب الأذية لم تكن شيئاً واحداً، بل كانت متعددة، تواترت منهم عليها من حين وفاة أبيها(ص) إلى أن توفيت هي من الهجوم على بابها، بل على داخل بيتها بغير إذنها، وسائر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 200/

ما ذكرناه، حتى لو فرضنا أنه لم يصدر منهم غير محض إظهار الإهانة يوم مطالبة علي للبيعة إلخ... (انتهى كلام السيد جعفر مرتضى في مأساة الزهراء).

فليلاحظ القارى‏ء المقدار الذي حذفه هذا الكاتب، والمشتمل على تصريحه بإيذاء الرجلين لفاطمة(ع) غاية الأذى، وهجومهم على بيتها، ودخوله بغير إذن وضربها، ومنعها إرثها، وغير ذلك، وكل هذا مما يدل على خيانة هذا الكاتب وتزويره للحقائق بشكل فاضح.

المورد السادس:

يقول الكاتب‏ (ص‏178):

الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228 هـ. ق):

قال الإمام العلم الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير: وهو يُورد إشكالاته على الخليفة الثاني: «... ومنه قصد بيت النبوة وذرية الرسول بالإحراق» (انتهى).

بينما المذكور في كتاب مأساة الزهراء (ج2 ص‏102) هو التالي:.

الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228 هـ. ق):

قال الإمام العلم الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير، وهو يستدل على عدم صحة خلافة أبي بكر:

«.. ومنه إحراق بيت فاطمة الزهراء لما جلس فيه علي‏(ع)، ومعه الحسنان، وامتنع(ع) عن المبايعة، نقله جماعة من أهل السنة، منهم: الطبري، والواقدي، وابن حزامة (كذا) عن زيد بن أسلم، وابن عبد ربه، وهو من أعيانهم، وروي في كتاب المحاسن وغير ذلك».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 201/

وقال وهو يورد إشكالاته على الخليفة الثاني: «... ومنه قصد بيت النبوة وذرية الرسول بالإحراق (انتهى)».

ومن الواضح البين، حذف الكاتب للفقرة الأولى، الدالة صريحاً على إقدامهم على حرق بيت فاطمة الزهراء(ع)، لمّا جلس فيه علي‏(ع) ومعه الحسنان ونقله ذلك عن جماعة من أهل السنة.

المورد السابع:

يقول الكاتب‏ (ص‏178):

السيِّد عبداللَّه شبر(1243هـ. ق):

وقال العلامة المتبحر السيِّد عبداللَّه شبر، في جملة مؤخذاته على عمر بن الخطاب: «إنَّه همّ بإحراق بيت فاطمة(ع)، وقد كان فيه أمير المؤمنين(ع) وفاطمة(ع)، والحسنان وآذاهم إلخ...» (انتهى).

ومع أن هذا الذي نقله لم يزوِّر فيه أو يخن، كما صنع فيما تقدم من الموارد ويأتي، ولكنه دلَّس حيث أوحى للقارى‏ء بأنه إنما يدل على خلاف مدعى السيد جعفر مرتضى، مع أن هذا النص قد تضمن تصريحاً بالتعرض لهم(ع) بالأذى، حين مهاجمتهم لبيت الزهراء، وقد ذكره سماحته في فصل الاحتجاجات المذهبية، مع أنه قد نقل عن السيد عبداللَّه شبر نصوصاً عديدة أخرى تدل على المطلوب (مأساة الزهراء ج2 ص‏184،163،68،57،46،39). والظاهر أن العلامة مرتضى سهى هنا فلم ينقلها عن جلاء العيون مع أنه نقلها عنه فيما تقدم.

وقد كان اللازم للكاتب أن يتحرى العذر لسماحة المؤلف في سهوه ذلك بعد أن فرضنا إحاطته! (أي الكاتب) بالمواضيع التي يطرحها الكتاب الذي ينقده!!؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 202/

المورد الثامن:

يقول الكاتب‏ (ص‏178):

السيد محمَّد قلي الموسوي(1260هـ):

وللسيِّد محمَّد قلي الموسوي النيشابوري الهندي، والد صاحب «عبقات الأنوار» كتاب اسمه«تشييد المطاعن»، أورد فيه عشرات الصفحات المشتملة على النصوص الكثيرة، فكان منها ما ترجمته:

«إنَّ عمر قد هدد فاطمة بالإحراق، وجمع الحطب حول بيتها، كما رواه ثقاة أهل السنة، وأعاظم معتمديهم، وأكابر محدثيهم، من المتقدمين والمتأخرين، كالطبري، والواقدي، وعثمان‏ بن أبي شيبة، وابن عبد ربه، وابن جراية، ومصنف المحاسن، وأنفاس الجواهر، وعبد البر بن أبي شيبة، والبلاذري، وابن عبد البر صاحب الاستيعاب، وأبي بكر الجوهري، صاحب كتاب السقيفة، والقاضي جمال الدين واصل، وأبو الفداء إسماعيل بن علي ‏بن محمود صاحب كتاب المختصر، وابن قتيبة، وإبراهيم‏ بن عبداللَّه اليمني الشافعي صاحب كتاب الاكتفاء، والسيوطي صاحب كتاب جمع الجوامع، وملا علي المتقي صاحب كنز العمال، وشاه ولي اللَّه الدهلوي...».

وهذا مطابق لما ذكر في مأساة الزهراء «لولا أنه حذف من كلامه الفقرة الأخيرة التي تضر بمطلوبه وتبطل مدعاه.

قال العلامة السيد جعفر مرتضى (مأساة الزهراء ج2، ص‏103 و104).

السيد محمد قلي الموسوي‏(ت 1260هـ).

وللسيد محمد قلي الموسوي النيشابوري الهندي، والد صاحب عبقات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 203/

الأنوار كتاب اسمه تشييد المطاعن، أورد فيه عشرات الصفحات المشتملة على النصوص الكثيرة. فكان منها ما ترجمته:

إن عمر قد هدَّد فاطمة بالإحراق، وجمع الحطب حول بيتها، كما رواه ثقاة أهل السنة، وأعاظم معتمديهم، وأكابر محدثيهم، من المتقدمين والمتأخرين، كالطبري، والواقدي، وعثمان‏ بن أبي شيبة، وابن عبد ربه، وابن جراية، ومصنف المحاسن وأنفاس الجواهر، وعبد البر بن أبي شيبة، والبلاذري، وابن عبد البر صاحب الاستيعاب، وأبي بكر الجوهري، صاحب كتاب السقيفة، والقاضي جمال الدين واصل، وأبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمود صاحب كتاب المختصر، وابن قتيبة، وإبراهيم بن عبد اللَّه اليمني الشافعي صاحب كتاب الاكتفاء والسيوطي صاحب كتاب جمع الجوامع، وملا علي المتقي صاحب كنز العمال، وشاه ولي اللَّه الدهلوي...».

ثم ذكر كلمات هؤلاء...

وقال أيضاً:

وقوع إحراق بيت الزهراء، ورد في الروايات، وتؤيده القرائن الصادقة الموجودة في كتب أهل السنة. (انتهى كلام العلامة السيد مرتضى في مأساة الزهراء).

وهذا الكلام واضح الدلالة على أن البيت قد أحرق، وأن ذلك قد ورد في الروايات، وفي كتب أهل السنة من القرائن الصادقة ما يؤيده، فلماذا حذفه الكاتب الأمين؟!!

ومتى كان القول بالإحراق مخالفاً لكلام السيد مرتضى حتى يحتج به عليه؟

وهل السيد فضل الله إلا مخالف لهذا الكلام؟ فكيف مع هذا يصح قول هذا الكاتب من «فمك أدينك» في حق العلامة السيد مرتضى؟ أو ليست هذه القاعدة أوضح انطباقاً على كاتبنا الجليل! وخيانته وتزويره؟!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 204/

المورد التاسع:

يقول الكاتب (ص‏179):

آية اللَّه المظفر (1375 هـ. ق):

وقال العلامة آية اللَّه الشيخ محمَّد حسن المظفر: «... وبالجملة، يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له، بل رواية الواحد منهم له، لاسيما مع تواتره عند الشيعة، ولا يحتاج إلى رواية البخاري ومسلم وأمثالهم من أجهده العداء لآل محمَّد(ص)، والولاء لأعدائهم، وأدام التزلف إلى ملوكهم وأمرائهم، وحسن السمعة عند عوامهم.

وقال: «... على أنَّ الإحراق لو وقع ليس بأعظم من غصب الخلافة» (انتهى).

هذا والحال أن المنقول في كتاب مأساة الزهراء، يزيد على هذا بفقرة حذفها من وسط كلام الشيخ المظفر (رض).

فلننظر ونقارن بين ما تقدم، وما ذكره العلامة السيد جعفر مرتضى (مأساة الزهراء ج2 ص‏105) حيث يقول:

آية اللَّه المظفر (ت1375هـ. ق):

وقال العلامة آية اللَّه الشيخ محمد حسن المظفر:

«... وبالجملة، يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له، بل رواية الواحد منهم له، لاسيما مع تواتره عند الشيعة، ولا يحتاج إلى رواية البخاري ومسلم وأمثالهم ممن أجهده العداء لآل محمد(ص)، والولاء لأعدائهم، وأدام التزلف إلى ملوكهم وأمرائهم، وحسن السمعة عند عوامهم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 205/

وقال: «من عرف سيرة عمر وغلظته مع رسول‏ اللَّه‏(ص) قولاً وفعلاً لا يستبعد منه وقوع الإحراق، فضلاً عن مقدماته».

وقال: «على أن الإحراق لو وقع ليس بأعظم من غصب الخلافة».

ويلاحظ:

أن الكاتب حذف الفقرة التي لا يستبعد آية اللَّه المظفر فيها وقوع إحراق بيت الزهراء(ع) فضلاً عن مقدماته.

بل لقد قال آية اللَّه المظفر رحمه اللَّه: «لو قال القائل: إنهم أحرقوا الباب لم يبعد عن الصواب (دلائل الصدق ج3 ص‏35).

ومن المعلوم أن الاحتجاج على الخصم، إنما هو في الأمور المسلمة عنده ولا يجد عنها مناصاً.

ولا يدل ذلك على أن اعتقاد المستدل مقصور على ما يواجه به خصمه في مقام الحجاج والاحتجاج.

ومن الغريب تعمد هذا الكاتب حذف هذه الفقرة من وسط الكلام، مع أنه سبق أن حذف فقرة من أول الكلام في المورد السادس، وأخرى في آخر الكلام في المورد الثامن، ومع هذا الاقتطاع والتحريف المفضوح من أول الكلام وآخره ووسطه، قطع الطريق علينا نحو أي حملٍ على الأحسن كاحتمال السهو والنسيان، ربما يدعيه الكاتب لنفسه في مقام التبرير والتمويه بعد فضيحته هذه.

المورد العاشر:

يقول الكاتب‏ (ص‏179):

السيِّد شرف الدين‏(1377هـ. ق):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 206/

يقول المؤلف: «قدمنا في فصل سابق بعض الحديث عن احتجاجات الإمام العلم السيِّد عبد الحسين شرف الدين على الآخرين، بالتهديد بالإحراق، الثابت بالتواتر القطعي، وبأنَّ أبا بكر قد كشف بيت فاطمة(ع)» (انتهى).

بينما المذكور في مأساة الزهراء(ج2 ص‏106):

السيِّد شرف الدين‏(1377هـ. ق):

قدمنا في فصل سابق بعض الحديث عن احتجاجات الإمام العلم السيد عبد الحسين شرف الدين على الآخرين، بالتهديد بالإحراق، الثابت بالتواتر القطعي. وبأن أبا بكر قد كشف بيت فاطمة، وغير ذلك، فلا نعيد. (انتهى).

وهنا نلاحظ:

إنه قد حذف كلمة: «وغير ذلك فلا نعيد».

إن كشف بيت فاطمة إنما يعني دخول بيتها، وهتك حرمته، وهذا ما يأبى السيد فضل اللَّه  الالتزام به، وهو القائل بأن الثابت إنما هو إلى قول القائل: وإن.

المورد الحادي عشر:

يقول الكاتب‏ (ص‏180):

الشهيد الصدر(1400هـ. ق):

وقال المفكر الإسلامي الكبير الشهيد السعيد السيِّد محمَّد باقر الصدر تغمده اللَّه برحمته: «... إنَّ عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي، الذي أقامه النبيّ مركزاً لدعوته، قد هجم على آل محمد(ص) في دارهم، وأشعل النّار فيها أو كاد».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 207/

وقال: «سيرة الخليفة وأصحابه مع عليّ، التي بلغت من الشدة أنَّ عمر هدَّد بحرق بيته، وإن كانت فاطمة فيه».

وقد نقل كلامه في مأساة الزهراء(ج2 ص‏106) قال:

الشهيد الصدر(1400هـ. ق):

وقال المفكر الإسلامي الكبير الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر تغمده اللَّه برحمته:

«.. إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي، الذي أقامه النبي مركزاً لدعوته، قد هجم على آل محمد(ص) في دارهم، وأشعل النار فيها أو كاد».

وقال: «سيرة الخليفة وأصحابه مع علي، التي بلغت من الشدة أن عمر هدَّد بحرق بيته، وإن كانت فاطمة فيه.

ومعنى هذا: إعلان أن فاطمة وغير فاطمة من آلها، ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتخذ معهم نفس الطريقة التي سار عليها مع سعد بن عبادة، حين أمر الناس بقتله» (انتهى كلام السيد الصدر).

وهنا ملاحظات:

نرى أن هذا الكاتب يعدُّ السيد الصدر من القائلين بأن ما حصل إنما هو مجرد التهديد بالإحراق، مع أن السيد الصدر يصرِّح ويقول: هجم على آل محمد(ص) في دارهم وأشعل النار فيها أو كاد، وهو واضح الدلالة على ما هو أزيد من التهديد.

حذف كلام الشهيد الصدر، الذي يعبر فيه عن عدم وجود حرمة للزهراء(ع) تمنعهم من قتلها، وهذا ما لا يقبل به السيد فضل الله حيث يقول: إن قلوب الذين جاء بهم عمر كانت مملوءة بحب الزهراء فكيف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 208/

نتصور أن يهجموا عليها؟

ويقول أيضاً: إن مكانة الزهراء ومحبتها تمنعان من ارتكاب شي‏ء في حقها، «كما أن السيد فضل اللَّه فوكما عرفت فيما تقدم فسر قول القائل: (وإن)، بقوله: يعني أنه لا شغل لنا بفاطمة إنما نريد أن نعتقل علياً وهو الأمر الذي لم يسمع به، ولم يجرء عليه أحدٌ من الناس.

أين الأمانة؟

إن هذا الكاتب قد أخذ أحد عشر نصاً من فصل: «ظلم الزهراء في الاحتجاجات المذهبية، وقد أصبح من الواضح لزوم التنبيه على بعض الأمور، فنقول:

إن الاحتجاج على الخصم إنما هو بالحجة التي لا يجد عنها مناصاً كما تقدم، أن الاحتجاج بأمر لا يعني أن ذلك الأمر يمثل كل ما يعتقد به ذلك المستدل، فقد يكون ما يعتقد به أوسع بكثير مما يستدل به على المنكر، فربما يكون المستدل معتقداً بأنها (ع) قد تعرضت لإسقاط الجنين، وللضرب ولإحراق البيت، وللأذى، لكنه يريد أن يلزم الطرف الآخر بواحد أو أثنين من هذه الأمور فقط.

فلا معنى للقول: إن ما يستدل به المستدل على المنكرين هو تمام ما يعتقد به ويذهب إليه، فحتى لو أثبت في استدلاله مجرد الأذى، فإن ذلك لا يعني أنه ينفي الإحراق، أو سقوط الجنين مثلاً.

فلا بد من البحث، عن تمام معتقده في موارد أخرى من كتابه الذي هو بصدد بيان أفكاره فيه.

ونحن نرى في هذا الفصل ثمانية نصوص قد اقتطع الكاتب منها ما لا يضر بمطلوبه، أخذها من خصوص فصل: ظلم الزهراء في الاحتجاجات المذهبية فقط، وثلاثة منها أخذها أيضاً من هذا الفصل، ولكنه لم ينظر في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 209/

سائر الفصول، رغم أن فيها نصوص صريحة جداً في خلاف مطلوبه.

والنصوص الثلاثة ترتبط بـ:

العلامة المجلسي.

العلامة السيد عبداللَّه شبر.

شيخ الإسلام الحر العاملي.

وقد عرفت أيها القارى‏ء أن محل البحث، هو كل ما زاد على التهديد بالإحراق، وعباراتهم رحمهم اللَّه واضحة الدلالة على ذلك، فلا وجه ملزم بكون هؤلاء العلماء قائلين بخصوص كسر ضلعها (ع)، حتى يكونوا من الموافقين للعلامة مؤلف مأساة الزهراء، ولا حاجة إلى أزيد مما ذكروه مما يزيد على التهديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 210/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 211/

الخاتمة

وإذا عرفت عزيزي القارى‏ء خيانة الكاتب الصارخة في هذا المقام، كما نبهناك على بعض ذلك في ما تقدم في ثنايا هذا الكتاب، عرفت أن البحث قد استعصى على هذا الكاتب حقاً، لأن من أوليات البحث، وواضحات شرائطه، الصدق والأمانة في النقل، وعدم خيانة العلم والعلماء ولا القراء.

نعم استعصى هذا البحث على كاتبنا في صدقه وأمانته؟!!

لكن البحث العلمي الملتزم بالصدق والأمانة، وبالقيم الدينية والأخلاقية، وبالمبادى‏ء الرسالية لم يستعص على أمثال الباحث المحقق، والعلامة المدقق، الفاضل الكامل، المجاهد بعلمه وعمله، سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي أعزه اللَّه بنصره، وخذل عدوه بقدرته.

نعم استعصى على هذا الكاتب البحث بصدقٍ وأمانة، فخان الحق والحقيقة، وتمرَّد عليهما في وعلميته، وفي منهجيته، وفي موضوعيته، وفي أدبه، وفي أخلاقه، وغير ذلك مما لم يزل هذا الكاتب يصف نفسه وبحثه به، زوراً وبهتاناً، ولكن لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.

ولنختم هذا الكتاب بهذه الفضيحة التي وسمت جبين كاتبه وكل من روَّج لهذا الكتاب وساهم بنشره وإنشائه، عالماً بتزويره وكذبه وافترائه وخيانته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 212/

وكفى باللَّه تعالى وكيلاً، وبمحمد(ص) خصيماً، وبعلي‏(ع) شهيداً وبالزهراء(ع) ظهيراً، وبالحجة المنتظر (ع) نصيراً.

(وقل اعملوا فسيرى اللَّه عملكم ورسوله والمؤمنون).

وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 213/

الملاحق   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 214/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 215/

الملحق [1]

رسالة من السيد جعفر مرتضى إلى السيد فضل الله.

بسمه تعالى، وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسين فضل الله دام تأييده.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

وبعد: فإنني أسأل اللَّه سبحانه أن يحفظكم ويرعاكم ويسدد في سبيل اللَّه خطاكم، وينصركم ويطيل في عمركم لخدمة دينه، واعزاز عباده، إنه ولي قدير وبالإجابة جدير.

هذا... والغرض من مزاحمتكم هو الاستفسار عن أمر يتداوله البعض هنا عن موقفكم من موضوع إحراق بيت الزهراء، واسقاط جنينها، وكسر ضلعها، وغير ذلك مما جرى عليها، فالرجاء أن تتكرّموا علينا بإيضاح هذا الأمر لتظهر الحقيقة ويسفر الصبح لذي عينين.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

2 /  ج1 / 1414 هـ ق.

جعفر مرتضى العاملي‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 216/

صورة الملحق رقم [1]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 217/

الملحق [2]

الجواب الأول عن الرسالة السابقة:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم     
بيروت 3/6/1414

أخي العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر مرتضى حفظه اللَّه.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته مع محبّتي وتقديري ودعائي.

وبعد: فقد تسلّمت رسالتكم المتضمّنة ما يتداوله البعض عما يعتبرونه موقفي من موضوع ما جرى لسيدتنا سيّدة النساء(ع) من ظلمها والعدوان عليها، مع طلب تعيين الموقف.

أولاً: لقد كانت المسألة كلّها أنّ لدي تساؤلات تاريخيّة تحليليّة في دراستي الموضوع كنت أُحاول إثارتها في بحثي حول هذا الموضوع، لا سيّما أنّي كنت قد سمعت من الإمام شرف الدين «قده» جواباً عن سؤال له حول الموضوع أنّ الثابت عندنا أنهم جاؤوا بالحطب ليحرقوا البيت، فقالوا: إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن..

ولذلك فقد أجبت عن سؤال حول الموضوع أن السند محلّ مناقشة في بعض ما ورد ولكنّه أمر ممكن.

وعن سؤال حول إسقاط الجنين أنه من الممكن أن يكون طبيعيّاً، لأني كنت آنذاك أحاول البحث في الروايات حول هذا الموضوع، وقد عثرت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 218/

أخيراً على نصّ في البحار عن دلائل الإمامة للطبري مروياً عن الإمام الصادق(ع) أنّ اسقاط الجنين كان بفعل وخزها(ع) بنصل السيف بأمر الرجل، كما أنّ الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة عليه، والنظّام يؤكده.

ثانياً: إن هناك كثيراً من الإرتباك في الروايات حول وقوع الإحراق أو التهديد به، كما أنّ الملحوظ أنّ شخصية الزهراء(ع) كانت الشخصية المحترمة عند المسلمين جميعاً، بحيث أن التعرض لها بهذا الشكل قد يثير الكثير من علامات الاستفهام، وذلك من خلال ما نلاحظه من تعامل الجميع معها في أكثر من خبر.

ثالثاً: إن المسألة كلّها تدخل في نطاق التساؤلات التحليلية لمثل هذه المسألة في أبعادها التاريخية، سواء من ناحية السند أو المتن أو الأجواء العامة.

وإنّني أعتقد أن إثارة هذه التساؤلات تدفع الكثيرين للبحث ولتركيز المسألة من ناحية علميّة. لأننا إذا استطعنا أن نصل بها إلى التحقيق الدقيق الذي يضع القضية في نصابها الصحيح، فإننا نركز علاقتنا بالمأساة على أساس علمي خاضع للنقد والتحليل، وأن التهويل بالطريقة الانفعالية لن يثبت حقّاً ولن يهدم باطلاً، وأنّ إثارة العامّة بالوسائل الغوغائية لا يمكن أن يخضع لتقوى اللَّه.

وخلاصة الأمر: إنه حديث في مجال إثارة التساؤلات التحليلية من أجل الوصول إلى الحق، وليس موقفاً حاسماً، لأننّا لا نملك عناصر الرفض قطعاً، ولكننّا نتحرك بالطريقة العلمية في تجربة الإثبات، وأتصّور أنّ حرصنا على مصلحة الإسلام الحق في خطّ أهل البيت(ع) أقوى من كلّ الكلمات التي لا تخاف اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

محمد حسين فضل اللَّه‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 219/

صورة ملحق رقم [2]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 220/

صورة ملحق رقم [2]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 221/

الملحق [3]

الجواب الثاني للسيد فضل اللَّه عن رسالة السيد جعفر مرتضى:

أخي حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر مرتضى حفظه اللَّه.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته وبد.

لقد كان الحديث عن الصديقة الزهراء(ع) منطلقاً من إثارة احتمالات تحليلية، من أجل الوصول إلى نتائج علمية في هذه الأمور وغيرها، ولم يكن حديثاً جماهيرياً، وكانت هناك ملاحظات وتساؤلات كنت أعمل على الوصول من خلالها إلى جواب شافٍ وقد رأيت أن كثيرين من علمائنا رووا هذه الروايات في كتبهم، بحيث أنه إذا ناقش البعض في سندها، فإن عمل العلماء مع الشهرة التي تصل بالقضية إلى مستوى التسالم وضروريات المذهب قد يجبر هذا الضعف.

وقد لاحظت وجود هذه الأحاديث في أكثر من مصدرٍ من مصادرنا المهمة كدلائل الإمامة للطبري وتلخيص الشافي والبحار وغيرها.

وإذا كنت قد تحدثت عن سقوط الجنين بأنه قد يكون في حالة طبيعية طارئة فإنني لم أكن آنذاك مطلعاً على مصادره، ولذلك أثرت المسألة على سبيل الاحتمال، لاسيما أني رأيت الشيخ المفيد (قده) يقول في الإرشاد ما نصه «وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة صلوات اللَّه عليها أسقطت بعد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 222/

النبي‏(ص) ولداً ذكر كان سماه رسول اللَّه‏(ص) وهو حمل محسناً، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين(ع) ثمانية وعشرون واللَّه أعلم».

وقد رأيت أخيراً أن الحديث عن محسن السقط ورد في كتب الخاصة والعامة، كما أن حديث الإسقاط بالاعتداء جاء في رواية دلائل الإمامة للطبري وهكذا وردت أحاديث متعددة حول كسر الضلع ونحوه من الفظائع.

إنني أعتقد أن إثارة مثل هذه المسألة التي مضى عليها وقت طويل في مجلس محدود حتى أنها ليست معروفة عندنا في لبنان بشكل عام، لم ينطلق من غيرة على الزهراء المعصومة(ع)، لأنّ مثل هذه القضايا لا تعالج بهذه الطريقة، إنني أخشى أن يكون وراء هذه الحملة أجهزة مخابراتية تعمل على إرباك الواقع الإسلامي لاسيما في الظروف الحاضرة التي يخوض فيها المسلمون المعركة الصعبة ضد الاستكبار الأمريكي، ونخوض فيها في لبنان المعركة ضد إسرائيل، لأنه ليس من الطبيعي إثارة هذه القضايا بالشكل الغوغائي الذي لا يقف عند حدود اللَّه.

وإني أدعو الجميع إلى أن يتقوا اللَّه في الإسلام والمسلمين، وأن يعالجوا القضايا التي قد تثار في مثل هذه الأمور بالطريقة المسؤولة.

وليس لي من كلمة من التعليق على كل أنواع الإثارة التي استهدفتني ظلماً وعدواناً إلا أن أقول ما قاله جدنا رسول‏ اللَّه‏(ص):

اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

محمد حسين فضل الله‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 223/

صورة ملحق رقم [3]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 224/

صورة ملحق رقم [3]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 225/

صورة ملحق رقم [3]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 226/

الملحق [4]

رسالة من العلامة السيد جواد نجل آية اللَّه العظمى السيد الگلبگاني:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسين فضل الله دام فضله.

تحية طيبة وبعد.

منذ مدة لم نوفق لزيارتكم راجين اللَّه أن يكون المانع خيراً، وأن تكونوا كما كنتم موفقين في جهودكم وجهادكم في سبيل إعلاء كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، متمتعين بنعمة الصحة الكاملة والعافية التامة.

قبل أيام جاءتنا ورقة منقولة عن خطابكم المسجل بمناسبة أيام الفاطمية، وتحليلكم للقضايا، مما أثار استغرابنا لتلك التحليلات والتعليلات، وأنتم ممن لا يخفى عليه محاذير إثارة مثل هذه القضايا في الوقت الراهن من على منبر الخطابة، أمام الحشود المتحمسة لقضية جدتنا الصديقة فاطمة الكبرى سلام اللَّه عليها، المروية عن ثقات المحدثين الذين لا يرتاب في أحاديثهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 227/

فالمأمول أن تتدراكوا الموقف بما ترونه مناسباً، لئلا تثار ضدكم الأقاويل، ولا يجرح شعور المؤمنين، وأنتم أعرف بالقرار المناسب الذي تتخذونه، ودمتم والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

في 22/ ج1/ 1414هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 228/

صورة ملحق رقم [4]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 229/

الملحق [5]

رسالة السيد فضل اللَّه الجوابية على رسالة السيد جواد نجل المرجع الديني الكبير السيد الگلبايگاني:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

حضرة الأخ العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد گلبايگاني دام عزه.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته مع المحبة والدعاء وبعد، فإني أشكر لكم عواطفكم الأخوية في رسالتكم الكريمة، سائلاً المولى سبحانه أن يحفظكم مع جميع المتعلقين في رعاية سيدنا ومولانا دام ظله.

أما عن الملاحظة حول حديثي في قضية جدتنا الصديقة الطاهرة المعصومة الزهراء(ع)، فلم يكن في حشود جماهيرية متحمسة، بل كان حديثاً قبل أكثر من سنة في مجتمع نسائي صغير جواباً عن سؤال، وكنت في ذلك الوقت في حالة بحث تاريخي حول الموضوع انطلاقاً من كلمة سمعتها قبل خمسٍ وثلاثين سنة أو أكثر من المرحوم الإمام شرف الدين‏(قده) جواباً عن سؤالي حول الموضوع، فقد قال لي: إن الثابت عندنا أنهم جاؤوا بالحطب ليحرقوا الدار، فقالوا: إن فيها فاطمة. قال الرجل: وإن، كما أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 230/

الشيخ المفيد(قده) في الإرشاد تحدث عن إسقاط محسن بنحو الاحتمال، بعنوان أنه روى بعض الشيعة حديثنا حول هذا الموضوع، لذلك كنت أحاول دراسة الموضوع تاريخياً من جهة السند ومن جهة المتن، ومن خلال بعض التحليلات التاريخية.

فكان الجواب في ذلك المجتمع الشافي مختصراً وسريعاً على نحو إثارة الاحتمال، ولكني عثرت في أبحاثي بعد ذلك على كثير من النصوص التي تتحدث عن الموضوع في تلخيص الشافي، وفي دلائل الإمامة للطبري.

أنني أحب أن أبين لكم أن المسألة لم تأخذ بعداً جماهيرياً كما تذكرون، وإن اثارة الاحتمال انطلاقاً من بعض الملاحظات لا يمثل أية مشكلة من هذا القبيل، ولا يجرح شعور المؤمنين، ويمكن بعض الناس حاولوا أن يثيروا هذه المواضيع بعيداً عن تقوى اللَّه ليحرّفوا الكلم عن مواضعه من دون تحقيق وتدقيق.

لقد أرسلت رسالة للعلامة السيد جعفر مرتضى حول الموضوع جواباً عن سؤاله.

إنني أعتقد أن علينا أن نبحث هذه الأمور بطريقة علمية قبل أن يبحثها غيرنا من أعداء أهل البيت بطريقة عدوانية، ولا أتصور أن البحث العلمي في هذه الأمور يختلف في البحث العلمي الأصولي والفقهي والكلامي، ولا أتصور أن النتائج فيه فأياً كانت تختلف عن النتائج هناك.

فإذا كانت الغوغاء هي الأساس في تقويم الأمور فإن ذلك يمنع من كثير من الأبحاث التي تؤكد الحقائق، وإنني أدعو جميع اخواني من العلماء والباحثين إلى دراسة هذه الأمور بالدقة والتحقيق، لأن ذلك هو سبيل الوصول إلى الصواب، وهو الطريقة المثلى لتأكيد كل تراثنا، بالطريقة المثلى على أساس الحق والواقع.

ختاماً أقبل أنا هل سيدنا آية اللَّه العظمى السيد الگلبايگاني دام ظله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 231/

راجياً دعاه، وأبعث بتحياتي إلى أخيكم الجليل وإلى أولادكم وإلى جميع المتعلقين والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

2/ 6/ 1414هـ

محمد حسين فضل الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 232/

صورة ملحق رقم [5]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 233/

صورة ملحق رقم [5]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 234/

صورة ملحق رقم [5]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 235/

صورة ملحق رقم [5]  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 236/

الملحق [6]

منشور وزع باسم أنصار المقاومة

السؤال:

سماحة السيد فضل اللَّه... في هذه الأيام يحمل بعض الجهلة قصة الزهراء(ع) وما كنتم قد صرحتم به، كقميص عثمان.

ويظنون أنهم أقرب إلى الزهراء منكم، قائلين أنكم أسقطتم حق الزهراء(ع) في فدك، وأنكم غير متأكدين من الحديث القائل: إنهم كسروا الباب عليها، وكسروا ضلعها، وأسقطوا جنينها. وأخيراً موضوع الستار والقلادة والأساور، فهم يحرفون حديثكم عند نقله ويزيدون عليه، كما وأنهم يعترضون على أصله. فما هو تعليقكم حول هذه؟.

الجواب:

لم أكن أحب الإجابة على مثل هذه الأسئلة، لكنني أشعر ونحن في ساحة المعركة مع الاستكبار العالمي وإسرائيل‏ أنه هناك خطاً مخابراتياً يتحرك من خلال أجهزة المخابرات الدولية والمحلية. بالإضافة إلى أن بعض الصحف اللبنانية تقوم بحملة من أجل إرباك الحالة الإسلامية وتشويش الجو الإسلامي وتعقيد أوضاعه، من خلال ما تبثه من كلمات بين المسلمين حتى تبعدهم عن قضاياهم الأساسية، بما تروجه من القيل والقال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 237/

ومن الواضح أن الهم العالمي لإبعاد المسلمين عن قضاياهم التي تتعلق بمصيرهم وأهدافهم، امتد إلى أكثر من بلد من البلدان الإسلامية وخاصة في لبنان، وفي بعض المواضع في الجمهورية الإسلامية.

وأحب أن يكون تعليقي الأول على مثل هذه القضايا وما يثار حولها، أن نلتفت إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). وإلى قوله أيضاً: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً). وسأبين ما هي طبيعة هذه المسألة وما أثير حولها، وقد عودتكم أن أكون صريحاً معكم في كل القضايا.

قبل سنة، وفي اجتماع للجنة النسائية في مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد تحدثت عن شخصية الزهراء(ع)، وبينت ما تستحقه من تعظيم وتقديس باعتبارها المرأة الإسلامية النموذجية والتي يجب على كل نسائنا الاقتداء بها وجعلها الأسوة الحسنة لهن، وسئلت عن مسألة كسر ضلع الزهراء(ع) فقلت آنذاك: إن الرواية حسب اطلاعي الواردة في هذه القضية ضعيفة، وقلت: إن التحليل التاريخي يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع، لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبة وثقة وعاطفة لدى الناس لم يبلغها أحد، لذلك عندما هجم من هجم ليحرق بيتها بالحطب وذلك عندما امتنع علي‏(ع) عن المبايعة واعتصم في بيته قيل له: (إن فيها فاطمة) ولم يقولوا: فيها علي، ورد هو بغلظته: (وإن يكن).

إن المسألة لا تعدو اثارة الاحتمال المبني على ما ذكرت، وهو احتمال تحليلي علمي. وكثيراً ما يثير الإنسان بعض التساؤلات وعلامات الاستفهام من أجل الوصول إلى جواب لما يثار أمامه. ولم يصدر فمن جانبي وقتذاك جواب حاسم ينفي الواقعة وأنها لم تقع، والشريط موجود عند كل الناس.

كنا نقول: إن هناك تحفظاً بالرواية الواردة، لأن سندها ضعيف، ولأن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 238/

تحليل موقع الزهراء(ع) في نفوس المسلمين فآنذاك يجعلنا نستبعد أنهم يجرؤن على ذلك، حتى ولو كانوا في أشد حالات الانحراف والوحشية.

وهذا لم يكن تبرئة منا لمن فعل ذلك، ونحن لا نبرأ من جاء بالحطب ليحرق بيت علي‏(ع). لم يكن تبرئة وإنما هو دراسة تحليلية للمسألة من وجهة نظر تاريخية. ولست الوحيد الذي أثار علامات الاستفهام حول ذلك، فقد سمعت من المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين‏(قده) في عام 1955 قوله: إن الثابت عندنا أنهم جاؤوا بالحطب ليحرق بيت الزهراء(ع). فقالوا: إن بها الزهراء، فقال: (وإن يكن). وهذا أيضاً ما يؤكده الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر(قده) في كتابه «فدك في التاريخ» حيث يؤكد على هذه الرواية ولا يؤكد، على غيرها، مما يدل على أن عنده تحفظاً على غيرها. واثارة التحفظات في المسائل التاريخية بطريقة علمية وفقاً لمناهج البحث التاريخي يحدث عند كل الباحثين وكل العلماء.

ولكن أحب أن أشير هنا إلى أن الذين نسبوا إليَّ أنني أنكرت ذلك بشكل قاطع، كانوا كاذبين أو يحرفون الكلم عن موضعه، لأن المسألة أنني أثرت علامة استفهام، وأبديت بعض التحفظات، من أجل إثارة البحث حولها. خاصة وأن ما نعرفه من جمهور المسلمين الشيعة في احتفالاتهم بالزهراء(ع) فأنهم يتحدثون عن ذلك بشكل يوجب الثقة حتى بالحديث الضعيف، وأن المسألة يقينية لا تحتمل الخلاف أبداً.

مع العلم أن الأخذ بالحديث الضعيف إذا عمل به المشهور محل كلام عندهم، وهو رأي علمي قابل للجدل، فالمرحوم آية اللَّه السيد الخوئي‏(قده) كان يرى أن عمل المشهور من الناس لا يجبر ضعف الخبر الضعيف مع أن البعض يرى أنه يجبر ضعفه، هذا من الناحية العلمية.

وأريد أن ألفت النظر أيضاً إلى أن الشيخ المفيد رضوان اللَّه عليه وهو من علمائنا الكبار، هو أول من تحفظ على أصل مسألة إسقاط جنين الزهراء(ع) فقد نسب القول بذلك إلى بعض الشيعة، دون تبني ذلك منه، مع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 239/

أن تلميذه الشيخ الطوسي(ع) تبنى ذلك، فالمسألة بحد ذاتها محل جدل واختلاف في بعض جوانبها، مع أنه وردت الأخبار من الطرفين بأن الزهراء(ع) أسقطت محسناً. ونحن ففي وقتها احتملنا أن يكون هذا الإسقاط طبيعياً من خلال اعتمادنا على ما يراه الشيخ المفيد(قد).

وأحب أن أؤكد على أن مسألة كسر ضلع الزهراء(ع) وعدمه، وإسقاط جنينها وعدمه، هي من المسائل التاريخية، فلا تمس أصل التشيع ولا الشريعة الإسلامية، فضلاً عن تأثير ذلك على مسألة العصمة، فإن عصمتها(ع) وهي مما لا يتطرق إليه الشك والريب شي‏ء، واحتمال عدم ثبوت بعض الوقائع التاريخية المتصلة بحياتها شي‏ء آخر.

ثم لماذا كل هذه الضوضاء، والكثير من العلماء يناقشون في كثير من القضايا التاريخية، قد يرى البعض يناقش في تاريخ ولادة الزهراء(ع)، هل ولدت قبل البعثة بخمس سنوات أو ست سنوات؟ أم أنها ولدت بعد البعثة؟ ولا يعتبر ذلك كفراً أو انحرافاً. وأنا فكما ذكرت لكم لم أجزم بهذا الموضوع، والتاريخ أمامنا، فقد يثق به البعض جملة وتفصيلاً، ويناقش البعض الآخر في بعض جزئياته، فما دخل هذا بعصمة الزهراء(ع)؟ فإن بعض الناس ممن يتحدثون كذباً وبهتانا وزوراً لا يتورعون عن نسبة أشياء لم أقلها، وحسبوا إني من القائلين بعدم عصمتها(ع).

لقد وجهت إليَّ عدة أسئلة: ما رأيكم بعصمة الزهراء(ع)؟ إنني منذ تحدثت عن الزهراء(ع) وحتى الآن كنت أقرأ قوله تعالى: (إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) فإن هذه الآية تدل دلالة واضحة وبينة على عصمة أهل البيت(ع)، والدليل الذي يدل على عصمة الحسن و الحسين‏(ع) هو نفسه يدل على عصمة الزهراء(ع). حتى لو لم نستدل بهذه الآية على عصمتها(ع) أو لم تكن هذه الآية موجودة ففرضاً فإن تاريخ الزهراء(ع) كفيل بالدلالة على ذلك، لأنها في كل تاريخها لم يستطع أحد أن يلصق بها أي شي‏ء مما ينافي العصمة. ولذلك عندما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 240/

قالت(ع) لعلي‏(ع): (هل تعهدني خائنة، أو خالفتك منذ عرفتني..؟) قال(ع): (أنت أبر وأعرف باللَّه... حاشا أن يمسك شي‏ء من ذلك).

لذلك كل من تحدث عني بخلاف ذلك، فهو كاذب يتحدث بالإفك والبهتان، وأنا لا أسامحه، وإن كنت أسامح كل الناس، لأن الموضوع لا يتعلق بي، وإنما يتعلق بالجو الإسلامي، لأن مثل هؤلاء يريدون أن يربكوا الساحة الإسلامية بكل أكاذيبهم وأضاليلهم، وأنا لا أستطيع أن أثق بأنهم لا يخضعون لأجواء المخابرات المركزية الأميركية وغير الأميركية، ولا أجزم بذلك، ولكن هذا هو أسلوب المخابرات، وأنتم تعرفون أسلوب هذه المجلة فالشراع المخابراتية والتي تحاول خلق الفتن والشقاق بين الشيعة.

ثم إن النقاش في أرض‏ (فدك)، وهي قضية الزهراء(ع) الأساسية، والتي تعتبر أوضح ما في تاريخها(ع) من ظلامة وعدوان، حتى أنها يرويها السنة والشيعة ويعرفها كل من تولى الخلافة من بني أمية، وبني العباس، مع أن عمر بن عبد العزيز أراد أن يرجع(فدك) إلى أهل البيت(ع)، وكذلك فإن المهدي من خلفاء بني العباس وهو والد هارون الرشيد أراد أن يعيد (فدك) إلى الإمام موسى بن جعفر(ع)، ولكن الإمام الكاظم(ع) قال: (إن فدكا تشمل كل البلاد الإسلامية وليس هي أرضاً صغيرة موجودة قرب المدينة).

ونحن نعتبر أن مسألة (فدك) هي الحقيقة التاريخية الواضحة في ظلامة الزهراء(ع)، وقد تحدثت الزهراء(ع) في خطبتها البليغة عن ذلك، وعن دفاعها عن إرثها من الرسول‏(ص)، وأثبتت ذلك بالآيات القرآنية، وبعد هذا فكيف يمكن لأي إنسان يملك شيئاً من العلم إنكار ذلك. وكل من يتحدث بذلك فإنما يقصد إلى الإثارة، وارباك الجو الإسلامي، وأنا بدوري هنا أؤكد لكم أنهم كاذبون ولا يخافون اللَّه.

والخلاصة بعد كل هذا:

أنه من المؤكد أنهم جاؤوا بالحطب ليحرقوا باب البيت، ولكن هناك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 241/

من يقول: إنهم دخلوا البيت، وآخر من يقول: أنهم اكتفوا بالتهديد... الخ حيث وقع الخلاف حول التفاصيل مما أدى إلى وجود آراء متعددة حول المسألة، ولست أنا في وارد البحث فالآن حول كل هذه التفاصيل، لأنه ليس هناك من مشكلة حتى يغوص الإنسان في هذه القضايا.

وقد يسأل أحدنا، إذا كانت المسألة كذلك، فلماذا أثرت حولها الإستفهام في ذلك الوقت؟.

وأجيب بأن ذلك كان جواباً لسؤال تلقيته من بعض الأخوات كما وسبق أن أشرت في بداية الحديث، وأنا قد عودت الناس أن أجيبهم على كافة القضايا، ولم أكن أنا ابتدأت إثارة ذلك، ولكن ماذا نفعل ويوجد حولنا أناس يصطادون في الماء العكر، ويستغلون عواطف الناس وغرائزهم وإيمانهم، وحتى ولو كان ذلك عن طريق الكذب والتحريف.

مع أن المسألة لم تكن كثيرة التداول، ولم تكن أكثر من مجرد جواب عن بعض الأسئلة كما جرت بذلك العادة.

وأما ما أشير إليه أخيراً في السؤال فإن قضية الستار والقلادة والأساور موجودة في كل كتبنا ومصادرنا التاريخية، وهي أن النبي‏(ص) شاهد عند الزهراء(ع) قلائد وأساور أهداها إليها علي‏(ع)، ورجع النبي‏(ص) إلى المسجد، ولكن الزهراء(ع) شعرت بثقل ذلك على النبي‏(ص) ولم تفعل حراماً.

فقد ورد عن أبي جعفر قوله: (كان رسول‏ اللَّه‏(ص) إذا أراد السفر سلم على من أراد التسليم عليه من أهله ثم يكون آخر من يسلم عليه فاطمة(ع) فيكون وجهه إلى سفره من بيتها. وإذا رجع بدأ بها، فسافر مرة، وقد أصاب علي‏(ع) شيئاً من الغنيمة فدفعه إلى فاطمة(ع) فخرج، فأخذت سوارين من فضة وعلقت على بابها ستراً. فلما قدم الرسول‏(ص) دخل المسجد فتوجه نحو بيت فاطمة(ع) كما كان يصنع، فقامت فرحة إلى أبيها صبابة وشوقاً إليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 242/

فنظر فإذا في يدها سواران من فضة وإذا على بابها ستر، فقعد رسول‏ اللَّه‏(ص) حيث ينظر إليها، فبكت فاطمة(ع) وحزنت وقالت: ما صنع هذا بي قبلها. فدعت ابنيها فنزعت الستر من بابها وخلعت السوارين من يديها، ثم دفعت السوارين إلى أحدهما والستر إلى الآخر، ثم قالت لهما: انطلقا إلى أبي فاقرئاه السلام وقولا له: ما أحدثنا بعدك غير هذا فشأنك به، فجاءاه فأبلغاه عن أمهما، فقبلهما رسول‏ اللَّه‏(ص) والتزمهما وأقعد كل واحد على فخذه.... إلى أن قال: ثم قال رسول‏ اللَّه‏(ص) رحم اللَّه فاطمة ليكسونها اللَّه بهذا الستر من كسوة الجنة، وليحلنيها بهذين السوارين من حلية الجنة).

وهذا من كرامات الزهراء(ع)، فلقد عرفت كيف تشارك رسول‏ اللَّه‏(ص) مسؤولياته بالنسبة للمسلمين، حتى روي أنه عندما جاء الحسن والحسين‏(ع) بهذه الأشياء للنبي‏(ص) قال: فداها أبوها، فداها أبوها، ما لآل محمد وللدنيا، إنهم طلقوها للآخرة.

والحمد للَّه رب العالمين

أنصار المقاومة الإسلامية لبنان

لندن / بريطانيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 243/

صورة الملحق [6]     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 244/

الملحق [7]

رسالة السيد جعفر مرتضى إلى السيد فضل الله أرسلها بعد رفض الأخير للحوار.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

والحمد للَّه، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

سماحة العلامة الحجة السيد محمد حسين فضل اللَّه دام حفظه.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وبعد.

فإنني أسأل اللَّه سبحانه أن تكونوا بصحة وعافية وسعادة، إنه سميع الدعاء.

أخي الكريم.

لقد أرسلت إليكم رسالة قبل مدة، ولم أتلق منكم أي جواب، وقد طلبت منكم ودعوتكم إلى حوار علمي موضوعي هادى‏ء ومكتوب، يعتمد المصطلحات العلمية الواضحة بدقة وبمسؤولية، وينطلق إلى الفكرة من أجل بلورتها، وتوضيح وجه الصواب فيها، وفق المعايير الصحيحة والمعترف بها، وليمكن من ثم حصحصة الحق، ووضع النقاط على الحروف في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 245/

المسائل الكثيرة المتنوعة، التي لا زلتم تثيرونها بين الفينة، والفينة، وكذلك الحال بالنسبة إلى تلك المسائل التي تثيرون حولها علامات استفهام، من شأنها إثارة هزات خفيفة أو قوية في ثباتها وفي أصالتها في الذهنية العامة.

وفي اعتقادي: أن الاستمرار في طرح الأمور بهذا الشكل، واستهداف أمور حساسة في مختلف جهات الثقافة الإسلامية: في العقيدة والتفسير، والشريعة والمفاهيم، والتاريخ وغير ذلك، وإثارة جو من البلبلة الفكرية حولها، وهي تعتبر من المسلمات والواضحات التي تبناها وبنى عليها أساطين العلم من رموز المذاهب وأعلامه، استناداً إلى معطيات صريحة وصحيحة، وقاطعة للعذر فإن الاستمرار في ذلك من شأنه أن يربك الساحة الإسلامية في هذه الظروف الحساسة، التي تواجه فيها أخطر التحديات من الأعداء في الداخل والخارج.

أخي الكريم:

ولا أدري السبب في أنكم في هذه الفترة الأخير، قد عدتم إلى إثارة مسألة الزهراء واعتداء الظالمين عليها وعلى بيتها، بصورة قد نقضتم فيها بصراحة كل ما كتبتموه لي إلى قم، وأرسلتموه من أشرطة لندوات وتصريحات إذاعية وخطابات في المحافل العامة. وقد نشرنا آنذاك ذلك كله بطلبٍ منكم. هذا بالإضافة إلى توضيحات وإجابات مرفقة بكمٍ هائل من النصوص كانت بيننا ولم تنشر وتداولناها عبر جهاز الفاكس. ولم تعقبوا عليها آنئذٍ، واعتبرت أن القضية قد انتهت.

ومن الواضح: أن همي الوحيد كان في تلك الفترة الصعبة أمران:

أحدهما: الحفاظ على مكانتكم، وعلى موقعكم من موقع المحبة والاخلاص.

والثاني: أن لا يسجل التاريخ: أن شخصية شيعية لامعة قد شككت أو سجلت تحفظاً على هذا الأمر، الذي تضافرت وتواترت النصوص الحديثية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 246/

والتاريخية، على نقله، رغم حرص الآخرين المتضررين من نشره على طمسه، وإخفاء ذكره.

ومن الواضح: أن هذا الأمر ليس كسائر حوادث التاريخ؛ لأن له مساساً في الناحية العقيدية، من حيث أنه يقدم وثيقة دامغة فيما يرتبط بالحاكمية بعد الرسول، وبشروط، ومواصفات، ومؤهلات من يتصدى لذلك. وهو يعكس لنا الحقيقة فيما يتعلق بأمانته على دين اللَّه، وحرصه على شريعته، وعلى عباده وبلاده.

ولست أدري لماذا هذا الحرص الظاهر على تبرئة أولئك الذين ظلموا، واعتدوا، وغصبوا، مع أن لحسن الظن حدوداً. وحين كنت في بيتكم قبل أشهر وقلتم: لا يعقل أن يتجرأ القوم على الزهراء بملاحظة موقعها لدى الكافة، فالكل كان يحترمها ويجلها. حتى قلتم: إن كان قد صدر شي‏ء فلا بد أن لا يكون قبيحاً في المستوى الذي نتصوره. قلت لكم: فقول القائل: إن النبي ليهجر لم يكن قبيحاً. فقلتم: ليست هذه مثل هذه. فقلت لكم: ما الفرق.

ولم أستطع حتى الآن أن أعرف هذا الفرق، فإن من يواجه النبي الأعظم هذه المواجهة الشرسة من أجل الموقع والمنصب، هل يتورع عن شتم وضرب امرأة تريد أن تمنعه من الوصول إلى ذلك الموقع والمنصب. ومن أجل الموقع والمنصب أيضاً؟!.. وهل عار شتم النبي الأعظم‏(ص) أخف في نفسه من عار شتم امرأة؟!!..

لقد كنت أظن أن ما تثيرونه من تساؤلات، ما هو إلا محاولة لتحريك الجو العلمي، حسبما كنتم تقولونه لي.. ويفاجئني الآن أن أرى أن ذلك يعكس قناعات، أو يشير إلى وجود شكوك حقيقية في كثير من المسائل، التي هي فوق كل الشبهات لشدة وضوحها، وسطوع البرهان فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 247/

أخي الكريم.

قد أكون في رسالتي هذه وسابقتها قد تسببت لكم ببعض الانزعاج، ولكنني أحببت أن أؤكد لكم أيضاً عن أنني حين عرضت عليكم الحوار، ولم أتلق له جواباً في فترة كانت تكفي لذلك. فقد اعتبرت نفسي قد فشلت في محاولتي تلك التي كانت تهدف إلى رضا اللَّه سبحانه، وإلى تجنيب الساحة من أن تثار فيها أمور تحتاج إلى مزيد من التروي قبل إثارتها.

والأمر إليكم.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه.

جعفر مرتضى العاملي‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 248/

صورة ملحق رقم [7]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 249/

صورة ملحق رقم [7]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 250/

صورة ملحق رقم [7]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 251/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 252/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 253/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 254/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 255/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 256/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 257/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 258/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 259/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 260/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 261/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/261/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/261/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/261/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/261/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 262/