ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

الأنبياء [عليهم السلام]
فوق الشبهات
[حقيقة كتاب مراجعات في عصمة الأنبياء]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

الأنبياء [عليهم السلام]
 فوق الشبهات
[حقيقة كتاب مراجعات في عصمة الأنبياء]
الجزء الأول
محمد محمود مرتضى العاملي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

جميع الحقوق محفوظة
للمؤلف
الطبعة الأولى: 15/5/2001 بيروت ـ لبنان
الطبعة الثانية: 15/ 6 /2001 قـم ـ إيران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

لماذا تثار المسألة مجددا؟

يبدو أن الاعتبارات التي أملت علينا القيام بالردّ على كثير من الأفكار والآراء التي طرحت من قبل بعض الذين يحسبون أنفسهم هم الطليعة التي تقود تيار التغيير والثورة على الموروث والقديم، ويحملون راية الانفتاح والانطلاق نحو المستقبل، والدخول إلى عالم العصر الحديث، بكل خصائصه وسماته التي يمتاز بها ـ يبدو أن هذه الاعتبارات ـ لا تزال قائمة، ولا تزال مبررات وجودها تحث على متابعة القضية، ولو احتاج الأمر إلى التكرار والإعادة.

فقد كان يفترض أن تقف المجابهة عند حدودها الطبيعية التي ينبغي أن تقف عندها، ذلك أن المسائل التي أثيرت، والردود التي تلتها وعقبت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

عليها، كان الظن أنها كافية لإقفال هذا الملف، باعتبار أن الحديث إذا ما جرى خارج إطار الموضوع المحدّد، فسيُفقد المسألة قيمتها العلمية والموضوعية.

من هنا، فإن قيام هذا التيار بإطالة المشهد الجدالي زمنياً، يبدو مثيراً للريبة، وباعثاً على التفكير ملياً بإعادة النظر في أصل المشكلة، والبحث عن جذورها، فإن ذلك من شأنه أن يلقي الضوء، وينير طريق معرفة الأسباب الكامنة وراء الحرص الشديد من قبل هؤلاء على عدم إقفال هذا الملف، وتحريكه من حين إلى آخر، وإذكاء ناره وتأجيجها، لأن المتابع والمستقرىء لكل نتاج ذلك «البعض»، بل ونتاج الآخرين المؤيدين له، يبدو له أن هناك منهجاً واضحاً، ومسلكاً يتّسم بالإصرار على المضي قدماً في هذا النهج، والتمسك بكل خيوطه، الخفي منها والمعلن، ولأجل الوصول إلى مرحلة يتم معها ترسيخ هذه الأفكار باعتبارها تمثل الأطروحة الفكرية الكبرى التي يعمل على إيجادها منذ زمن ليس بالقصير، وهذا ما يعترف به هو نفسه.

إنحراف لا يمكن تجاهله

ولا يضرّ المرء قيامه بإلقاء نظرة سريعة على تلك المقولات، مستعرضاً بشكل سريع ومتسلسل، أهم عناوينها وسماتها الكبرى والرئيسية التي يمكن من خلالها تمييز المسلك الفكري والمنهجي عنده. ولا نشك بأن القارىء سيخرج بنتيجة مفادها: أنه لا يمكن اعتبار ذلك المنهج إخلالاً في مسألة من المسائل التاريخية أو العقيدية أو الفقهية، إذ لو كانت المسألة بهذا الحجم وبهذا المقدار، لكانت الأمور أسهل، وطريقة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

معالجتها أيسر، وأن هذا يحصل عند أكثر العلماء إن لـم يكن كلهم، وهذا من الأمور التي لا شك أنها تساعد على تنمية وتطوير المباحث العلمية في جميع فروعها وتشعباتها.

أما عندما يلاحظ المتتبع لكل نتاج هؤلاء، ويرصد أن الذي يُطرح، إنما هو برنامج متكامل، ونسيج فكري محكم الترابط تجمع بين خطوطه مفاصل أساسية تبرز بوضوح حجم هذا المشروع الذي يراد تثبيته وترسيخه، فإن ذلك أمر يبعث على القلق، ويثير الارتياب والشك، مما يضعِّف إمكانية تجاهله أو السكوت عنه.

خطر السقوط إلى الهاوية

على أن تضاؤل إمكانية السكوت على ما يجري، نابع من معطيات باعثة على الخشية من أن تكون هناك إرادة واعية وراء هذا المشروع، الذي يفضي إلى انتزاع منشآت، وبنى فكرية وثقافية من مصادرها الغربية، مع ما يرافق ذلك من مخاطر ومصاعب جمّة، ويحويه من سقطات ومهاوي، وبالتالي ارتفاع احتمالات القول بأننا مقبلون على انتكاسات خطيرة وشنيعة بخطورة إلتماس إسقاط هذه المقولات المستوردة على ثقافتنا وفكرنا وتراثنا بشكل اعتباطي غير مدروس، ولا منتقى بشكل جيد وكفؤ ومتلائم مع حاجاتنا، وبخاصة إذا كان اللجوء إلى مثل هذه الاسقاطات يطال الفكر الديني برمّته، والمنظومة القيمية بأكملها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

الأصالة والمعاصرة والنموذج المرعب

ولعل في الإطلالة على المعركة التي تدور حول إشكالية الأصالة والمعاصرة، أو ما يعرف بظاهرة الحداثة وما بعدها وأثرها على التراث الفكري والثقافي، ما يشكل التماساً لرؤية الحقيقة كما هي.

فقد بات واضحا حجم المشكلة التي أثارتها زوبعة الحداثة في الوعي النهضوي في التاريخ الحديث للأمة العربية والإسلامية، وراحت تتخبّط فيه النخب الثقافية والعلمية بين مؤيد لها، وآخر معترض عليها بشدة، وثالث يقف حائراً بين هذا وذاك، ولا تزال المشكلة قائمة إلى الآن، ولا يبدو أنها تؤذن بالأفول بسبب عجز المثقف العربي عن إيجاد نوع من التوازن والموائمة بين محاولات الالتحاق بركب الحداثة والمعاصرة من جهة، والمحافظة على مخزونه الأصيل والمتميز من جهة أخرى.

على أن الذي ينذر بتحولات خطيرة أن مصاعب الموائمة بين الأصالة والمعاصرة، أو فلنقل «الأصيل والمعاصر» لا تنبع من ضعف في أركانها وأسسها ومنطلقاتها من حيث ذاته، وإنما من العقلية التي يتحرّك بها دعاة المعاصرة، أعني عقلية «الإقصاء» و«الإستبعاد» و«الحجر»، تلك العقلية التي جعلت الحداثة تظهر وكأنها يراد لها ومنها أن تكون أداة في عملية هدم وتخريب وإبادة لتاريخ باسره ولمفاهيم، وقيم، وحقائق راهنة وقائمة.

وهذه العقلية هي التي أدّت إلى حصول شرخ بين التيارين بحيث بات يصعب تصور التوفيق بينهما، إذ مع هذه العقلية باتت الحداثة تعني:

الانقطاع المطلق أو شبه المطلق عن التراث وعن الممارسة التراثية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

إقتحام المسلمات

من هنا نجد، أن هذا «البعض»، وفي أول خطوة عملية له لإظهار ولائه للحداثة، وإبراز صدقه في أنه في عداد «الحداثويين»، صرّح بأنه «يسعى لاقتحام المسلمات». حيث أن هذا الاقتحام يمثل «بطاقة» الدخول إلى عالم الحداثة والمجتمع الحداثوي المميز!!

مفارقات حداثوية

ولكن ثمّة مفارقة تبدو واضحة في خطاب هؤلاء وسلوكهم العلمي. فإن هؤلاء الداعين إلى «تنقية التراث» من الشوائب، وإعادة النظر في النصوص المقدسة وفق المناهج العلمية الحديثة، والآليات الإجرائية المستحدثة، مدّعين أن ما قدم من نصوص ليس نهائياً ولا يصح جعله كذلك، فالمتقدمون رجال ونحن رجال على حدّ تعبيرهم، ففي الوقت الذي يقولون فيه ذلك، يعتبرون أن ما يحاولون إرساءه من قواعد ومبادىء عقلانية بزعمهم، هي قضايا راسخة ونهائية، لا يجوز المساس بها، ولا تصح مناقشتها أو توهينها، لأن ذلك مساس بأصحابها، ومحاولات للنيل من رموزها الذين هم بنظرهم رموز الدين والإسلام، فيصبح التراث فجأة وسيلة لإضفاء نوع من القداسة عليهم، وبطاقة حماية وحصانة لهم من أي نقد.

ذاتية بلباس الموضوعية

وعلى هذا وذاك، تصبح ممارساتهم التي تهدف إلى توهين المعتقد والركائز الاعتقادية للناس تمثل أقصى حالات الانفتاح الفكري، وأرقى مراتب الحوار العلمي، أما مناقشة أفكارهم وإظهار زيفها وبطلانها فيمثل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

أبشع حالات العدوان» وأكثر المناهج «تخلفاً»، لأنها تريد النيل من «الرموز» بتصوّرهم، و«إسقاط الساحة» في ظلام «الفتن والتخلف»!!

فتتلبس الذاتية بلباس الموضوعية، وترتدي «الأنا» رداء «النحن»، ويغدو التحجّر «انفتاحاً»، والتخلف «حداثةً»..

أبواب الحوار الكرتونية

ثم بعد ذلك كله، يدعونك للولوج في أبواب الحوار التي يدّعون أنها مشرعة فإذا ما حاول أحدهم ولوجها ارتطم بسدود منيعة، وجدران محصنة، وانكشفت له الحقيقة، حقيقة تلك الأبواب التي سرعان ما سيتضح أنها ليست سوى أبواب كتلك التي تظهر في الأفلام الكرتونية، أعني رسومات لأبواب مفتوحة مرسومة على جدران من الحديد والإسمنت المسلح بشتى أنواع الممانعات.

صخب أجوف

ومن جهة أخرى فإن ذلك الذي يدعو إلى إعادة النظر بالموروث، مدعياً احتواء هذا الموروث على الكثير من الخرافات لا نجد له عملاً واحداً تحقيقياً، ولا محاولة جدّية واحدة تدلل على عمله بما يدعو الناس إليه.

بل إننا لو تأملنا فيما يقدمه للناس من تشكيكات، وما يرسمه من علامات استفهام على أنه من إبداعاته الفكرية، لألفيناه قديماً قد «أكل عليه الدهر وشرب» وأبطله علماؤنا منذ عشرات أو مئات السنين، وهو في الواقع، وبعد تصفيته من المفردات اللفظية الجديدة، وفصله عن الصخب الذي يثير في القارىء إحساساً بالرهبة والإحباط معا، ليس إلا شراباً معتقاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

قدم في قوارير جديدة وملمعة. وتكون النتيجة هي: أن هؤلاء يرفضون ما عندهم ويسقطونه، ثم لا يقدمون أي شيء سواه مما يدّعونه أو يدعون الناس إليه، ورغم ذلك لا يتوقف ضجيجهم وصخبهم.

الشاذ المطلوب

والمتأمل في نصوص هؤلاء التي تحدثوا فيها عن التراث، يجد أنهم قد أنزلوا أنفسهم المنزلة التي لا يستحقون، فتكلموا بما لا يعرفون، وتطاولوا على البتّ فيما لا يفقهون مع إيجابهم على الناس قبول كلامهم فيه وترك ما يؤثر من خلافه.

والحق أن قلة اطلاعهم على معارفه، وضعف استيناسهم بمقاصده، لا ينازع فيهما إلا من هو أقل علماً وأضعف أنساً.

ولا أدل على ذلك ولا أوضح من اتباعهم للشاذ والغريب من الأقوال. إذ لا يطلب الشاذ إلا من يريد الزيغ عن الحق، ولا يطلب الغريب إلا من يريد المخالفة والظهور.

تحقير العظيم وتعظيم الحقير

من هنا نجد أن ما كان يجب أن يعظم من معانٍ اصيلة. عمدوا إلى تحقيره، وما كان يجوز أو يجب تحقيره من وسائل مقتبسة، عمدوا إلى تعظيمه، وكأنهم يتنافسون في تثبيط العزائم والهمم، وتمزيق العقول عند مخاطبيهم، وكأنهم لا يعلمون أنهم لا يعظمون بالتنكر للتراث، ولا يظهرون بالقدح في أهله وأتباعه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

أخطار فوق أخطار

ثم إن هذه الحملة على العقيدة وأصولها، وعلى المفاهيم الدينية فضلاً عن كونها تمثل خطراً على الركائز الإيمانية والأسس العقدية للإنسان المؤمن، فإن لها من ناحية خطرها، بعداً آخراً يتمثل في دفع الكتّاب والباحثين، والعلماء والمثقفين للنكوص إلى الخلف للدفاع عن خطوطهم الخلفية، وأصولهم الفكرية، بدلاً من التقدم إلى الأمام للتصدّي وإبداء الرأي والنظر في المستجدات الفكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها، مما يخاطب عقول الناس، ويؤثر في سلوكهم وتجربتهم العملية.

على أن القضية ليست قضية ضعف في «الخطوط الخلفية الفكرية» للأصل الديني، بحيث يمكن لأي عابث أن يخلخل بنيانه أو يضعف أركانه، وإنما القضية هي: أن المتصدين للعبث في مفاهيم الناس الإيمانية، إنما يعبثون فيها باسم الدين، ويقدمون ما يقدمونه لهم على أنه الأصل والمعتمد في المفاهيم والمعتقد، في الوقت الذي لا يعدو أن يكون مجرد آراء غريبة وشاذة لهم، علماً أن الناس إنما يطلبون منهم أن يعرّفوهم ـ فقط ـ بما هو متفق ومتسالم عليه في المذهب، مما دل عليه الدليل والبرهان لا ما تجترحه الأوهام والخيالات في أجواء العجيج والضجيج، وفي صخب الزغاريد والأهازيج..

العقل والغيب

ومهما يكن من أمر، فإن من كان هذا حاله، كيف يجوز الاطمئنان إليه، في دلالة الناس على الحق، وهو ما فتىء يلبّس على الغير، ويشكك فيما عنده وفيما ورثه. وليس ذلك بغريب، لأن المعرفة التي يحملها ليست

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

من سنخ المعرفة التي أنتجتها مضامين التراث، وتكونت بها مقاصده، وهي المعرفة التي تصل العقل بالغيب وتربط العلم بالعمل. أما المعرفة التي تقابلها، مما رضيها لنفسه، ويحاول أن يفرضها على غيره، فهي مجرد هواجس، تقطع العقل عن الغيب وتفصل بين العلم والعمل.

محاولة استكشاف أصل المشكلة

ولو أردنا أن نسعى لاكتشاف جذور المشكلة عند هؤلاء، وسبب انحرافهم عن جادة الصواب، وتنكرهم للتراث، فإن محاولة تلمّس بعض السمات الرئيسية لمسلكهم المعرفي، وتكوّن شخصيتهم الفكرية، يتيح لنا معرفة المسلك العام لمثل هذا المشروع.. ونحن سنحاول ذلك فيما يلي فنقول:

الثقافة المنفردة

بداية، لا بد من التطرق إلى زاوية مهمة من الزوايا التي تسمح بإلقاء نظرة على قضية أساسية، تساعد في توسيع دائرة الرؤية، لحيثيةٍ تشكل مفصلاً مهماً في الانحراف أو الانزلاق نحو متاهات غير محسوبة النتائج والعواقب. وما نتحدّث عنه هو قيام «البعض» بالعمل على تكوين بنية ثقافية عامة وواسعة بشكل منفردومنعزل، من خلال قراءة الكتب ومطالعتها على تنوّعها واختلافها وتشعبها. إذ ثمة فرق كبير بين من هو كذلك، وبين آخر يعمل في دائرة علمية واسعة متشكلة من مجموعة كبيرة من رواد المعرفة، وتحت إشراف أساتذة كبار كفوئين تقوم بينهم روابط متينة من التواصل والتباحث، وتدور فيما بينهم المناقشات والمطارحات حول المسائل، الأمر الذي يؤثر في بلورة واستخراج المواهب الكامنة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

وصقلها، كما تعمل على تحفيز القدرات الكامنة، مما يساعد على تكوين ذهنية علمية صحيحة على أسس منهجية صحيحة لا مجال فيها لأن ينفرد فرد من هذه المجموعة برأيه، بمعزل عن الآخرين، فالكل في رصد دائم لبعضهم بعضا، على أساس أن الفكرة، أي فكرة، يجب أن تأخذ مداها الأقصى في طرحها ومناقشتها وبحثها وتحليلها وتشريحها، لتصير في النهاية إلى حيث ينبغي أن تكون. بخلاف النموذج الأول المنفرد والمنعزل عن هذه الأجواء التي ذكرناها؛ لأن الثقافة الأحادية الجانب، بالغاً ما بلغ شأنها تبقى محكومة للنظرة الضيقة والأبعاد المحدودة لهذا الشخص، وبالتالي عدم النفاذ إلى أعماق المسائل وجوهرها. لهذا كانت المذاكرة والمباحثة للمجموعات، وباشتراك هيئات كبيرة من طلبة العلوم، هي الطريق الأمثل لإيجاد أرضية صالحة، ولتهيئة مناخ صحي، لمسيرة العلم والمعرفة والثقافة.

والنماذج التي يمكن اعتمادها كشواهد على صحة هذا الرأي، هي من الكثرة بحيث يمكن أن يشكل التاريخ العلمي كله شاهداً عليها.

وإذا رغب هذا «البعض» عن الأخذ بهذه الحقيقة منا، فليتوجه إلى أرباب الحداثة الغربية، فإنهم لن يقولوا له سوى ما قلناه، وليأخذها منهم وليعمل بها، فلا فرق.

ولعل من أخطر مساوىء هذا المسلك الأحادي الجانب، أن صاحبه يصبح عرضة لانحرافات خطيرة، تشكل مع الوقت بنية ذهنية تعمل على تكوين خصائصها واتجاهاتها الفكرية الخاصة بها، لتصبح مع مرور الوقت معلماً من معالم شخصيته التي تميزه عن الآخرين؛ ولعل الأخطر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

من ذلك، أن تتحوّل هذه البنية الفكرية المنحرفة عند أصحابها إلى ميزات يفتخرون بها.

الكفاءة هي الأساس

ولكن، لو سلمنا جدلاً بأن الثقافة المنفردة يمكن لها أن تؤمِّن لصاحبها نصيباً من المعرفة والمعلومات المتعلقة في هذا الموضوع أو ذاك، وقد يحدث أن ترفع هذه الثقافة المنفردة صاحبها إلى مستويات اجتماعية وسياسية معينة، وتوسّع من دائرة نفوذه على المستوى الشعبي، باعتبار أن الجمهور أو الرأي العام يخضع في تركيبته إلى اعتبارات متفاوتة من حيث الوعي والإدراك والمستوى الثقافي، فهو يتأثر بكثير من المعطيات التي لا يعرف ولا يدرك خلفياتها، ولا حتى أهدافها وأبعادها، إنما ينساق بشكل عفوي وطبيعي باتجاه الأمور الجاهزة والتي تعتبر عنده بحكم المسلمات، كونها تصدر عن رموز يراها ـ بحكم تركيبته ـ أنها تصلح لأن تكون في موقع القرار والحكم والإرشاد، بينما هي في واقع الأمر وأساسه لها حكم آخر عند ذوي الاختصاص وأهل المعرفة والخبرة والكفاءة، إذ هي في الحالة الأولى ـ عند الرأي العام ـ علاقة بين مرسل ومتلقّي يقبل ما يلقى إليه دون مناقشة وتحليل أو ـ ربما ـ حتى دون أدنى مراجعة، وذلك للأسباب التي ذكرناها.

بينما في الحالة الثانية، فهي مختلفة اختلافاً جوهرياً من حيث القبول والأخذ.

فالميزان والحكم الفصل في كلتا الحالتين، هو في خضوع أو عدم خضوع المسألة للاعتبارات العلمية، ولقواعد المنطق، وأصول البحث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

العلمي، وكذا خضوعها لضوابط علمية دقيقة تميّز بين ما هو صحيح وما هو فاسد، وإلا لزم أن لا تكون هناك حقيقة على الاطلاق، وهذا خلاف الفطرة والمنطق والقانون والوجدان والبرهان. وهنا تبرز بوضوح أهمية الكفاءة العلمية، وقيمة الأفكار من حيث قوة دليلها وحجتها ومدى صدقيتها وواقعيتها، وانسجامها مع النسق العام في الدائرة العلمية والثقافية.

فالمقياس الصحيح والسليم في صحة الفكرة وصدقها وواقعيتها وسلامتها، هو في مدى صمودها أمام النقد العلمي، وتستمد مبرر وجودها واستمرارها من خلال ما تملكه وتحتويه من عناصر قوة الدليل والبرهان. فليس المقياس ـ ولا يمكن أن يكون ـ هو في التماس شفاعة الكثرة العددية للذين يتبنون هذه الفكرة أو تلك، لكي تكون هذه الكثرة بديلاً عن الدليل العلمي والضوابط والعلمية.

 وأيضاً لا يمكن أن تكون صحة الفكرة وسلامتها، مستمدة من المواقع الاجتماعية والسياسية؛ باعتبار أن هذه المواقع عبارة عن بناءات فوقية ترتكز على مجموعة من الأفكار التي تقوم عليها وتكوّن أساسها. فالكفاءة العلمية المتخصصة والمتمرسة في جوانب الموضوع، والتي لها باع طويل في مجالات البحث والتنقيب والتحليل، وكذلك التوجه الجاد والسليم، والتجرد عن الغايات والأهواء، شرط أساسي في تدعيم وتطوير عملية البحث نفسها.

فالكفاءة إذن، هي المحك العلمي والعملي في تمييز من هو جدير بأن يكون في مستوى التعاطي مع القضايا الفكرية الكبيرة، ممن هو طارىء عليها، يناوشها من بعيد، ولا يجرؤ على اقتحامها كي لا تفضحه، ولا يليق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

به، والحال هذه، أن يبقى مكتوف الأيدي أمامها، باعتباره رمزاً كبيراً في المعادلة القائمة على الساحة الفكرية والثقافية.

رموز الوقت الضائع

إنعزال عن البحوث العلمية الجادة، ثقافة فردية آحادية، إنبهار بالغرب والحداثة ومنجزاتها، عودة مبكرة من عاصمة العلم ومعقله إلى الإقامة في ساحة متواضعة علمياً. عناصر اجتمعت في شخص.

ظروف تاريخية مؤاتية إستطاع الاستفادة منها إلى أقصى الحدود.

إنحدار من عائلة دينية، خطاب ثوري، محمل حسن.

ظروف أضيفت لسابقاتها عزّزت موقعه، وجعلته بمنأى عن المراقبة والمسائلة والمتابعة لنتاجه الفكري..

وإذا أضيفت إلى كل هذه الظروف، أوضاع سياسية وأمنية حساسة ومعقدة، فلا شك أن القضية ستتعقد أكثر، لكنها في نفس الوقت تصبح واضحة ومفهومة أكثر، فنعرف من خلالها الأسباب والدوافع والدواعي التي جعلت هذا المشروع وتلك المقولات بمنأى عن القراءة والنقد.

الحوار القمعي

ورغم عدم إطلاع أغلب العلماء والمفكرين والمثقفين والهيئات العلمية والثقافية، على طبيعة الأفكار التي كان يطرحها «البعض»، إلا أنه قد يمكن القول بأن ثمة فئة منها كانت على علم بها، ولعل كل تلك الظروف هي التي شكلت حصانة لذلك «البعض» حالت دون القيام بأي مجهود يمكن أن يفتح ملف هذه القضية ويطرحه على بساط البحث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

ولكن، لما كانت القضايا التي تثار على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية بالنسبة للإنسان المؤمن، لأنها تمثل قضاياه الإيمانية والعقيدية، ولما كان من غير المعلوم أن تنحسر في وقت قريب الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد، بل ربما تزداد تعقيداً على تعقيد، بسبب هذه الملابسات جميعاً، وربما اغتراراً بمنطق هذا «البعض» الداعي إلى الحوار مع مختلف الفئات، بدأت بعض الأصوات الخافتة جداً تسمع من هنا وهناك، من قبل بعض الذين يتعاطون بالشأن العلمي، للجهر بما عندهم من ملاحظات نقدية على تلك المقولات.

وهنا تساءل الكثيرون: هل فتح باب الحوار كما كان متوقعا؟ فجاءتهم الإجابة الصحيحة والصريحة لتقول: نعم لقد فتح باب الحوار لكنه من نوع آخر غير الذي كان يدعو إليه ذلك «البعض».

إنه «الحوار القمعي». فالدليل العلمي ووجه بالقمع، والنقد ووجه بالاتهام وبالسباب والشتائم، أما الأسباب الموجبة لهذا القمع، فهي ـ على حد زعمهم ـ حساسية الأوضاع التي تمر بها الأمة، والظروف الدقيقة التي تعيشها.

وهكذا.. فقد جاء الرد «الحوار» على المنتقدين ليصنفهم على أساس أن أحدهم ينطلق من عقد نفسية، وآخر تحركه مطامع مالية، وثالث يستحكم به جهله، ورابع خرج عن خط الصواب ولا يعيده إليه، إلا «التأديب» بالضرب المبرح الذي أدخله المستشفى لعدة أيام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

إنها مفردات «قاموس الحوار الحديث» التي تمسك بها هؤلاء، وأخذوا يطلقونها عشوائياً يميناً ويساراً على كل من تسوّل له نفسه حتى أن يفكر بتوجيه نقد، مهما كانت طبيعته، إلى «الرمز» أو «المرشد».

شخص غير عادي لدور غير عادي

لقد كانت المحاولات النقدية التي حصلت مرعبة في نتائجها، وهي تتمحور حول مجموعة من الأسئلة:

1 ـ ترى إذا وصل شخص ما إلى مراتب حساسة، وكان يعيش في ظروف حساسة تفرض المحافظة على وحدة الصف، فإلى أي مدى يمكن له أن يمرّر مشروعه في زرع بذور التشكيك وتغيير معالم المذهب؟!

2 ـ هل تضيق الساحة بالفعل، مهما كانت ظروفها دقيقة، عن حوار بنّاء؟

3 ـ ولماذا يصوّر نقد الفكرة على أنه نقد شخص؟ فهل ثمة عجز عن التفريق بين الذاتية والموضوعية؟

4 ـ ولماذا تتسع الساحة لذلك «البعض» ليطرح أفكاره وتشكيكاته وهواجسه المعرفية، ولا تتسع للآخرين، ممن يريدون الحوار والنقاش لا العراك والصراع؟!

5 ـ ولماذا النقد يواجه دائما بالاتهام، فذلك معقّد، وآخر طامع، وثالث جاهل، ورابع موتور، وخامس عميل، وسادس مستغفل إلخ.. ؟!!

بهذه الطريقة تم إخماد وقمع تلك المحاولات النقدية، ولعل نجاح «البعض» في قمعها بسرعة، يعود إلى أن الذين تصدّوا لنقده لـم يكونوا من المعروفين، الأمر الذي يسّر مهمة إخماد حركتهم في مهدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

على أن ثمة عاملاً جديداً سيدخل فيما بعد ليؤثر على المعادلة، ويصبح مادة جديدة للاتهام، وهي إعلان ذلك «البعض» بعد فترة مرجعيته، وبالتالي فإن ربط أي نقد له بخلافات مرجعية ستصبح تهمة جاهزة.

ومهما يكن من أمر، فرغم أن محصلة المحاولات تلك كانت مرعبة، إلا أنها أوضحت بشكل لا لبس فيه، أن من يحاول لاحقاً الدخول في معترك النقد لا بد وأن يتمتع بمواصفات غير عادية؛ لأنه سيتعرّض لشتى أنواع التهم.

إذن، لا بد من شخص غير عادي لمهمة غير عادية، ولا بد من اسم لامع تتوفر فيه جملة من الشروط التي تجعل من مفردات «قاموس الحوار الحديث» غير ذات جدوى: ونقصد بهذه المفردات تلك التي أشرنا إليها قبل قليل.

وهذه الشروط هي:

1 ـ غير طامع في مرجعية ولا ساع لها، أو إلى غيرها من مواقع.

2 ـ غير طامع في مال وهو مستغنٍ عنه.

3 ـ ذو كفاءة علمية مشهودة وذائعة الصيت.

4 ـ لا توجد حساسية بينه وبين ذلك «البعض» من أي نوع، فكيف إذا كانت له علاقات وطيدة «جداً» معه.

5 ـ مخلص في خدمة الإسلام، وإعلاء كلمته، والذود عن مذهب أهل البيت [عليهم السلام].

6 ـ محترم من قبل الجهات ذات الشأن والأمر والنهي في الساحة الإسلامية اللبنانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

7 ـ يتمتع بامتدادات داخل المعاهد والحوزات العلمية لا سيما في قم نظرا لموقعه العلمي.

8 ـ أن يكون لبنانيا تجنبا للتهمة الجاهزة التي تقول: إن القضية هي قضية عرقية أو قومية، بين مرجعية فارسية وأخرى عربيّة. لقد باتت القضية واضحة، فالمواجهة باتت مستحيلة باقل من هذه المواصفات. وبنظرة سريعة إلى الشخصيات التي يمكن أن تتمتع بهذه المواصفات، فإن الأمر محصور ومتعين بشخصية واحدة لا غير..

إنه العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي.

ولكن أين نحن و [المحقق العاملي]، فذاك يعيش في إيران متفرّغ للشؤون العلمية والحوزوية، وهو غير مطلع على ما يجري هنا، وحسن الظاهر حاكم بحيث يصعب تصديق تلك المقولات. وجاءت الصدمة الغيبية لتفتح الملف مباشرة، وتدفع بـ[المحقق العاملي] للدخول على خطّ القضية.

الزهراء [عليها السلام] تتدخل مجدداً

إذن، لقد أخمدت الأصوات التي كادت أن تهمس بالنقد لـ«الرمز» و«المرشد»، ويكاد الناس لا يعلمون بها أصلاً.

ولا شك أن أي محاولة نقدية جديدة من هذا النوع سيتم إخمادها بسهولة عبر الأساليب الحديثة «للحوار». ولكن جاء ما لم يكن بالحسبان.

ففي يوم من الأيام، وفي مسجد الإمام الرضا [عليه السلام] في بئر العبد «بيروت»، وفي محاضرة لمجموعة من الأخوات، ودون أي سابق إنذار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

عمد ذلك «البعض» ابتداءاً، إلى طرح ما يجول في خاطره، ما أطلق عليه هو أنه علامات استفهام، وهو في الحقيقة تشكيك يستبطن الإنكار لكل ما جرى على الزهراء [عليها السلام] من مهاجمة القوم لدارها، وإحراق بابه، وكسر ضلعها الشريف، وإسقاط جنينها.. بدعوى أن القوم الذين هجموا على الدار كانت قلوبهم مملوؤة بحب الزهراء [عليها السلام] فكيف نتصوّر أن يهجموا عليها؟! وأضاف:على أن البيوت آنذاك لـم يكن لها أبواب!!! وفي مناسبة أخرى تحدث عن قول الخليفة الثاني لمن قال له عندما همّ بإحراق الباب إن فيها فاطمة فقال: وإن، وتجلت في حديثه هذا فنون رفيعة من الذوق اللغوي، والخبرة البالغة باللغة العربية الفصيحة والبليغة والتي ظهرت بأبهى حللها، وبأحسن صورها، حين أصبح معنى: «وإن» عند هذا «البعض»: «ما إلنا شغل بفاطمة إحنا جايين ناخذ علي»!!!

وهكذا.. فكما كان موقف الزهراء [عليها السلام] في حياتها من موضوع الخلافة وفدك، وموقفها الصارخ بعد وفاتها بوصية إخفاء قبرها، موقفا حاسما فتح الباب على مصراعيه لإثبات عدم صلاحية وأهلية من تصدّى لمقام الخلافة، بل وحفظ بذور التشيع، فقد كان لإنكار مظلوميتها وقهرها الدور الحاسم أيضاً في ظهور الأمر وانكشاف الحقيقة.

الإنحناء أمام العاصفة

وذاع الخبر وانتشر حتى وصل إلى مدينة قم المقدسة؛ من يصدّق: فلان يشكك بما جرى على الزهراء [عليها السلام] بعد وفاة أبيها [صلى الله عليه وآله]؟!!!

لقد كانت الظروف التي أشرنا إليها آنفاً تجعل من الصعب تصديق ذلك، وراحت الأعذار تنطلق من هنا وهناك:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

* ربما يكون الناقل مخطئا؟

* ربما ثمة مؤامرة خلف ذلك؟

* ربما يوجد للكلام معنى آخر خاف؟.

لكن ردّ هذه الأعذار متيسر وسهل؛ حيث كان الشريط المسجل [فيديو كاسيت] حاضراً واستمع إليه القوم هناك، وكانت المفاجأة.

ضجت الحوزة العلمية من هذه المقولة، وتحرك المخلصون لتطويق ذيول القضية، ظنا منهم أنها تنحصر بما جرى على الزهراء [عليها السلام]؛ لقد كانت خلفية تحركهم مقنعة للغاية:

ينبغي تطويق القضية، وخنقها في مهدها قبل أن تنتشر فتصبح ذريعة يتمسك بها المخالفون حيث سيقولون: لقد ظهرت براءة فلان وفلان مما نسب إليهم من هتك لحرمة الزهراء [عليها السلام] وذلك على لسان واحد من المعروفين منهم.

وقد بادر [العلامة المحقق] إلى إرسال رسالة إلى ذلك «البعض» يستوضح فيها عن حقيقة الأمر الذي نسب إليه، فأجاب الأخير بأن ذلك صحيح؛ لكنه كان مجرد طرح علامات استفهام، وقد كان ذلك قبل الاطلاع على النصوص التاريخية، وبعد الاطلاع، فقد وجد في كتاب: دلائل الإمامة للطبري ما يثبت الحادثة تاريخياً.

وقد حاول [العلامة المحقق] أن يستفيد من هذه الرسالة الجوابية في تلطيف الأجواء، وأخذ يتصل بالمعاهد والحوزات العلمية، حتى طبع منها المئات وعلّقت على لوحات الإعلان في المدارس وغيرها، وأرسل عددا وفيرا منها إلى الشخصيات العلمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

فقد بات واضحا لكل أحد، أن فلانا قد تراجع، وعليه، فقد أقفل الملف، وعادت الأمور إلى طبيعتها وارتاح القوم وتنفس الجميع الصعداء..

الزهراء [عليها السلام] تتدخل من جديد

ولكن صاحب هذه المقولات لم يهدأ بل أخذ يثير الأمر من جديد.

وفجأة وبسبب ظروف خاصة تتعلق بالحياة العائلية للعلامة المحقق جعفر مرتضى العاملي، من حيث إصرار والده الذي كان مريضا آنذاك على أن يكون إلى جانبه، فاضطره ذلك إلى ترك قم والإقامة في لبنان، حيث كانت تتم زيارات متبادلة بينه وبين ذلك «البعض» ولقاءات واتصالات حتى كان اليوم الموعود. وتدخلت الزهراء [عليها السلام] من جديد.

الانحناء أمام العاصفة يفجر الموقف من جديد

بدأ «البعض» بطرح مقولاته حول الزهراء عبر وسائل الإعلام المتوفرة لديه، بمناسبة وبغير مناسبة، حتى بلغ به الأمر حدا جعله يعلن أنه لم يتراجع عن تشكيكاته حول ما جرى على الزهراء [عليها السلام]، وأن ما جرى في قم في هذا المجال، لا سيما رسالته التي تراجع فيها عن ذلك، قد كان بمثابة «الانحناء أمام العاصفة» ففجر بذلك قنبلة من العيار الثقيل.

لقد كان وقع هذا التصريح كالصاعقة على كل من عمل في ذلك الوقت على رأب الصدع، ولعلهم شعروا بالإهانة من تلك الطريقة الرخيصة التي استغلّ بها ذلك «البعض» علاقاتهم مع المعاهد والحوزات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

العلمية والثقة التي يولونها لهم.. وهذا أمر يمكن التغاضي عنه، لكن الأخطر من ذلك هو: كيف السبيل لإقفال هذا الملف؟

وعادت الوساطات إلى الواجهة، ولم تنقطع اللقاءات والمحاورات بين [العلامة المحقق] وذلك «البعض» إلا في وقت متأخر..

وتوالت الأيام وأخذت الصورة تتّضح أكثر فأكثر:

إن ذلك «البعض» ـ ربما ـ لم يترك مفردة من مفردات الدين الأساسية إلا وله رأي مختلف فيها، وتأخذ في معظمها طابع التشكيك في المعتقدات والشذوذ في الآراء.

الاتصالات تفشل وكتاب مأساة الزهراء [عليها السلام] يبصر النور

واستمرت الإتصالات لحل القضية، والأدلة العلمية المحكمة لم تبق عذراً لمعتذر. واستمر ذلك «البعض» بالتشكيك المبني على غير أساس علمي صحيح وقويم.

الأنظار توجهت نحو [العلامة المحقق] نظرا لمركزه العلمي المتميز، وقد بات غير قادر على السكوت لا سيما مع توالي الأسئلة عليه، وانتظار موقف حاسم منه.

بعد تفكير مليّ، وانتظار أشهر لعلّ الوساطات تفلح، شرع [العلامة المحقق] بتأليف يضيء فيه بعض زوايا المشكلة ويزيل الغموض عن بعضها الآخر، ويجيب عن الأسئلة المطروحة بإلحاح حول ما جرى على الزهراء [عليها السلام] مما شكك به ذلك «البعض». وبحسب بعض الأشخاص الذين تابعوا الاتصالات، فقد كان الكتاب الذي يعده [العلامة المحقق] عبارة عن أسئلة وأجوبة تعالج بعض تلك المقولات، واستجابة لتدخلات بعضهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

بحجة أن جعل الكتاب بهذه الصيغة قد يزيد الأزمة تعقيداً، وقد يعتبره ذلك «البعض» ـ إن هو صدر على هذه الطريقة ـ إهانة يصعب معها الاستمرار في الوساطة فقد تم تعديل صيغة الكتاب.

وأثناء عمل [العلامة المحقق] على إنجاز كتابه، طلب من الأخوة الساعين في تلك الاتصالات الاستمرار في اتصالاتهم، وأعلن عن استعداده لوقف النشر حتى لو كان الكتاب قد أنجز، إذا ما توصلوا إلى نتيجة إيجابية. لكن، كل تلك التحركات والوساطات باءت بالفشل، وأُعلن عن انتهائها، ولم تمض أيام حتى أبصر كتاب «مأساة الزهراء [عليها السلام]» النور، وكما كانت دوما، فقد كانت الزهراء [عليها السلام] هي الشعلة التي تضيء الطريق.

ردود الفعل

وما أن صدر كتاب «مأساة الزهراء [عليها السلام]» حتى توالت ردود الفعل عليه.

وكانت الردود الأبرز هي تلك التي صدرت من الجهات العلمية، لا سيما مراجع الأمة، وأساتذة الحوزة في قم المقدسة، والنجف الأشرف، حيث أعلن هؤلاء تأييدهم لما جاء في هذا الكتاب، وباركوا وأثنوا على مؤلفه عبر رسائل نشر بعضها، كما أعلنوا في بيانات وتصريحات موقفهم السلبي من صاحب تلك المقولات نشرت أيضاً في حينه، وجمع بعضها في كتاب «الحوزة العلمية تدين الانحراف» الذي طبع أكثر من مرة. وعلى كل حال، فتلك الردود أشهر من أن نشير إليها. وفي المقلب الآخر، كيف استقبل مناصرو «البعض» هذا الكتاب؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

إن المتأمل في ردود فعل هؤلاء لا يشك لحظة واحدة في أنهم قد تزعزعت أركانهم، وزاغت أبصارهم، وظنوا بالله الظنون، وكأن الموت قد أقبل إليهم، فحق قول الله عليهم: (يجادلونك في الحق بعدما تبين، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) [الأنفال الآية6] لا لشيء إلا لخوفهم من الحق وأهله، ولا غرابة فإن الحق لا يوافق نفوس قوم أفسدت الدنيا قرائحهم بأمراض باطنية أعيت أطباء النفوس عن علاجها (فإن يروا كل آية لا يؤمنون بها) (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى بل أضل سبيلاً).

وهكذا، إستقبل مؤيدو «البعض» ومريدوه كتاب: «مأساة الزهراء [عليها السلام]» بالاستياء لأنه أتاهم من حيث لا يتوقعون، لا سيما وأن الناقد هذه المرة ليس شخصاً عادياً.

ولعل أكثر عناصر الكتاب إثارة هي: مقدمته التي احتوت على بعض القضايا التي كان يجعلها «البعض» أدلة على صحة تشكيكاته وعلاماته الاستفهامية.

لكن المتأمل في تلك الأدلة ـ التشكيكية ـ يرى أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بشخص مدّعيها، ولعل ذلك يهدف إلى أمرين:

الأول: إضفاء نوع من الحجِّية عليها.

الثاني: إعطاؤها نوعا من الحصانة والقداسة بحيث يبدو ناقدها وكأنه يتعرض للمقدسات أو لشخص قائلها.

ومهما يكن من أمر، فقد بدأ ذلك «البعض» بالتحرك، وذلك بتحريك بعض «الدمى» دون أن يظهر هو إلى العلن، لأسباب لا تخفى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

ومن الواضح أن المطلوب كان في ذلك الوقت، بالنسبة إليهم، هو الإكثار ما أمكن من حجم الردود لأهداف واضحة.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة في مواجهة تلك المقولات.

المذهب مرمى للسهام

لم تمر أشهر قليلة على صدور كتاب «مأساة الزهراء [عليها السلام]» حتى صدرت «باكورة» أعمال «البعض» الانتقامية فصدر أول كتاب (1) سمته الرئيسية أنه يقطر «خبثاً» وكل إناء بالذي فيه ينضح، لكن هذا «الخبث» لم يتوجه نحو [العلامة المحقق]، لأن هؤلاء قد وجهوا سهامهم نحو المذهب وأعلامه، وعملوا على تخريب آرائهم وتزييفها وتحريفها، ثم أضافوا الاتهام إلى شخص [العلامة المحقق]، بأنه يقطع النصوص ويحرّف الكلم عن مواضعه.

وفي نفس الوقت الذي كان يعمل هذا الكاتب على كتابه، كان يعمل كاتب آخر متسرّع على مسودة كتاب سمته الأساسية «السذاجة»، قام بتوزيعها على بعض الأوساط العلمية بعد طباعتها وتصويرها على ورق من الحجم الوسط.

ـــــــــــــــ

(1) هو كتاب «هوامش نقدية» لمؤلفه محمد الحسيني، وقد تكفلت شخصيا بالرد عليه، ونظراً لما كان يحويه فقد أسميته كتاب «الفضيحة».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

ولم تمض أيام حتى أصدر متطفل ثالث كتاباً آخر سمته الأساسية «الحماقة» نظراً لما ارتكبه من تحريف سافر لا يخفى حتى على الأعمى(1).

وكالعادة، فقد كانت الحجج ترتكز على أن «البعض» لا يقصد ما يُفهم من كلامه، وأن ما يقال عنه ما هو إلا فهم خاطىء.

في هذا الوقت، كان يعمل [المحقق العاملي] على مسوّدة كتاب يوضح فيه خلفيات إقدامه على كتابة «مأساة الزهراء [عليها السلام]» وقد جمع فيه مجموعة من المقولات «الجريئة» و«الخطيرة» التي تكشف عن حجم المشكلة التي يعاني منها «البعض» وبالتالي فإن القضية ليست قضية إنكار ما جرى على الزهراء [عليها السلام] وحسب، بل هي تتعدى ذلك إلى حد يطال الكثير من معالم المذهب وحقائقه التاريخية والعقيدية والفقهية.

وبشكل غير مسبوق وخطير، لكنه غير مفاجىء من هؤلاء، سرقت إحدى المسوّدات الأولية للكتاب بعد أن دفع فيها الآلاف من الدولارات ـ كما يقال ـ وقد كان [المحقق العاملي] قد أطلق عليه اسماً أولياً هو «مايتان ويزيد ولدينا المزيد» وهو الكتاب الذي عرف فيما بعد بكتاب «خلفيات»(2).

ـــــــــــــــ

(1) وهو كتاب «مأساة كتاب المأساة» للمدعو نجيب نور الدين وقد قام فضيلة الشيخ القطيفي بالرد عليه في كتاب أسماه «جاء الحق».

(2) وقد اعترف بعد مدة أحد المقربين جدا من «البعض» بدفع الأموال للحصول على المسودة، إلا أنه أنكر أن يكون هو الممول، وذكر أن المال دفع من أحد المتبرعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

وعلى أي حال، فقد حوّل «السارق» إحدى النسخ للمسودة المسروقة إلى ذلك الكاتب المتسرع الآنف الذكر، حيث قام هذا «الكاتب» بإعداد ردّ على هذه المسودة الأولية لكتاب «خلفيات» [ج1] قبل صدوره وهذا ما حصل.

وبالفعل صدر هذا الرد (1) قبل صدور كتاب «خلفيات» نفسه.

ونعيد القول: إن الردود التي صدرت حتى الآن كانت تركز في حجتها على أن ذلك «البعض» لم يقصد ما فُهم منه، وأنهم قطّعوا كلامه. ولكن كيف استطاع «الكاتب» أن يصدر ردّه على كتاب خلفيات قبل صدوره وبهذه السرعة؟! للإجابة على هذا السؤال لا بد من أن يسايرنا القارىء الكريم في عرضنا لفصول ما جرى فنقول:

الخديعة

بشكل مفاجىء، تدخلت بعض الأوساط وانطلقت بمبادرة وساطة لتقريب وجهات النظر حول إمكانية إيجاد حل ما. وقد جاء الوفد إلى [العلامة المحقق] وطرحوا فكرة الانطلاق بالمبادرة، وزعموا أن ذلك «البعض» لم يرفضها وذلك على أساس الوعد الذي حملوه بتصحيح المسار؛ فأعلن [المحقق العاملي] تأييده لكل عمل من شأنه أن ينزع هذا الفتيل، وبالتالي إقفال هذا الملف نهائيا، وتصحيح هذه المقولات، وأعلن استعداده لمساعدة هذا «البعض» بكل صورة ممكنة لتحقيق هذا الغرض.

ـــــــــــــــ

(1) وهو كتاب «مرجعية المرحلة وغبار التغيير» لكاتبه الشيخ جعفر الشاخوري وقد قام الأخ الأستاذ «نجيب مروه» بالرد عليه بكتاب أسماه: «حتى لا تكون فتنة»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

وقد علم [المحقق العاملي] في إحدى جلساته مع أحد أعضاء الوفد بتسرّب نسخة من نسخ مسودة الكتاب.

مضى اسبوعان على انطلاق المبادرة، ولا شيء جديد في هذه الأثناء، وكان [المحقق العاملي] قد أنجز كتابه.

عاد الوفد للتحرك، وقام بزيارة [المحقق العاملي] طالبا منه تأخير إصدار كتابه وأن تعطى المبادرة بعض الوقت، وطلب هذا الوفد أسبوعين آخرين، ثم عادوا وطلبوا تمديد المهلة فلم يمانع [العلامة المحقق] حرصاً على نجاح المبادرة رغم كون الأمل ضعيفاً بأن يقبل الطرف الآخر..

لكنه أراد أن يعطي للوفد كل الفرصة.. وهكذا توالت طلبات التمديد حتى وصلت إلى حوالي ثلاثة أشهر، حيث جاءت المفاجأة بصدور الرد على كتاب خلفيات قبل صدور كتاب خلفيات نفسه. وقد بات الأمر واضحا، لقد كانت هناك خديعة مورست حتى على الوفد الوسيط، وهي خديعة لم تكن لتنطلي لولا الوعد الذي قطعه [العلامة المحقق] للوفد والرغبة في إعطاء الفرصة له إلى النهاية وحتى لا يبقى عذر لمعتذر..

رسائل وكتاب

مضى حوالى السنة ونصف السنة على إصدار كتاب خلفيات بجزئيه الأول والثاني. لقد كانت «الجبهة» هادئة نسبياً ومن طرف واحد فقط لأسباب صرّح بها [المحقق العاملي] مراراً وتكراراً: ليس الهدف هو إسقاط الشخص، وإنما الهدف إخبار الناس بأن هذا «البعض» يملك من الأخطاء الجسيمة والكبيرة ما يحتم التأمل في كلامه وعدم الأخذ به دون النظر فيه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

ولكن على الجهة الأخرى، فقد كان ذلك «البعض» لا يتوقف عن إثارة القضايا كلما سنحت الفرصة، وكثيراً ما تجد في ضمن الأسئلة الموجهة إليه في درسه الأسبوعي سؤالاً يصلح ذريعة لنشر اتهاماته يمنة ويسرة فضلا عن التركيز من جديد على تلك المقولات.

وفجأة، وصل شخص قادم من إيران يحمل رسائل للعلامة المحقق، ممهورة باسم «أبو مالك الموسوي».

نظر [العلامة المحقق] في هذه الرسائل نظرة سريعة، وإذا بها ملاحظات سجلها كاتبها على كتاب خلفيات، وقد تمنى فيها صاحبها بشدة أن تبقى طي الكتمان، كاشفا عن أنه بصدد إعداد رسالة أخرى فيها وقفات «نقدية» أخرى على كتاب خلفيات.

أحال [العلامة المحقق] الرسائل إلي، طالبا النظر فيها وتسجيل الملاحظات عليها، تأييداً أو تفنيداً. وفي نفس الوقت، كتب رسالة رد مقتضبة إلى المرسل أخبره فيها باستلامه الرسالة، مثنيا عليه المتابعة في النقد والكتابة، فإن ذلك من شأنه أن ينمّي قدرات الإنسان العلمية، وكشف له عن أنه لم يقرأ الرسالة بالتفصيل، وإنما نظر إليها نظرة سريعة، فوجد أنها لا تخلو من إشكالات وقع بها هذا «الكاتب»، وأخبره أنه قد أحال الرسالة إلى أحد الأخوة، لينظر فيها، وأنه بانتظار باقي الرسالة ليرسل له الرد عليهما معاً، إن كان يصرُ على ذلك.

ولم يمض سوى بضعة أسابيع حتى وصلت الرسالة الثانية التي يتابع فيها كاتبها وقفاته «النقدية» على كتاب خلفيات، ولكن كان ثمة عبارة في مقدمتها دعتنا للتوقف ملياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

لقد إشترط الكاتب بأن يكون الرد الذي يجهزه «بعض الأخوة» على رسائله، يعبر عن رأي [العلامة المحقق] ويتبناه. وقد كان ذلك الشرط أمراً مثيراً للريبة.

إذ ما دام «المرسل» يبغي النقد الموضوعي بعيداً عن الأشخاص فما همّه أن يكون الراد هو [العلامة المحقق] أم غيره، فالإشكال إذا كان بمحله فمن غير المهم بعد ذلك من هو قائله. فلا الاسم اللامع يجعل من الفكرة الباطلة حقاً إن هو قالها ولا الاسم المغمور يجعل الرأي الحق باطلاً إن هو أطلقه. نعم قد يبدو هذا الإشتراط منطقيا لو أن أحد طرفي الحوار هو صاحب المقولات الخاطئة إذ لا معنى لإحالة الرسالة حينئذٍ.

وعلى أي حال، وبعد أشهر قليلة، كشف ذلك «البعض» صاحب المقولات المعروفة عن أن ثمة كتاباً سيصدر قريباً من إيران للمدعو «أبو مالك الموسوي».

وهكذا وبعد حوالي الشهرين أو الثلاثة من تصريح ذلك «البعض» أصدر المذكور كتابه تحت عنوان: «مراجعات في عصمة الأنبياء من منظور قرآني».

الكتاب وفق رواية الكاتب

لقد ذكر «الكاتب» في مقدمته حول قصة كتابه، ما مر آنفاً، من إرساله للرسائل وانتظاره للجواب عليها، وكذلك رسالة [المحقق العاملي] الجوابية.. وغير ذلك.

وقال: إنه انتظر طويلاً وصول الرد بناء على الوعد لكنه لم يستلم شيئاً..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

ولذلك كله، وبناء على إلحاح بعض الطلاب والأساتذة في الحوزة، وفق ادعائه، ولكي يستفيد القارىء من هذه الرسالة، ونشرا للحوار والمنهج النقدي، عمد إلى إصدار كتابه تعميما للفائدة، متناسيا عبارات الرجاء والتوسل التي ضمنها رسالته، بأن تبقى هذه الرسائل طي الكتمان..

ونحن سنعرض هنا عن التعرض لبعض ما ورد في مقدمة كتابه لأننا سنقف عندها بعد قليل وما يهمنا هنا هو الإجابة عن سؤال قد يدور في ذهن القارىء وهو: لماذا لم تتم الإجابة على هذه الرسائل، أو فلنقل: لماذا لم يتم إرسالها ما دامت جاهزة؟!

المؤامرة

لم تكن الخديعة التي مورست من قبل في العمل على تأخير إصدار كتاب خلفيات، عبر التظاهر بالتعامل إيجابياً مع مبادرة استغلّت ريثما يتم تجهيز الرد على كتاب خلفيات قبل صدوره.. لم تكن هذه الخديعة الأولى كما أنها لم تكن الأخيرة.

فقضية الكتاب الذي نتحدث عنه، لم تكن سوى مؤامرة من ضمن سلسلة المؤامرات التي يحيكها هؤلاء.

لقد كان كل شيء يسير بشكل طبيعي عندما أرسل «الكاتب» رسالته الأولى، حيث أحالها [السيد جعفر] إليّ، وقمت بالفعل بكتابة مناقشة مفصّلة لما ورد فيها من إشكالات وخلط من قبل «الكاتب»، لا سيما في تهويلاته الفارغة المتعلقة بالإدعاء بأن ما قاله صاحب «من وحي القرآن» هو مما أجمع عليه العلماء الأعلام أو كادوا منذ عصر الطوسي [قدس سره] إلى عصرنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

الحاضر، وكثيراً ما كان «الكاتب»، رغم ادعاءه الكبير هذا، يعرض عن تقديم أدلة وشواهد تثبت مدّعاه. وفي الموارد التي يقدم بها تلك الشواهد كان يعمل على تحريفها وتزييفها لتظهر كما يريد لها أن تظهر به.

ومهما يكن من أمر، فقد كتبت ما ظهر لي من إشكالات، رغم أنها استغرقت بعض الوقت لوجود مشاغل أخرى، ولم أكد أعلم [المحقق العاملي] بجهوزية الرد حتى أعلمني بوصول الرسالة الثانية.

ولكن، قبل وصول هذه الرسالة، تسربت بعض المعلومات من أناس على اطلاع على هذه الرسائل مفادها، أن «الكاتب» ينوي طباعتها ونشرها، وأن ما يظهره من رغبة في إبقائها طي الكتمان ما هو إلا مؤامرة يهدف منها إلى المحافظة على الإمساك بزمام المبادرة كي يتمكن من التصرف في الردود كيفما يشاء ويوجهها كيفما يريد.

وهو إذ كان قد قام بالتلاعب الفاضح بنصوص لعلماء أعلام موجودة في كتب متداولة تكاد تكون موجودة في كل منزل، كما سيرى القارىء في ثنايا هذا الكتاب، فما أيسر التلاعب عنده برسالة غير متداولة.

وعلى أي حال، وصلت الرسالة الثانية، واشتملت مقدمتها على عبارة رفعت من احتمالات وجود المؤامرة.

لقد شدّد «الكاتب» وركز في مقدمة هذه الرسالة على أنه يقبل بإحالة [المحقق العاملي] للرسالة لبعض الأخوة؛ شرط أن يتبنى سماحة [العلامة المحقق] «كل ما سيكتبه هؤلاء الاخوة من ملاحظات، ويسجلونه من ردود وإشكالات».

قد يبدو هذا الشرط بالظروف العادية، شرطاً طبيعياً، وإن كنا نعتقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

أن الذي يريد الحوار النقدي البناء لا يهمه إن كان الطرف الآخر اسماً لامعاً أو شخصاً مغموراً، فقد ذكرنا أن ذلك لا يجعل من الباطل حقا، ولا من الحق باطلاً، ولا يحول الدليل القوي إلى ضعيف ولا الضعيف إلى قوي.

ولكن، عندما يقترن هذا الشرط مع ما وصل إلى أسماع [المحقق العاملي] من نوايا وخطط تحاك في الظلام، وإذا أضيف إلى ذلك ما ذكره «الكاتب» نفسه في مقدمة الرسالة الأولى من أن «الأوضاع في غاية الحساسية، والفتنة في أوج كَـلَبها وهيجان غيهبها» حيث في هذه «الأجواء المحمومة تختل الموازين وأدوات التقييم». (1)

إذا أضيفت كل هذه الأمور، فإن اشتراط شرط كهذا، يغدو مثيراً للريبة. فكيف إذا ما أضيف إلى كل ما تقدم، أن التقرير الأولي الذي رفعته للعلامة المحقق حول الرسالة الأولى، أوضحت فيه أن ثمة أموراً تبدو غريبة في الرسالة الأولى حيث يظهر «الكاتب» فيها بحالة يصعب حمله فيها على الأحسن، إذ من المستبعد أن يكون ثمة شخص يدعي العلم ويرتكب تلك الهفوات الواضحة البطلان، حيث برز اتجاه واضح في تحوير وتضييع موارد الإشكال، وحرفها عن موضعها فضلاً عن التلاعب بنصوص العلماء بشكل سافر، كما سيأتي في محله.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 69 مقدمة الرسالة الأولى وراجع ص196، مقدمة الرسالة الثانية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

على أن ادعاءات «الكاتب» من أنه لا يريد أن يبرىء أحدا من الخطأ أو الزلل أو الاشتباه، «وأن رسائله ليست دفاعاً عن «السيد» الشخص أو موافقة عل كل ما جاء به من تفسير»، إذا ما قورنت هذه الإدعاءات بما جاء من محاولات لتمييع الإشكالات وتحريفها عن موردها، فإن ادعاءاته تلك تصبح غير ذات جدوى.

ورغم كل تلك الاحتمالات القوية حول نية «الكاتب» بالنشر، واشتراطه لذلك الشرط، فقد أحال [العلامة المحقق] الرسالة الثانية إلي وقد قمت بالفعل، بالعمل على تجهيز رد عليها.

الخبر اليقين:

لم تمض إلا أيام قليلة على وصول الرسالة الثانية، حتى وصل الخبر اليقين: إن «الكاتب» ينوي بالفعل نشر الرسائل، وأن الأمر برمته ومن أساسه مفتعل ومدبر.

لقد كانت الرسائل الشفهية الكثيرة التي كان يرسلها «الكاتب» مستعجلاً الرد، رغم عدم مرور وقت كبير، تزيدنا قناعة على قناعة، ويقيناً على يقين بما يحيكه «خفافيش الليل» الذين يعجزون عن إصدار كتاب واحد نقدي يخلو من تحريف وتزوير، وفي ذلك دلالات كبيرة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

اتخذ [العلامة المحقق] قراره وأخبرني إياه: «إحتفظ بالرد ولا ترسله فإن القوم يتآمرون كعادتهم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

الانتقال إلى الخطة الإحتياطية:

إنتظر القوم مدة لعلهم يستلمون ردّا، ولما طال الانتظار وانقطع الأمل، وعلموا بانكشاف أمرهم، وحاق مكرهم السيء بهم (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) صدرت الأوامر العليا إليهم، واتخذ القرار:

«فليُحَضَّر الكتاب للنشر بعد إجراء التعديلات اللازمة عليه وفق ما تحدثنا عنه»، هكذا نقل الناقل الخبر، لقد كانت الخطة الإحتياطية تقتضي إذا لم يرد [السيد المحقق] على هذه الرسائل، فليتم التركيز على أنهم هربوا من الحوار.

وثمة إجراء احتياطي آخر اتخذه هؤلاء وهو: ما دام [العلامة المحقق] لم يرد على الرسائل، وبالتالي لا يمكن إجراء تعديلات على الرسائل وفق ما كان يفترض أن يرد من إشكالات، فإن الأمر والحال هذه، يقضي باتخاذ خطوات أخرى.

«فلتعرض هذه الرسائل على بعض المقربين للنظر فيها حتى تخرج على أمتن صورة ممكنة لتفادي ما أمكن من الأخطاء».

وهذا ما حصل بالفعل.

السيد فضل الله يكشف عن الكتاب

وبعد بضعة أسابيع من الرسالة الثانية وقبل حوالي الثلاثة أشهر من صدور كتابه كشف «السيد» فضل الله عن وجود كتاب سيصدر قريبا في قم للمدعو: «أبو مالك الموسوي» يناقش كتاب خلفيات «راجع الملحق» في آخر الكتاب.

ومن ناحية ظاهرية فإن [العلامة المحقق] عرف بالنشر من خلال «السيد» فضل الله نفسه، الذي كان أول من كشف عن ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

بين الدهاء والفجور

وقد يتساءل متسائل: أننا يمكن أن نتفهم عدم المبادرة لنشر الرسائل في بداية الأمر عندما كانت القضية قضية شكوك مستندة إلى لغة الرسالة، وبعض الملابسات حولها.

ولكن لماذا عدم النشر عند مجيء الخبر اليقين؟

ولا أبوح بسر إن قلت إني كنت قد فاتحت [العلامة المحقق] بالأمر، وطرحت عليه نفس السؤال، فقلت له: لماذا لا تتم المبادرة لنشر هذه الرسائل ما دام «الكاتب» ينوي نشرها يقيناً، فإن المبادر للنشر يملك زمام الأمور.

لكن [العلامة المحقق] كان له رأي آخر، وقد كانت فكرته مقنعة للغاية، وتدلل عن أخلاق رفيعة قل نظيرها، ويمكن تلخيص موقفه «أعزه الله» بالتالي:

قد علمت أن «الكاتب» شدّد وتوسل على بقاء هذه الرسائل طي الكتمان، ولأجل ذلك، فلا يمكن أن نكون السباقين في إظهار ما طلب صاحبه أن نخفيه ونكتمه، مهما كانت معرفتنا كبيرة بخبث النوايا وعلمنا موثق بسوء السريرة..

فإن احتمال عودة المتآمر عن قراره في آخر لحظة، إن أسعفه اللطف الإلهي وتداركته الرحمة الإلهية، يبقى أمراً وارداً، إن كان مستحقا لهذا اللطف ولهذه الرحمة. لكن معرفة استحقاقه لهما أمر غير متيسّر لنا ولا هو تحت مبلغ علمنا، ولا يقع في متناول أيدينا. فكان خيار [العلامة المحقق] هو الصبر حتى ينجلي الأمر، ويسفر الصبح لذي عينين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

من هنا، فإن القضية ليست ـ كما قد يتصورها بعضهم ـ قضية دهاء عند بعض وسذاجة عند آخرين، بل هي قضية فجور من جهة وتقوى من جهة أخرى.

ولعل [العلامة المحقق] قد ردّد في سره أو استذكر في هذه القضية عندما بلغه الخبر اليقين بحقيقة «المؤامرة» ما قاله أمير المؤمنين [عليه السلام]: والله ما معاوية بأدهى مني لكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس.

نعم، لم يكن غائبا وجه الحيلة عنا، ولم يكن يعجزنا الإتيان بمثل ما أتوا، ولكن دون ذلك حاجزٌ من أوامر الله ونهيه، وقد قال أمير المؤمنين [عليه السلام]: «قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».

وهكذا أسدلت الستارة عن الفصل الأول من «المؤامرة».

نصر موهوم

مع إصدار الكتاب، بدأت أحداث فصل آخر، لقد تعاطى ذلك «البعض» مع الكتاب، على أنه «بيضة القبان» وأنه الإصدار الذي سيغيِّر «المعادلة». إنه، برأيهم، النصر الحاسم، لكنه سيتبيّن أنه نصر موهوم.

لقد وضع ذلك «البعض» ثقله في هذا الكتاب، ويكفي دلالة على ذلك قيامه بتوزيع الكتاب يمنة ويسرة، حيث يتجلى الكرم بأبهى صوره، وأخذت الهدايا تنهال على هذا وذاك: «كتاب مراجعات في عصمة الأنبياء من منظور قرآني ـ هدية مكتب سماحة [آية الله العظمى السيد] محمد حسين فضل الله». فوزعوا مئات النسخ، بل ألآف، على المعاهد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

والحوزات العلمية، وعلى العلماء والمثقفين، ولم يُستثن العوام من هذه الهبات والهدايا.

ولم يمر موسم الحج دون الإستفادة من هذا الإصدار «الفرصة»، فحُمِّل المئات من الحجيج نسخا من هذا الكتاب على أن يسلِّموها إلى مكتب «سماحته» في مكة المكرمة.

ولم يقتصر هذا «الفيض» على الساحة اللبنانية، بل وصلت بركاته إلى بلاد الإغتراب: لندن، أميركا، كندا وغيرها من البلدان..

كل ذلك يكشف بشكل صريح وواضح لا لبس فيه: إن ذلك «البعض» يتبنى هذا الكتاب بكل ما يحويه. وقد ذكرنا سابقا أنه هو الذي بشّر بصدور الكتاب قبل أشهر من صدوره، وأن [المحقق العاملي] قد علم، ظاهرا، بنية الكاتب بالنشر عن طريق رسالة «البعض» التي وجهها إلى أحد الأشخاص في كندا.

وهنا، يبدو أن ثمة سؤالا يلح بقوة، وعلى الكاتب التوقف عنده: الى أي مدى سيذهب «البعض» في تبني هذا الكتاب، لا سيما مع إفتضاح أمره بعد إصدار كتابنا هذا؟! ربما لا نحتاج إلى شخص يعلم الغيب ليجيب عن هذا السؤال.

فقد سبق هذا الكتاب، ثلاثة إصدارات تبناها ذلك «البعض» ، وقام بتوزيعها وتسويقها عبر إذاعته وغيرها من الوسائل، وبعد إصدار الردودعليها وإفتضاح أمرها وأمر «كتّابها» ، وما مارسوه من تحريف وتزييف، عمد ذلك «البعض» للتنصل وإظهار البراءة منها. ولا نظن أن موقفه هنا سيختلف عن موقفه هناك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

التحوّل المنهجي

ذكرنا فيما سبق، أن الردود التي سبق أن صدرت، قد إرتكزت في حججها على إنكار صحة نسبة تلك المقولات إلى صاحبها، وأن ما نسب إلى ذلك «البعض» محرّف ولم يقله، وأنه إفتراء وتقطيع لأوصال الكلام، بزعمهم، وهذا المنطق قد إحتج به «البعض»، وقد برز ذلك، فيما برز، في رسالته إلى سماحة آية الله الشيخ السبحاني عندما قال له: إن 90% مما ينسب إليه هو تحريف و10% كذب وإفتراء (1).

ولكن هذا النوع من الإدعاءات لم ينجح؛ لأنها لا يمكن أن تنطلي على عاقل، لا سيما وأن هذه المقولات مدونة في الكتب، وبالتالي، فإنه يسهل التأكد من صحتها وصحة نسبتها إلى صاحبها. من هنا كان لا بد من إجراء تعديل جوهري، بنظرهم، في المنهج.

وتفتق الذهن الإبداعي على حلول ألمعية، متخذا الرد الجديد منهجا مختلفا، وإن كان مناقضا تماماً، لما كان قد صدر سابقا؛ لأن الناس، بنظرهم، «سذج» وبسطاء، فلن يلتفتوا، والحال هذه، إلى هذه المفارقات وهذا الإنعطاف والتحول في المنهج.

ويرتكز هذا المنهج الجديد على عدم إنكار نسبة هذه المقولات إلى صاحبها، كما كان يحدث سابقاً، وإنما على أن هذه المقولات التي ذكرها «البعض» ليست جديدة، وأن ما ذهب إليه من أرآء وتبناه من إتجاه هو

ـــــــــــــــ

(1) راجع كتاب الحوزة العلمية تدين الإنحراف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

مما يكاد يجمع عليه العلماء والمفسرون منذ عصر الشيخ الطوسي إلى عصرنا الحاضر، على حد تعبير الكاتب.

وهذا الإدعاء والمنهج الجديد، يقتضي حشد أكبر عدد ممكن من النصوص التي تؤيد هذه المزاعم.

ومن المؤكد، أنه ومع بطلان كون هذه الآراء مما ذهب إليها العلماء، كما يدّعي هذا الكاتب، فإن حشد النصوص التي ستقدم على أنها مؤيدة، لن تخلو من تحريف لآراءالعلماء، كما أنها لن تخلو من تدليس في نصوص ذلك «البعض»؛ لأنه بغير هذه الوسيلة، لن يتسنى لهم تحقيق ما يصبون إليه من هذا المنهج الجديد.

من هنا، فإن ما يحويه هذا الكتاب من تحريف وتدليس لا ينبغي أن يفاجئ أحداً، كما لم يفاجئنا؛ لأن ما يُتوقع حصاده لن يخرج، بنوعه، عن إطار ما زُرع وبُذر؛ ومن يزرع الكذب لن يحصد إلا الخيبة.

مع مقدمة الكتاب:

وعلى أي حال، فقد أخذ «الكاتب» يصول ويجول في مقدمة كتابه، ويتحدث عن رسائل خمس احتواها هذا الكتاب، زاعما أنه أرسلها جميعاً إلى [العلامة المحقق].. وتحدث عن ألم مرير عانى منه وهو ينتظر الجواب، أو أن يخرج [العلامة المحقق] عن صمته، على حدّ تعبيره. ولم ينس التحدث عما يمكن أن يحصل للإنسان إذا ما أراد الدخول في حوار نقدي من اتهام بقبض آلاف الدولارات وغير ذلك (1).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص8.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

ولا يعنينا هنا التدقيق في كلامه هذا في مقدمته هذه، وإنما سنكتفي بذكر ملاحظات عدة محاولين قدر الإمكان الاختصار والإيجاز:

أولاً: الرسائل التي أفرخت

يحتوي الكتاب على خمس رسائل، و «الكاتب» وإن لم يصرِّح بشكل دقيق بإرسالها جميعاً إلى [العلامة المحقق]، لكنه لم يصرح أيضاً بعدم إرسالها، بل قال: «وواصلت كتابة الرسالة الثالثة والرابعة والخامسة على أمل أن يخترق سماحته جدار الصمت..»

والقارىء لهذا الكلام، لا يشك لحظة بأن الرسائل قد ارسلت جميعاً إلى العلامة المحقق، لا سيما وأنها تتحدث بلغة المخاطب، وهي مكتوبة على نسق واحد.

لكن الحقيقة أن «الكاتب» لم يرسل منها سوى رسالتين «الأولى والثانية» أما الباقي فلم يستلم منه [المحقق العاملي] شيئاً.

وقد يقال: ما الفارق في ذلك ما دام الرد لن يرسل؟

ونقول: إن القضية تتعلق بالأمانة والدقة، بأن ليس كل ما ورد في الكتاب قد أُرسل إلى [المحقق العاملي]، خاصة أن الكاتب يزعم أنه لم يجري إلا بعض التعديلات على الرسائل أثناء الطبع. وقد بيَّنا عدم صحة ذلك في محله.

ثانياً: الإلتفاف

لقد أدرك «الكاتب»، من خلال عدم الرد على رسالتيه، بأن المؤامرة قد انكشفت، والخطة قد افتضحت؛ لذلك عمد إلى القول في مقدمة كتابه حول قصة الكتاب ما نصّه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

«ومن المؤكد، وليس ذلك من سوء الظن، وإنما هو إفراز طبيعي في عصر الفتن، أن بعض النماذج من الناس، سيحولون قضية هذه الرسائل المتبادلة إلى غير مجراها، ويصرفونها عن هدفها ومغزاها، ويحرفونها عن مواضعها ومعناها قربة إلى الله تعالى!! بتقويلنا ما لم نقله، وتحميلنا ما لم نتفوه به، انطلاقاً من منهج قراءة المكبوت، والمقموع والمسكوت عنه..».

وليس ذلك من «الكاتب» إلا محاولة للالتفاف على أية محاولة لكشف حقيقة تلك الرسائل، وأهدافها ومنطلقاتها، وسيقول عند صدور كتابنا هذا، وكشف حقيقة تلك الرسائل «المؤامرة» بأنه قد توقع حصول ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإن كان يحق له أن يؤكد ويقطع، بقيام بعض الناس بما توقع أن يقوموا به، وأن ذلك ليس سوء ظن، وإنما هو إفراز طبيعي في عصر الفتن، فإن هذا العصر، وحاله هذا، لا يعيش فيه بمفرده، بل يشاركه فيه الآخرون، ويحق لهم أن يؤكدوا حقيقة وجود «المؤامرة»، لا سيما أن ذلك ليس توقعاً نابعاً من ظروف هذا العصر، وإنما من معطيات مؤكدة وموثقة تشهد عليها حال «الكتاب» ومقال «الكاتب». وهو ما سيطلع عليه القارئ بالتفصيل في فصول كتابنا هذا.

ثالثا: خسارة الدنيا والآخرة

ومما قاله «الكاتب» في مقدمة رسالته الأولى، هو أنه في «مثل هذه الأجواء المحمومة تختل الموازين، وأدوات التقييم، وتصادر النوايا الطيبة والمساعي الصالحة والحسنة.. حينما يظن أن كل رسالة أو محاضرة وراءها من الأصابع الخفية ما وراءها، بل ربما يوصف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

صاحبها بأنه قد وقع في شباك الإغراءات والتلويح بآلاف الدولارات وما إلى ذلك»(1).

وفي هذا الكلام محاولة أخرى منه للالتفاف على أي اتهام بأن وراء مؤامرته «النقدية» بعض الإغراءات النقدية وما إلى ذلك.

على أننا نطمئن «الكاتب»، بأننا لن نتهمه بقبض آلاف الدولارات؛ فإن اتهامات كهذه لا يمكن أن تطلق، من قبلنا على الأقل، ما لم تقترن بالشواهد والأدلة.

ولكن، ربما قد فات «الكاتب»: أن ليس كل من باع دينه قد باعه بالضرورة بدنياه، فلعله قد باعه بدنيا غيره، فيكون قد خسر الدينا والآخرة معا وذلك هو الخسران المبين.

رابعا: لكل خطوة مبرر وحجة

قد مرّ معنا أن «الكاتب» قد شدّد وتوسل، في مقدمة رسالته الأولى، أن تبقى هذه الرسائل طي الكتمان؛ لذلك خاطب [العلامة المحقق] حول ذلك بقوله: «لذا ارجو منكم رجاءاً مخلصاً أن يكون ذلك بيني وبينكم»(2).

وهو وإن لم يوضح سبب هذا الطلب والرجاء، الذي التزم به العلامة المحقق، لكن عندما عمد «الكاتب» إلى إصدار كتابه، برر نشر الرسائل بأن ذلك إنما كان نزولا عند رغبة بعض الطلاب والأساتذة في حوزة قم

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص19.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص20.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

المقدسة. متمسكاً بدعوى مفادها: نشر هذا الحوار النقدي وتعميم فائدته لا سيما وأن هذه الرسائل ليست شخصية (1).

ولنا أن نتساءل: ماذا لو أقدم الطرف الآخر على نشرها تحت هذا العنوان؟! الم يكن يتعرض لشتى أنواع التهم وأقذعها، لا سيما الخيانة وفضح الأسرار والتصرف بالأمانات وغير ذلك من تهم..

ومهما يكن من أمر، فإن «الكاتب» لن يعجز عن الإتيان بالمبررات والدوافع للنشر، فإن لكل مقام عنده مقال وحجة، ما دامت الغاية تبرر الوسيلة بل تنظفها وهو الخبير باستغلال الوسائل.

على أن أقل الضوابط الأخلاقية التي ينبغي أن يلتزم بها أي مباشر للنقد، هي أن يبلغ الطرف الآخر بنيته في ذلك، لا سيما أنه هو الذي طلب منه عدم نشر هذا «الحوار» وتلك الرسائل، وإبقاءها طي الكتمان..

ولا ينفع القول: بأن الطرف الآخر لم يبادر إلى الإجابة على الرسائل، فإن عدم الإجابة مع الحفاظ على سرية الرسائل بناء على طلب مرسلها تحتم الالتزام بهذه الأخلاقيات التي يفتقر «الكاتب» للالتزام بأبسط قواعدها.

نار الإنتظار

هذا وقد ذكر «الكاتب» في «قصة كتابه» أنه عانى من انتظار وصول الرد، مذكراً [العلامة المحقق] بمدى صعوبة هذا الانتظار؛ لا سيما

ـــــــــــــــ

(1) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص8.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

وأن [المحقق العاملي] عانى هذه التجربة كما ذكر ذلك بنفسه في مقدمة أحد مؤلفاته، على حد تعبير «الكاتب»(1).

وذلك في إشارة إلى الرسائل التي كان قد ارسلها [المحقق العاملي] إلى «السيد» فضل الله منذ بداية القضية، وقبل إصدار كتاب «ماساة الزهراء [عليها السلام]».

ولكن «الكاتب» تناسى أموراً عديدة:

1 ـ إن العلاقات بين [المحقق العاملي] وذلك «البعض» كانت لا تزال في تلك الأثناء حميمة، فلا وجود لمؤامرات وما شابه ذلك.

2 ـ إن الفتنة لم تكن في تلك الأيام في «أوج كَلَبها وهيجان غيهبها» كما يحلو «للكاتب» أن يعبر. بل إن القضية لم تكن قد انطلقت أصلاً.

3 ـ إن [المحقق العاملي] عندما قرر إصدار كتاب «مأساة الزهراء [عليها السلام]»، قد أعلم الطرف الآخر أنه بصدد تجهيز كتاب في هذا الصدد، وأنه على استعداد لإجراء حوار بناء لتفادي وقوع مشكلة، وأنه مضطر في حال رفض هذا الحوار، إلى إصدار كتاب للرد على كل ما يثيره هذا «البعض» من شبهات؛ لا سيما بعد أن أُحرج بالأسئلة التي وردت عليه، تطالبه بإبداء رأيه وإظهار علمه.

بل قد مرّ أن [المحقق العاملي]، حتى عند انتهاء كتابه «ماساة الزهراء [عليها السلام]»، فإنه قد أعطى لبعض الساعين في الوساطات فرصة

ـــــــــــــــ

(1) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص8.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

لإحراز نجاح الوساطة، وقام بتأخير إصدار كتابه. وكذلك قام بإجراء تعديلات على أسلوب كتابته، رغبة وحرصاً منه على نجاح المساعي الحميدة في ذلك الوقت. ولكن كل تلك المساعي تحطمت على أعتاب ممانعة «أدعياء الحوار».

4 ـ ولعل «الكاتب» فاته أيضاً أن رسائله تلك قد سُبقت بخدع ومؤامرات ومكائد تجعل من عدم الاحتراز من خطوات مماثلة غباء، وبلاهة..

فلم يكن قيام «بعض الناس«بدس ألآت التسجيل في جيوبهم لتسجيل راي [العلامة المحقق] بكتاب هنا ومؤلف هناك في محاولات فاشلة، كما لم تكن محاولة تأخير إصدار كتاب خلفيات عبر دفع بعض الفضلاء للقيام بمبادرة للحل، هي الأولى والأخيرة.

فكل هذه الأساليب من الخدع والمؤامرات، لم تكن قد حصلت عندما قام [العلامة المحقق] بإرسال رسائله إلى ذلك «البعض».

ورغم كل ذلك، فقد ذكرنا أن [المحقق العاملي] ابلغ الطرف الآخر بأنه ينوي إصدار كتاب يتعلق بالأمور المثارة، إن هو لم يتفاعل مع المحاولات الحثيثة والمساعي المتكررة لتلافي وقوع الصدام. فهل يصح بعد ذلك تشبيه «الكاتب» ما جرى معه، بما جرى مع [المحقق العاملي]؟! وهل التزم «الكاتب» بأخلاقيات الحوار وآدابه؟!

بين الرسائل والكتاب

يقول «الكاتب»: «هذه إحدى وسبعون صفحة وهناك إحدى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

وسبعون صفحة أخرى تمثل وقفات أخرى على كتاب خلفيات..»(1).

وقد علق «الكاتب» على هذا القول بالهامش بقوله: «كان ذلك بحسب الرسالة الخطية الأولى، وقد أضيفت بعض التوضيحات عند الطبع»(2).

ولا يخفى، أن حفاظ «الكاتب» على هذا النص، إنما يهدف من خلاله إلى القول بأن ما يقدمه للقارىء في الكتاب هو ما جاء في نص الرسائل، حتى أنه حافظ على الحديث عن عدد صفحات الرسائل رغم اختلافها جذرياً عما جاء في الكتاب.

على أن هذا الادعاء لا يخلو من مكر، لأن الفارق بين ما جاء في الرسائل وبين ما جاء في الكتاب كبير جدا، ويكفي للدلالة على ذلك أن الإحدى وسبعين صفحة التي ذكرها تحولت في الكتاب إلى ماية وثلاثة وخمسين صفحة!! فهل أن تضخم عدد الصفحات حتى فاقت الضعف ينطبق عليه ما أسماه «الكاتب»: «بعض التوضيحات عند الطبع»؟!!

لماذا تأخر الرد؟

ويبقى أن أشير إلى أن السبب في تأخر صدور الرد، رغم جهوزيته قبل نشر الكتاب، يعود إلى عدة أسباب أهمها:

أ ـ عدم التفرغ الكامل للعمل على الرد لوجود مشاغل أخرى.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص153.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص153 «الهامش».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

ب ـ إن حجم التغييرات والتعديلات التي أجراها «الكاتب»، جعلت من الرد المعد سابقا على الرسالتين الأوليتين غير كافٍ، لدرجة أنه لم يعد يصلح ليكون هو الرد على الكتاب. وكل ما يصلح له هو أن يكون نواة للإنطلاق في عملية الرد والمناقشة.

ج ـ من ضمن التعديلات التي أجراها «الكاتب» والإضافات التي زادها هي تلك النصوص الكثيرة التي أقحمها في كتابه، وعندما تبين لنا عدم الأمانة في النقل لفظا ومعنىً، كان لا بد من متابعة «الكاتب» في جميع نصوصه التي أوردها. ولا تخفى صعوبة هذا الأمر وحاجته للجهد والوقت، وهو ما ستطلع عليه عن كثب.

ماذا في الكتاب؟

وعلى أي حال، فإن هذا الجزء من الكتاب يحتوي على مقدمة، ومدخل وتسعة فصول، وخاتمة.

والمدخل يحتوي على إطلالة على المنهج المتبع عند «الكاتب»، كما يحتوي على نظرة إلى كتاب خلفيات من ناحية منهجية.

أما الفصول التسعة، فقد جعلنا كل فصل لمعالجة قضية من القضايا التي أثارها «الكاتب» في وقفاته، ولم نلتزم بالتسلسل الذي اعتمده في وقفاته هذه.

ومن هنا، فتغدو الفصول كالتالي:

الفصل الأول: آدم [عليه السلام].

الفصل الثاني: يونس [عليه السلام]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

الفصل الثالث: إبراهيم [عليه السلام]

الفصل الرابع: موسى والعبد الصالح [عليه السلام]

الفصل الخامس: يوسف [عليه السلام]

الفصل السادس: موسى وهارون [عليه السلام]

الفصل السابع: موسى وقتل القبطي

الفصل الثامن: نوح [عليه السلام]

الفصل التاسع: داود [عليه السلام]

الخاتمة

ولا بد من القول:

إن هذا الكتاب عبارة عن الجزء الأول من مناقشة كتاب «مراجعات في عصمة الأنبياء من منظور قرآني» وسيصدر الجزء الثاني منه لاحقا إن شاء الله.

وسبب إصداره على دفعتين أمران:

الأول: إن حجم الرد كبير ولا يمكن إصداره بجزء واحد، وسيلاحظ القارىء هذا الأمر من حجم هذا الجزء.

الثاني: ما وجدناه من عدم أمانة عند «الكاتب» في نقله للنصوص المحشّدة، مما ترتب عليه ضرورة متابعتها، والتأكد منها، وبسبب كثرة هذه النصوص فإن الجزء الثاني سيستغرق بعض الوقت خاصة وأن المشاغل كثيرة. لذلك أصر بعض الأخوة الأعزاء على إصدار هذا الجزء الأول منه على أن يصدر الثاني لاحقا فور جهوزه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

كلمة أخيرة

ولا بد لي في الختام من تقديم جزيل الشكر والامتنان للاخوة في «المركز الإسلامي للدراسات» الذين وضعوا مكتبتهم بين يدي وقد استفدت منها كثيراً لا سيما من بعض كتب التفسير التي تحتويها وأسأل الله أن يوفقهم لما يحب ويرضى.

وأخيراً: أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا إنه مولانا فنعم المولى ونعم النصير.

محمد محمود مرتضى

بيروت 15 ذي الحجة 1421

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

مدخـل

لقد كان من المقرر أن أكتفي بالمقدمة، لا سيما وأن ما أريد الحديث عنه في هذا المدخل هو مما ورد في ثنايا فصول الكتاب.

ولكن، وبعد الانتهاء من كتابة المقدمة، ارتأيت أن أدون هذا المدخل لأهمية جمع تلك الأفكار المشتتة التي وردت في ثنايا تلك الفصول، فإن ذلك هو من الأهمية بمكان جعلني أشعر بضرورة عرضه أمام القارىء قبل الشروع بمطالعة تلك الفصول التسعة.

أولاً: إطلالة على منهج الكاتب:

إن المتأمل فيما دوّنه «الكاتب» من ملاحظات أسماها «نقدية» سيجد أنه اتبع منهجا محددا سمته الرئيسية هو التحريف.

ويمكن اعتبار ما جاء به «الكاتب» لا يخرج عن أحد الأمور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

التالية (1):

أ ـ التجاهل: ونعني به قيام «الكاتب» بتجاهل النصوص المشكلة التي صرّح بها صاحب «من وحي القرآن»، وأشار إليها [العلامة المحقق] في كتاب «خلفيات» وبالتالي جر القارىء إلى بحوث أخرى تجعله ينسى النقاط الحساسة كلية. وهذا ما سيجده القارىء في أغلب فصول هذا الكتاب، ومن نماذجه بعض ما جاء في فصل آدم [عليه السلام] وإبراهيم [عليه السلام] ونوح [عليه السلام]..

ب ـ التدليس: ونعني به قيام «الكاتب» بعمليات تمويه في كلام صاحب «من وحي القرآن»، أخفى بذلك عيوب هذا الكلام وأظهره على غير حقيقته، ويمكن اعتبار بعض ما جاء في فصل آدم [عليه السلام] ويوسف [عليه السلام] وداود [عليه السلام] ونوح [عليه السلام] من مصاديق هذا التمويه والتدليس.

ج ـ الإنكار: ونعني به قيام «الكاتب» بإنكار نسبة بعض المقولات التي أطلقها صاحب «من وحي القرآن» إليه، والادعاء بأنها افتراء عليه، وهو ما بيّنا بطلانه.

ويمكن ملاحظة ذلك في فصل آدم [عليه السلام] ويونس [عليه السلام] ويوسف [عليه السلام].

د ـ تحريف مطابقة: ونقصد به قيام «الكاتب» بتحريف آراء العلماء والأعلام وحرفها عن مقاصدها لتظهر وكأنها مطابقة لما ذكره صاحب «من وحي القرآن» وموافقة له، ويمكن ملاحظة ذلك في أغلب الموارد

ـــــــــــــــ

(1) سنعرض عن ذكر الأمثلة لكل مفردة من مفردات هذا المنهج، وسنكتفي بالإشارة والإحالة إلى مكانها، لأن الأمثلة كثيرة وهي من الوفرة بحيث يمكن أن نستغني عن ذكرها وسيراها «القارىء» في محلها مع الإشارة إليها مراراً وتكراراً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

التي نقل فيها تلك الآراء.

هـ ـ تحريف انطباق: وإن عجز «الكاتب» في بعض الأحيان عن ممارسة تحريف مطابقة، عمد إلى ممارسة تحريف انطباق، ونعني به قيامه بتحريف كلام صاحب «من وحي القرآن» نفسه ليظهر مطابقا أو موافقا لما ذكره العلماء والأعلام.

وأمثلة ذلك هي من الكثرة بمكان لا يحتاج معها إلى إلفات القارىء إلى مواردها.

و ـ التعمية: ونعني بذلك قيام «الكاتب» بذر الرماد في العيون، بهدف التعمية على موضع الإشكال، وأمثلة ذلك كثيرة أيضاً لا يخلو منها مورد في كافة فصول الكتاب.

ثانيا: كتاب خلفيات ومحتواه

إن المطلع على كتاب خلفيات بجزئيه، سيجد أنه يمكن تصنيف ما يحتويه إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: عبارة عن عناوين مأخوذة من كلام صاحب «من وحي القرآن» وقد وضعها [العلامة المحقق] ليشير من خلالها إلى محل البحث وموضع الإشكال. وقد قام [العلامة المحقق] بترقيمها حتى بلغت [287] عنواناً تمثل بمجملها مجموع الإشكالات التي تضمنها الجزء الأول من كتاب «خلفيات»، وهي التي سنعرضها في بداية كل فصل تحت عنوان: «العناوين المشكلة».

الفئة الثانية: كلام «السيد» فضل الله نفسه، وهو عبارة عن نصوص منقولة بحرفيتها من كتبه ومؤلفاته، وهي التي ستجدونها أيضاً في بداية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

كل فصل، تحت عنوان: «النصوص المشكلة».

الفئة الثالثة: عبارة عن وقفات قصيرة للعلامة المحقق اقتضاها المقام، تهدف إلى إلقاء مزيد من الضوء على مورد الإشكال، ومعالجته بما يتناسب وهذه الوقفات. والمتأمل في كتاب «خلفيات» سيجد أنه لا يخرج عن هذه الفئات الثلاث.

ثالثا: عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة

إن «الكاتب» في محاولاته لتصويب مقولات صاحب «من وحي القرآن» نجده كثيراً ما يدّعي أن هذا الرأي أو تلك المقولة قد ذكر صاحبها إيضاحات لها في كتاب آخر أو جزء آخر أو موضع آخر من كتابه، وذلك مخالف لما قرره العلماء الأعلام في محله، من «عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة».

وقد أشار [العلامة المحقق] إلى هذا الأمر في مقدمة كتاب «خلفيات» [ج1] حيث قال: «قد يقال: إن بعض الموارد التي يرد عليها الإشكال قد ذكرت لها في مواضع أخرى حدود وقيود تجعلها مقبولة ومعقولة..

ونقول: إن من الواضح أن من يكتب شيئاً في مقالة ما، فإنه لا يصح له أن يكتب ويطلب من الناس أن يقرأوا كل ما كتبه طول عمره، ليعرفوا ماذا يقصد بكلامه في مقالته تلك، وليس له أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فيفصل بين مراده وبين الشاهد والقرينة عليه؟!».

وأضاف «أعزه الله» قائلاً: «وكيف يصح أن يقال: إنه من أجل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

معرفة المراد من آية قرآنية، لا بد من قراءة تفسير القرآن كله بجميع أجزائه؟!»(1).

أضف إلى ذلك: إن ما يحيلون إليه، قد صدر بعد سنوات أو قبل سنوات من صدور النص موضع الإشكال، فكيف يصح جعله توضيحاً له؟! والآن فلنبدأ بعون الله بالنظر إلى ما احتواه كتاب «مراجعات في عصمة الأنبياء».

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج1 ص35 ـ 40

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

الفصل الأول:
آدم [عليه السلام]

* الآيات القرآنية

* العناوين المشكلة

* النصوص المشكلة

* توالد أبناء آدم [عليه السلام]:

1 ـ التضليل السافر

2 ـ سيغموند فرويد تلميذاً

3 ـ شاهد طريف

* قصة آدم [عليه السلام] والجنة:

1 ـ معصية آدم كمعصية إبليس

2 ـ النسيان وعدم العزم

3 ـ النسيان وعدم العزم

4 ـ السذاجة

5 ـ الضعف البشري والرغبة المحرمة

6 ـ الدورة التدريبية

7 ـ طرائف إبليسية

8 ـ مقولات تجاهلها الكاتب

* خلاصة الفصل الأول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

بسم الله الرحمن الرحيم

(وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب)(1). (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق)(2).

ـــــــــــــــ

(1) سورة غافر/الآية 5

(2) سورة الكهف/الآية 56.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 65/

الآيات القرآنية

(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة، وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* فأزلهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)(1).

(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وإنك لا تظمأوا فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى)(2).

(ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سؤاتهما، وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)(3).

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة/الآية 35 ـ 37.

(2) سورة طه/الآية 115 ـ 122.

(3) سورة الأعراف/آية 19ـ23.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

العناوين المشكلة:

«14ـ معصية آدم كمعصية إبليس.

15ـ الفرق بين آدم وإبليس هو في الإصرار والتوبة.

16ـ آدم ينسى ربه، وينسى موقعه منه.

17ـ آدم استسلم لأحلامه الخيالية وطموحاته الذاتية.

18ـ آدم طيب وساذج، لا وعي لديه (أبله)!.

19ـ آدم يعيش الضعف البشري أمام الحرمان.

20ـ آدم يمارس الرغبة المحرمة.

21ـ الدورة التدريبية لآدم [عليه السلام].

22ـ كان عاصيا ولم يكن مكلفا.

23ـ لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات.

24ـ لا مناعة جنسية حتى بين الأم وولدها.

25ـ بإمتداد النسل يحصل الجو النظيف جنسياً» (1).

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 55 و 61.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

النصوص المشكلة:

«وغفر لهما وتاب عليهما، ولكنه أمره بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها، لأنهما عصياه كما عصاه، وإن كان الفرق بينهما: أنه ظل مصراً على المعصية ولم يتب، فلم يغفر له الله، بينما وقف آدم وزوجته في موقف التوبة إلى الله، فغفر لهما». «فانطلقا إليها بكل شوق، ولهفة، وأطبقت عليهما الغفلة عن مواقع أمر الله ونهيه، لأن الإنسان إذا استغرق في مشاعره، وطموحاته الذاتية، واستسلم لأحلامه الخيالية، نسي ربه ونسي موقعه منه». «كيف نسيا تحذير الله لهما؟ وكيف أقبلا على ممارسة الرغبة المحرمة؟». «كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان».

«فالله أراد أن يدخل آدم في دورة تدريبية، ولذلك لم يكن أمرا جديا ولكنه كان أمراً امتحانياً، إختبارياً، تجريبياً، وكان أمراً تدريبياً، تماماً كما يتم تدريب العسكري، ولذلك فالجنة لم تكن موضع تكليف،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

وما يذكر لا يرتبط بالعصمة أبدا، إن الأنبياء من البشر وهم يعيشون نقاط الضعف، ولكن نقاط الضعف التي لا تدفعهم إلى معصية الله، أما مسألة الجنة وقصة آدم في الجنة فهذا خارج عن نطاق التكليف، لقد أراد الله أن يدخله في دورة تدريبية حتى يستعد للصراع القادم عندما ينزل هو وإبليس إلى الأرض ليكون بعضهم لبعض عدوا حتى يتحرك في مواجهة العداوة التاريخية». «الله أراد لآدم أن يمر في دورة تدريبية في مواجهة إبليس لأن آدم طيب وساذج، ولم يدخل معترك الحياة».

«أول الخلق كان هذا الشيء حلال، لماذا؟ لأن هذا هو الذي يفسح المجال لإنطلاقة البشرية، ولا يوجد طريق غيره».

«فنظام العائلة مكون من أب وأم، وأخوة وأخوات، وهو إنّما يتوازن ويستقيم عندما تكون هناك مناعة عند الأب وعند الأم وعند الأخ وعند الأخت ضد أي إحساس جنسي تجاه الآخر، لأنه لو فرضنا أن الأحاسيس الجنسية كانت موجودة في حياة الأب والأم تجاه أولادهما، أو في حياة الأولاد تجاه بعضهما «البعض»، فلن تستقر حياة عائلية ولن تنسجم في خصوص الجو العائلي المغلق حيث يفسح المجال لهذه الأمور بشكل فوق العادة لذلك فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن صار هناك أبناء عم أو أبناء خال وخالة، أي عندما امتد التناسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية، حرّم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

الله ذلك ليستقيم نظام العائلة، ولتنمو العائلة في جو طاهر نظيف من الناحية الجنسية، وبعد ذلك تنطلق لينشئ كل واحد منهم عائلة»(1).

ـــــــــــــــ

(1) راجع: خلفيات ج 1 ص 56ـ57 و 62 نقلا عن: من وحي القرآن ج 10 ص 31 و 34 و ج 15 ص 171 و 176 و 177، والندوة ج 1 ص 314 و 315 و 360 و 737، والموسم عدد 21 و 22 ص 293 و 294 و 319.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

توالد أبناء آدم [عليه السلام]

إن الوقفة التي صدّر «الكاتب» إشكالاته بها تتعلق بكيفية توالد أبناء آدم [عليه السلام]، حيث استنكر على [العلامة المحقق] إعتباره تزويج الإخوة بالأخوات ـ على حد زعمه ـ مقولة جريئة.

ثم عمد إلى استعراض رأي السيد الطباطبائي [قدس سره] والشيخ الطوسي [قدس سره] والطبرسي [قدس سره] وغيرهم، ولم يكن ذلك منه سوى مضيعة للوقت والجهد منشؤه عدم تدبره وقلة تأمله فيما أورده [العلامة المحقق] من إشكالات، هذا إن لم نقل أن منشأه إرادة التمويه والتعمية والتضليل، ولو تدبر وتأمل لما أشكل واستنكر.

ولتوضيح ما نقصده نقول:

تضليل سافر

قد مرّ عزيزي القارئ أن كتاب خلفيات ينقسم إلى ثلاث فئات من الكلام:

الفئة الأولى: كلام السيد فضل الله المنقول حرفياً من كتبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

الفئة الثانية: عناوين مأخوذة من هذا الكلام تشير إلى محل الإشكال وتعّين موضعه، وقد قام [العلامة المحقق] بترقيمها حتى بلغت 278 عنوانا تمثل بمجملها مجموع الإشكالات التي يتضمنها الجزء الأول من كتاب خلفيات.

الفئة الثالثة: وقفات قصيرة للعلامة المحقق إقتضاها المقام، الهدف منها، كما هو ظاهر إلقاء المزيد من الضوء على مورد الإشكال ومعالجته بما يتناسب والوقفة القصيرة. ولا يخرج ما في كتاب خلفيات عن هذه الفئات الثلاث.

وبالعودة إلى العناوين التي تعّرض لها الكاتب في كتاب خلفيات، فسنجدها ثلاثة وهي:

1ـ لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات.

2ـ لا مناعة جنسية حتى بين الأم وولدها.

3ـ بامتداد النسل يحصل الجو النظيف.

ولو تدبرنا وتأملنا فيها لعرفنا مورد الإشكال، ولوجدنا [العلامة المحقق] قد تحدث في وقفتين قصيرتين:

الأولى: عن الإشكال الثاني والثالث.

والثانية: عن الإشكال الأول. ولوجدناه، قد أشكل على: «حصر الطريق» بتزويج الإخوة بالأخوات لا على نفس تزويج الإخوة بالأخوات. وقد أشار إلى ذلك صراحة بقوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

ويزعم أنه لم يكن ثمة طريق يمكن بواسطتها حل هذه المشكلة، وإنطلاقة البشرية من خلالها»(1).

ولذا ذكر رواية الصدوق [قدس سره] عن الإمام الصادق [عليه السلام] التي يقول فيها: «ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال؟!..»(2).

إذن فمورد الإشكال كما ترى هو: في مصادرة كلام صاحب «من وحي القرآن» لقدرة الله سبحانه وتعالى!!!.

وعليه: يظهر الفرق واضحا جليا بين ما تقدم من كلام [العلامة المحقق] وبين ما حشّده «الكاتب» من أقوال العلماء التي استشهد بها على أمر لم يكن موردا للبحث أصلاً.

وللمزيد من التوضيح نقول:

لنفرض أننا سألنا العلامة الطباطبائي [قدس سره]: كيف امتد النسل من ولد آدم [عليه السلام]؟.

لأجاب: لقد تزوج الإخوة بالأخوات، ولا مانع ـ حسب رأيه طبعاً ـ من ذلك لأن الله تعالى حلله ثم بعد ذلك حرمه، لا سيما أنه حكم تشريعي يعود لله وحده الحكم فيه وتشريعه أنى ومتى وكيفما شاء..

ولو سألناه: ألم يكن هناك طريق آخر لامتداد النسل؟.

لأجاب: إن الله قادر على كل شيء فالذي خلق آدم [عليه السلام] من تراب قادر على أن يخلق غيره منه ومن غيره بل من لا شيء (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فالأمر لا يتعلق بالإمكان بل

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 63.

(2) خلفيات ج 1 ص 63.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

بما كان وبما وقع، وبالتالي: رغم وجود طرق أخرى إلا أن المشيئة الإلهية والحكمة الربانية قد تعلقت بخصوص هذا الطريق دون سواه..

أما عبارة صاحب «من وحي القرآن» محل الإشكال والتي جاءت في مجلة الموسم وتكررت في نفس المجلة في مكان آخر منها فهي قوله: «في بداية الخليقة لم يكن هناك بديل عن زواج الإخوة بالأخوات»(1).

وقوله: «أول الخلق كان هذا الشيء حلال، لماذا؟ لأن هذا هو الذي يفسح المجال لإنطلاقة البشرية، ولا يوجد طريق غيره»(2)

وهي مقولة جريئة حقا وقد انفرد بها صاحبها.

وإن قلت إنه لا يعقل أن ينكر «السيد» فضل الله قدرة الله تعالى على الخلق؟ قلنا: إننا ذكرنا في مقدمة الكتاب، أن [العلامة المحقق] أعزه الله قد صرّح وصرّح بأن ما أورده في كتاب خلفيات يتفاوت ويختلف الأمر فيه من حيث الأهمية، وبأن الإشكالات لا تنحصر بخطأ الرأي فيه، فقد يورده لفساد طريقة التعاطي معه، ولوجود خطأ أساسي في معالجته له (3) حيث ينبغي على الكتّاب أن يختاروا كلماتهم وألفاظهم، وتعابيرهم بدقة لا سيما في مقام الحديث عن الله سبحانه وتعالى، والأنبياء، والأئمة [عليهم السلام].

ـــــــــــــــ

(1) الموسم العددان 21 و 22 ص 309.

(2) ن. م، ص 319.

(3) راجع خلفيات ج 1 ص 31.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

وعليه: فإن إشكال [العلامة المحقق] في هذا المورد إنما هو حول هذا الحصر وهذا النفي لوجود طرق أخرى للتوالد، وبدائل لإمتداد النسل، بغض النظر عن رأيه في هذه القضية، وإن كان قد صرّح بأنه يضعّف حصول التوالد عبر تزويج الإخوة بالأخوات لقوله:

«وأما خبر الإحتجاج، وقرب الإسناد.. فيضعفه مطابقته في هذا الأمر لمذهب غير الشيعة»(1).

علما أن هذه العبارة قد أخذها [العلامة المحقق] من كتاب تنزيه الصفوة وقد أشار إلى ذلك (2).

بناء على ما مرّ، يتضح عدم جدوى النظر في النصوص التي حشّدها «الكاتب» للعلماء الأعلام لأنها خارجة عن الموضوع محط النظر ومحل الإشكال، إذ أن هؤلاء الأعلام لم يتحدثوا، لا من قريب ولا من بعيد، عن عدم وجود بدائل أخرى للتوالد وامتداد النسل، ولم يحصروا الأمر بطريق واحد بما يوحي بنوع من المصادرة لقدرة الله سبحانه وتعالى.

ومن الشواهد اللطيفة على هذا الأمر ما نقله العلامة الطباطبائي [قدس سره] في تفسيره عن نهج البيان عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن الباقر [عليه السلام] قد قال له عندما سأله من أي شيء خلق الله حواء، وأن اليهود يقولون أنه تعالى خلقها من ضلع آدم. قال [عليه السلام]: كذبوا، أكان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه (3).

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 64.

(2) تنزيه الصفوة ص 21 و 22 و 10 و 11، خلفيات ج 1 ص 64.

(3) الميزان ج 4 ص 146.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

ترى إن كان القول: إن الله خلق حواء من ضلع آدم استلزم هذا الردّ من الإمام [عليه السلام] بأن في هذا القول إنتقاصا من قدرة الله، فماذا كان سيقول [عليه السلام] لو سمع صاحب «من وحي القرآن»؟!!.

ونترك للقارئ تصور طبيعة الإجابة، كما ونترك «للكاتب» تصور ذلك، وإن كنا نخشى أن يستنكر على الإمام الصادق [عليه السلام] تكذيبه لليهود بإعتبار أن هذه المقولة لا جرأة فيها!! وأن يعمد إلى استعراض آراء المفسرين حول قدرة الله على خلق حواء من ضلع آدم [عليه السلام] للإستشهاد على صحة مقولة اليهود وإن كان الموضوع في محل والإشكال في محل آخر!!!!.

سيغموند فرويد تلميذاً

أما فيما يتعلق بالإشكالين الآخرين، فإن صاحب هذه المقولات قد نظّر لقضية التزاوج عبر المقدمة التالية:

إن نظام العائلة لا يتوازن إلا بوجود مناعة جنسية عند الأب والأم والأخ والأخت، وهذه المناعة لا تحصل في خصوص الجو العائلي المغلق حيث يفسح المجال لهذه الرغبات، ومع انعدام المناعة، أي مع وجود الأحاسيس الجنسية في حياة الأم والأب تجاه أودلاهما فلن يحصل ذلك التوازن، إلا أنه عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة أي بعد أن امتد النسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية حرّم الله ذلك ليستقيم نظام العائلة، ولتنمو العلاقات في جو طاهر نظيف من الناحية الجنسية.. (1)

ـــــــــــــــ

(1) راجع: خلفيات ج 1 ص 62، والندوة ج 1 ص 737.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

هذا التنظير الذي دخل فيه صاحب هذه المقولات حول عدم توازن نظام العائلة بسبب عدم وجود المناعة، أدى به إلى القول: فكما كان يوجد أحاسيس جنسية من الإخوة تجاه الأخوات الذي أدى إلى التزاوج وامتداد النسل كذلك كان يوجد أحاسيس جنسية بين الأب والأم، والأولاد بسبب ما أسماه: «خصوص الجو العائلي المغلق» وهذا ما تبناه بشكل صريح وواضح، وإلا لماذا لم يحصر عدم وجود المناعة بين الإخوة والأخوات وحسب؟!!.

فهل يريد أن يمهد الطريق لبعض الأفكار الإسرائيلية للتوراة التي تتحدث أن بعض الأنبياء نزا على بناته؟!!.

ثم إذا كان هذا الزواج قد شرعه الله، فما معنى وصفه لنظام العائلة بعد التحريم بـ«النظيف جنسياً» ألا يلزم من ذلك القول أن الجو العائلي قبل التحريم لم يكن نظيفاً؟!!.

وإن لم يكن بوسع «الكاتب» أن يفقه هذه الملازمة فما عليه سوى مراجعة الدروس التمهيدية في علم المنطق والأصول، وإن عجز عن ذلك لوحده فليستعن بولده ابن الخامسة عشرة الذي يبدو أنه يلجأ إليه عادة في مثل هذه الموارد!!.

ثم، ألم يقل العلامة الطباطبائي [قدس سره]: إن هذه القضية تشريعية، وكأنه بذلك يشير إلى أنها ليست قضية عقلية لتجري فيها قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وبالتالي فهي نظيفة ما دامت كذلك.

ونتساءل: كيف عرف صاحب هذه المقولات أنه عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال أصبحت هناك علاقات طبيعية ليأتي التحريم بعد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

ذلك؟!. علماً أن العلاقات الطبيعية لا ترتبط بوجودهم؛ لأن وجودهم لا يمنع تلك الأحاسيس من أن تعّبر عن نفسها بين الإخوة والأخوات وبين الوالد وابنته والأم وولدها ما دامت تشريعية.

وإذا غضضنا النظر عن القضية المتعلقة بالأب والأم وأحاسيسهما الجنسية تجاه أولادهما، كان ينبغي أن يقول: عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة، أصبح بالإمكان تحريم ذلك، ليصبح هناك علاقات طبيعية. «المقصود بالطبيعية ما يقابل الإستثنائية فاقتضى التنويه منعا للإلتباس».

ولا نعتقد أن صاحب «من وحي القرآن» قصد بالطبيعية هذا المعنى، وإلا كان ينبغي عليه نصب قرينه تدل على ذلك. هذا مع أنه قد تحدث عن العلاقات الطبيعية قبل التحريم، حيث قال: إن التحريم جاء بعد ذلك. وهذا نص كلامه: «لذلك، فالله سبحانه وتعالى بعد أن صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة، أي عندما امتد التناسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية حرّم الله ذلك..»(1).

فيتضح أن الحديث عن العلاقات الطبيعية إن كان بعد التحريم، فيقصد به ما يقابل العلاقات الإستثنائية قبله.

أما الحديث عن العلاقات الطبيعية عند امتداد النسل وقبل التحريم، فلا نرى فيه إلا حديثاً عن العلاقات الطبيعية في مقابل العلاقات الشاذة

ـــــــــــــــ

(1) الندوة ج 1 ص 737.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

غير الطبيعية، مما لا يتناسب وينسجم مع القول بتشريعية القضية، فلا يصح نعتها ووصفها بتلك النعوت والأوصاف ما دامت كذلك.

بعبارة أخرى: ينبغي جعل العلاقة الطبيعية نتيجة للتحريم، أي تأتي بعده، لا أن التحريم جاء بعدها؛ لأن القضية ما دامت تشريعية خاضعة للحكم الإلهي، فإن المناعة لا تحصل عبر تزويج الإخوة بالأخوات وبالتالي: فإن قبول هذا التزاوج والوجود المفترض لهذه الأحاسيس والميول، سيبقى مركوزا في أذهانهم ووجدانهم ومشاعرهم، ولن يروا ضيراً في استمراره والتعبير عنه.. ولن تكون هناك علاقات طبيعية إلا بعد التحريم.

طبعا، كل ذلك على فرض القبول بمقولة التزاوج، وقد رأينا أنه حتى مع هذا التنزل فإن كلام صاحب «من وحي القرآن» فيه الكثير الكثير من الشناعة بحق الأنبياء، علماً بأن مقولة التزاوج ضعيفة بل غير مقبولة، وهو ما عليه المذهب وقد اعترف الكاتب بحقيقة رأي العلامة المشهدي والكاشاني والسبزواري (1) بل ومكارم الشيرازي الذي نقل الكاتب أنه صرح بأحاديث أخرى بعدم التزاوج وأنه يحمل بشدة على من يرى هذا الأمر (2).

أما دعوى تعارض الروايات المعارضة لمقولة التزواج (3) فغير دقيق إذ الجمع بينهما جمعاً دلالياً أمر ممكن.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء، ص 33.

(2) ن. م ص 33.

(3) ن. م ص 33 [الهامش].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

بعد ما مرّ نسأل «الكاتب»:

هل يتبنى العلامة الطباطبائي [قدس سره] والشيخ الطوسي [قدس سره] والطبرسي [قدس سره] وغيرهم من العلماء الأعلام هذه «النظرية» التي لم تخطر حتى على بال سيغموند فرويد نفسه؟!!.

وهل هذه المقولة لا توجد فيها رائحة الجرأة؟!!.

وهل هذا مما يكاد يجمع عليه المفسرون الشيعة؟!!.

ولماذا قدم «الكاتب» نصوصاً منتقاة ومختارة لصاحبه ليست محط النظر، في الوقت الذي تجاهل فيه النصوص المشكلة واكتفى بالقول: «هكذا الحال فيما يطرحه في كتاب «الندوة» من الحديث عن المناعة الجنسية، واستقرار حياة العائلة وتوفير الأجواء الطاهرة»(1).

 ثم ما معنى كلمة الطاهرة أليست في مقابل القذرة؟!!وما معنى المناعة الجنسية، أليست في مقابل الإنفلات الجنسي!!

ولماذا لم تكن لديه الجرأة على عرض النص الكامل المشتمل على هذه الترّهات أمام القارئ علما أنه النص الأساسي، بل الوحيد الذي قدّمه [العلامة المحقق]؟!!

ألا يعتبر ذلك تعمداً وإمعاناً في التمويه والتعمية والتضليل؟!!!.

وبعد ما قدمناه: كيف يستقيم ادعاء «الكاتب» بأنه لا يدافع عن أحد؟!!!.

وهل تجاهل النص المشكل يعتبر شاهداً على النـزاهة والحيادية البالغة والموضوعية التامة؟!!.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 36.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

وهل الحديث عن فقدان المناعة الجنسية والفلتان الجنسي قبل التحريم هو مجرد «إيحاءات» من قبل [العلامة المحقق] (1) أم هي مقولات صاحبه التي لا نعلم من أين إستوحاها ولعل غيرنا يعلم؟!!.

وهل ثمة من يبرئ صاحب هذه المقولات منها ومن معانيها وملازماتها مهما كانت لغته العربية ضعيفة أو قراءته للنص متدنية كما يحلو «للكاتب» أن يعبّر.

ولعمري فإن من وضع نفسه في مواضع التهمة هذه كيف له أن يلوم من أساء الظن به لاسيما إذا كان معانداً مصمماً ومصراً على تبني مثل هذه المقولات الفاسدة والشاذة، ويجهد نفسه في سبيل تبريرها ويهدر ماء وجهه للدفاع عنها بهذه الأساليب والوسائل الملتوية، حتى صار مصداقاً لقوله تعالى: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب)(2).

شاهد.. طريف

أردنا في هذا المورد بعض الترفيه الهادف الذي نظهر فيه مدى عمق «الكاتب» وبعد نظره في اختيار النصوص المؤيّدة ـ على زعمه ـ لما تقدم من مقولات لصاحبه، الذي بشرنا من على المنبر قبل أشهر ـ وعبر الفتاوى المكتوبة التي أصدرها ـ بظهور هذا الكتاب الذي انتظرنا أن يأتي بجديد..

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 36.

(2) سورة غافر/الآية 5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

ففي معرض حشده لآراء العلماء الذين ذهبوا إلى تزويج الإخوة بالأخوات عرض نصا يعبر عن رأي السيد الخوئي [قدس سره] ننقله بحرفيته: «سئل المرجع الراحل السيد الخوئي [قدس سره]: هل تزوج أبناء آدم من اخواتهم أم حورية، وجنّية؟ فأجاب: الأخبار الواردة في ذلك مختلفة ولا محذود ـ فيما لو صدقت ـ إن كان بالأخوات لإمكان أنها لم تكن محرمة في شرع آدم على الإخوة. وقد وافقه على هذا الجواب تلميذه سماحة الشيخ جواد التبريزي [حفظه الله] [صراط النجاة 1/461(1).

الطريف في هذا الشاهد هو: أن إجابة السيد الخوئي [قدس سره]، ومتابعة الشيخ التبريزي [حفظه الله] له أمر طبيعي جداً، حيث إن الإجابة منـزّلة على سبيل الفرض، وهو المقصود من قوله [قدس سره]: «فيما لو صدقت» أي فيما لو صدقت الأخبار والروايات، وهذا الرأي المشروط بهذا الفرض، لا يوافقه عليه الشيخ التبريزي [حفظه الله] وحسب، بل كل إنسان له عقل وإن كان يميل «من الناحية العلمية التحقيقية»إلى استبعاد مقولة تزويج الإخوة بالأخوات، إذ مع الفرض المذكور لا بد من التسليم بأن هذا الأمر لا شك أنه لم يكن محرما في شرع آدم [عليه السلام] وإلا كان تكذيباً للمعصوم، ورداً عليه، فضلاً عن أنه اتهام للنبي [صلى الله عليه وآله] بإشاعة الفحشاء والمنكر ونشر الفساد والإفساد، والعياذ بالله، ولا يقول ذلك إلا كافر، فاجر، مارق عن الدين خارج عن الإسلام.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 32.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

وعليه، فإن صح جعل هذا النوع من الإجابات الفرضية شاهدا فما أكثر الشواهد والشهود!! وإننا نلفت نظر «كاتبنا» الطريف إلى أنه كان بإمكانه أن يضع لائحة بأسماء جميع العلماء مرتبة حسب الأحرف الأبجدية منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، وهم بالآلاف، كملحق في كتابه هذا على أنهم شهود مفترضون يؤيدون هذه المقولة، عندها سيحطم بكتابه هذا الرقم القياسي بعدد أجزائه التي ستفوق حتما أجزاء بحار الأنوار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

قصة آدم [عليه السلام] والجنة

مرة ثانية نقف مع «الكاتب» لنعالج موضوعاً يتعلّق بنبي الله آدم [عليه السلام] حيث وجدناه هذه المرة قد أخل بالأصول العلمية والمنهجية، وافترى على العلماء الأعلام بتقويلهم ما لم يقولوه، وحرف كلماتهم لتظهر على غير ما أرادوه..

وقد كان لنا معه وقفات تشتمل على سبع نقاط رئيسية:

 معصية آدم [عليه السلام] كمعصية إبليس والفرق بينهما:

ذكر «الكاتب» أن هاتين المقولتين قد تبدوان: «غريبتين، وجريئيتين، بيد أن الرجوع إلى سياق الحديث والأحاديث الأخرى للسيد في نفس الكتاب «من وحي القرآن» يظهر المقصود بصورة جلية وواضحة..»(1).

ونقول له:

أ ـ مما لا يخفى أن العودة إلى سياق الحديث ضرورية، وهذا أمر نفهمه ونتفهمه. هذا إذا كان هناك قرائن وشواهد، ترفع الشبهة وتحل

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 44.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

الإشكال.. إلا أن العودة إلى سياق الحديث تقتضي العودة إلى موضع النص، والآيات موضع الشرح، لا العودة إلى الأحاديث الأخرى المشتتة في خمسة وعشرين مجلدا هي مجموع مجلدات كتاب «من وحي القرآن».

ولا يخفى أن ما يعنينا هو موضع الداء الذي يحتاج إلى دواء.

على أن الرجوع إلى الأحاديث الأخرى مخالف للقاعدة الأصولية الثابتة وهي: «عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة» التي تقتضي بأنه لو خليّ النص لوحده بمعزل عن النصوص الأخرى المتباعدة زمانا ومكانا، فهل يكون فيه من الإيضاح ما يرفع الشبهة ويدفع اللبس ويحل الإشكال؟‍.

والغريب أنه كيف يجهل «كاتبنا» هذه القاعدة التي تدرّس عادة للمبتدئين في علم الأصول؟‍!.

بل كيف فات ولده ابن الخامسة عشر الذي يتخذه مستشاراً له في علوم الدين وحقائق الإيمان أن يلفته إليها ليشهد على صحة ما نقول وصوابية ما ندّعي..

على أن دعوته للعودة إلى الأحاديث الأخرى الواردة في كتاب «من وحي القرآن» بمجلداته الخمس والعشرين لا إلى خصوص النص الوارد في الجزء العاشر منه موضع الإشكال، مما لم يسبقه إليه ولم يخطر على بال أحد‍‍. !!

فنسأل «الكاتب»:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

ماذا لو تعدّدت النصوص المشكلة خلال البحث عما يرفع الإشكال؟‍‍‍‍‍!! فهل سيطلب منا العودة إلى كل الكتاب في كل مرّة نواجه فيه نصاً مشكلاً؟‍‍!! وماذا لو عدنا إليها ولم نجد ما يرفع الإشكال؟!! وماذا لو وجدنا ما يؤكد الإشكال ويثبته؟!! فهل سيطلب منا العودة إلى الكتب الأخرى؟!! وماذا عمن لا يملكون بعض أجزاء كتابه فضلا عمن لا يملكون كتبه الأخرى، لا سيما تلك التي صدرت بصورة متقطعة وتلك التي لم تكتمل حلقاتها بعد؟!! ألا يعني ذلك أنه علينا إنتظار صدور كتبه الأخرى التي ربما ستصدر لترفع الإشكال عما صدر؟‍‍!! وماذا لو أن عمر المؤلف لم يتسع ليصل إلى المورد الذي يرفع فيه الإشكال؟!!! فهل سيطلب منا العودة إلى المسودات وأشرطة التسجيل والفيديو وما شابه؟!! وماذا لو لم يف عمر القارئ بمراجعة كتبه ونشراته وأشرطته ومحاضراته قبل أن يطلع على ما يرفع الإشكال وهو مقتنع بما فيه من الضلال؟. ومن يضمن أن حجم النصوص المشكلة لن يتضاعف ويتضاعف؟!! وإذا كان الأمر كذلك فالأسهل علينا أن نستخرج النصوص الصحيحة النادرة من كل هذا الكم من الكتب ونترك «للكاتب» ولولده إبن الخامسة عشر القيام بهذه المهمة الشاقة التي نقر ونعترف بعجزنا عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

القيام بها، لا هربا من المسؤولية كما فعل يونس [عليه السلام]!!! على حد زعم صاحب «من وحي القرآن» فإننا لسنا أنبياءاً، وإنما إختصاراً للوقت والجهد..

وإن قرر «الكاتب» الشروع بهذه المهمة، فننصحه أن لا يهمل الإستماع إلى أشرطة «الكاسيت» ليقارن بين المسموع والمقروء إذ لعل وعسى يجد فيها ما يساعده على رفع الإشكالات.. ولا بأس، بل من الضروري اشهاد رجلين أو رجل وامرأتين على كل مقولة وردت في المحاضرات المسجلة ممن كانوا حاضرين عند إلقائها، وليحرص على أن تكون الأشرطة التي يقتنيها ممهورة ومختومة من قبل الجهات المختصة والمؤسسات المعنية لضمان سلامتها وعدم تعرضها للدبلجة من قبل أجهزة المخابرات العالمية والإقليمية والمحلية، وليتوقع بعد ذلك كله أن يقال له: إن هذا الختم مزوّر، أو أن صاحب هذه المقولات لم يقصد ما يفهم منها، أو أنهم فهموا كلامه خطأ، أو أنه من سهو القلم أو أن الطباع دسها في كتابه، وما شابه ذلك من مبررات لا طائل تحتها.. هذا في الوقت الذي نقرأ له ونسمع منه ما يؤكد نسبتها إليه وتبنيه لها وإصراره عليها وعلى مضامينها ومعانيها ودلالاتها وملازماتها. أضف إلى ذلك أنها موجوده في كتبه ومتداولة بين مريديه الذين يدافعون عنها صراحة ويتباهون بها جهاراً بل ويضفون عليها هالة من القداسة، ويُرمى من يعترض عليها بشتى أنواع السباب وأقذعة، ويتهم بالتجرؤ على المقامات المقدسة، هذا إذا لم يتهم بتهديد الساحة الإسلامية‍‍‍‍ باسرها!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

فهل «كاتبنا» مستعد لمواجهة كل ذلك؟!!! وعلى قاعدة الإنفتاح على الآخر، وعلى طاولة الحوار المزعوم.. ؟!!!

ب ـ لنفرض جدلا أن صاحب «من وحي القرآن» لم يقصد من هذا النص ما يظهر و يفهم منه، وأنه أوضح مقصوده في أماكن أخرى، فليكن عندئذ هذا المورد من الموارد التي قال عنها [العلامة المحقق] أنها تحتاج إلى إيضاح لا إصلاح.

ج ـ أضف إلى ذلك كله أن النصوص مورد الإشكال لو لم يكن فيها ما فيها لما امتدت أيدي المدافعين عن صاحبها لحذف بعض عباراتها كما فعل «كاتبنا» حيث ذكر أن هاتين المقولتين: «هما في الحقيقة مقولة واحدة جاءت في سياق واحد حيث يقول السيد: «أنهما عصياه كما عصاه [أي كما عصاه إبليس] وإن كان الفرق بينهما أنه [أي إبليس] ظل مصراً على المعصية..»(1).

ومن يراجع النص يجد ما فعلته يد هذا «الكاتب» السمحة الكريمة حيث حذف العبارة التي توضح المشكلة التي تقع قبل الكلام الذي نقله مباشرة وهي قوله: «.. ولكنه أمره [أي أمر آدم [عليه السلام]] بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها، لأنهما عصياه كما عصاه.. إلخ (2).

حيث إن المعصية التي ادعاها.. قد أثرت أثراً واحداً لكليهما، وهو خروجهما من الجنة على حد سواء.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 56 و 57.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 56 و 57 و «من وحي القرآن» ج 10 ص 34.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

د ـ وإذا كانت المعصية من إبليس لأمر مولوي قد استلزمت هذا العقاب وهو الخروج من الجنة، ألا يعني ذلك أن المعصية من آدم [عليه السلام] كانت لأمر مولوي أيضاً؟! لأنها استلزمت نفس العقاب؟! وإلا فما معنى لام التعليل الواردة في عبارته: «.. أمره بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها «لـ» أنهما عصياه كما عصاه..»؟!!.

ولتوضيح ذلك نقول: لنفترض أن استاذا في مدرسة عاقب زيدا بطرده من الصف لأنه خالف النظام، ثم بعد ذلك طرد عمروا.. فلو قال قائل: لقد طرد عمروا كما طرد زيدا لأن الأول خالف النظام كما خالفه الثاني، فهل يبقى هناك شك بأن طرد عمرو كان عقاباً وأن مخالفته كانت كمخالفة زيد؟!!

وهل يوجد فرق بين هذا المثال، وبين كلام صاحب هذه المقولة؟!! لا سيما أن النص باللغة العربية الواضحة المعنى والدلالة.. وبسبب شدة وضوحها عمد «الكاتب» الذي لا يهدف من كتابه هذا الدفاع عن أحد أبدا !

كما يدعي ـ عمد ـ إلى حذف القرينة الدالة على الإشكال حينما عجز عن توجيه النص الوجهة التي يريد، فكان التمويه والتعمية والتحريف والتضليل أقصر الطرق وأيسر الوسائل!!!.

ولعل «الكاتب» يلتمس عذراً أو مبرراً لفعلته هذه كأن يقول: إن نسخة الكتاب التي اعتمدها كانت باللغة السنسكريتية الأمر الذي أدى لهذا الإلتباس!! وبما أن اللغة السنسكريتية ليست لغتنا والترجمة ليست من اختصاصنا فلنترك ذلك لمن يجيدها ومنه نستفيد!!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

هـ ـ وإذا كان صاحب «من وحي القرآن» قد صرّح في مواضع أخرى، بخلاف ما صرّح به في الجزء العاشر منه، كما أشار إلى ذلك «الكاتب»، وأن عملية الهبوط لم تكن عقوبة لآدم، فإنه مع وضوح دلالة النص المشكل، فلا أقل من القول بأن ذلك من المتناقضات التي ينبغي رفع الفاسد منها من كتبه، بل من واجبه ذلك، الأمر الذي أشار إليه [العلامة المحقق] حيث قال: «إذا كانت أقوال «البعض» متناقضة فليدل على الصحيح منها ليؤخذ به، وليبين للناس الفاسد ليجتنب عنه.. كما أن من مسؤولياته أن لا يتكلم بالمتناقضات..»(1).

ونضيف على كلام [العلامة المحقق]: إن من مسؤولياته أن يرفع هذا التناقض لا أن يصرّ عليه ويدافع عنه ويتبناه، بل و يجهد في اقناع الآخرين به، بعد توجيهه في محاولات يائسة مباشرة أو عن طريق مريديه كما هو الحال مع «كاتبنا» الذي حاول ذلك، بما مرّ من طرق طريفة مثيرة للشفقة والأسف معا..

و ـ وإذا كانت هذه العبارة أو تلك موهمة لا مشكلة على أقل التقادير، وما دام المقام مقام الحديث عن أسباب خروج نبي الله آدم [عليه السلام] من الجنة، وعلاقة ذلك بالمعصية، فإنه كان على صاحب هذه العبارة أن يبادر إلى التوضيح بأن الخروج من الجنة لم يكن عقابا لآدم [عليه السلام]، والتوضيح بأن معصيته ليست كمعصية إبليس، وأن الفرق إنما في طبيعة المعصية وحيثياتها؛ حيث الأولى إرشادية والثانية مولوية وذلك عملاً

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 39.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

بمقتضى تقديم الأولى والأهم، بدلا من التفريع في كلامه عن الفرق على أنه الإصرار والتوبة..

وليكن ذلك خطأ من «صاحب العبارة» في ترك الأولى فإنه أولى من الأنبياء بهذا النوع من الأخطاء، اللهم إلا إذا كان «الكاتب» يعتقد بعصمته عن ترك الأولى دونهم [عليهم السلام].

ز ـ وأما قطع «الكاتب» في تعليقه على النص بأن مقصود صاحبه:

«ليس التشابه من جميع الجهات والوجوه بل من جهة واحدة فحسب»(1) فهو مما لا دليل عليه، ولا قرينة ترشد إليه، بل هو تمحل صرف لا سيما مع وجود القرينة التي أشرنا إليها.

ثم من أين اكتشف هذا المقصد، فهل أطلعه الله على غيبه وكشف له مكنون نفس صاحب هذه العبارة!!.

وإذا كان ذلك هو مقصوده فليصلح عبارته بحيث تدل عليه دلالة صريحة وواضحة حتى لا يقع في محذور الطعن بالأنبياء والجرأة على مقامهم. على أن مسارعة «الكاتب» لوضع جملة اعتراضية توضيحية لكلام صاحبه الذي ما فتئ يدافع عنه دليل على ما نقول.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 57.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

النسيان وعدم العزم:

وتحت هذا العنوان يفاجئنا «الكاتب» بالمبادرة إلى القول: إن هاتين المقولتين: «قد صرّح بهما القرآن الكريم [!!] وأن السيد الطباطبائي [قدس سره] ذكرهما في تفسيره [!!](1).

وذلك منه مصادرة واضحة لأن الإشكال إنما هو حول معنى النسيان والعزم المذكورين في القرآن الكريم!! وليس على نفس استعمال الكلمات..

ولعل «الكاتب» قد رجع إلى «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» فوجد لفظة «نسي» ولفظة «عزم» فاعتبرهما تصريحاً بالمقولة!!!. ولعله ذكر ذلك على سبيل النكتة إلا أنه نسي ما عاهد الله عليه ولم نجد له عزما على ترك التمويه والتعمية والتضليل.

أما قوله: إن العلامة الطباطبائي [قدس سره] ذكرهما في تفسيره فسنناقشه فيه وسنبين أنه لم يتدبر كلامه، بل لم يفهمه وأنه يفتري عليه ويقوّله ما لم يقله..

وعلى أي حال، فإن من الواضح البيّن أن النسيان المنسوب لآدم [عليه السلام] قد جعله صاحب «من وحي القرآن» سيفاً قاطعاً سلطه على رأس آدم [عليه السلام] حيث يقول: «كيف نسيا تحذير الله لهما»؟!(2).

ويقول:

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 57.

(2) من وحي القرآن ج 10 ص 33.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

ونسي ربه»؟! (1).

ويقول:

«ونسي موقعه منه»؟!!(2).

فهلاً أرشدنا «الكاتب» أين ذكر الله ذلك في القرآن الكريم؟!.

وهلاً أرشدنا إلى ذلك الذي نسيه [عليه السلام]؟! فهل هو التحذير، أم ربّه، أم موقعه منه؟!!.

ثم ما معنى قوله:(3) «قد ينطلق من الشعور بالإساءة إلى مقام الله في ترك اتباع نصائحه..»(4).

فهل المعصية الإرشادية إساءة إلى مقام الله أم إلى النفس؟!. وهل عصيان نصيحة الطبيب إساءة إلى الطبيب وإلى مقامه أم إساءة من المريض إلى نفسه؟!.

وهل يعقل أصلاً أن تكون معصية آدم [عليه السلام] إساءة إلى مقام الله؟!!. وهل هناك من يقول بمثل هذه المقولة؟!!!.

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(2) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(3) كان «الكاتب» قد ذكر هذا النص في رسالته ص 21 قبل طبع الكتاب لكنه تدارك ذلك وحذفه لعلمه بأنه لا يتناسب والدفاع عن صاحبه خاصةً وأن هذا النص مما لم يذكره [العلامة المحقق].

(4) من وحي القرآن ج ص 187.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

وحتى لو كان العلامة الطباطبائي [قدس سره] يقول: «إن النسيان هو نسيان عهد الربوبية» فإنه [قدس سره] قد ذكر أن ذلك يعني «غفلة الإنسان عن ذكر مقام ربه» لا الإساءة إليه سبحانه وتعالى، فهناك فرق بين القولين..

بل أن العلامة الطباطبائي [قدس سره] قد صرّح بما لا يقبل الشك أن آدم [عليه السلام] قد أساء إلى نفسه، وفسّر قوله تعالى: «فتكونا من الظالمين» بالظالمين لأنفسهم، حيث قالا على ما حكاه الله عنهما: (ربنا ظلمنا أنفسنا). كما استدل [قدس سره] على هذا المعنى بأنه تعالى: بدّل هذه الكلمة في سورة طه بقوله: (.. فتشقى) أي فتتعب، وأن وبال هذا الظلم هو التعب في الحياة الدنيا.. فعلى هذا يكون الظلم منهما ظلم لأنفسهما لا بمعنى المعصية المصطلحة.. (1).

بعد ما مرّ نسأل «الكاتب»:

هل أن ما ذكره صاحب «من وحي القرآن» من أن آدم [عليه السلام] أساء إلى مقام الله سبحانه هو مما يكاد يجمع عليه العلماء؟!!!. وهل هو ما ذكره العلامة الطباطبائي [قدس سره] والشهيد الصدر [قدس سره] وغيرهما؟!!.

أما قول صاحب «من وحي القرآن»: أن آدم نسي تحذير الله لهما بالإقتراب من الشجرة فهو قول ساذج «بالمعنى المصطلح المستعمل مع نبي الله آدم [عليه السلام]». والعلامة الطباطبائي [قدس سره] لم يضعفه ـ كما ذكر الكاتب (2) ـ بل رفضه رفضاً قاطعاً وقال: إنه غير صحيح (3) إذ كيف نسيا

 ـــــــــــــــ

(1) راجع: الميزان ج 1 ص 130.

(2) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 49.

(3) راجع: الميزان ج 1 ص 128.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

تحذير الله لهما وقد ذكره إبليس أمامهما كما في قوله تعالى:

(فوسوس لهما الشيطان وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.. )

ولنفترض أن النسيان بمعنى الغفلة، فهل هذا يبرر كل هذا التهويل بتلك العبارات من مثل: «أطبقت عليهما الغفلة عن مواقع الله ونهيه»(1).

وهل غفلا عن مواقع بالجملة!! أم عن موقع واحد بحسب الفرض؟!! و«استسلم لأحلامه الخيالية..»(2).

فهل هذا من آداب الحديث عن الأنبياء؟!!

أضف إلى ذلك أن النسيان لو كان يتعلق بالنهي، فإن إبليس كان سيكتفي بإرشادهما إلى الشجرة ودعوتهما للأكل منها ما داما نسيا هذا التحذير.. إلا أن ذلك لم يحصل، بل هو ذكر النهي أمامهما ولذلك عمد لعنه الله إلى الإغواء «الإغواء المقابل للرشد» بأن الأكل من الشجرة فيه منفعة كبيرة، وهو ما يتوافق مع كلام [العلامة المحقق] الذي قال: «إن عمل إبليس تركّز على إظهار أن الإلتزام بنهي الله وإن كان فيه منفعة كبيرة لأنه يدفع ضرراً، إلا أن تحمّل هذا الضرر بالأكل يجلب منفعة أعظم»(3).

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(2) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(3) خلفيات ج 1 ص 58.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 97/

وهو ما أشار إليه العلامة الطباطبائي [قدس سره] في شرحه لمعنى الغيّ في قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) حيث قال:

«إن الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة الواقع وهو غير الضلال الذي هو خروج عن الطريق»(1).

فالغيّ هو عدم إصابة الواقع، وهو ما يتلاءم مع كلام [العلامة المحقق]، لأن عمل آدم [عليه السلام] بكلام إبليس لم يصب به الواقع فلم يحصل فيه منفعة.

أما صاحب «من وحي القرآن» فقد إعتبره «إنحرافاً» بقوله: «لم تكن عملية الهبوط عقوبة لهذا الإنحراف عن أوامر الله»(2).

والإنحراف هو خروج عن الطريق، أي هو الضلال كما أشار إليه العلامة الطباطبائي [قدس سره].

وعليه فإن صاحب «من وحي القرآن» في تفسيره لمعنى الغيّ بحسب رأي العلامة الطباطبائي [قدس سره] يعتبر الغيّ ضلالاً.

فكيف يستقيم بعدما مرّ ادعاء «الكاتب» بأنه لا فرق بين كلام العلامة الطباطبائي [قدس سره] وكلام صاحبه.

وليخبرنا «الكاتب» عن معنى قول صاحب «من وحي القرآن»: «.. من دون أن يشعر أن ذلك يمثل تمرداً على الله وعصياناً لإرادته»(3). ألا يعني ذلك أن آدم [عليه السلام] قد فعل ما فعل من دون أن يشعر بأن ذلك يمثل تمرّدا على الله وعصياناً لأوامره ولإرادته لكنه في الواقع كذلك؟!.

ـــــــــــــــ

(1) الميزان ج 15 ص 222.

(2) من وحي القرآن ج 11 ص 187.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 58.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

فهل المعصية الإرشادية تمثل تمرداًَ أو عصياناً.. فما بالكم كيف تحكمون؟!!

ونسأل «الكاتب» ومعه صاحب المقولة: أي إرادة لله عصاها وتمرد عليها آدم [عليه السلام]؟!!.

هل هي الإرادة التكوينية أم الإرادة التشريعية؟!!.

أم أنه سيتحفنا بتقسيم جديد للإرادة الإلهية أيضاً؟!! كأن يقول هناك إرادة إرشادية!! وأخرى مولوية!!.

وعلى أي حال، فالفرق واضح بين ما ذكره صاحب «من وحي القرآن» وبين كلام العلامة الطباطبائي [قدس سره] الذي يعتبر أن المعصية الإرشادية لم تكن ناتجة عن النسيان، أي أن الأكل من الشجرة لم يكن نتيجة للنسيان، بل النسيان كان نتيجة للأكل، لأن النسيان يسببه عيش الإنسان في الدنيا وهي دار الغفلة، ولا يتم تجنبه إلا بالتوبة والتقرب إلى الله فهو [قدس سره] يقول:

«ومن هنا تحدث إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في إقترابها تعب الحياة الدنيا وشقائها وهو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسياً لربه غافلا عن مقامه، وأن آدم [عليه السلام] كأنه أراد أن يجمع بينها وبين الميثاق، ووقع في تعب الحياة الدنيا، ثم تدورك له ذلك بالتوبة»(1).

ومعنى كلامه [قدس سره] أن آدم [عليه السلام] أراد أن يجمع بين الميثاق والخلود الذي يسببه الأكل من الشجرة كما أقسم له عليه إبليس. لكن الأكل أدى إلى

ـــــــــــــــ

(1) الميزان ج 1 ص 130.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

الهبوط إلى الدنيا وهي دار الغفلة التي تقتضي نسيان الميثاق، ما لم يتقرب الإنسان إلى الله..

وهذا الكلام صريح بأن النسيان كان بسبب الأكل من الشجرة الذي أدى إلى الخروج من الجنة إلى الأرض.

بعد ما مرّ ألا يعتبر ما ذكره «الكاتب» حول رأي العلامة الطباطبائي [قدس سره] كما قدّمه افتراء عليه، أو على الأقل قلة تدبر وتأمل منه في كلامه؛ لا سيما أنه شبّهه بكلام صاحب «من وحي القرآن».

السذاجة:

أما اتهام «الكاتب» للعلامة الطباطبائي [قدس سره] بأنه قد وصف آدم [عليه السلام] بالسذاجة فمما يندى له الجبين.

والحق أن العلامة الطباطبائي [قدس سره] إنما تحدث عن الإنسان الأول، ولم يتحدث عن الأنبياء، لأنهم [عليه السلام] كانوا حالة مميزة عن الإنسان الأول، وهذا التميز هو سبب الإصطفاء، وبالتالي: فلا يصح حمل كلامه [قدس سره] على الأنبياء.

أضف إلى ذلك، أنه كيف يمكن وصف نبي الله آدم [عليه السلام] بالسذاجة!! «بمعنى سذاجة الفكر وبساطة الإدراك» كما عرفها «الكاتب» نفسه (1) والحال أن الله تعالى، كان قد علمه الأسماء كلها، بغض النظر عن ماهية تلك الأسماء، ومسمياتها، وذلك قبل إسكانه الجنة..

ـــــــــــــــ

(1) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 62.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

ثم إن «الكاتب» قد ذكر أن السذاجة تارة تعني البساطة في الإدراك، وامتلاك البديهيات، وقليل من النظريات، وأخرى تعني عدم الإطلاع على مكائد، وأساليب إبليس (1).

فهل هذه تساوي تلك؟! أي هل عدم الإطلاع على مكائد إبليس وأساليبه يساوي البساطة في الإدراك.. ؟! أم أن ذلك من تبعات تلك؟!!.

وهل حديث العلامة الطباطبائي [قدس سره] عن الإنسان الأول وأنه كان يعيش على بساطة، وسذاجة في الفكر هو الدليل الذي يملكه على أن ذلك مما أجمع عليه علماء المذهب أو كادوا؟!! ويا ليته بيّن لنا كيف فهم ذلك من كلامه؟!!.

وأين كلمات الشيخ الطوسي [قدس سره] والطبرسي [قدس سره] وغيرهما مما ذكره، فهل يقول هؤلاء بهذه المقولة؟! وهل يصفون نبي الله آدم [عليه السلام] بهذه الصفة «أي السذاجة» والسقوط إلى درك الخطيئة، وما شابه؟!..

ومن أي معجم لغوي حصل على هذا التعريف أن السذاجة تعني: «عدم الإطلاع على مكائد إبليس»؟!!.

وكيف تكون السذاجة التي تعني البساطة في الإدراك.. غير منافية لتعلمه الأسماء كلها؟!!.

ثم من أين علم هذا «الكاتب» أن [العلامة المحقق] لم يطلع على ما ذكره صاحب «لسان العرب» الذي يفسّر السذاجة بـ: «عدم إمتلاك البرهان القاطع»؟!!.

ـــــــــــــــ

(1) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 67.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

أليس في قول [العلامة المحقق] أيده الله: «وكيف يكون آدم [عليه السلام] ساذجاً وقد خلقه الله تعالى بيده، وعلمه الأسماء كلها، وأثبت لهم أنه أوسع علما ومعرفة منهم..»(1) أليس في قوله هذا ما يدل على إمتلاكه للبرهان القاطع؟!! ولذلك دفع عنه صفة السذاجة التي لا تلتقي مع امتلاكه لذلك.

ولعل «الكاتب» فهم من كلام [العلامة المحقق] أنه يذهب إلى أن السذاجة تعني:» التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء»؟!(2) ولهذا قال: أنه لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهن [العلامة المحقق] هذا المعنى على الإطلاق، لأن السذاجة لا تعني البلاهة وإن هذا التبادر خاطئ(3).

لكن قوله هذا إفك عظيم، وتضليل ما بعده تضليل، فـ[العلامة المحقق] إنما نقل كلام صاحبه الذي يدافع عنه، فإنه هو الذي عرّف السذاجة بهذا المعنى حيث يقول: «لأن توجيه الوجه لله لا يعني ـ في مدلوله العميق ـ هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء»(4).

ولندع هذا الأمر جانبا لأننا سنعود إليه، ولنعرض قليلا عن وصف صاحب «من وحي القرآن» لنبي الله آدم [صلى الله عليه وآله] بالسذاجة التي قال «الكاتب» أنها تعني البساطة في الإدراك وعدم الإطلاع على مكائد إبليس، وأساليب اللف والدوران، ولنبق مستحضرين لهذا المعنى لأننا سننتقل

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 60.

(2) خلفيات ج 1 ص 60.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 60.

(4) من وحي القرآن ج 9 ص 123.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

للكلام حول نبي الله إبراهيم الخليل [عليه السلام] الذي وصفه صاحب «من وحي القرآن» بالسذاجة أيضاً!! حيث قال وهو يتحدث عنه [عليه السلام]: «لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي..) في صرخة الإنسان الطيب الساذج..».

وقال: «ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية».

وقال: «فتكبر الصرخة في طفولة بارزة: هذا ربي وهذا أكبر.. لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة»(1).

هذه أربعة موارد كرر فيها صاحب «من وحي القرآن» هذا الوصف لشيخ الأنبياء إبراهيم الخليل [عليه السلام] في أربع صفحات متتالية، من كتابه وقد كرّر هذا الوصف له [عليه السلام] مرتين في صفحة واحدة ورغم ذلك فقد تجاهل «الكاتب» هذا الأمر ولم يتعرض له في حديثه عن إبراهيم [عليه السلام]؟!(2).

ولعله يريد أن يوحي بأن ذلك يتوافق مع تفسير الآيات، بأن ذلك كان في زمن طفولة إبراهيم [عليه السلام]، وأن هذا التفسير هو الإتجاه الثاني الذي تحدث عنه صاحب «من وحي القرآن».

ولكن هذه المحاولة منه للإفلات لن تنجح لأنه أكد وأكد بأن «السيد» يعتبر الإتجاه الأول هو الأقرب؛ والإتجاه الأول هو إعتبار فعل إبراهيم

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 114 و 115 و 116 و 122.

(2) راجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 113.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 103/

[عليه السلام] بأنه «محاكاة استعراضية.. في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد..»(1).

وقد قدم «الكاتب» ثلاثة شواهد وقرائن تؤكد تقريبه لهذا الإتجاه وقد لخصّها كالتالي:

1 ـ التمرد على البيئة.

2 ـ رؤية الملكوت

3 ـ الأسلوب الواقعي في الحوار (2).

ثم بعد ذلك قدم «الكاتب» مواطن أربعة جعلها شواهد على أن «السيد» يركز على هذا الإتجاه، ويؤكد ترجيحه له، بل: «وتبنيه له في إجاباته عن الأسئلة التي ترد عليه حول رأيه في مقولة إبراهيم [عليه السلام]: (هذا ربي) فإنه لا يذكر سوى هذا الرأي الذي يذهب إلى أن ذلك إسلوب رائع من أساليب الحوار»(3).

مما مرّ يتضح أن صاحب «من وحي القرآن» ـ بحسب إدعاء «الكاتب» ـ قد استبعد الإتجاه الثاني بأن ذلك كان في زمن طفولته وسيأتي عدم صحة هذا الإدعاء أيضاً. فلماذا إذن كل هذه الأوصاف لنبي الله إبراهيم [عليه السلام] لا سيما وصفه بالسذاجة؟!!.

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 119. وراجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123 و 124 و 125.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 126.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

وهل من يقوم بهذا النوع من المحاكاة لإظهار سخف عقائد قومه يوصف «بالسذاجة» أو «بالبساطة في الإدراك» أو «بأنه غير مطلع على أساليب اللف والدوران ومكائد إبليس..» إلخ؟!!.

وكيف يمكن التأليف والتوفيق بين ما نقله «الكاتب» عن صاحب «من وحي القرآن» بأن اسلوب إبراهيم [عليه السلام]: «أسلوب رائع من أساليب الحوار»(1) وبين هذه الأوصاف؟!! فهل من يمارس هذا الأسلوب الرائع يوصف بالسذاجة والبساطة في الإدراك.. وفق تعريف «الكاتب نفسه»؟!!.

ولو فرضنا أن «الكاتب» رجح الإتجاه الثاني، فإن الأمر سيان وسيوقعه ذلك بما هو أمرّ وأدهى وهو أن إبراهيم [عليه السلام] قد عاش مع الكوكب في حالة من التصوّف والعبادة لهذا الرب النوراني، وأنه اكتشف الحقيقة الصارخة، وأنه أقبل عليه «أي على الكوكب» في خشوع العابد وفي لهفة المسحور.. وغير ذلك من صور وأشكال حلّق بها صاحب «من وحي القرآن» بعيداً.

أضف إلى ذلك أن المعصوم لا يحتمل في حقه أنه قد عبد الكوكب ووجود الإحتمال لا يجتمع مع الإعتقاد لأن الإعتقاد معناه اليقين. فكلمة «رجح» تفيد أن الإحتمال المرجوح باقٍ فكيف يقول: أنه يعتقد بعصمته عن الشرك وعبادة الكواكب و.. ؟!!.

فالواقع أن الإتجاهين الأول والثاني لا ينسجمان مع ما استعمله صاحب «من وحي القرآن» من ألفاظ وتعابير وأوصاف بحق نبي الله

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 126.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

الله إبراهيم [عليه السلام] الأمر الذي كان محط نظر [العلامة المحقق] ومحل إشكالاته، حيث إن تبني أو ترجيح الإتجاه الأول لا ينسجم مع وصف النبي، الذي قدم أسلوباً رائعاً في الحوار، بالسذاجة.

وسيأتي المزيد من التوضيح حول كلام صاحب «من وحي القرآن» عن نبي الله إبراهيم [عليه السلام].

والحقيقة أن ما قام به «الكاتب» كان غاية في التقليد والترديد لمقولات صاحب «من وحي القرآن» المتهافتة والمتناقضة بحيث أنه لم يأت بشيء جديد مما يجعله مصداقاً لقول القائل: «وهل من نهاية في التقليد أبلغ من أن يتبع المقلّد إمامه في خروجه عن عقله.. وهل من خروج عن العقل أعظم من أن يقول المرء بالشيء ونقيضه».

والجدير ذكره أن كتاب «من وحي القرآن» طبع وهو في متناول أيدي الناس على إختلاف مستوى وعيهم وثقافتهم، فهو بين أيدي المثقفين كما هو بين أيدي العوام، الأمر الذي يدعو بشكل ملح إلى مراعاة إختلاف مستويات الفهم، وهذا ما كان يجدر بـ«الكاتب» أن يعالجه لا سيما أنه قد أشار إليه (1) وتوقف عنده داعيا لمراعاة الألفاظ التي يفهمها العامي من غير وجهها اللغوي الصحيح من قبل الخطباء والكتّاب (2)، لكنه اعترض بأن ذلك على إطلاقه يؤدي إلى كوارث خطيرة (3).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 68.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 68.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 68.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

إلا أنه لم يلفت أو لم يلتفت إلى أن تجاهل صاحب «من وحي القرآن» وعدم مراعاته لهذا الأمر في المقابل هو الذي ينشر هذه الكوارث ويزيدها خطورة، لا فهم العامي أو المثقف، هذا إذا سلمنا أن الأمر ناشئ عن عدم مراعاة الألفاظ التي نرى أنها أحيطت بعناية فائقة لتؤدي المعنى المراد منها بدقة، ودليلنا على ذلك هو الطبعة الثانية الجديدة لكتاب «من وحي القرآن» الذي أصّر مؤلفه على استعمال نفس المفردات والعبارات المشكلة رغم الإعتراضات الكبيرة التي واجهها.

على أننا نرى أن شريحة لا بأس بها منهم قادرة على فهم النص ومحاكمته.

ثم إن «الكاتب» قد اعتبر أن الكوارث الخطيرة ناتجة عن الإنسياق وراء تبديل الكلمات والمصطلحات بما يتناسب والدلالات اللغوية المتغيرة مع مرور الزمن، وهو كلام في محله إذ أن الإنسياق وراء بعض المذاهب المعرفية الداعية لهذا الأمر كعلم النصوص والدلالة والألسنية وغيرهم سوف يؤدي حتما إلى ضياع دلالات النصوص المقدسة ومقاصدها..

ولكن ثمة بديل آخر عن ذلك، من دون الحاجة إلى تغيير المصطلح وهو الإبتعاد عن التعابير التي لها دلالات تسيء إلى الأنبياء، ومع الإصرار فإنه يمكن الإشارة في الهامش إلى أن المقصود من «السذاجة» مثلاً هو هذا المعنى لا المعنى المتبادر، لكن هذا على فرض إطلاق لفظ السذاجة، وقد تقدم أن صاحب «من وحي القرآن» لم يطلقه دون تحديد لمعناه، بل ذكر أن معناها هو التطلع للأمور بنظرة حائرة بلهاء كما بينّا!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

الضعف البشري والرغبة المحرمة:

والطريف هنا هو قول «الكاتب» إنه قد صرح بهاتين المقولتين الكثير من المفسرين.. وفضّل في هذا المورد بالذات وعلى غير عادته القول إنه: «لا داعي للإعادة»(1).

ولعله عجز عن إيجاد شاهد يؤيد ذلك في كتب المفسرين فتهرب بهذه الطريقة «الطريفة»، كما عجزنا عن أن نعثر على قول مفاده: أن نبي الله آدم [عليه السلام] كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان أو أنه قد مارس الرغبة المحرمة؛ هذه المقولة التي رغب عنها «الكاتب» ولم يحم حول حماها حتى لا يقع فيها!! بل لم نعثر على ما يشير من حيث الشكل أو المضمون لهاتين المقولتين لا سيما عند الطباطبائي [قدس سره] والطوسي [قدس سره] والطبرسي [قدس سره].

وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فكيف تكون هاتان المقولتان مما يكاد يجمع عليهما علماء التفسير منذ عصر الشيخ الطوسي [قدس سره]. حتى عصرنا الحاضر؟!.

على أن ما ذكره «الكاتب» عن قول [العلامة المحقق] في «الصحيح في سيرة النبي الأعظم» حول قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً).. وبالحرف الواحد:

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 69.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

«إن هذه الآية تدل على أنه لو كان لآدم [عليه السلام] طاقة وتحمل لما أقدم على ما أقدم عليه، مما يعني أن النسيان ناشئ عن عدم القدرة على التحمل»(1).

فهو تشبيه غريب بين كلام [العلامة المحقق] وكلام صاحب «من وحي القرآن» وحديثه عن الضعف البشري أمام الحرمان.

إذ أن ما استظهره [العلامة المحقق] من الآية هو: إنها تربط بين النسيان والعزم (فنسي ولم نجد له عزماً) أي لم يجد له عزماً بسبب نسيانه وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة لم نجد له عزما فقد ذكره ولم يوضح حقيقته، ولا أشار إلى أسبابه، بل أراد مجرد الإشارة إلى الربط بين النسيان وبين العزم. بغض النظر عن معنى النسيان.

فـ[العلامة المحقق] لم يشر، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الأمر الذي لم يستطع آدم [عليه السلام] أن يتحمله.

وإن كان «الكاتب» يريد أن يوحي بأن هذا الأمر إنما هو عدم القدرة على تحمل إغراءات إبليس، فهذا افتراء محض ولا دليل عليه البتة. وقد تقدم مراراً وتكراراً أن آدم لم يكن يعيش الضعف البشري أمام الحرمان، لأن هذه العبارة توحي بأنه ضعف أمام إغراءات إبليس، والحال أن آدم [عليه السلام] لم يقدم على ما أقدم عليه بسببه، بل بسبب قسم إبليس أنه له لمن الناصحين..

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 69 و 70. وراجع: الصحيح في سيرة النبي الأعظم ج 3 ص 221 الطبعة الأولى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

أما تجاهل «الكاتب» لمقولة صاحب «الوحي» حول إقبال آدم [عليه السلام] على ممارسة الرغبة المحرمة (1) فهو أمر اعتدناه منه في الكثير من الموارد المحرجة، والفاضحة، التي يمثل عرضها إدانة لمطلقها فكيف بتبنيها والدفاع عنها.. وكيف يمكن أن يكون إقدام نبي الله آدم [عليه السلام] على الأكل من الشجرة ممارسة للرغبة المحرمة؟!!. وهل يمكن أن تكون هذه المقولة «من وحي القرآن» حقاً؟!!.

الدورة التدريبية لآدم [عليه السلام]:

أما عن هذه المقولة وإدعاء «الكاتب» أن [العلامة المحقق] راح يستهزئ بها!(2). فإننا بدورنا سنعرض كلامه الذي نقل «الكاتب» بعضه لنرى مدى الإفتراء والتجني عليه.. يقول [العلامة المحقق]: «أما الدورة التدريبية التي تحدث عنها بالنسبة لآدم ولغيره من الأنبياء فنحن نخشى أن يكون ثمة رغبة في الحديث عن دورات مماثلة لعيسى والإمامين الجواد والهادي، والمهدي [عليهم السلام]!! حيث أن تصدّيهم للمقامات الإلهية لم تسبقه دورة تدريبية فيها أوامر إمتحانية وعسكرية إلا أن يقال: إن إمامتهم لم تبدأ في ذلك السن، وبقي مقام النبوة والإمامة شاغراً إلى أن انتهت دوراتهم التدريبية.

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 10 ص 31، وراجع خلفيات ج 1 ص 55 و 56 و 57.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 70.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

«أما الدورة التدريبية التي تحدث عنها بالنسبة لآدم ولغيره من الأنبياء فنحن نخشى أن يكون ثمة رغبة في الحديث عن دورات مماثلة لعيسى والإمامين الجواد والهادي، والمهدي [عليهم السلام]!! حيث أن تصدّيهم للمقامات الإلهية لم تسبقه دورة تدريبية فيها أوامر إمتحانية وعسكرية إلا أن يقال: إن إمامتهم لم تبدأ في ذلك السن، وبقي مقام النبوة والإمامة شاغراً إلى أن انتهت دوراتهم التدريبية.

ولعل ما يعزز هذا الإحتمال ما قالوه من أن «غيبة الإمام المهدي [عليه السلام] إنما هي ليكتسب خبرة قيادية» فلما أوردنا عليهم الإشكال قالوا: «إن الشهيد الصدر هو الذي قال ذلك» فراجعنا كلام الشهيد الصدر فوجدناه يقول: «وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتا عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الأئمة المعصومين.. أي من أجل تقريب الفكرة لمن يعتقد بما نعتقده كذا وكذا..»(1).

فنسأل هذا «الكاتب» من أين علم أن [العلامة المحقق] راح يستهزئ؟!

فلعله قرأ قوله: «.. فيها أوامر إمتحانية وعسكرية» فاستنبط منه أن في ذلك إستهزاءاً، وهو لا يدري أن ذلك كلام صاحب «من وحي القرآن» الذي يقول: «ولكنه كان أمراً إمتحانياً، إختبارياً، تجريبياً، وكان أمراً تدريبياً، تماماً كما يتم تدريب العسكري»(2).

فإذا كان في هذا الكلام استهزاء، فهو كلام «السيد». أما [العلامة المحقق] فلم يلتفت إلى ما التفت إليه هذا «الكاتب» من استهزاء في هذا الكلام ولم يحمل على هذه المقولة بالذات، إنما أراد أن يعبر عن خشيته من أن يكون الحديث عن دورة تدريبية لآدم [عليه السلام] تمهيداً للحديث عن دورات تدريبية لعيسى [عليه السلام] ولبعض الأئمة [عليه السلام] كالإمام الجواد [عليه السلام] والهادي والإمام المهدي [عليهم السلام]، فيكون بذلك قد التف على أي إمكانية لدعوى من هذا النوع.

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 61.

(2) الندورة ج 1 ص 315.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

بيد أن هذه الخشية لم تأت من فراغ فهو قد أشار أيضاً إلى علامات تبرّر هذه الخشية كمقولة تبرير غيبة القائم [عجل الله فرجه] بأن الغاية منها هي إكتساب الخبرة القيادية، هذه المقولة التي ينشؤون عليها الأجيال في إحدى الجمعيات الإسلامية للتعليم الديني رغم ما تثيره هذه المقولة من علامات استفهام توحي بأن القائم [عجل الله فرجه] يحتاج لإقامة الحكومة الإسلامية لبضع سنين ـ كما تشير إلى ذلك الروايات ـ إلى دورة تدريبية لإكتساب خبرة قيادية تستمر أكثر من ألف عام، ومن يدري فقد تحتاج إلى آلاف الأعوام حيث لا زالت هذه الدورة مستمرة؟!.

وتوحي أيضاً أن عدم نجاح الأئمة [عليهم السلام] في إقامة الحكومة الإلهية يعود لعدم اكتسابهم لمثل هذه الخبرة ولعدم قيامهم بمثل هذه الدورة؟!! ولما كان الإمام الحجة [عجل الله فرجه] آخر الأئمة [عليه السلام] كان لا بد من غيبته هذه لإكتساب هذه الخبرة القيادية إحترازاً من الفشل، وبالتالي ضمان النجاح؟!!.

ولعمري إنها لأطول دورة تدريبية عرفها التاريخ وأغربها وأعجبها ولعلها تستحق أن تدرج في موسوعة غينيس للأرقام القياسية..

ولعمري إنها مقولة فيها استهزاء بالدين والعقيدة ما بعده استهزاء وإستخفاف بالقيم والمقدسات ما بعده استخفاف، هذا فضلاً عن كونها تجرؤا على مقامات الأنبياء والأئمة [عليهم السلام] ما بعده تجرؤ!!.

وهناك علامات أخرى تبرّر للعلامة المحقق خشيته، فإن ثمة مقولات شفهية وإن لم تصل بعد إلى حد المقولات المكتوبة تحامل فيها «مستوحيها» على إعتقاد الشيعة بإمامة الجواد [عليه السلام] وهو في سن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

السادسة من العمر بقوله خلال أحد اللقاءات التي جرت بينه وبين [العلامة المحقق] قبيل إصدار كتاب مأساة الزهراء ما مضمونه:

إنه كيف يقنع الناس بأن إمامهم صبي عمره ست سنوات، لذا هو يستبعد ذلك ويحاول أن يثبت أن عمره الشريف كان آنذاك أكثر من ذلك بكثير، وهو ما ذهب إليه السيد هاشم معروف الحسني في كتابه «سيرة الأئمة الإثنى عشر» رغم عدم وجود أي نص يشير إلى ذلك ورغم وجود نصوص صريحة تؤكد صغر سنه بإعتراف الحسني نفسه (1) الأمر الذي ينتهي بشكل أو بآخر إلى إنكار إمامة الجواد [عليه السلام] بناء على هذه المقولة التي ترتكز على استبعاد قيام الإمام [عليه السلام] بشؤون الإمامة وهو غلام صغير!!!.

ولا يتوقف الأمر على إمامة الإمام الجواد [عليه السلام] كما أشرنا بل يستلزم ذلك أيضاً إنكار إمامة الهادي [عليه السلام] والإمام المهدي.. وكذلك هو يستلزم أيضاً إنكار نبوة عيسى في المهد حيث صرّح نفس صاحب هذه المقولة في معرض الحديث عن قوله تعالى (آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني.. ) أنه حديث عن المستقبل وقد جاء بصيغة الماضي للتأكيد على حصوله أي أن الله سيأتيه الكتاب وسيجعله نبياً في المستقبل!!(2).

وعليه، فمن حق [العلامة المحقق] أن يعبر عن خشيته وعن مخاوفه، بل من واجبه ذلك.. ومن حقنا أن نتساءل وأن نثير علامات الإستفهام والإستهجان حول هذه المقولة الجريئة وغير البريئة هذا في الوقت الذي

ـــــــــــــــ

(1) راجع كتاب حتى لا تكون فتنة ص 200، وسيرة الأئمة الإثني عشر ج 2 ص 443.

(2) من وحي القرآن ج 15 ص 37.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

يدعي فيه صاحبها أنه قد تصدّى لكتابة المقالات الأدبية، بل ولإصدار مجلة، وإستكتاب بعض الشخصيات وهو بسن العاشرة أو الحادية عشر!!(1) وكأن الله اجتباه واختصّه بما لم يختص به أولياءه وأغناه عن الحاجة إلى دورة تدريبية بما لم يغنهم عنه!!! فتبارك الله أحسن الخالقين!!!.

وخلاصة القول: إن صاحب «من وحي القرآن» يستبعد أن يتصدّى المعصوم لشؤون الإمامة صغيراً في الوقت الذي يدرس فيه العلماء ظاهرة النبوغ المبكر لدى الأطفال، حيث بتنا نسمع ونرى بين الحين والآخر آيات عبارة عن أطفال يتميزون بطاقات وقوى يعجز العلم والعقل عن تفسيرها. حتى ان بعض هؤلاء قد نال شهادة الدكتوراه في العلوم الرياضية عالج في رسالته أعقد مسائلها ـ هذه الآيات ـ إنما يرينا الله إياها بين الحين والآخر لنزداد رسوخاً في الإيمان و العقيده.

ولعمري فإن مغزى كلام [العلامة المحقق] ومؤاخذاته على هذه المقولة لا يدركه من كان ذو عصبية، وإنما يدركه من كان متجرداً حراً في رأيه.

طرائف إبليسية

استغرب «الكاتب» قول [العلامة المحقق] في تفسيره لفعل آدم [عليه السلام]: «وليس من حق آدم [عليه السلام] أن يكذب أحدا لم تظهر دلائل كذبه، فكان من الطبيعي أن يقبل آدم [عليه السلام] منه ما أخبره به»(2).

ـــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد العددان 3 و 4 ص 57، وتحدي الممنوع ص 28.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 74.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

وهو استغراب لا مبرّر له، لأن ما استدل به على حقه بالإستغراب هو أن آدم [عليه السلام] وزوجته في جوابهما لله عز وجل عندما سألهما (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة.. ) قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ولم يقولا: «أنه ليس من حقنا تكذيب إبليس في إخباره» وهو استدلال طريف.

ونجيب: أنه لم يفهم كلام [العلامة المحقق] الذي يريد أن يقول: إن الله عز وجل لم يزد على أن حذرهما من إبليس أن يخرجهما من الجنة فيكون التعب والشقاء، وإبليس لم يتحدث معهما عن الخروج من الجنة ولا عن معصية الله، وإنما ذكّرهما بنهي الله لهما عن الشجرة بقوله: (ما نهاكما ربكما.. ) ثم فسّر لهما أسباب النهي عن الشجرة وقاسمهما أنه لهما لمن الناصحين، ولم يكن ثمة ما يدل على وجود كذب لديه حتى ولو كان يرغب في إخراجهما من الجنة.

ومهما يكن من أمر، فلماذا لا ينطبق هذا الذي استدل به على كلام صاحبه الذي يدافع عنه، إذ أن آدم [عليه السلام] وزوجه قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ولم يقولا: «لم يكن لنا عهد بأساليب اللف والدوران..»؟!!.

والأطرف من ذلك تأييده لكلام صاحبه برواية الكافي عن الصادق [عليه السلام] رغم أنها رواية مؤيدة لكلام [العلامة المحقق]( أيده الله) بطريق أوضح وأظهر، حيث أن آدم [عليه السلام] وفق الرواية المذكورة لم يقل: لا عهد لي بأساليب اللف والدوران بل قال: إن إبليس حلف بالله، فما ظننت أن أحداً من خلق الله يحلف بالله كاذباً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 115/

ألا يعني هذا أن الذي يحلف بالله لا ترد شهادته ما دام لم تظهر له دلائل كذبه؟!.

كذلك ما ورد في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله [عليه السلام] التي ذكرها «الكاتب»(1) وهو قول آدم لموسى [عليه السلام]: «فوثقت بيمينه، فهذا عذري» فإنه يشهد على صحة ما ذهب إليه [العلامة العاملي].

والأطرف من هذا وذاك قول «الكاتب»: كيف لم يظهر لآدم كذب إبليس رغم التحذيرات الإلهية؟! وقوله: أليس هو تحذير عن التصديق بأخباره والإستماع إلى أقواله؟!(2) إذ هو في إنطباقه على كلام صاحبه أقرب وأولى، لأن تحذيره تعالى له بأنه عدو، دليل على إعلامه بأن ثمة من يمارس «أساليب اللف والدوران» إذ أن هذه التحذيرات إنما هي من أجل أن لا يخرجهما من الجنة ومن أنه عدو، وذلك لا يعني أنه كاذب لا محالة حتى حينما يقسم بالله.. فإن العدو قد يقاتل عدوّه لكنه ربما لا يجرؤ على القسم الكاذب، بل وربما لا يكذب أصلاً.

وعليه فإن آدم [عليه السلام] لم يصدق إبليس بسبب عدم عهده بأساليب اللف والدوران بل هو لم يصدقه لمجرد دعوته له للأكل كما هو ظاهر من الآيات وإنما لقسمه بالله.

على أن القسم إنما يلجأ إليه المقسم في حالتين:

الأولى: أن يبادر إبتداءً بالقسم وهو إنما يستعمله من يستعمله عندما يعلم أن الطرف المقابل له موقف حذر منه ومن أقواله.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 65.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 74.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 116/

الثاني: حينما يعجز عن إقناع الطرف الآخر بصدق كلامه بعد أن لم يعجزه عن حيلة، ولم يدّخر وسيلة، فيلجأ للقسم.

وقوله تعالى: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) يشعر بأن آدم [عليه السلام] رفض قوله أولاً، فلجأ إبليس إلى القسم كما أن التعبير يوحي بأن آدم [عليه السلام] لم يصدقه لمجرد قسمه بل لمبالغته في القسم.

أضف إلى ذلك أن تحذير الله لآدم [عليه السلام] من إبليس جاء وفق الآية بتعبير: (إن هذا عدو لك ولزوجك) ومن طبيعة العدو ومن شأن العداوة استعمال الخديعة بالضرورة، وأساليب اللف والدوران ولكن ليس بالضرورة لجوء العدو للقسم.

ومن هنا يمكن استظهار أن كلمة: «العدو» المستعملة في التحذير الإلهي من إبليس وإن استبطنت عدم الأخذ بقوله، لكن ليس فيها دلالة على عدم الأخذ بقوله مع القسم، بل المقاسمة.

هذا كله على فرض أن المقاسمة على صيغة المبالغة، أما على فرض أنها «مفاعلة»: فلعل المراد بقاسمهما أنهما طلبا منه القسم، فأقسم لهما؟.. أو أنهما قد أقسما عليه بالله أن يقول الصدق، فأقسم لهما أنه صادق.. مما يعني أنهما إحتاطا للأمر، وألجآه إلى القسم، تماماً كما يفعل المتخاصمان أمام القضاء، فإنهما يكذّب بعضهما بعضاً ويدعي بعضهم على بعض أموراً تدخل في دائرة العداوات كالقتل وغيره.. ويكون الحل هو القسم أو ما إلى ذلك. فاللجوء إلى طلب القسم من العدو لفض النزاعات أمر ثابت في الدين. ويبدو أن هذا «الكاتب» ينكر هذا الأمر، وإلا فما معنى هذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 117/

الآيات كلها التي حشدها والمتعلقة بعدم الأخذ بقول بعض الناس حتى مع قسمهم.

ومهما يكن من أمر، فكونه عدوا لهما لا يمنع من تحتم تصديقه عليهما حينما يقسم لهما.. وقد عاملاه معاملة الخصماء بطلب القسم منه.

فيتضح من كل ما تقدم أن قول [العلامة المحقق] قول سديد ومؤيد، والتفاتة موفقة تنسجم وتتناسب وسياق الآيات، ودلالات الألفاظ..

ومن جهة أخرى فإننا إذا أردنا أن ننحو منحى «الكاتب» في تعليقه على قول [العلامة المحقق] بقوله: «إذا كان من الطبيعي أن يقبل آدم [عليه السلام] من إبليس ما أخبره به وكان لا يملك حق تكذيبه، فلماذا اعتبره الله عاصياً، أو غاوياً، أو ظالماً، أو ناسياً للعهد، أو فاقداً للعزم»(1).

فعندئذ نقول له وفق منطقه: إن كان آدم [عليه السلام] لا عهد له بأساليب اللف والدوران، والغش، والخداع.. فلماذا اعتبره الله عاصيا، غاويا، ظالما، ناسيا للعهد، فاقدا للعزم. ونقول له أيضاً: «ما هكذا تورد يا سعد الإبل».

أما قوله: «إن إبليس نفسه ذكر آدم [عليه السلام] بالنهي الرباني بقوله: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة.. ) فيدل دلالة واضحة على أن آدم [عليه السلام] لم يكن ناسيا للنهي، وحتى لو كان ناسيا فإن إبليس.. قد ذكره»(2) فهو قول طريف، ومن حق [العلامة المحقق] أن يقول له: «هذه بضاعتنا ردّت إلينا»

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 75.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 76.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 118/

فيتضح مما مر صوابية رأي [العلامة المحقق] بأن آدم [عليه السلام] لم ينس، إنما ترك العمل بالنصيحة لما قاسمه إبليس، والتارك للعمل بالنصيحة، والمعرض عنها حاله حال الناسي، فيصح وصفه بذلك وإن لم يكن في الواقع كذلك (1).

ونضيف: إن آدم [عليه السلام] لم يكن ناسياً حقيقة للتحذير الإلهي من إبليس وإنما هو عَمِلَ عمَلَ الناسي، ولو كان هناك نسيان حقيقي لاكتفى إبليس بإرشادهما إلى الشجرة وتصوير منافعها لهما كذبا. ولكن ذلك لم يحصل.

أضف إلى ذلك أن لجوء إبليس للمبالغة بالقسم، أو إستدراج آدم [عليه السلام] له للقسم يشعر أنه لم يكن ناسيا لعداوته، لذا لم يصدقه إلا بعد أن قاسمه بأنه له لمن الناصحين.

أما رأي العلامة الطباطبائي [قدس سره] بأن النسيان هو نسيان العهد الربوبي فهو رأي غير سديد مخالف لظاهر الآية ولدلالاتها اللغوية. وليس المقام هنا مقام مناقشة ذلك إنما هو مقام إظهار محاولات «الكاتب» الجاهدة والمستميتة لتوجيه مقولات صاحب «من وحي القرآن» وإظهار عدم جرأتها، بل موافقتها لآراء العلماء الأعلام الأمر الذي لم يوفق إليه رغم إستعماله لأساليب اللف والدوران التي يبدو أن له باعا طويلا بها وعلما بمناهجها كما رأيت وسترى.

مقولات تجاهلها الكاتب

والملفت حصر «الكاتب» لمقولات صاحب «من وحي القرآن» المتعلقة بآدم [عليه السلام] بما مرّ، وتجاهله لغيرها من المقولات، خاصة تلك التي

ـــــــــــــــ

(1) راجع خلفيات ج 1 ص 103.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 119/

التي تتعلق بالتعابير والألفاظ التي وصفها [العلامة المحقق] بأنها: «ليست لغة سليمة، ولا مقبولة، مهما حاولنا التبرير، والتوجيه، والإلتفاف على الكلمات» وبأنها «عبارات تستعمل لأقل الناس وأحطهم..»(1).

فنتساءل: ما الدافع لتجاهل «الكاتب» قول صاحب «من وحي القرآن»: «(فلا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) الذين يظلمون أنفسهم ويسيئون إليها بالإنحراف عن خط المسؤولية في طاعة الله»؟!!(2).

وما الدافع لإغفاله عن قوله: (فدلاًهما بغرور، أي أنزلهما عن درجتهما الرفيعة فأوصلهما إلى مرحلة السقوط بسبب الغرور الذي أوقعهما فيه)؟!!(3).

فهل هناك جرأة أكثر من ذلك؟!!. وهل صحيح أن إبليس أوقع آدم [عليه السلام] وزوجه بالغرور؟!!.

ولعل «كاتبنا» ومعه صاحب العبارة قد فهما من كلمة غرور المعنى «العامي» لها وهو: رؤية النفس بإستعلاء وتكبر؟!!.

فإن كان كذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ به من هذا الوحي والإستيحاء والإستئناس بالمعاني العامية ومفاهيمها.

وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على غربة هذا «الكاتب» وصاحبه عن عالم التفسير واللغة.

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 48 و 49.

(2) من وحي القرآن ج 10 ص 25.

(3) من وحي القرآن ج 10 ص 32.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 120/

ونقول لهذا «الكاتب» الذي يدعي أنه يعيش في عالم التفسير ويتهم الآخرين بعدم الإطلاع على التفاسير: ألم يقرأ التبيان للشيخ الطوسي ليعلم أن الموصوف بكلمة الغرور إنما هو إبليس؟!! وأن معنى الغرور هو: «إظهار النصح وإبطان الغش»(1) ليصبح معنى قوله تعالى: (فدلاهما بغرور) أي أنزلهما من الجنة إلى الأرض عبر إظهاره للنصح وإبطانه للغش.

وليخبرنا هذا «الكاتب» لماذا تعامى عن قول صاحبه: «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سؤاتهما وشعرا بالعري.. الذي بدأ يبعث في نفسيهما الشعور بالخزي والعار..»؟!!(2)

علما أن «الكاتب» قد تعرّض لمناقشة موضوع السوءات (3) ومع ذلك تجاهل كليا تعبير صاحبه بكلمة: «الخزي والعار» على أن سبب هذا التعامي بات معروفاً، بل مفضوحاً لا يخفى على أحد.

وماذا عن تعبير صاحبه الذي يقول: «وتمثلت الجريمة لهما بمستوى الكارثة»!!(4) حيث لا يوجد مبرر لغض النظر؟!!.

فنسأل «الكاتب»: أي نوع من أنواع الجريمة يقصد؟!! أم أن هناك أيضاً جريمة إرشادية وأخرى مولوية! فإننا لا نستبعد أن يتحفنا بهذا التقسيم للجريمة.

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج 4 ص 372.

(2) من وحي القرآن ج 1 ص 32.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 77.

(4) من وحي القرآن ج 10 ص 33.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 121/

وماذا عن قوله: «فأسقطه من مكانته.. لئلا يبقى هو الساقط الوحيد في عملية التمرد على الله؟!!» (1).

ألا يعتبر هذا الكلام الساقط عن الإعتبار تمردا على الله؟!! من حيث كونه اتهاماً للأنبياء.

وماذا عن قوله: «فها هو إبليس يشعر بالزهو والرضا لأنه استطاع أن يهبط بقيمة هذا المخلوق الذي كرمّه الله عليه إلى درك الخطيئة ليصبح منبوذاً من الله»(2).

فيا له من تكريم!!! فهل تمرّد آدم [عليه السلام] على الله، فسقط، فوجد إبليس شريكاً له في عملية التمرد والسقوط؟!!.

وهل هبطت قيمة هذا النبي [عليه السلام] مع العلم أنه اجتباه؟!!. وهل هو حقا سقط إلى درك الخطيئة؟!وهل هو فعلا أصبح منبوذاً من الله؟!

وماذا عن قوله: «ولكن آدم لم يتعمق في وعي الموضوع، ولم يأخذه مأخذ الجدية والإهتمام..»(3)

 ونسأل «الكاتب»: هل هذه هي عقيدة الشيعة بالأنبياء، أم هي عقيدة آخرين؟!!

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 10 ص 181 و 182.

(2) من وحي القرآن ج 10 ص 181 و 182.

(3) من وحي القرآن ج 15 ص 169.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 122/

أوليس في هذا القول اتهام لآدم [عليه السلام] بأنه لم يأخذ النهي على محمل الجد؟!!

فهل كان الله سبحانه يمازح آدم [عليه السلام] ويلاطفه ويداعبه بإصدار الأوامر له حتى اشتبه عليه الأمر بحيث لم يدر أن هذا الأمر جدي أو غير جدّي؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وماذا عن جملة العبارات التالية المستوحات من القرآن كما يزعم صاحب «من وحي القرآن».

1 ـ «فينحرف من موقع الغفلة».

2 ـ «ولو فكر جيداً».

3 ـ «وإستسلما للجو الخيالي المشبع بالأحاسيس الذاتية المتحركة مع الأحلام..  وغير ذلك كثير.

ونسأل «الكاتب»: ماذا عن قول صاحب «الوحي»: «فانطلقا إليها بكل شوق ولهفة» فمن أين علم بشوقهما ولهفتهما؟!!.

ونسأله أيضاً: هل هذا كله حقاً «من وحي القرآن»؟!!!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 123/

خلاصة الفصل الأول:

ومن كل ما تقدم نخلص إلى النتائج التالية:

1 ـ إن «الكاتب» قد مارس أسلوب التعمية حيث أظهر للقارئ أن مورد الإشكال هو زواج أبناء آدم [عليه السلام]، والحقيقة أن الإشكال إنما هو في قول صاحب «من وحي القرآن» «لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات».

وقوله: لم يكن هناك بديل عن زواج الإخوة بالأخوات مع ما يستبطن هذا القول من تقييد لقدرة الله تعالى ونسبة العجز إليه.

2 ـ تجاهل «الكاتب» وصف صاحب «من وحي القرآن» لبيت آدم [عليه السلام] بأنه كان غير نظيف من الناحية الجنسية وهذا القول لم يتعرض له أبداً.

3 ـ تجاهل «الكاتب» حديث صاحب «الوحي» عن عدم وجود مناعة جنسية في بيت آدم حتى بين الأم والأب تجاه أولادهما، حيث لم يتعرض لهذا القول البتة.

4 ـ نسب «الكاتب» زوراً لأعلام الأمة وعلماءها ومراجعها كالطوسي والطبرسي والخوئي والطباطبائي أنهم يقولون بما يقوله صاحبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 124/

5 ـ قام الكاتب بالتدليس في نص صاحبه عندما حذف عبارة توضح الإشكال في حديثه عن أن معصية آدم كمعصية إبليس.

6 ـ حاول «الكاتب» تضليل القارئ عندما أخذ يحشد نصوصاً لصاحب «من وحي القرآن» إما من غير كتابه، «من وحي القرآن» أو من غير الجزء الذي ورد فيه الإشكال، وقد ذكرنا أن ذلك مخالف للقاعدة الأصولية التي تنص على عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة.

7 ـ تحريفه لرأي العلامة الطباطبائي المتعلق بأن آدم [عليه السلام] قد نسي تحذير الله لهما بالإقتراب من الشجرة، حيث نسب «الكاتب» له أنه يضعف هذا الرأي، والحقيقة أن الطباطبائي رفضه رفضاً قاطعاً وقال عنه بأنه غير صحيح.

8 ـ قيام «الكاتب» بحذف نص لصاحبه كان قد ذكره هو بنفسه في رسالته للعلامة المحقق، وهذا النص، الإشكال فيه ظاهر وهو عن طلب آدم وزوجه للمغفرة والرحمة بأنه قد ينطلق من الشعور بالإساءة إلى مقام الله في ترك اتباع نصائحه.

9 ـ قيام «الكاتب» بالعبث بكلام العلامة الطباطبائي المتعلق بمعنى نسيان آدم [عليه السلام] ليخرجه عن دلالته الحقيقية.

10 ـ نسب «الكاتب» زورا وبهتانا للشهيد الصدر وغيره أنهم يقولون بما يقول به صاحبة.

11 ـ جاء الكاتب بإفك صريح عندما أشار بأن تعريف السذاجة بأنها «التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء» هو تعريف للعلامة المحقق، والحق أنه تعريف صاحب «من وحي القرآن».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 125/

12 ـ إفتراء «الكاتب» على العلامة الطباطبائي عندما اعتبر أنه [قدس سره] وصف آدم بالسذاجة.

13 ـ إفتراء «الكاتب» على علماء الأمة عندما ادعى أن الحديث عن ضعف آدم [عليه السلام] أمام الحرمان، وأنه أقدم على ممارسة الرغبة المحرمة، مما صرح بهما الكثير من المفسرين دون أن يتحدث عنهما واكتفى بذكرهما في عنوان بحثه.

14 ـ الإفتراء على [العلامة المحقق] عندما ألمح إلى أنه [أعزه الله] يعتبر أن آدم [عليه السلام] قد ضعف أمام إغراءات إبليس.

15 ـ تجاهل «الكاتب» لحديث صاحبه من إقبال آدم [عليه السلام] على ممارسة الرغبة المحرمة في الوقت الذي جعلها في عنوان بحثه.

16 ـ إتهام «الكاتب» للعلامة المحقق بأنه راح يستهزء بمقولة الدورة التدريبية لآدم [عليه السلام] من خلال حديثه (أيده الله) عن الأوامر الإمتحانية والعسكرية.

والحقيقة: أن هذا التعبير هو لصاحب «من وحي القرآن» نفسه.

17ـ تجاهل «الكاتب» مقولات عدة لصاحبه:

* فقد تجاهل حديثه عن انحراف آدم عن خط المسؤولية في طاعة الله.

* وتجاهل قوله أن ابليس أوصل آدم إلى مرحلة السقوط بسبب الغرور الذي أوقعه فيه.

* وقوله أن آدم [عليه السلام] وزوجه قد شعرا بالخزي والعار.

* وكذلك قوله: وتمثلت الجريمة لهما بمستوى الكارثة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 126/

* ولا ننسى تجاهل قوله أن إبليس أسقط آدم [عليه السلام] من مكانته لئلا يبقى هو الساقط الوحيد في عملية التمرد على الله.

* وكذلك قوله: فها هو إبليس يشعر بالزهو والرضا لأنه استطاع أن يهبط بقيمة هذا المخلوق الذي كرمه الله عليه إلى درك الخطيئة ليصبح منبوذاً من الله.

* كما تجاهل قول صاحبه: ولكن آدم لم يتعمق في وعي المفهوم ولم يأخذه مأخذ الجدية والاهتمام.

إلى غيرها من العبارات والألفاظ التي أتحفنا بها صاحب «من وحي القرآن» والتي قد تجاهلها «الكاتب».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 127/

الفصل الثاني
يونس [عليه السلام]

* الآيات القرآنية

* العناوين المشكلة

* النصوص المشكلة

* إباق يونس [عليه السلام]

* ما نقله «الكاتب» عن الطباطبائي [قدس سره]

* في المعنى اللغوي للإباق

* في الروايات

* يونس تهرب من مسؤولياته

* قوله تعالى: وهو مُليم

1 ـ محيط المحيط: الآم: أتى ما لا يُلام عليه

2 ـ أقرب الموارد: الآم: أتى ما لا يُلام عليه

* تحريفات «الكاتب»

* خلاصة الفصل الثاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 128/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 129/

بسم الله الرحمن الرحيم

(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم، قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)(1). (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)(2).

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة/الآية 91

(2) سورة آل عمران/الآية 112.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 130/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 131/

الآيات القرآنية:

(وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)(1). (وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم)(2). (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم)(3).

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء/الآية 87ـ88.

(2) سورة الصافات/139ـ145.

(3) سورة القلم/الآية 48ـ49.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 132/

(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين)(1).

ـــــــــــــــ

(1) سورة يونس/الآية 98.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 133/

العناوين المشكلة:

«84 ـ يونس [عليه السلام] ليس لديه الصبر الكافي.

85 ـ الله يؤدب نبيه يونس [عليه السلام].

86 ـ يونس [عليه السلام] تهرب من مسؤولياته.

87 ـ الله يعتبر يونس [عليه السلام] هارباً كإباق العبد من سيده.

88 ـ يونس [عليه السلام] يخرج دون أن يتلقى تعليمات من الله»(1).

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 121.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 134/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 135/

النصوص المشكلة:

«ما كان عنده الصبر الذي تحتاجه المسألة، فتفسير (فظن أن لن نقدر عليه) ليس معناها أنه ظن أن الله لا يقدر عليه، أن لن نقدر عليه، يعني أن نضيق عليه كأنه في هذا المجال، وما في مانع أن أنبياء الله سبحانه يتعهدهم بالتربية والتأديب في حالة من الحالات، لا سيما إذا كانوا أنبياء في حجم يونس، وأمثال يونس من الأنبياء المحليين»(1).

«خرج مغاضباً إحتجاجاً على ذلك، من دون أن يتلقى أية تعليمات من الله في ذلك منه «إعتقاداً منه» بأن المسألة لا تحتاج إلى ذلك، فقد قام بدوره كما يجب، فلم يدخر جهدا في الدعوة إلى الله بكل الأساليب، والوسائل، ولم يبق هناك شيء مما يمكن عمله. ولكن الله اعتبرها نوعاً من الهروب، فيما يمثله ذلك من معنى الإباق، تماماً كما هو إباق العبد من مولاه»(2).

ـــــــــــــــ

(1) ن. م، ج 1 ص 122.

(2) ن. م، ج 1 ص 122.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 136/

«نستوحي من هذه القصة الخاطفة، أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين، من عباده ورسله، فيما يمكن أن يكونوا قد قصروا فيه أو تهربوا منه من مسؤليات.

وأن الداعية قد يضعف أمام حالات الفشل الأولى، أو أوضاع الضغط القاسية، أو مشاكل الظروف الصعبة، كنتيجة لفكرة إنفعالية سريعة، أو شعور حاد غاضب ثم يلطف الله بهم بعد أن يتراجعوا عن ذلك، ويرجعوا إليه، فينجيهم من بلائه، ويحوطهم بنعمائه، ويسبغ عليهم من ألطافه وآلائه، لئلا يتعقد الخطأ أو الإنفعال في شخصيتهم، لينطلقوا إلى الحياة من روحية الصفاء الروحي والنقاء الشعوري من جديد ليبدأوا الدعوة من حيث انتهوا ويتابعوا المسيرة بعزم وقوة وإخلاص.

ثم نلتقي في أعماق الموقف بالإبتهالات الخاشعة الخاضعة لله في روحية الإحساس بالعبودية، التي يشعر المؤمن معها بأن الله يلتقيه في مواقع الإنابة، مهما كانت الخطايا والذنوب، وأن الخطأ لا يتحول إلى عقدة بل يتحول إلى فرصة للقاء بالله من جديد، في مواقع التوبة الحقيقية الخالصة، التي يبدأ فيها التائب تاريخاً جديداً، وصفحة بيضاء في حياته»(1).

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 123.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 137/

مرة اخرى نلتقي مع «الكاتب» في قراءاته لنصوص العلماء وبفنون التمويه والتعمية التي يمارسها على القرّاء.

والملفت هذه المرة أن النصوص التي يستعين بها لا تصلح أن تكون شاهدا على ما يذهب إليه بقدر ما تصلح أن تكون شاهداً عليه. وأول ما أتحفنا به هو:

إباق يونس [عليه السلام]

إعتبرهذا «الكاتب» ان تفسير [العلامة المحقق] لمعنى الإباق «بالفرار من قومه» مما لم يقل به أحد من أعلام التفسير، وأنه مما لم يخطر على بال أحد مهما احتمل للآية من وجوه (1).

واستدل على ذلك بـ: «إن الله سبحانه هو المتحدث، وهو الذي يقصّ علينا قصته (إذ أبق إلى الفلك المشحون) وأن الله هو الذي وصف فراره بالإباق، فكيف يمكن أن تقول: «اعتبروه فاراً وآبقاً منهم»(2).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 94.

(2) نفس المصدر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 138/

ولعمري إنه استدلال عجيب، ـ فإنه وبحسب منطقه ـ إذا قال قائل: هرب فلان إلى الجبل فإن ذلك يعني أنه هرب من القائل دون سواه، لأنه هو الذي وصفه بالهروب؟!!.

ولكي يتبين من الذي أتى ببدع من القول، ومن يفهم النصوص على وجه يصير معها دليل الإثبات دليلاً للنفي، أو العكس، نستعرض كلام [العلامة المحقق] الذي يقول بعد عرضه للآيات المتعلقة بالبحث:

«.. 1ـ كلمة مغاضباً تعني حدوث الإغضاب من الطرفين.. فلا يصح القول بأن المغاضبة قد كانت بين يونس [عليه السلام] وبين الله.. الحقيقة هي أن المغاضبة كانت بين يونس [عليه السلام] وبين فريق آخر، والظاهر أنهم قوم يونس [عليه السلام].. فالتجأ إلى الفلك المشحون بالناس وكان قومه يطلبونه ليوصلوا إليه الأذى، لأنهم كانوا يرونه قد أساء إليهم، فاعتبروه فاراً وآبقاً منهم..»(1).

وقد حمل «الكاتب» على كلام العلامة هذا، وسعى جاهدا لإثبات أن الإباق كان من الله لا من قومه كما سيأتي عند استعراضه لمعنى الإباق في المعاجم اللغوية.

ثم حشد نصوصاً عديدة لبعض المفسرين زاعماً أنها تؤيد ما ذهب إليه من أن الإباق إنما كان من الله لا من قوم يونس [عليه السلام] وأخذ ينشر العنوان تلو العنوان:

تفسير التبيان: يونس [عليه السلام] خرج قبل أن يؤمر.

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 126 و 127.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 139/

مجمع البيان: يونس [عليه السلام] خرج قبل أن يؤذن له.

جوامع الجامع: ضجر فخرج من غير أمر. وهكذا..

وهذه العناوين، كما هو واضح، إنما تتحدث عن أن يونس [عليه السلام] خرج قبل أن يؤمر، وهذا ليس محل البحث، علماً أن إخبار الله له [عليه السلام] بنزول العذاب بمثابة الإذن له بالخروج ويكون عدم نزول العذاب من البداء.

وعلى التنزل فإنه [عليه السلام] إن لم يؤمر بالخروج، فإنه لم يؤمر بالبقاء وعدم الخروج أيضاً، كما أشار الى ذلك العلامة الطباطبائي.

ولكن الملفت أن هذه النصوص تؤكد ما ذكره [العلامة المحقق] وهو أن هروبه كان من قومه وللتدليل على ذلك نذكر أقوال المفسرين التي زعم أنها تؤيد ما يذهب إليه.

قال الشيخ الطوسي في تبيانه: «فالإباق هو الفرار، فالآبق الفار، حيث لا يهتدي إليه طالبه. يقال: أبق العبد يأبق إباقاً فهو آبق إذا فرّ من مولاه، والآبق والهارب والفار واحد. قال الحسن: فر من قومه»(1).

وقال في شرحه لما جاء في سورة الأنبياء آية 87: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً..): «فأما ما روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير من أنه خرج مغاضباً لربه، فلا يجوز ذلك على نبي من الأنبياء»(2).

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج 8 ص 484.

(2) التبيان ج 7 ص 242.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 140/

وهذا نص صريح يؤيد ما ذهب إليه [العلامة المحقق] من أن المغاضبة كانت لقومه.

وقال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: «(وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون) أي فر من قومه إلى السفينة..»(1). وهذا نص صريح بأن الفرار كان من قومه. وسيأتي في البحث اللغوي تفسيره لمعنى «أبق» فانتظر.

وقال في جوامع الجامع: «والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة لقومه»(2)

وهذا نص آخر يؤيد مقولة [العلامة المحقق].

والملفت الطريف أن «الكاتب» جعل عنوان رأي العلامة الفيض كالتالي: «تفسير الصافي: هرب من قومه بغير إذن ربه»

ولعلّه لم يلتفت إلى كلمة: «من قومه» التي تقرر وتؤيد ما ذهب إليه [العلامة المحقق] صراحة.

وقال أيضاً: «.. إذ ذهب مغاضباً لقومه»(3). وهذا أيضاً يؤيد ما ذكره [العلامة المحقق].

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج 8 ص 716، وراجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 96.

(2) جوامع الجامع ص 505 وراجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 97.

(3) الصافي ج 4 ص 351.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 141/

وقال ابن أبي جامع العاملي: «.. فأطلق عليه لأنه هرب مختفياً من قومه»(1).

وهذا أيضاً تأييد لما جاء به [العلامة المحقق]، فإن الهروب كان من قومه.

وقد كان بإمكان «الكاتب» أن يذكر لنا العشرات من المصادر التي تؤيد ذلك لولا خوفه من الإطالة (2)!!!

ومع هذا فلا حاجة له إكتفاءً بما تقدم.

ما نقله «الكاتب» عن العلامة الطباطبائي [قدس سره]

النص الأول: «والمراد بإباقه إلى الفلك المشحون خروجه من قومه معرضا عنهم، وهو وإن لم يعص في خروجه ذلك ربه، ولا كان هناك نهي من ربه عن الخروج، لكن خروجه إذ ذاك، كان ممثلاً بإباق العبد من خدمة مولاه، فأخذه الله بذلك» ثم أحال العلامة الطباطبائي إلى كلامه ولنلتفت إلى قوله: «ولا كان هناك نهي من ربه عن الخروج» وهو ما أشرنا إليه قبل قليل. حول تفسير قوله تعالى: (وذا النون..(3).

النص الثاني: «فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضباً عليه ظاناً أنه لا يقدر عليه»(4).

ـــــــــــــــ

(1) الوجيزة ج 3 ص 88.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 99.

(3) الميزان ج 17 ص 163.

(4) الميزان ج 17 ص 166.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 142/

النص الثالث: «ويمكن أن يكون.. وارداً مورد التمثيل، أي كان ذهابه هذا ومفارقته قومه ذهاب من كان مغاضباً لمولاه، وهو يظن أن مولاه لن يقدر عليه، وهو يفوته بالإبتعاد عنه فلا يقوى على سياسته»(1).

هذه ثلاثة نصوص نقلها «الكاتب» في محاولة منه لإثبات دعواه: أن الهروب كان من ربه، وأن المغاضبة كانت بينه وبين ربه.. وفيما يلي، ستعلم أخي القارئ حقيقة رأي العلامة الطباطبائي [قدس سره] وكيف أن «الكاتب» عبث بالنصوص:

أ ـ يقول العلامة الطباطبائي: «وذهب لوجهه على ما به من الغضب والسخط عليهم، فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه..» فلاحظ قوله: «.. على ما به من الغضب والسخط عليهم..»(2).

ب ـ ويقول أيضاً: «ويمكن أن يكون..» أي يحتمل ذلك ولا يجزم به.

ج ـ إن تعبيره [قدس سره] بعبارات مثل: «وكان ممثلاً بإباق العبد من خدمة مولاه» و «فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه» و «وارداً مورد التمثيل».

ـــــــــــــــ

(1) الميزان ج 14 ص 315، وراجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 95.

(2) الميزان ج 17 ص 166.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 143/

هذه التعابير لا تحتاج إلى كثير عناء لمعرفة المراد والمقصود منها، إذ أنها صريحة في دلالات ألفاظها ومعانيها. فكيف خفي الأمر على هذا «الكاتب»؟!!.

ألا يرى أن هذه العبارات إنما يقصد بها التمثيل والتشبيه؟!

وهل أن ذلك خفي على «الكاتب» أم أنه أدرك مرام الطباطبائي فحذف تتمة الكلام وهو قوله [قدس سره]:

«.. بالإبتعاد عنه فلا يقوى على سياسته، وأما كونه مغاضبا لربه حقيقة وظنه أن الله لن يقدر عليه فمما يجل ساحة الأنبياء الكرام عن ذلك قطعا وهم المعصومون بعصمة الله»(1).

والجدير ذكره أن هذا التوجيه ـ المرتكز على تنزيه الأنبياء عن ما ورد في العناوين المشكلة المتقدمة ـ يستعمله العلامة الطباطبائي كثيراً كما في توجيهه لقوله تعالى: (إني كنت من الظالمين) حيث يقول: «اعتراف بالظلم من حيث أنه أتى بعمل كان يمثل الظلم وإن لم يكن ظلماً في نفسه ولا هو [عليه السلام] قصد به الظلم والمعصية»(2).

والملفت أنه [قدس سره] قد كرّر عبارته هذه لإيضاح مقصوده من كلمة: «يمثل» أكثر من مرة، وفي صفحة واحدة، حتى لا يشتبه الأمر على أحد

ـــــــــــــــ

(1) الميزان ج 14 ص 315.

(2) الميزان ج 14 ص 315.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 144/

فكيف خفي على «الكاتب» ذلك كله؟!! لا سيما أنه نقل قوله [قدس سره]: «فما ورد فيه مما يوهم ذلك يحمل على أحسن الوجوه»(1).

ولماذا عمد إلى حذف تتمة هذا الكلام وهو قول الطباطبائي [قدس سره]: «يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة، ولذا حملنا قوله تعالى: (إذ أبق) وقوله تعالى: (مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) على حكاية الحال وإيهام فعله»(2)؟.

في المعنى اللغوي للإباق

أما فيما يتعلق بالمعنى اللغوي لكلمة: «أبق» فقد ظهر «الكاتب» بحالة يرثى لها، وهو ما فتئ يطعن بنبي الله يونس [عليه السلام] طعنة تلو طعنة، ويحاول بكل ما أوتي من قوة، أن يتلاعب بمعنى الإباق، لا لشيء إلا لإثبات دعوى ما أنزل الله بها من سلطان ألا وهي: أن يونس إنما هرب من ربه !!!.

لذلك تراه بعد أن استعرض كلام بعض أعلام اللغة يقول ويردد مرة تلو الأخرى: «أسألكم يا سماحة السيد أي [العلامة المحقق]: ممن ذهب العبد وهرب؟ وبلا كد عمل من قبل من؟ ألم يكن ذهابه وهروبه من سيده، وبلا كد عمل من سيده كذلك؟.

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 95.

(2) الميزان ج 17 ص 169.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 145/

إن قول صاحب «محيط المحيط»: «ذهب» أي: ذهب العبد من سيده قطعاً.. «بلا خوف ولا كد عمل» أي بلا خوف ولا كد عمل من سيده ويعني ذلك أنه هرب من دون مبرر، ومن دون عذر.. فهو إذن متمرد في ذهابه وفراره، ولئن لم يذكر صاحب «محيط المحيط» أو غيره عبارة: «من سيده» فذلك لبداهة الأمر ووضوحه»(1).

وقد استعجب هذا «الكاتب» من تفسير [العلامة المحقق] لمعنى الإباق: بأنه ليس فيه أن هروبه لا بد أن يكون من مولاه، وعلى صفة التمرد، والخروج من زي العبودية، وهو والله قول الحق لمن ألقى السمع وهو شهيد..

إذ من الواضح أن كلمة «أبق» تعني هرب وفر، وليس فيها بحد ذاتها من الناحية اللغوية أن هروبه كان من مولاه، وعلى صفة التمرد أو الخروج عن زي العبودية، ولا يمكن حملها على هذا المعنى إلا بقرينة.

فإذا قيل: أبق العبد كان وجود كلمة العبد قرينة على أن المراد هو: الهرب من سيده، لأن إباق العبد لا يكون إلا من مولاه.

ألم ينقل «الكاتب» كلام الشيخ الطوسي في تبيانه: «فالإباق الفرار فالآبق الفارّ إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه يقال: أبق العبد يأبق إباقاً فهو آبق إذا فرّ من مولاه»(2)

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 100 و 101.

(2) التبيان، ج8، ص484. ومراجعات في عصمة الأنبياء ص96.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 146/

فلاحظ تعريفه: «الإباق الفرار»، ولاحظ قوله: «الآبق الفار» ولاحظ قوله: «إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه» وطالبه ليس بالضرورة أن يكون ربه، إذ ربما كان مولاه وربما كان غيره من البشر.

ولاحظ أيضاً عندما قال: «يقال: أبق العبد إذا فرّ من مولاه» حيث عبر [رحمه الله] بقوله: «يقال أبق العبد» فجعل كلمة العبد قرينة على أن الهروب كان من المولى.

ونسأل «الكاتب» بعدما مرّ: هل يكفي ما أوردناه من شواهد وأدلة على رد مقولة صاحب «من وحي القرآن» أم أنه يريد المزيد؟ الأمر الذي لا نرغب فيه لسبب وجيه وهو أننا لا نريد أكثر من التنبيه على زيف هذه الدعوى وزيف الكثير من أخواتها مما سيأتي وخير الكلام ما قل ودل..

ولكن نخشى أن لا يفي هذا القليل بالدلالة لسبب وجيه آخر أيضاً وهو أن القضايا التي نطرحها من البديهيات ورغم ذلك فإن «الكاتب» لا يتعقلها على بداهتها مما يعني أننا أمام حالة نفسية لا يمكن معالجتها بما قل ودل أو بجرعة واحدة من الشواهد والأدلة والبراهين. وحرصاً منا على كمال الإيضاح نضيف إلى ما تقدم فنقول:

إن «الكاتب» حذف من كلام الطوسي [قدس سره] قوله: «يقال: أبق العبد يأبق إباقاً إذا فرّ من مولاه. والآبق والهارب والفار واحد»(1).

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج 8 ص 484 ومراجعات في عصمة الأنبياء ص 96.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 147/

فليلاحظ قوله [قدس سره]: «الآبق والهارب والفار واحد». وفيه دلالة على عدم كون الإباق مخصوص بالعبد ما لم تقم قرينة على ذلك. وكلمة العبد هي قرينة من القرائن.

أما سبب تجاهل «الكاتب» لكلام الطبرسي في مجمعه، فلا يخفى على أعمى وأصم فضلا عن متأمل، إذ الشيخ الطبرسي لم يضرب مثالا بإباق العبد.

من هنا كان كلامه [قدس سره] لا يفيد «الكاتب» في هدفه، فقد قال الطبرسي في فقرة اللغة من كتابه مجمع البيان: «الآبق الفار إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه»(1).

ولو تجاهلنا كل ما تقدم واكتفينا بما نقله «الكاتب» نفسه عن كليات أبي البقاء لوفينا المطلب حقه وهو قوله: «.. لا يقال للعبد آبق إلا إذا استخفى وذهب من غير خوف ولا كد عمل، وإلا فهو هارب»(2) مما يعني أن العبد إذا ذهب من خوف وكد عمل ولم يستخف فهو هارب لا آبق.

وعلى فرض أن يكون الإباق هو خصوص هروب العبد بلا خوف ولا كد عمل نسأل: ألم يتركهم [عليه السلام] بعد أن أخبره الله بنزول العذاب؟ أولم يتركهم بعد أن دعا قومه للتوحيد لأكثر من ثلاثين سنة، كما تقول الروايات.

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج 7 أو 8 ص 589.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 100.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 148/

إذن فإن يونس [عليه السلام] قد تركهم من خوف وبعد كد عمل، فكيف وصف بأنه آبق بالمعنى الذي يحاول «الكاتب» تصويره، لذلك كله لا محالة من القول بأنه هرب من قومه كما هو عليه إجماع الشيعة.

ثم ألم يجمع المفسرون على أنه يستحيل أن يكون المقصود من إباق يونس [عليه السلام] هو هروبه من ربه؟! وأن هذا غير جائز على الأنبياء؟!. ألم يقل الطوسي والطبرسي والفيض والمشهدي [رحمهم الله] وكل من افترى عليهم «الكاتب» من المفسرين أنه إنما فر من قومه؟ فهل قومه هم مولاه أم أنهم ربه، فأبق منهم؟!!

ألا يعلم «الكاتب» أن العبد إنما يوصف بالآبق إذا كان يتعمد مخالفة مولاه؟! وهو لا يعقل في حق نبي الله تعالى.

وقد قال الرازي في تفسيره الكبير: «قال بعضهم: أنه أبق من الله تعالى وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمدّ مخالفة ربه»(1).

فهذا قول الرازي وحاله معلوم ـ من حيث يجوٌز على الأنبياء صدور الصغائر ـ فكيف بأصحاب المذهب الملتزم بالقول بالعصمة؟!!. وليخبرنا «الكاتب» عن مغزى قوله: «.. ويعني ذلك أنه هرب من دون مبرر.. ومن دون عذر.. ولهذا فهو متمرد في ذهابه وفراره»(2). كيف.. وهو إنما يترك أرضاً سينزل عليها عذاب الإستئصال.. وهل يصح

ـــــــــــــــ

(1) التفسير الكبير ج 26 ص 165.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 101.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 149/

بقاؤه بينهم، وهو يعلم ان العذاب نازل عليهم. وما الذي يريد أن يثبته ويستدل عليه؟!! ولأجل ماذا؟! ولمن؟!.

وكيف يصح من هذا «الكاتب» أن يصف نبياً من أنبياء الله بالتمرد وكأنه يصف فرعون أم نمرود. وهل التمرد إلا المعصية والتحدي له تعالى.

فلينظر هذا «الكاتب» بما هو فيه، فإن ما ينسبه للأنبياء لا يرضى أحط الناس بأن يتٌصف به أو ينسب إليه!!!!.

وهل هذا ما قاله الطوسي والطبرسي والطباطبائي وغيرهم من الأعلام؟!!. وهل نسبة ذلك إليهم إلا محض إفتراء؟!. وهل هذا مما يكاد يجمع عليه المفسرون الشيعة ـ كما يزعم «الكاتب» ـ منذ عصر الطوسي إلى عصرنا الحالي؟!!.

ألم ينقل «الكاتب» نفسه رواية جميل عن أبي عبد الله [عليه السلام] التي تقول: «أنه [عليه السلام] مرّ على وجهه مغاضباً لله»(1) ويسجل في الهامش تعليقة العلامة المجلسي [قدس سره] في بحاره أن معنى قوله [عليه السلام] مغاضباً لله أي مغاضباً قومه لله بمعنى أن غضبه [عليه السلام] كان لله لا للهوى. فكيف يتمرد عليه تعالى.

ونختم بكلام السيد المرتضى «علم الهدى» الذي قال: «أما أن يونس [عليه السلام] خرج مغاضباً لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الإفتراء على الأنبياء [عليه السلام] وسوء الظن بهم عن الحد وليس يجوز

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 103.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 150/

أن يغاضب ربه إلا من كان معادياً له وجاهلاً بأن الحكمة في سائر أفعاله»(1).

في الروايات

أما الروايات (2) التي نقلها «الكاتب» فليس فيها ما يعول عليه فيما ذهب إليه بل لا نفهم ـ ولا غيرنا يفهم ـ منها ما فهمه هو منها، بل إن بعضها لا علاقة له بموضوع البحث ومحل الإشكال، ولا ندري سبب إيرادها..

وفيما يلي نعالج نموذجا يصلح أن تقاس عليه بقية الروايات التي نعيدها إلى «الكاتب» ليرشدنا إلى الفائدة منها فيما يدٌعيه في فرصة أخرى.

أ ـ إن رواية الفقيه والكافي التي تقول: «أي قضية أعدل من قضية تجال عليها السهام..» لا تدل على أن يونس [عليه السلام] كان آبقاً من ربه متمرّداً عليه ولا علاقة لها بموضوع البحث أصلاً.

بل إن الرواية المحال إليها في الفقيه في باب الحكم بالقرعة تشعر أن الإستهام كان لإلهاء الحوت، ودفعه عن السفينة عبر إلقاء أحدهم لنجاة الآخرين مما يصلح كدرس في الإيثار ولا يصلح للبحث في إباق يونس

ـــــــــــــــ

(1) تنزيه الأنبياء ص 141.

(2) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 103 و 104 و 105.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 151/

يونس من ربه كما يحاول «الكاتب» إثباته، حيث تقول الرواية (1): «روى حماد بن عيسى عن أبي جعفر [عليه السلام] قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران.. ثم استهموا في يونس [عليه السلام] لما ركب مع القوم فوقعت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع السهم على يونس [عليه السلام] ثلاث مرات قال: فمضى يونس [عليه السلام] إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه»(2)!!!.

أما قوله تعالى (فكان من المدحضين) والتي جاءت في رواية الكافي، فقد ذكر الطوسي والطبرسي [قدس سره] أقوالاً حول معناها، ولكن رأيهما استقر أخيراً على أن المعنى هو: فكان من «الملقين في البحر» فيكون «الدحض» بمعنى السقوط، وقد استدل الطوسي [قدس سره] بقوله تعالى (حجتهم داحضة) أي ساقطة (3)

ب ـ أما رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر [عليه السلام] التي جاء فيها: «.. يا قوم إن في سفيتني مطلوباً» وهو قول ملاًح السفينة فليس فيها ما يدل أو يلمح إلى ما يسعى «الكاتب» إلى إثباته من أن نبي الله كان فاراً من ربه مغاضباً له.

على أن الروايات التي تحدثت عن هذا الموضوع متعارضة ومتضاربة ؛ فبعضها يخبر أن الحوت كان يطارد السفينة حتى حبسها عليهم من قدامها، ولم يتركها إلا بعد أن ألقى يونس [عليه السلام] نفسه في فمه،

ـــــــــــــــ

(1) عمد «الكاتب» إلى حذف هذه الرواية من كتابه والتي كان قد ذكرها في رسالته تحت رقم (3).

(2) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 51.

(3) التبيان ج 8 ص 528 ومجمع البيان ج 8 ص 590.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 152/

، وأن الملاًح عرف من خلال إصرار الحوت أن في سفينته مطلوبا، وبعضها الآخر يخبر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري.. (1).

والغريب أن هؤلاء المتحمسين للدفاع عن هذه الآراء وصاحبها قد ردوا روايات مأساة الزهراء [عليها السلام] لاختلافات بسيطة رغم وضوح إمكانية الجمع بينها، وإذا بهم يتمسكون بروايات ظاهرة التعارض.

وعلى أي حال: فإن قول الملاح: «إن في سفينتي مطلوباً» ليس فيه ما يدل على أنه مطلوب من قبل الله، كما يحاول «الكاتب» الإشارة إليه، ولماذا لا يكون مطلوباً من قومه ملاحقا منهم؟.

وما المانع من ذلك، لا سيما إذا كان فيه تنـزيه له عما ينسب إليه مما لا يجوز على الأنبياء؟.

بعدما تقدم يظهر لنا أن «الكاتب» لم يصب في كل محاولاته إلا في محاولة واحدة وهي: عنوان بحثه الروائي حيث وضع لهذا البحث عنوانا أخذه من رواية أبي حمزة الثمالي وهو: «السهام لا تخطئ» حيث أصاب بها قلب نبي الله يونس [عليه السلام]، وكبد العصمة، ولا أحد يدري ما ستتركه هذه السهام من آثار على عقول وقلوب الناس الأبرياء من الناس الذين يتلقونها على أنها تفسير للقرآن؟

وكان ثمة من أطلقها قبله فأصاب بها قلب الزهراء [عليها السلام] وضلعها المكسور!!! وقلب الأنبياء والأوصياء..

ـــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج 14 ص 382 و 404 نقلا عن الطبرسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 153/

يونس تهرب من مسؤولياته

وحول هذه المقولة يقول «الكاتب»: «لست أدري أين تكمن الجرأة في هذه المقولات إذا استثنينا المقولة الثالثة التي لم يقلها «السيد» لقد قالها المفسرون الشيعة منذ قرون.. وقالها أخيراً وليس آخراً العلامة الطباطبائي ما عدا المقولة الثالثة والتي لم يقلها «السيد» إطلاقاً بل رفضها رفضا قاطعا في كتابه «من وحي القرآن» وصرّح على النقيض منها تماماً..»(1).

والملفت أنه ينكر نسبة المقولة الثالثة لصاحبه «وهي أن يونس [عليه السلام] قد تهرب من مسؤولياته» وبكل جرأة رغم كونها مدونة في كتب صاحبه.

ومهما يكن من أمر فقد تركز اعتراض «الكاتب» على أن صاحب «من وحي القرآن» كان قد صرّح وفي نفس السياق أن فعل يونس [عليه السلام]: «قد لا يكون.. تهربا من المسؤولية وحباً للراحة..»(2).

ويلاحظ عليه:

1 ـ إن «الكاتب» قد حذف من النص فقرة اختصرها بقوله: «ثم يقول»(3) الأمر الذي لا يدعو للعجب لا سيما إذا علمت السبب، والفقرة المحذوفة هي التالية «وفي هذا الجو كان خروجه السريع بسرعة انفعالية

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 86.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 106.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 106.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 154/

في اتخاذ القرار..»(1) مما يعني أن نبي الله يونس [عليه السلام] قد اتخذ قراراً انفعالياً كاد أن يكون ضحيته مائة ألف أو يزيدون؟!!.

2 ـ إن قول صاحب هذا النص «وقد لا يكون ذلك تهربا من المسؤولية..» لم يكن على سبيل الجزم، بل على سبيل الإحتمال!! إذ أن كلمة «قد» تفيد الإحتمال الذي يقابله احتمال أن يكون قد تهرب.. وهذا الإحتمال حتى لو كان ضعيفاً جداً، لكنه ينافي الإعتقاد بالعصمة المستلزم لنفي امثال هذه الإحتمالات التي لا تليق بساحة قدس الأنبياء [عليهم السلام]. ولنلتفت لقوله المتفرع عنه: «فربما كان الجو يتحرك في حالة شديدة من الحيرة، والغم، والحزن..»(2)

3 ـ إن جميع النصوص التي قدمها «الكاتب» وردت في سياق مناقشة إحتمالات تفسير الآيات، بينما النص محل الإشكال الذي قدمه [العلامة المحقق] يمثل خاتمة البحث وخلاصة رأي «صاحب التفسير» ومن هنا قال في ختام بحثه حول الآية: «وهكذا نستوحي من هذه القصة الخاطفة أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين من عباده ورسله، فيما يمكن أن يكونوا قد قصّروا فيه أو تهربوا منه من مسؤوليات..»(3).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 281.

(2) من وحي القرآن ج 15 ص 281.

(3) من وحي القرآن ج 15 ص 284.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 155/

إذن هو يستوحي من هذه القصة ذلك، وتعبيره: «بالإستيحاء» واضح المعنى والدلالة بأن ذلك ما استظهره من هذه القصة. وهو التعبير الذي لا يخفى دلالته على كل من قرأ كتبه وسمع حديثه.

والأنكى من ذلك أنه لم يكتف باحتمال تهرب نبي الله يونس [عليه السلام] من المسؤولية بل ردد بينه وبين التقصير !! فكيف يقول بالعصمة على كل المستويات ثم ينسب التقصير الى نبي الله (1).

فنبي الله يونس [عليه السلام] وفق «استيحاء» صاحب «من وحي القرآن» إما قصّر في مسؤولياته أو تهرب منها!! فانتق منهما ما شئت.

والأطرف من ذلك أن هذا «المستوحي» عمّم المسألة وخرج بقاعدة كلية مفادها: «أن الله يبتلي الرسل فيما يمكن أن يكونوا قد قصّروا فيه أو تهربوا منه من مسؤوليات»!!.

فهو يحتمل إذن أن يصدر من الأنبياء جميعاً تقصير في المسؤوليات أو تهرب منها!! ومع ذلك هو قائل بالعصمة! فأي عصمة هي هذه التي يقول بها.

وعلى أي حال، فما دام هذا النص يمثل خاتمة البحث وخلاصته، فهو ادعى لتمثيل رأي صاحبه مما قدمه قبل ذلك من مناقشة لاحتمالات التفسير. علماً أنٌ «الكاتب» نفسه يدعي مثل ذلك في ما ذكره في حق إبراهيم

ـــــــــــــــ

(1) ولو سلمنا بأفضلية الأنبياء على الأئمة [عليهم السلام] كما يقول هو به فاللازم أن ننسب إمكان التقصير إلى علي [عليه السلام] وباقي الأئمة واللازم أن نحمل ظواهر العبائر الدالة على تقصير علي [عليه السلام] في دعاء كميل على ظواهرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 156/

[عليه السلام] من أنها إنما كانت مجرد عرض للإحتمالات قبل إختيار الرأي الصحيح.

ولا ينفع «الكاتب» الإتيان بشاهد أو أكثر يصرح فيه صاحب هذه المقولة بنقيضها حيث ينبغي عليه، كما صرّح [العلامة المحقق]، أن لا يتكلم بالمتناقضات.

وبعد هذا كله، أين تصبح دعاوى «الكاتب» بأن علماء التفسير يجمعون على ما يتبناه «السيد» من مقولات، وبأن مقولاته هذه ليست بدعا في علم التفسير؟!!.

وقد رأينا أن دعاوى «الكاتب» تدل دلالة واضحة على أنه لم يفقه أقوال المفسرين، حتى ولو وقف على آرائهم، وإنما ألبسها لباس التزوير والتحريف بالتقطيع والتدليس.

قوله تعالى: وهو مليم

يقول «الكاتب»: «هذه معاجم اللغة بين يدي تجمع على أن معنى «مليم» بأنه مستحق للوم..»(1).

ويقول أيضاً: «ولست أدري ـ لحد الآن ـ كيف يكون «مليم» بمعنى: «أتى ما لا يستحق اللوم عليه» هذه لغة عجيبة تذكرونها في كتاب خلفيات، ولهذا احتملت لأول وهلة أنها خطأ مطبعي، أو من سهو القلم، ولكن كم كانت دهشتي كبيرة عندما أكملت النص حيث تبين لي أنها ليست كما احتملت، حيث تقولون:

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 92.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 157/

«قوله: «وهو مليم» أي يلوم غيره، لا أنه يلوم نفسه، فإن هذه الكلمة هي إسم فاعل من «ألام» بمعنى «لام»، أو بمعنى «أتى ما لا يستحق اللوم عليه»، وتلك إشارة أخرى تؤكد عدم استحقاق يونس [عليه السلام] لأدنى لوم..»(1).

هذا ما قاله «الكاتب»، قبل وبعد أن استعرض آراء بعض المعاجم اللغوية.

ولكن عن أي اجماع لمعاجم اللغة يتحدث؟!!. ولماذا يلجأ من يدعي الإجماع على التلاعب بالنصوص وتحريفها؟!!.

الحق يقال: أنّى لهذا «الكاتب» أن يدري كيف يكون «مُليم» بالضم بمعنى أتى ما لا يستحق اللوم عليه، فهل ثمة غشاوة على بصره حجبته، أم ران على قلبه فلم يعقله ؟!.

إن تعريف [العلامة المحقق] لكلمة: «مُليم» بـ: «أتى ما لا يستحق اللوم عليه»: ليس لغة عجيبة، إلا لمن لم يطلع على المعاجم اللغوية التي بين يديه أو خلفه. ولم يكن هناك مبرر لهذا الإندهاش، لا سيما أن تعريف [العلامة المحقق] هذا لم يكن من سهو القلم، كما لم يكن خطأً مطبعياً، فإن هذه حجج «البعض» «إحتاج إليها صاحبه كثيراً حين طولب ببعض المقولات» وكل من يحاول أن يتهرب مما يكتبه أو يقوله، لأنها أهون عليه من الإعتراف بما يمثل «فضيلة».

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 94.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 158/

ولست أدري إن كان اندهاشه من هذا التعريف يعود لحساسيةٍ عنده من كل شيء ينزّه الأنبياء عن الخطأ ويعصمهم عن الوقوع فيه، لا سيما إذا علمت أن ما يسعى لإثباته هو أن نبي الله يونس [عليه السلام] يستحق اللوم، وما يسعى لنفيه هو أنه [عليه السلام] لا يستحق اللوم!.

أما بالنسبة للمعاجم اللغوية، فإننا نحيل القارئ إليها ليرى بنفسه مقدار الصدق فيما إدعاه «الكاتب» لأننا عدنا إليها ووجدنا عكس ما يدعي، واليك التفصيل:

محيط المحيط: ألام: أتى ما لا يلام عليه:

وأول ما لفت نظرنا هو صاحب «محيط المحيط» الذي يقول:

«ألامه إلامة بمعنى لامه فهو «مُليم» بالضم وذلك مُلام. وألام الرجل أتى ما لا يلام عليه أو صار ذا لائمة أو فعل ما يستحق عليه اللوم»(1).

ونسأل: من المعُبر عنه بلفظ «فهو» اليس الذي يلوم غيره، ويقابله المُعبر عنه بلفظ «وذلك مُلام» اليس الذي وقع عليه اللوم ؟!

أقرب الموارد: ألام: أتى ما لا يلام عليه:

أما صاحب أقرب الموارد فقال: ««ألامه» إلامة: بمعنى لامه فهو «مُليم» بالضم وذاك «مُليم» بالضم.. «ألام» الرجل: أتى ما لا يلام عليه، وقيل صار ذا لائمة، أو فعل ما يستحق عليه اللوم..»(2).

وليلاحظ فيما تقدم الآتي:

ـــــــــــــــ

(1) محيط المحيط ص 833.

(2) أقرب الموارد ج 2 ص 1172.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 159/

1 ـ قوله: «فهو لائم» أي الذي لام غيره يُقال له: لائم، أما الآخر أي من وقع عليه اللوم فيقال له: «مَليم» بالفتح و«مَلوم» بالفتح.

2 ـ ونفس المعنى قوله: «لامه فهو «مُليم» «أي يلوم غيره وعبّر عنه بلفظ هو اي اللائم» وذلك «مُلام» بالضم [أي وقع عليه اللوم]». و عبّر عنه بلفظ وذلك اي مقابل اللائم والـ«مُليم».

3 ـ قوله: «ألام الرجل أتى ما لا يلام عليه»

4 ـ قوله: «ألامه بمعنى لامه» «تقدم أنه لام غيره» فهو «أي اللائم» «مُليم» «بالضم» وذاك «أي الذي وقع عليه اللوم» «مُلام».

5 ـ لاحظ قوله أيضاً: «ألام الرجل أتى ما لا يلام عليه».

6 ـ وإذا أضفنا تعريف صاحب «محيط المحيط» وأقرب الموارد لكلمة «ألام» إلى ما قاله صاحب المصباح المنير وغيره وهو قوله: «ألامه» بالألف لغة فهو «مُلام» والفاعل «مُليم» [وهي تعني أن المُليم هو الذي يلوم غيره، أما من وقع عليه اللوم لإتيانه ما يستحق عليه اللوم فهو المُلام]. و«ألام» الرجل «إلامة» فعل ما يستحق عليه اللوم»(1).

إذا ما لاحظنا ذلك: فلا أقل من القول أن كلمة «ألام» هي لفظ مشترك، ومع غياب القرينة اللفظية التي تحسم المعنى المقصود فلا بد لنا البحث عن القرينة العقلية وعصمتهم [عليهم السلام] كافية في ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ـــــــــــــــ

(1) المصباح المنير ص 560.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 160/

هذا إن لم يكن ثمة اشتباه في بعض المعاجم بين «مُليم» بالضم «ومَليم» بالفتح فإنه من غير المستبعد أن يكون ثمة أخطاء في تحريك الكلمات وهو ما سنقدم بعض النماذج عنه فيما سيأتي.

وعلى أي حال: فإنه على أقل التقادير فإن في المسألة أقوالا ومنها: أن «مُليم» بالضم تفيد معنى لام غيره فهو «مُليم» بالضم أي أتى ما لا يلام عليه، وذاك «مَليم» بالفتح.

وما يقوي هذا الإحتمال قول صاحب تاج العروس: «.. وقوله تعالى (فالتقمه الحوت وهو مُليم)، قال بعضهم: الـ«مُليم» هنا بمعنى ملوم ونقله الفرّاء عن العرب أيضاً».

إذن ذهب بعضهم إلى أن «مُليم» بمعنى مَلوم، وهو تصريح بوجود إختلاف في هذا الأمر. بل لاحظ قوله: «الـ«مُليم» هنا بمعنى ملوم» وهو كلام يفيد أن المُليم في الأصل تعني الذي يلوم غيره لكنها هنا تعني «الملوم» وفق قول الفراء طبعا.

والملفت وجود أخطاء في تشكيل أو تحريك الكلمات في كتاب لسان العرب، وهذا الخطأ يتضح إذا ما قارنا ما جاء فيه مع ما جاء في تاج العروس: يقول في لسان العرب: «قال الفراء: ومن العرب من يقول الـ «مَليم» بالفتح بمعنى الملوم»(1).

ـــــــــــــــ

(1) لسان العرب ج 12 ص 558.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 161/

والخطأ واضح هنا إذ ينبغي وضع الضمة بدل الفتحة فوق الميم لتصير الجملة: «ومن العرب من يقول الـ «مُليم» بالضم بمعنى الملوم». وبذلك يستقيم المعنى ليتوافق مع ما نقله صاحب تاج العروس عن الفراء.

وإلا فإن الـ «مَليم» بالفتح هي بمعنى الملوم عند كل العرب.

أضف إلى ذلك أن المثل القائل: «رب لائم مَليم» بالفتح ذكره «البعض» بالفتح كما في «أقرب الموارد» و «محيط المحيط» و «تاج العروس» وبعضهم ذكره بالضم.

تحريفات «الكاتب»

ولا نعتقد أن هذه الأمور قد غابت عن «الكاتب» الذي عمد إلى تحريف بعض النصوص عبر قيامه بتحريك بعضها وإهماله تحريك بعضها الآخر ليقرأ القارئ ـ وفق إيحاءات ما حرّكه ـ، ما أهمل تحريكه منها.

فعلى سبيل المثال:

1 ـ نقل «الكاتب» عن لسان العرب تعريفاً قام بتحريك معظم كلماته لكنه أهمل تحريك الكلمة التي هي موضع البحث.

يقول صاحب لسان العرب: «لامه على كذا يلومه لوماً.. فهو مَليم ومَلوم استحق اللوم»(1) حيث يلاحظ أن «الكاتب» لم يضع علامة الفتحة على كلمة «مُليم» ولا يخفى سبب ذلك لا سيما أنه موضع البحث. وعليه فإن نص لسان العرب لا يفيده في إثبات مدعاه.

ـــــــــــــــ

(1) لسان العرب ج 12 ص 557.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 162/

ولكن الملفت في نص لسان العرب أن صاحبه عرّف الكلمة دون أن يشير إلى معنى «مُليم» بالضم لكن قوله «مَليم» بالفتح استحق اللوم، يفيد أن «المُليم» بالضم بمعنى اللائم.. وإلا لم يحصل الفرق.

وفي مورد آخر فإنه عندما تعرّض لكلمة «مُليم» بالضم وأنها تعني «أتى ذنباً يلام عليه» نسبها لصاحب التهذيب، ثم عقبه بقول الفرّاء كما تقدم.

فيتضح بذلك: أن صاحب لسان العرب عندما ذكر رأي صاحب التهذيب رأى أن فيه مفارقة مع ما قدمه فعمد إلى إيضاح أن هذا المعنى نقله الفرّاء عن بعض العرب.

2 ـ وما فعله «الكاتب» في نص لسان العرب فعله أيضاً في نص «العين» حيث تجاهل التحريك رغم أن الفتحة ظاهرة على الميم في «مَليم».

قال الفراهيدي: «رجل «مَلوم» و «مَليم» بالفتح قد استحق اللوم»(1).

أصل الفعل لام بإ جماع أعلام اللغة:

إن من يراجع معاجم اللغة يتضح له أنهم يجمعون على أن أصل الفعل: «لام» وأن الآتي بما يلام عليه إنما هو: «مَليم» بالفتح وملوم وأن الفاعل له إنما هو: لائم و «مُليم» بالضم(2).

ـــــــــــــــ

(1) العين ج 8 ص 342.

(2) راجع: القاموس المحيط، ج 2، ص 1526، و أقرب الموارد، ج 2، ص 1172، وتاج العروس، ج 9، ص 65، ومحيط المحيط، ص 833، والعين، ج 8، ص 343، ولسان=

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 163/

ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادرمن نقل أن «مُليم» بمعنى الملوم إلا الفرّاء.

بعد كل ما تقدم يتضح أن قراءة «مُليم» بالضم  بمعنى ملوم هي عند بعض العرب، والظاهر أن بعض المعاجم أخذتها دون أن تشير إلى ذلك ثم أرسلوها إرسال المسلمات ثم بعد ذلك أخذها من أتى بعدهم دون ملاحظة هذا الأمر.

ولا يخفى أن القول بأن: ألام تعني أتى ما يستحق عليه اللوم لا تدل بالضرورة على أن «مُليم» بالضم قد أتى ما يستحق عليه اللوم وإلا لاستوى اللائم مع الملوم.

 على أن بعض المعاجم تحدثت أن كلمة «ألام الرجل» تفيد أنه أتى ما يستحق عليه اللوم، أي أن هذه المفردات بهذه الصيغة وهذا الإشتقاق تفيد هذا المعنى لا أن أصل الفعل له هذا المعنى، ولو كان الأمر كذلك، لاستوى كما ذكرنا معنى إسم الفاعل مع إسم المفعول وبالتالي فلا داعي للتفريق بين الـ«مُليم» بالضم والـ«مَليم» بالفتح والمُلام واللائم وغيرها كما يحاول «الكاتب» أن يوحي!!.

وعليه، فألام الرجل أتى ما يلام عليه، والـ«مُليم» هو إسم فاعل أي الذي يلوم غيره، على أن إسم الفاعل لا يمنع من أن يكون الفاعل قد لام نفسه لكن حمل إسم الفاعل على هذا المعنى يحتاج إلى قرينة لأن أصل إسم الفاعل أن يكون لام غيره.

ـــــــــــــــ

=العرب، ج 12، ص 557.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 164/

بعد كل ما تقدّم: فما دامت كلمة «مُليم» بالضم تحتمل في أحد وجوهها معنى لام غيره وهو الأقوى وغير ذلك إنما هو عند بعض العرب، فهو «مُليم» بالضم وذاك ملام، فإن الأنسب مع وجود هذا الوجه الوجيه والمتلائم مع الإشتقاق العربي الصحيح أن تحمل على ما يتناسب وعصمة الأنبياء.

وعليه: يكون معنى الآية: إن الحوت قد التقم يونس [عليه السلام] وهو «مُليم» بالضم أي حال كونه يلوم قومه على تكذيبهم له الأمر الذي أدى لخروجه عنهم مغاضبا لهم فوقع بما وقع فيه من البلاء الذي أنجاه الله منه لكونه من المسبحين. أو أنه ملوم من قبل قومه الذين لم يقبلوا دعوته بل إتهموه ورفضوا ما جاء به.

من هنا نقول: إن ما ذكره [العلامة المحقق] كلام دقيق يتوافق وأصول اللغة العربية وينسجم ومدرسة أهل البيت في عصمة الأنبياء وتنـزيههم، وهي إلتفاتة موفقة منه آدام الله بقاءه للذب عن مذهب أهل البيت [عليه السلام].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 165/

خلاصة الفصل الثاني

ويمكن أن نلخّص ما جاء به «الكاتب» في هذا الفصل بما يلي:

1 ـ لقد أتى «الكاتب» ببدع من القول عندما اعتبر أن تفسير «إباق يونس» بأنه الفرار من قومه مما لم يقل به أحد من أعلام التفسير، علما أن العلماء يجمعون على أن فراره [عليه السلام] إنما كان من قومه. وقد ذكرنا ارآءهم.

2 ـ تحريف كلام الطوسي في حديثه عن فرار يونس [عليه السلام] حيث حاول «الكاتب» أن ينسب إليه [رحمه الله] أنه يقول بأن يونس [عليه السلام] قد فرٌ من ربه وأبق منه وأنه كان [عليه السلام] مغاضبا لربه. وقد أوضحنا بشكل لا لبس فيه أن الطوسي [رحمه الله] قد صرٌح بما لا يقبل الجدل أن فراره [عليه السلام] كان من قومه.

3 ـ وكذلك فعل «الكاتب» برأي الطبرسي والفيض الكاشاني وأبن أبي جامع العاملي [رحمهم الله] في نفس الموضوع فراجع.

4 ـ قيام «الكاتب» بالتلاعب برأي العلامة الطباطبائي في مسألة الإباق لإخراجه عن معناه الذي قصده [قدس سره]، علما أن العلامة الطباطبائي إنما تحدث عن أن ذلك كان تمثيلاً بالهروب لا هروبا بالمعنى الحقيقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 166/

5 ـ إصرار «الكاتب» على الطعن بنبي الله يونس [عليه السلام] عندما وصفه بأنه [عليه السلام] قد هرب من ربه من دون مبرر، ومن دون عذر، وأنه متمرد في ذهابه وفراره، بل اعتباره أن هذا المعنى واضح وبديهي.

6 ـ حذف «الكاتب» بعضاً من كلام الطوسي مما لا يناسبه حول تعريفه [قدس سره] للمعنى اللغوي لكلمة أبق.

7 ـ تجاهل «الكاتب» لتعريف الطبرسي لكلمة أبق.

8 ـ عمد «الكاتب» إلى التضليل عبر الإستشهاد بروايات لا تصلح لتأييد مبتغاه.

9 ـ إدعاء «الكاتب» زوراً أن مقولة «تهرب يونس من مسؤولياته» لم يقلها صاحب «من وحي القرآن».

10 ـ حذف «الكاتب» قول صاحبه: إن خروج يونس كان إنفعالاً في اتخاذ القرار.

11 ـ ادعاء «الكاتب» زوراً أن معاجم اللغة تجمع على أن كلمة «مُليم» تعني أنه أتى ما يستحق اللوم عليه. مع أن بعضها صريح بأنها تعني: أتى ما لا يستحق عليه اللوم، وبعضها الآخر صريح بأن «مُليم» بمعنى ما يستحق اللوم إنما هو عند بعض العرب، وقد نُقل هذا القول عن الفرٌاء.

12 ـ تدليس «الكاتب» في نص لسان العرب عندما وضع كلمة «مَليم» بالفتح دون تحريكها لتفيد معنى «مُليم» بالضم في محاولة لإثبات ما يدعيه، وقد عمد «الكاتب» لتحريك معظم الكلمات واستثنى هذه الكلمة.

13 ـ وكذلك فعل بنص كتاب «العين» للفراهيدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 167/

الفصل الثالث
إبراهيم [عليه السلام]

* الآيات القرآنية

* العناوين المشكلة

* النصوص المشكلة

* كلام [العلامة المحقق]

* الإتجاه الثاني وتجاهل «الكاتب» له

* اللغة العجيبة: ظواهر الآيات تدل على عبادة ابراهيم [عليه السلام] للكواكب

* السذاجة : التطلع نحو الأفق بنظرة حائرة بلهاء

* تشويه رأي العلامة الطباطبائي

* تحريف كلام الشيخ الطوسي

* تحريف كلام الشيخ الطبرسي أيضاً

* أسئلة برسم الإجابة

*خلاصة الفصل الثالث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 168/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 169/

بسم الله الرحمن الرحيم

(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)(1). (يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)(2).

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة/الآية 75.

(2) سورة المائدة/الآية 41.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 170/

الآيات القرآنية:

(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل

قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون)(1).

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام/الآية 75 – 78.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 171/

العناوين المشكلة:

«29 ـ التأكيد على سذاجة إبراهيم [عليه السلام] عدة مرات.

30 ـ خشوع إبراهيم [عليه السلام] للكوكب، وقناعته بربوبيته.

31 ـ إبراهيم في وهم كبير.

32 ـ إبراهيم يعبد القمر ويتصوف له.

33 ـ ضياع إله إبراهيم في الأجواء الأولى للصباح.

34 ـ (لا أحب.. هذا أكبر) صرخة طفولية»(1)

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات، ج1، ص69.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 172/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 173/

النصوص المشكلة:

«وتطالعنا في هذا المجال شخصية إبراهيم [عليه السلام] ـ النبي.. التي يقدمها لنا القرآن في أجواء الصفاء الروحي، والبساطة الإنسانية.. والطبيعة العفوية.. التي تلامس في الإنسان طفولته البريئة فيما تلتقي به من حقيقة الأشياء.. ليفكر من خلال براءة النظرة في عينيه، وسلامة الحس في أذنيه ويديه، فيما يرى أو يسمع أو يلمس، فيما لديه من أدوات الحس الواقعي.. فنحن لا نرى فيه ـ من خلال الصورة القرآنية ـ شخصية الإنسان الذي يتكلف الكلمات التي يقولها للآخرين، ولا نلمح لديه روحية الشخص المشاكس الذي يبحث عن المشاكل في أفعاله وعلاقاته.. بل نشاهد فيه الشخصية البسيطة الواقعية التي ترتبط بالأشياء من جانب الإحساس، فتسمى الأشياء بأسمائها بعيداً عن تزويق الألفاظ، وزخرفة الأساليب، بقوةٍ وصدقٍ وواقعيةٍ وإيمان.

ففي الصورة الأولى، نلتقي به في موقفه من أبيه الذي يعبد الأصنام التي يعبدها قومه.. فيواجهه بالإنكار القوي الرافض للموقف من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 174/

الأساس، لرفضه الفكرة التي يرتكز عليها.. فهذه الأصنام، هي أحجار جامدة، كبقية الأحجار الموجودة في العراء.. ولا ميزة لها إلا أن يد الإنسان قد أعطتها بعض ملامح الصورة، فحولتها إلى تماثيل.. فإذا كان الإنسان هو الذي أعطاها تلك الميزة التي تختلف بها عن سائر الأحجار.. فهي صنع يده، فكيف تكون آلهة له.. ومن الذي أودع فيها سر الألوهة.. ؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق، أو هي قوة تصنع وتخلق.. ثم.. إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق فيما تعنيه من ملامحها الحقيقية.. فما هي ملامح ذلك كله في هذه التماثيل.. ؟ ولكنها الأوهام التي حولت الأشياء غير المعقولة.. إلى عقائد وتصورات ورموز قداسةٍ في مستوى الآلهة.. فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة.. ؟ كيف.. ؟ إن فكري لا يلمح أية إشراقة للحقيقة فيما تسير عليه.. ولو من بعيد بعيد.. بل كل ما هناك الظلام والتيه والضياع.. وهنا يتحول التساؤل.. إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة المنطلقة من خط الهدى.. التي تحدد ملامح الضلال في خطوط الآخرين.

(إني أراك وقومك في ضلال مبين):

إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل.. ولا يغلف الأشياء بغلاف سحري، بل يدفع الموقف إلى الأمام، بكل وضوح وصراحة.. بعيدا عن المجاملة واللياقة التي تفرضها علاقة الإبن بأبيه.. لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي للعلاقات لأن علاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من أية علاقة بأي إنسان كان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 175/

وفي الصورة الثانية، نشاهد إبراهيم يتطلع إلى السماء، كما لو كان شاهدها أول مرة، فهو ـ فيما توحيه الآية ـ يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل، وذلك فيما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحس البصري كمادة للتفكير، للإنتقال من المحسوس إلى المعقول، ومن المادة إلى المعنى.. فقد كان يشاهدها سابقاً، في رؤية جامدة، لا تعني له شيئاً، إلا بمقدار ما يعنيه إنعكاس الصورة في العين ـ لمجرد تجميع الصور في الوجدان.. فيما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليومية.. وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض..) هي الرؤية الواعية الفاحصة المدققة التي تثير في الداخل المزيد من التأمل والحوار والإستنتاج.. بدليل قوله تعالى (وليكون من الموقنين..)، مما يوحي بأنها الرؤية التي تبعث على القناعة من خلال اليقين.. وبدأ يفكر في استعراض عقلي للعقائد التي يعتقدها قومه في عبادتهم للكواكب والقمر والشمس.. ومحاكاة ذاتية تتحرك من أجل إثارة التساؤل.. وهكذا التقى بالكواكب المتناثرة في السماء، في صورة بديعة في روعة التنسيق والتكوين.. فما أن لمح كوكباً يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي.. حتى سيطرت عليه أجواء الروعة، واستولى على فكره الخشوع الروحي أمام هذا الشعاع الهادئ في الأفق البعيد.. فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه.. لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد، الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ولا تستطيع الخلائق أن تصل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 176/

إليه أو تدرك كنهه.. (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي..) في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس، كما لو لم يكتشفه أحد غيره.. وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد، وفي لهفة المسحور.. وفي اندفاعة الإيمان.. وربما ردد هذه الكلمة (هذا ربي..) في سره كثيراً.. ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها ليؤكدها في ذاتها.. بعيداً عن كل حالات الشك والريب.. وبدأ الليل يقترب من نهايته.. وبدأت الكواكب تشحب وتفقد لمعانها.. ثم بدأت تبهت.. وتبهت حتى غابت عن العيون.. وحاول أن يلاحقها هنا وهناك.. لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح.. وانكشفت له الحقيقة الصارخة.. فقد كان يعيش في وهم كبير.. فقد أفل الكوكب.. ولكن الإله لا يأفل لأنه القوة التي تمثل الحضور الدائم في الحياة كلها فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه من موجودات حية وغير حية.. واهتزت قناعاته من جديد.. وبدأ يسخر بالفكرة والعقيدة في عالمه الشعوري الصافي.. (فلما أفل قال لا أحب الآفلين..). (فلما رأى القمر بازغاً..) في صفاء الليل، ووداعة السكون.. وكان الشعاع الفضي الساحر يلقي على الكون دفقاً من النوى الهادئ الذي يتسلل إلى العيون فيوحي إليها بالخدر اللذيذ ويخترق القلوب فيوحي إليها بالاحلام اللذيذة الساحرة.. ويطل على الطبيعة فيغلفها بغلافه الشفاف الوادع الذي يثير في آفاقها الكثير الكثير من اللذة والأحلام..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 177/

وبدأت المقارنة بين ذلك النورالكوكبي الذي يأتي إلينا متعبا واهنا في جهد كبير وبين هذا النور القمري الذي يتدفق كشلال في قلب الأفق.. فأين هذا من ذاك.. فهذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث عنه.. (قال هذا ربي..) وعاش معه في حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني الذي يتمثل في السماء قطعة فضية من النور الهادئ الساحر.. وفجأة بدأ الشعاع يبهت.. ثم يغيب.. وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد.. أين ذهب الإله وأين غاب.. وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل.. وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو.. وعاش في التصور الضبابي المبهم الغارق في الغامض.. يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه، أن يهديه سواء السبيل لئلا يضل ويضيع.. (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين..) وما زال ينتظر وضوح الحقيقة.. وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية الدافئة فأخذت عليه وجدانه.. (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي.. هذا أكبر..) فأين حجم الشمس.. من حجم القمر والكواكب.. فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه، لأنها تتميز عنهما بصفات كثيرة.. وبدأ يتابعها وهي تتوهج وتشتعل.. وتملأ الكون كله دفئا وحياة وإشراقاً وجمالاً.. فإذا به يهتز ويتحرك في قوة وامتداد وحيوية دافقة.. ولكن.. ماذا.. ؟ وبدأ يفكر.. فها هي تبهت وتبرد وتكاد تتضاءل.. ثم تغيب وتأفل.. وتترك الكون في ظلام دامس.. فكيف يمكن أن تكون إلها تعيش في الحياة في قدرته وقوته.. ما دامت تغيب مع المجهول تاركة الكون كله في ظلام وفراغ؟.. وأطلق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 178/

الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون الكواكب والقمر والشمس.. فيما خيل له، في وقت من الأوقات، أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب.. (فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون..) من هذه المخلوقات التي انطلقت من العدم، ولا يزال العدم يعشش في كل حركة من حركاتها، أو خطوة من خطواتها.. وتمرد على كل هذه الإتجاهات الإشراكية لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة.. بل لا بد أن يكون شيئاً أعظم من ذلك وأكبر.. في القوة والقدرة.. لا في الحجم.. (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.. حنيفاً وما أنا من المشركين..).

وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه، فأحس بأن الله هو شيء لا كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته.. وأدرك أن الله لا يحس كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس، ولكنه يدرك بالعقل وبالقلب وبالشعور.. من خلال كل هذه المخلوقات التي تحيط بالإنسان في الكون الكبير.. من السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن.. فتترك لديه إنطباعاً بأن الله هو الذي فطرها وأوجدها.. ومن خلال هذه الإنطلاقة الإيمانية الرائعة التي أحس معها بالراحة والطمأنينة والإنفتاح.. وقف بكل كيانه ـ ليحول كل وجهه ـ والوجه هنا كناية عن الذات بجميع التزاماتها وعلاقاتها وتطلعاتها ـ إلى الله، حنيفاً، مخلصاً مائلاً عن خط الانحراف.. فهو وحده الذي تتوجه إليه العقول والقلوب والوجوه بالخضوع والطاعة المطلقة.. بإحساس العبودية.. وحركة الإيمان..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 179/

الإيمان.. الذي يعلن هذا التوحيد بما يشبه الصرخة الهادرة الرافضة لكل الوجودات المحدودة، التي تتأله أو التي يحسبها الناس في عداد الآلهة.. وما أنا من المشركين.. وماذا بعد ذلك؟.

هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان، لدى إبراهيم.. أو هي محاكاة استعراضية للأجواء المحيطة به، فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس.. في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي، وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها، مما يعطي لموقفه بعض القوة في الإيحاء، بإعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها.. ثم تمرد عليها..

ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته.. فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثر بالجو المحيط به.. بل ربما نرى الأمر ـ بالعكس من ذلك ـ حالة تمرد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم منه.. وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم حول الأصنام التي يعبدها أن هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد.. هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السماوات والأرض.. لا بد أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة.. لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 180/

عينيه على الحياة ليتطلع إلى ما فيه من موجودات يدركها البصر.. وربما كانت كلمة (وليكون من الموقنين) إشارة إلى ذلك، لتلتقي بكلمة (.. رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي..) مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حالة الفكر الذي يريد أن ينمي من خلاله معلوماته وأفكاره، بكل الأشياء التي تركز قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها.. حتى فيما يشبه الأوهام.. ليواجه الصراع الذي يعيشه بانفتاح وقناعة وقوة لا تعرف الضعف ولا التراجع في كل المجالات..

أما الإحتمال الأول، فقد يقربه، أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته، عندما بدأ يتطلع للأشياء، ويفكر في الإله.. في عملية تأمل وتدبر.. في مستوى ذهنية الطفل.. ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية.. فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عالياً عالياً، بعيداً بعيداً.. ولكنه يشرق في قلب الظلام.. فيشعر بالرهبة والروعة.. فيصرخ ـ في مثل اللهفة ـ هذا ربي.. إنطلاقاً مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان، فلما أفل.. أحس بالانقباض وقال: (لا أحب الأفلين..) فقد نجد في كلمة (لا أحب..) بعض كلمات الطفولة البريئة، التي تحب أو لا تحب من خلالها مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء.. وتتكرر التجربة مع القمر.. وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد.. تماماً كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئاً قد أضاعه، أو شيئاً قد طلبه.. وتتكرر خيبة الأمل من جديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 181/

ولكن الوعي يتنامى هنا ـ فلا نجد رد الفعل طفولياً.. بل نلاحظ في ردة الفعل حيرة وذهول وتوسل إلى هذا الرب الغامض الذي يتمثله في وعيه هاديا لعباده، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين.. وتشرق الشمس في هذا الدفق اللاًهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق.. فتكبر الصرخة في طفولية بارزة.. (هذا ربي.. هذا أكبر..) وينطلق الحجم ليؤكد الفكرة، فيما لا توحي به إلا أفكار الطفل، أو ما يشبه الطفل.. لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة.. بما لا توحي به الأشياء الأقل حجماً.. وتتجدد خيبة الأمل بالأفول.. ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون.

وفي كلا الإحتمالين.. يمكن للعاملين في حقل التوجيه، استيحاء الفكرة العملية في أسلوب التربية.. من خلال الأسلوب الإستعراضي، فيما يتمثل فيه من مناجاة ذاتية تجعل الإنسان يواجه الأفكار المطروحة في الساحة، مواجهة المؤمن بها.. ثم يقوم بمناقشتها بالطريقة التي توحي باكتشاف مواطن الضعف والخلل فيها، بالمستوى الذي يجعلها بعيدة عن الحقيقة، وعن إمكان اعتبارها عقيدة ترتبط بها قضية المصير.. ولا يختص الأمر بالأفكار المتصلة بالعقيدة الإلهية بل يمتد إلى جميع المجالات التي تمثل الخط العملي للحياة.. ويمكن لنا ممارسة هذا الأسلوب في القصة والمسرح والسينما وغيرها من الأساليب التي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 182/

التي تخاطب الجمهور لتوجيه قناعاته.. وقد لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة دراسة المستوى العقلي والروحي للناس من أجل تركيز هذا الإتجاه على قاعدة متحركة في الفكرة والأسلوب.. كما يمكن استيحاء القصة في مدلولها الرسالي في عدم خضوع الإنسان للبيئة فيما تحمل من أفكار وعادات ومشاعر، بل يعمل على ممارسة دوره الذاتي المستقل، كإنسان يفكر بحرية ويقتنع على أساس الدليل.

وتبقى لنا ـ في هذا المجال ـ هذه البراءة الفكرية من إبراهيم.. حيث نتمثله إنسانا يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية، والعفوية الروحية، التي تلتقي بالقضايا من وحي الفطرة لا من وحي التكلف والتعقيد.. ثم هذه اللهفة الحارة المنفتحة على الله ـ سبحانه ـ عند إكتشافه للحقيقة في توحيده في كل شيء، وفي الإقبال عليه بكل وجهه، وبكل فكره، وبكل روحه وإنطلاقه العملي في الحياة.. لأن توجيه الوجه لله.. لا يعني ـ في مدلوله العميق ـ هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء.. بل يعني إنطلاقة حياة الإنسان وكيانه مع الله فيما يحمل من عقيدة، وفيما يرتبط به من فكر، وفيما يتحرك معه من خط، وفيما يستهدفه من أهداف.. وفيما يعيشه من علاقات وأوضاع وتطلعات.. إنه الإندماج في الحقيقة الإلهية، بأن تكون الحياة كلها لله.. وفي خدمة الله»(1).

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 112ـ123.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 183/

نتابع مع «الكاتب» حيث المنهج هو المنهج، والأسلوب هو الإسلوب: تمويه، وتزييف، وتحريف، وتضليل، حيث تجاهل موضع الداء، والنصوص المشكلة التي قدمها [العلامة المحقق]، وتلاعب بنصوص العلماء لتطابق كلام صاحبه كما تلاعب بنصوص صاحبه لتنسجم مع كلام العلماء.

ولكي نقف على كل ذلك نستعرض كلام [العلامة المحقق]:

كلام العلامة المحقق

بعد أن عرض [العلامة المحقق] للعناوين المنتزعة من النصوص المشكلة التي تشير إلى محل الإشكال وتعيّنه، عمد إلى توضيح المشكلة الحقيقية قبل ان يستعرض النص الكامل المأخوذ من كتاب «من وحي القرآن».  قال [أعزه الله] في «الخلفيات»:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 184/

 «ويقول عن إبراهيم [عليه السلام] في ما قصّه الله تعالى، من خطابه [عليه السلام] للكوكب ثم للقمر والشمس أن هناك إحتمالين في تفسير الآيات التي تعرضت لذلك:

أحدهما: أن يكون ظاهر الآيات هو حقيقة موقفه فيكون إبراهيم صدّق بأن الكوكب، والقمر والشمس آلهة.

الثاني: أن يكون إبراهيم [عليه السلام] قد قام بحالة إستعراضية أمام قومه ليقنعهم بالحقيقة.

وقد ذكر لكلا الإحتمالين ما يقربه.. ولكنه شرح الآيات شرحا مسهبا على أساس الإحتمال الأول، ثم بعد أن ذكر ما يؤيد كل واحد من الإحتمالين وذكر ما يمكن إستفادته من الآيات، عاد وختم كلامه وفق الإحتمال الأول..

ومن الواضح: أننا وإن كنا نستظهر من ذلك ميله إلى ذلك الإحتمال الفاسد، ولم يذكره لمجرد كونه إحتمالا إلا أن مجرد إحتمال أن يكون نبي الله إبراهيم [عليه السلام] قد عبد غير الله، أو اعتقد بألوهيته، وربوبيته، هو إحتمال باطل في حق الأنبياء، ويلزم التصريح بتسخيفه، وبطلانه»(1).

وبعد أن عرض النص الكامل لصاحب «من وحي القرآن» قال في وقفة قصيرة: «ونقول: أن احتمال عبادة إبراهيم [عليه السلام] للكوكب وغيره، مناف للعصمة، ولا يصح إبداؤه في حق المعصومين عموما، ولا يمكن أن يقربه شيء لا في الطفولة ولا فيما بعدها على ما هي عليه عقيدة

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 69 و 70.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 185/

علماء المذهب القطعية، المأخوذة عن أهل بيت العصمة [عليهم السلام]..»(1).

وعليه يكون إشكال [العلامة المحقق] منصباً على ما صرّح به صاحب «من وحي القرآن» من قرائن وشواهد تقرّب إحتمال أن يكون ما حكاه الله عن إبراهيم [عليه السلام] إنما صدر منه في طفولته، قبل أن يكتشف الحقيقة. فليراجع النص الكامل لصاحب «من وحي القرآن» في بداية الفصل تحت عنوان «النصوص المشكلة».

أما الإحتمال الثاني، وهو أن ابراهيم [عليه السلام] كان في صدد المحاججة لقومه، فلم يشكل [العلامة المحقق] عليه، إنما أشكل على عدم تدعيمه بالشواهد والقرآئن التي تدحض الإحتمال الأول وتبطله وتبعده عن دائرة الإحتمال.

وهذا واضح من خلال النص المتقدم نقله عن كتاب خلفيات، ويزيده وضوحاً قوله: «إننا لا نجد أي دليل على أن هذه القضية قد حصلت لإبراهيم [عليه السلام] في زمان طفولته، بل في الآيات ما يشير إلى خلاف ذلك وأن ذلك في مقام الإحتجاج على قومه»(2).

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 81.

(2) خلفيات ج 1 ص 82.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 186/

وعليه يظهر عدم صحة إدعاء «الكاتب»، حيث ذكر في خلاصة بحثه أن صاحب «من وحي القرآن» إستقرب ورجح أن يكون ما صدر من إبراهيم [عليه السلام] إنما كان على سبيل المجادلة لقومه ووصفه بأنه أفضل الآراء. وذكر أن الإحتمال الثاني، وهو أن يكون ذلك قد حصل مع إبراهيم [عليه السلام] زمان طفولته، قد استوجهه وإن لم يختره، ثم ذكر أن [العلامة المحقق] إختار الرأي الذي يقول بأن ذلك إنما كان في مقام «الإستنكار والإستهزاء» ووصفه بأنه أضعف الآراء وأنه لا ينسجم مع ظاهر الآيات (1) وهذا تضليل بل إفتراء ما بعده إفتراء، إذ قد علمت أن [العلامة المحقق] صرّح: «أن ذلك كان في مقام الإحتجاج على قومه» الأمر الذي لم يشر إليه «الكاتب» رغم وضوحه (2).

أضف إلى ذلك: أن [العلامة المحقق] اعترض على صاحب «من وحي القرآن» لعدم استشهاده بما روي عن الإمام الرضا [عليه السلام] من: «أن إبراهيم إنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه لتسخيف معتقدهم»(3).

ـــــــــــــــ

(1) راجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 133.

(2) خلفيات ج 1 ص 82.

(3) خلفيات ج 1 ص 84.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 187/

الإتجاه الثاني وتجاهل «الكاتب» له

إعتبر «الكاتب» في تعليقه على رأي صاحب «من وحي القرآن» أنه «لم يأت بشيء جديد، أو اتجاه مبتدع في عالم التفسير..» بل أنه مال إلى الإتجاه الأول واعتبره: «الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم [عليه السلام] فيما حدثنا القرآن عن حياته»(1) ثم قدّم ثلاثة شواهد من أربعة مواضع زعم أنها تؤيد ذلك وتؤكد عليه (2).

والملفت هنا أمران:

الأمر الأول:

تجاهل «الكاتب» من عبارات صاحب «من وحي القرآن» تلك التي لا تختلف في مداليلها في كلا الموردين. فهو يقول في مورد الكلام عن إحتمال أن يكون [عليه السلام] قد قال (هذا ربي) على سبيل المحاججة: «ربما كان هذا هو الرأي الأقرب»(3) ويقول في محور الكلام حول إحتمال أن يكون [عليه السلام] قد قال ذلك في طفولته على سبيل الحقيقة: «فقد يقرّبه..»(4).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123 و 124.

(3) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(4) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 188/

أضف إلى ذلك: أن صاحب «من وحي القرآن» قد احتمل واستقرب أن يكون إبراهيم [عليه السلام] قد عبد الكواكب وعاش معها في حالة من التصوف والعبادة، وأنه أقبل عليها في خشوع العابد ولهفة المسحور و.. وللتدليل على ذلك نذكر عدة شواهد:

الشاهد الأول: حالة التأثر بالمحيط:

فهو يرى أن من الشواهد على تقريبه لهذا الإتجاه ما أسماه: «حالة التأثر بالجو المحيط به» حيث يقول: «فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثر بالجو المحيط به»(1). وكلامه هذا واضح في أنه قد لمح في هذه الآية حالة تأثر إبراهيم [عليه السلام] بالجو المحيط به.

الشاهد الثاني: ظاهر الآيات:

وهو يعتبر أن تقريب الإتجاه القائل بأن ذلك كان من إبراهيم [عليه السلام] على سبيل «المحاكاة الإستعراضية» هو من غير هذه الآيات، وإنما هو من خلال كون ذلك: «يلتقي مع شخصية إبراهيم [عليه السلام] فيما حدثنا القرآن عن حياته».

ففي هذه الآية لمح «صاحب الوحي» حالة «تأثر بالجو المحيط» أما في غيرها فقد لمح عكس ذلك حيث استوحى «حالة تمرّد على البيئة حتى

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 189/

فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل بأبيه»(1).

وخلاصة الأمر عنده: إن ظاهر الآيات يقرب أن إبراهيم [عليه السلام] قد عبد الكواكب. أما ما يقرب الإحتمال الآخر فهو آيات أخرى تحدثت عن شخصية إبراهيم [عليه السلام] وموقفه من الأصنام الأمر الذي يوحي بأن ذلك «سابق لموقفه من هذه العقائد»(2).

وقد اعترف «الكاتب» بذلك ـ من غير قصد طبعاً ـ عندما ذكر أن ما قاله صاحب «من وحي القرآن» حول الآيات إنما هو: «دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي»(3).

الشاهد الثالث: الموقف الطفولي:

ويرى صاحب «من وحي القرآن» أن الشاهد الثالث الذي يقرب هذا الإتجاه هو: «أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته عندما بدأ يتطلع للأشياء ويفكر في الإله في عملية تأمل وتدبر في مستوى ذهنية الطفل»(4).

ويعتبر «السيد» فضل الله أن هذا الشاهد تدل عليه قرائن عدة:

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(2) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(4) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 190/

القرينة الأولى: الجو النفسي الساذج:

فصاحب «من وحي القرآن» يعتبر أن أول قرينة على هذا الشاهد هي: «الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية»(1).

القرينة الثانية: اللهفة:

إن صراخ إبراهيم [عليه السلام] عند رؤيته للكوكب (هذا ربي) و الذي استوحى منه صاحب «الوحي» أنه صراخ «في مثل اللهفة» إعتبره قرينة ثانية. فهو يقول: «فهذا إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عاليا عاليا، بعيداً بعيداً، ولكنه يشرق في قلب الظلام فيشعر بالرهبة والروعة.. فيصرخ ـ في مثل اللهفة ـ هذا ربي.. إنطلاقاً مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان..»(2).

القرينة الثالثة: الكلمات الطفولية والمشاعر الساذجة:

أما القرينة الثالثة على هذا الشاهد فهي كلمة «لا أحب» لأن «السيد» فضل الله، يجد في هذه الكلمة «بعض كلمات الطفولة البريئة التي تحب من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء..»(3).

القرينة الرابعة: الطفل الذي وجد شيئاً قد أضاعه: إن صرخة إبراهيم [عليه السلام] (هذا ربي) عندما شاهد القمر، هذه «الصرخة الطفولية» قرينة رابعة، عند صاحب «من وحي القرآن»، على

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 191/

هذا الشاهد؛ لأن هذه الصرخة «تماماً كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئاً قد أضاعه، أو شيئاً قد طلبه»(1) على حد تعبيره.

القرينة الخامسة: الأشياء الكبيرة والفكر الساذج

أما القرينة الخامسة على هذا الشاهد فهي موقف إبراهيم [عليه السلام] من الشمس التي هي أكبر من الكوكب والقمر، لأن قوله [عليه السلام] (هذا ربي هذا أكبر) يختلف عما سبقه من حيث كونه «صرخة طفولية بارزة» لأن الحجم هنا «ينطلق.. ليؤكد الفكرة فيما لا توحي بها إلا أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل.. لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة بما لا توحي به الأشياء الأقل حجماً»(2).

الشاهد الرابع: تفسيره الآيات أولاً:

إن المتأمل في نص «من وحي القرآن» سيرى أن صاحبه قد فسرّها بما يتناسب وهذا الإتجاه، حيث تحدث عن خشوع إبراهيم [عليه السلام] للكوكب وعيشه معه في حالة من التصوف والعبادة، وأنه أقبل عليه في خشوع العابد ولهفة المسحور واندفاعة الإيمان (3).

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 121.

(2) من وحي القرآن ج 9 ص 121.

(3) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 192/

وقد ذكرنا أن «الكاتب» قد اعترف من حيث لا يشعر بهذا الأمر وأن صاحبه إنما كان يعطي دلالات «الآيات بحسب ظهورها الأولي»(1) وإن ساق «الكاتب» كلامه هذا في إطار التبرير والتخريج بل التهريج ليضفي ـ ربما ـ على «البحث» بعض الطرائف اللطيفة لكي لا يمل القارئ ويضجر.

الشاهد الخامس: اكتشافه [عليه السلام] للحقيقة:

إن صاحب «من وحي القرآن»، بعد أن فسّر الآيات بما مر ذكره، وتحدث عن الإتجاهين كل بما يقربه، ختم بحثه بالقول: «وتبقى لنا في هذا المجال هذه البراءة الفكرية من إبراهيم [عليه السلام].. حيث نتمثله إنساناً يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية والعفوية الروحية.. ثم هذه اللهفة الحارة المنفتحة على الله سبحانه.. عند اكتشافه للحقيقة في توحيده في كل شيء..». (2)

ومن الواضح البيّن: أن من كان في مقام «المحاججة» لقومه أو «المحاكاة الإستعراضية» لا يصح الحديث عنه بلغة تفيد أنه اكتشف الحقيقة.. لأن المفروض هو أنه على بينة من ربه، كما قال العلامة الطباطبائي، وأن الحقيقة ليست خافية عليه..

ومما لا بد من الإشارة إليه هو: أننا في إستعراضنا لهذه الشواهد الخمس لم نكن في وارد الإدعاء أن صاحب «من وحي القرآن» قد رجح هذا الإحتمال وضعّف الآخر، إنما نريد أن نقول: إنه قد تحدث عن

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(2) من وحي القرآن ج 9 ص 122.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 193/

احتمالين في التفسير، وقدم لكل إحتمال منهما ما يقربه، ولم يشر بكلمة صريحة إلى تضعيف أي منهما. على أن تفسيره للآيات أولاً وفق الإتجاه الثاني «عبادة إبراهيم [عليه السلام] للكواكب»، ثم ختم كلامه وفقه أيضاً، وتصريحه عند ذكره لما يقرب الإتجاه الأول «محاججة قومه» بأن في الآية ما يلمح إلى «حالة تأثر بالجو المحيط به»، كل ذلك يجعلنا نستظهر، كما ذكر [العلامة المحقق]، «ميله إلى ذلك الإحتمال الفاسد، وأنه لم يذكره لمجرد كونه احتمالاً، إلا أن مجرد توهم أن يكون نبي الله إبراهيم [عليه السلام] قد عبد غير الله أو اعتقد بألوهيته وربوبيته، هو توهم وإحتمال باطل في حق الأنبياء، ويلزم التصريح بتسخيفه، وبطلانه، لا تقريبه فضلا عن تأييده بالشواهد، ثم شرح الآيات بما يناسبه، ثم إنهاء الكلام والخروج من الموضوع من خلاله»(1). وإلا فإن إبقاء الإحتمال وأردا ولو بنسبة واحد في المئة منافٍ لليقين بعصمة الأنبياء.

الأمر الثاني:

قد مر معنا أن «الكاتب» في تمحله لتخريج كلام صاحبه ذكر أنه «مال إلى الإتجاه الأول» واعتبره «الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم [عليه السلام] فيما حدثنا القرآن عن حياته»، ثم قدم شواهد ومواطن تدعم هذا الإدعاء (2).

وهناك عدة ملاحظات ينبغي التوقف عندها:

ـــــــــــــــ

(1) خلفيات ج 1 ص 70.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 194/

1 ـ لماذا قال «الكاتب» ما نصّه: «واعتبره الرأي الأقرب..»(1) أليس «ليوحي» بأقربية هذا الإتجاه و«أبعدية» ذاك عند صاحبه؟!!.

ومن الواضح أن هذا هو هدفه الذي لا يخفى على أحد، لذلك عمد إلى حذف كلمة واحدة، نعم كلمة واحدة، لكنها هامة إلى حدّ دفعت «بالكاتب» إلى ممارسة الحذف وهذه الكلمة هي: «ربما» لأن الصحيح أن صاحبه قال: «ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم [عليه السلام]..»(2)

فصاحب «من وحي القرآن» لم يقطع حتى بأقربية هذا الإتجاه، بل أنه حتى في تقريبه لهذا الإتجاه نجد موقفه «متذبذباً». ومن هنا يظهر الإفك الذي جاء به «الكاتب» عندما صرّح بأن صاحبه يعتبر هذا الإتجاه هو «الرأي الأقرب». ولكن لماذا هذا الموقف «المتردد» لصاحب «من وحي القرآن» في قطعه وتأكيده لـ«أقربية» هذا الإتجاه؟!!. هذا ما سنجيب عنه فيما يلي:

2 ـ إن تعبير صاحب «من وحي القرآن» بكلمة: «ربما» ـ التي تفيد التردد ـ في حديثه عن أقربية هذا الإتجاه يمكن معرفة سببها من خلال الشاهد الأول الذي قدّمه «الكاتب» على ادعائه، حيث ذكر أنه: من الشواهد على أقربية اتجاه المحاكاة الإستعراضية هو ما أسماه «حالة

ـــــــــــــــ

(1) فليلاحظ أن «الكاتب» فتح المزدوجين قبيل كلمة الرأي.

(2) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 195/

التمرد على البيئة المشركة التي كان يعيش فيها إبراهيم [عليه السلام]» ثم ساق «الكاتب» نص صاحبه الذي قال: «ربما (1) كان هذا الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته.. فنحن لم نلمح ـ في غير هذه الآية ـ حالة تأثر بالجو المحيط به.. «(2).

ومن الواضح أن تردد صاحب «من وحي القرآن» في موقفه من أقربية هذا الإتجاه الذي تجلى بكلمة «ربما» يعود لكون هذا التقريب «مستوحى» من «شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته» وليس مستوحى من هذه الآية، لأن هذه الآية «لمح» منها صاحب «من وحي القرآن»: «حالة تأثر بالجو المحيط به» على عكس غيرها من الآيات.

وبذلك يتضح التدليس الذي مارسه «الكاتب» عندما جعل من الشاهد الذي يفيد «التردد» في الميل إلى أقربية هذا الإتجاه دليلاً وشاهدا على «وضوح» ميل صاحبه إليه.

3 ـ إذا اتضح ذلك، اتضح معه أيضاً ضعف الشاهد الثاني الذي قدمه «الكاتب» كشاهد زور بعد أن تلاعب بالنص، وحمله على نقيض ما أراده صاحبه منه!!.

ـــــــــــــــ

(1) فليلاحظ هنا أنه في بداية حديثه حذف كلمة «ربما» ليوحي بما يريد الإيحاء به ثم بعد ذلك ذكرها معتمداً على أن القارئ لن يلتفت لأنه أوردها في سياق الشاهد على ما يدعيه فتأمل.

(2) راجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123. ومن وحي القرآن ج 9 ص 119.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 196/

فقد ذكر، أن صاحب «من وحي القرآن»، في حديثه عن أقربية إتجاه أن يكون إبراهيم [عليه السلام] في إطار محاججة قومه، تحدث عن أن «قصّة إبراهيم مع الكوكب والقمر والشمس جاءت بعد الآية المباركة التي تحدثت عن إراءة الله عز وجل لإبراهيم ملكوت السموات والأرض»(1).

ثم قال «الكاتب» بعد ذلك: «وعلى ضوء هذا السياق يقول» «السيد»: «إن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السماوات والأرض.. لا بد أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة.. وربما كانت كلمة (وليكون من الموقنين) ليس حديثاً عما سيؤول إليه أمره في المستقبل.. ليكون قوله (فلما جن عليه الليل..) تفصيلاً لكيفية إستدلال إبراهيم [عليه السلام] بهذه المخلوقات «الكوكب والقمر والشمس» ومعرفة الحق من وجهتها والذي يعبر عنه القرآن بـ «رؤية الملكوت» وإنما حديث عن حال إبراهيم [عليه السلام] قبل موقفه من قومه في عبادتهم لتلك المخلوقات السماوية، فتكون «الفاء» في قوله (فلما جن عليه الليل) دالة على الترتيب الزمني، وتكون القصة ـ حينئذ ـ متأخرة زماناً عن رؤية الملكوت»(1).

وهذا نص واضح بل فاضح في التحريف، وذلك للأسباب التالية:

أ ـ إن «الكاتب» قبل أن ينقل هذا النص قال: «يقول «السيد»: «إلخ.. أي وضع نقطتين، ثم فتح مزدوجين يشيران إلى أن ما سينقله إنما هو نص

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 124.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 124 و 125.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 197/

حرفي، إلا أن ما نقله لم يكن كذلك، ولنا الحق أن نسأل «الكاتب»: لماذا لم يشر إلى المصدر كما فعل في الشاهد الأول والثالث؟

ولا عجب بعد أن تطلع على السبب: إن النص المنقول بمعظمه غير موجود في المصدر، والموجود منه هو من قوله: «إن الرؤية التي حدثنا الله عنها..» إلى قوله: «وربما كانت كلمة (وليكون من المؤمنين)». وكل ما ذكر بعد ذلك ليس له أثر إلا عند «الكاتب» أو من «وسوس» له بدس هذا النص.

والأمر لا ينتهي عند هذا، فقد أبى «الكاتب» إلا أن يظهر مدى تمرسه في ممارسة مكائد إبليس وأساليب اللف والدوران، ربما، حتى لا يقال عنه بأنه «ساذج» أسوة بآدم وإبراهيم [عليهما السلام]، لذلك عمد إلى إقفال المزدوجين.

ولا أفشي سراً إذا قلت: إنه عندما كنت أقرأ النص رحت حملا على الأحسن، بكل طيبة لا «سذاجة» أبحث عن المزدوجين فلم أجدهما، وهذا باعث على مزيد من الريب. إذ لا يخفى، أن ذلك يُبقي الباب أمامه مفتوحا للتهرب، فإن مر الأمر «على خير» حقق «الكاتب» مأربه، وإن إفتضح الأمر فالإجابة جاهزة وإن إختلفت بين مجلس وآخر:

1 ـ إن الطباع قد دس النص الذي تقولون أنه أضيف!!.

2 ـ وربما يقول: إني قد وضعت المزدوجين لكن الطباع قد حذفهما!!

3 ـ ولا ندري: إذ لعله يقول: قد أوكلت الأمر للمركز الفلاني ليوردوا النص فأخطأوا!!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 198/

وذلك أسوة «بصاحبه»، عندما ذكر هذه الإجابات في معرض تهربه من قضية حديثه عن شرب علي [عليه السلام] للخمر عند تفسيره لقوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى). (1)

ولا غرابة في أن يتحفنا «الكاتب» بهذه الأعذار، فقد قيل: «فرخ البط عوّام».

ب ـ ومهما كان تبرير «الكاتب»، فإنه لن يتمكن من إنكار وجود زيادة وإضافة على النص، الأمر الذي يعتبر إقراراً ببطلان الشاهد الثاني وإعترافا بالتضليل؛ لا سيما إذا علمت أن رأي صاحب «من وحي القرآن»، بمعزل عن الزيادة، هو على العكس تماماً مما توحيه هذه الزيادة؛ لأن كلامه صريح بأن الرؤية التي يتحدث عنها إنما هي رؤيته للكوكب والقمر والشمس، وهي التي وصفها صاحب «من وحي القرآن» بالرؤية الوجدانية الواعية لا البصرية الساذجة وهذه الرؤية الوجدانية الواعية هي التي ستؤدي به [عليه السلام] لأن يكون من الموقنين، فكيف سيكون من الموقنين بسبب الرؤية الوجدانية الواعية للكوكب والقمر والشمس قبل أن تحدث له هذه الرؤية؟!!.

ولهذا قال صاحب «من وحي القرآن»: «وربما كانت كلمة: (وليكون من الموقنين) إشارة إلى ذلك»(2) أي إشارة إلى الرؤية الوجدانية الواعية لملكوت السموات والأرض؛ لأن الرؤية التي يكون هذا

ـــــــــــــــ

(1) راجع خلفيات ج 1 ص 209.

(2) راجع: من وحي القرآن ج 9 ص 119 و 120.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 199/

حالها لا بد أن تؤدي بصاحبها ليكون من الموقنين.

من هنا تحدث صاحب «من وحي القرآن» عن أن هذه الرؤية تفيد إبراهيم في تدرجه للوصول إلى اليقين وهو معنى ما قاله بالنص: «.. مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حركة الفكر الذي يريد أن ينمّي من خلاله معلوماته وأفكاره، بكل الأشياء التي تركز للفكرة قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها..»(1).

4 ـ ولا يختلف حال «الكاتب» كثيراً في شاهده الثالث عن حاله في غيره من الشواهد؛ لأن ما نقله عن فحوى كلام صاحبه من أن إبراهيم [عليه السلام]: «لم ينطلق بقوله (هذا ربي) من حالة ذاتية يعيشها في نفسه، بل إنطلق على أساس الحالة الواقعية للآخرين الذين كانوا يعبدون الكوكب والقمر والشمس»(2) ـ لأن ما نقله ـ ليس دقيقاً، ولا ينفعه عدم وضعه بين مزدوجين إذ أن صاحبه لم يكن يتحدث عن خصوص هذه الآية؛ بل عن مجمل آيات إبراهيم [عليه السلام] بما فيها موقفه من الأصنام. وعلى أي حال فقد ذكرنا أن هذا الشاهد وغيره لم يجزم به صاحب «من وحي القرآن» ولذلك عبر بكلمة: «ربما».

5 ـ أما المواطن الأربعة التي إستدل بها «الكاتب» على ميل صاحب «من وحي القرآن» إلى هذا الإتجاه فيرد عليها:

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

(2) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 125.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 200/

أ ـ إن المواطن الثلاثة الأول منها مأخوذة من كتابي الندوة [ج1ٍ]، والندوة [ج4]، وقد تقدم أن تقريبه لإتجاه هنا، وتوضيحه لعبارة موهمة هناك مما يذكره في مواضع بعيدة عن الموضع الذي ورد فيه الإشكال لا يفيد إذ «لا يجوز تأخير البيان عن موضع الحاجة» وهو ما فصّلنا الكلام فيه فيما سبق.

ب ـ أما الموطن الرابع المأخوذ من كتاب «الحوار في القرآن» فلا دليل فيه على ميله لهذا الإتجاه أي: «المحاكاة الإستعراضية». ولتفصيل ذلك نقول:

ذكر «الكاتب» نصاً من كتاب «الحوار في القرآن» [صفحة 4] يقول فيه صاحبه: إن إبراهيم [عليه السلام] كان يقف: «موقفاً يجعل من نفسه طرفاً للحوار الذاتي أمام دعوة الحق والباطل، فتراه يطرح قضايا الباطل من خلال أفكاره، ثم يبدأ عملية التساؤل والحوار الذاتي «الذي» يجرد فيه من نفسه شخصا ثانيا يتأمل ويناقش من أجل الوصول إلى الحق».

ومع الإلتفات إلى قوله مرتين: «الحوار الذاتي» يتضح مقصوده وتبنيه للإتجاه الثاني «عبادة إبراهيم [عليه السلام] للكواكب»؛ لا سيما إذا علمت أنه يعتبر أن إبراهيم قد خاض ثلاثة أنواع من الحوار:

الأول: ذاتي «وهو الذي تتحدث عنه آيات رؤية الكواكب».

الثاني: مع قومه «وهو الذي تتحدث عنه آيات محاججته لقومه في أمر الأصنام».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 201/

الثالث: مع ربه «وهو الذي تتحدث عنه الآيات التي طلب فيها من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى».

فيتضح أنه لو كان صاحب «من وحي القرآن» يقصد «بالحوار الذاتي» الإتجاه الأول وهو «المحاكاة الإستعراضية» لما كان للتفريق بين النوع الأول والثاني من أنواع الحوار وجه.

والملفت هنا أن «الكاتب» عمد إلى حذف ذيل هذ النص الدال بوضوح على تبنيه للإتجاه الآخر وهو قوله: «.. يتأمل ويناقش من أجل الوصول إلى الحق لينتهي بعد ذلك إلى موقف الإيمان، بأقصر الطرق وأقواه. وانظر إلى هذا الموقف الرائع الذي يصور لنا فيه رحلة الإنسان الباحث عن الحق من موقف الشك إلى موقع اليقين في إسلوب هادئ ينطلق من الحوار الذاتي..»(1). ولا شك أن القارئ قد لاحظ قوله: «لينتهي بعد ذلك إلى موقف الإيمان الحق».

وكذلك قوله: «رحلة الإنسان الباحث عن الحق من موقف الشك إلى موقع اليقين». وهذا نص صريح من صاحب «من وحي القرآن»، بأن إبراهيم [عليه السلام] لم يكن صدد محاججة قومه، وإنما كان شاكا في ربه، عابدا للكواكب، وأن ما صدر منه [عليه السلام] كان خلال رحلته في طريق الإيمان. أما النص الثاني الذي ذكره «الكاتب» أيضاً من كتاب: «الحوار في القرآن» [صفحة 42]، وكعادته، عمد إلى تقطيع أوصال النص بحذف

ـــــــــــــــ

(1) الحوار في القرآن ص 41.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 202/

ذيله الصريح في بيان رأيه، وما يذهب إليه ويتبناه، حيث نقل عنه قوله: «فقد بدأت القضية.. «إلى قوله» تحمل من مظاهر العبادة ما يحملانه..»(1) وأعرض عن قوله الذي يلي ذلك مباشرة: «وكانت الفكرة تنمو في ذهنه أمام عظمة هذه أو تلك «يقصد الكواكب».. وهكذا إستطاع أن يتجاوز هذا الاعتقاد الطارئ السريع، إلى المطلق الذي فطر السموات والأرض». (2)

ولا أعتقد أن القارئ يحتاج إلى إلفات نظره لقوله: «تنمو الفكرة في ذهنه» وقوله: «يتجاوز هذا الإعتقاد الطارئ السريع».

فإبراهيم [عليه السلام] إذن قد اعتقد بألوهية أو ربوبية الكواكب، وفق رأي صاحب «من وحي القرآن»، لكن هذا الإعتقاد كان طارئاً وسريعاً.

وقد أعرض «الكاتب» أيضاً عن قول صاحبه: «وهكذا استطعنا أن نجد في شخصية إبراهيم من خلال هاتين الصورتين [موقفه من الكواكب، وطلبه من ربه أن يريه كيف يحي الموتى] اللتين يعرضهما القرآن له في حواره المتحرك في طريق الإيمان.. الشخصية الدينية للطرف الآخر الثاني للحوار الذي يريد أن يصل إلى الحق..»(3).

ـــــــــــــــ

(1) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 128.

(2) الحوار في القرآن ص 42.

(3) الحوار في القرآن ص 43.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 203/

فليتأمل القارئ في قوله: «في حواره المتحرك في طريق الإيمان» وليقارنه مع قوله في كتاب «من وحي القرآن»: «هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان..»(1).

على أن ثمة نصاً آخر، عمد «الكاتب» الى تقطيعه، والقفز عن بعض فقراته؛ ليثبت إدعاءه بتقريب صاحبه لإتجاه محاججة إبراهيم [عليه السلام] لقومه. مع أن النص الذي تجاهله وقفز عنه، صريح في دلالته، على عكس ما يدّعيه «الكاتب». إذ يقول «السيد» فضل الله، تحت عنوان: «عود الى ما سبق» ما نصه: «وقد تقدم الحديث عن إبراهيم في قصة الحوار في مواقف ثلاثة.. حواره الذاتي مع نفسه في رحلته الفكرية إلى الله، وحواره مع ربه في الإنفتاح على الطرق التي تجعل الإيمان نابعا من واقع الحس كما هو منطلق من واقع الفكر.. وحواره مع قومه، عندما قام بتكسير الأصنام ليجعل ذلك فاتحة حوار معهم..»(2).

مما مرّ يتضح للقارئ وجه المقارنة بين ما سبق من قوله عن الحوار الذاتي في طريق الإيمان وبين ما ذكره هنا وهو قوله: «حواره الذاتي مع نفسه في رحلته الفكرية إلى الله..».

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(2) الحوار في القرآن ص 245 و 246.

ـــــــــــــــــــــــــــ