حتى لا تكون فتنة
(كتاب مرجعية المرحلة وغبار التغيير)
تحت المجهر
نجيب مروة

الطّبعَة الأولى: 1419هـ.ق/1998م. دار أمجاد ـ بيروت

الفهرس التفصيلي

الهواء الطلق والقناع الواقي. 3

الخير فيما وقع: 5

مرجعية المرحلة وخرافة الحداثة: 6

عقدة التحديات الفكرية المعاصرة: 7

ممانعة النقد وغبار التغيير: 12

مرجعية المرحلة وغبار التغيير: 14

كلام في النماذج: 17

مع الشيخ الطوسي في تبيانه: 29

مع الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: 31

مع السيد المرتضى (علم الهدى) في تنزيه الأنبياء: 32

مع السيد شبَّر في تفسيره: 32

ملاحظة على النماذج: 39

ثانياً: بين اللعب بالألفاظ والحرتقة والهرطقة: 39

ثالثاً: التشيع وجهة نظر والتوجيه الفاشل: 41

رابعاً: من فمك أدينك: 47

أ ـ الشيعة إنا وجدنا آبائنا: 71

ب ـ تعليق صور الإمام الخميني صنمية: 72

ج ـ النبي محمد لا يعرف المهم من الأهم: 72

د ـ ضعف نوح في ملكاته الروحية: 73

هـ ـ يونس النبي يهرب من مسؤولياته: 73

خامساً: حقائق بالجملة: 75

1 ـ إفتراءات من؟!! 75

2 ـ افهموا إذا قرأتم: 82

3 ـ هل تزوج أبناء آدم من اخوتهما؟. 84

حقائق أخرى: 87

المبحث الأوَّل: نزعة التبرير أم تبرير النزعة؟ 89

المبحث الثاني: فلسفات شاخورية. 94

1 ـ الحقيقة مطلقة لا نسبية: 95


 

98

2 ـ المنطق الأرسطي: 100

مقدمة أولى: الميزان في التهميش والتأصيل. 104

مقدمة ثانية: إستشهاد أصولي في غير محله. 109

مقدمة ثالثة: مصادرات شاخورية: 112

مقدمة رابعة: تضليل لا يقف عند حد: 120

الخوئي: ذلك مشهور معروف، والله العالم) (2) 122

مقدمة خامسة: سفسطة شاخورية: 123

المبحث الأوَّل: جمل أم ناقه؟! 126

أولاً: بين الثوابت والضرورات: 126

ثانياً: عدم تفريق أم تحريف: 131

ثالثاً: تشهير أم طلب الشهرة؟ 134

رابعاً: عقدة المشهور أم عقدة الفهم: 136

خامساً: تصحيح الأفهام: 144

سادساً: سهو أم لهو: 147

المبحث الثاني: أهل البيت والسيد فضل الله: 153

أولاً: أهل البيت عامة: 153

ثانياً: ـ الرسول الأعظم (ص) : فاطمة أم أبيها: 154

ثالثاً: الإمام علي عليه السلام: 160

رابعاً: ـ الزهراء عليها السلام: 162

ج ـ النشاط الإجتماعي للزهراء (ع) : 166

د ـ الزهراء (ع) رضيت عن الشيخين: 167

المبحث الثالث: تحريف كلام العلماء. 169

أولاً: علم الأئمة بما كان وبما يكون: 169

1 ـ مع كلام العلماء. 170

2 ـ نظرة في كلام العلماء: 173

ثانياً: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: 174

ثالثاً: السيد عبد الحسين شرف الدين: 177

رابعاً: الشهادة الثالثة: 181

خامساً: كتاب سُلَيمْ: 186

أ ـ الشيخ المفيد: 188

ب ـ العلامة الحلي: 190

ج ـ الشهيد الثاني: 190

د ـ الشيخ النجاشي: 191

هـ ـ السيد الخوئي (قده) : 192

و ـ السيد هاشم معروف الحسني: 195

ي ـ المحقق التستري: 196

سادساً: المفيد وكتابه الإرشاد: 197

سابعاً: إجماع الطوسي: 199

المبحث الرابع: من هنا وهناك: 201

أولاً: الرجعة: 201

ثانياً: النظر إلى العورة: 202

ثالثاً: بين مجيب ومجيب: 206

رابعاً: فأسألوا أهل الذكر: 209

خامساً: الشاخوري (محققاً) 211

سادساً: حسابات شاخورية: 215

المبحث الخامس: كلمتان لا بد منهما: 218

أولاً: متفجرة بئر العبد: 218

ثانياً: السيد هاشم معروف الحسني: 222

1 ـ آراء السيد هاشم التي إستشهد بها الكاتب. 223

2 ـ ولادة الزهراء (ع) من ثمار الجنة: 224

ثالثاً ـ السيد هاشم وسليم بن قيس: 226

أ ـ محمد بن سنان: 228

ب ـ أبو بصير: 230

رابعاً: نظرة سريعة على منهج السيد الحسني: 231

1 ـ النبي محمد (ص) : 231

ب ـ النبي (ص) وحرب الفجار: 233

ج ـ أخبار ورقه بن نوفل: 233

2 ـ الإمام علي (ع) : 234

ب ـ عمره (ع) حين إسلامه: 235

ج ـ زواجه (ع) من فاطمة (ع) : 235

د ـ عمره (ع) حين كفله رسول الله (ص) : 236

3 ـ الزهراء (ع) : 236

ب ـ زواجها (ع) من علي (ع) : 237

ج ـ الإعتداء عليها وإستشهادها (ع) : 239

4 ـ الإمام محمد الجواد (ع) : 240

5 ـ لعن الظالمين: 243

6 ـ الشيخان الجليلان: 244

7 ـ القوم وفدك: 245

8 ـ منهج جديد في رد الروايات: 247

1 ـ لماذا تأخر أمير المؤمنين (ع) عن إنقاذ الزهراء (ع) : 249

2 ـ فذكر قول رسول الله (ص) : 251

3 ـ قولها (ع) لأنشرن شعري ولأشقن جيبي ولآتين قبر أبي: 253

4 ـ هل للزهراء قرط أم لا؟ 255

5 ـ إشتمال بعض الروايات على قضايا غريبة. 257

6 ـ هل يوجد تناقض في عدد أنصار علي (ع) : 258

7 ـ علي (ع) لم يذكر ما جرى عليها (ع) في رواية محمد بن الحنفية: 260

أولاً: الموضوعية المفرطة!! 262

ثانياً: البحوث الهامشية من جديد: 262

ثالثاً: سلبيات الآخر تزعج الكاتب: 263

رابعاً: تضخيم الأمور الصغيرة: 266

خامساً: المنهج القديم والمنهج الحديث: 267

سادساً: عدم الإلتزام بأسس التحقيق: 268

1 ـ المفارقة الأولى: الطريقة الحوزوية: 277

2 ـ المفارقة الثانية: القرآن حمال ذو أوجه: 278

3 ـ المفارقة الثالثة: ثبت علمياً إستحالة الأمانة!! 283

4 ـ المفارقة الرابعة: إبليس جميل!! 283

5 ـ المفارقة الخامسة: كل ما عدا التكفير لا يعتبر شتائم: 284

6 ـ المفارقة السادسة: السيد جعفر مرتضى أولى: 285

7 ـ المفارقة السابعة: الكتاب للعوام: 287

8 ـ المفارقة الثامنة: التهكم والتهجم على قراء العزاء: 287

9 ـ المفارقة التاسعة: الولايات المتحدة تفضل من؟؟ 288

10 ـ المفارقة العاشرة: الولاية التكوينية تعني علم الإمام بما كان وما يكون!!! 289

11 ـ المفارقة الحادية عشرة: الأساليب البدائية في التشهير!! 289

12 ـ المفارقة الثانية عشرة: كبار العلماء؟! 290

13 ـ المفارقة الثالثة عشرة: كتاب مأساة الزهراء يمثل درجة عادية من الكتب المتداولة!! 291

14 ـ المفارقة الرابعة عشرة: بساطة الكاتب: 292

15 ـ المفارقة الخامسة عشرة: ميزة المجتمع المتحضر: التراشق بعبارات التحجر والعمالة!! 293

16 ـ المفارقة السادسة عشرة: السيد فضل الله لم يتعرض لموضوع الزهراء (ع) في محاضراته وإنما تحدث في مسجد بئر العبد!!! 294

17 ـ المفارقة السابعة عشرة: العداء للإستكبار أن تكتب كتاباً عنه وإلا!! 295

18 ـ المفارقة الثامنة عشر: قراء العزاء من جديد: 296

19 ـ المفارقة التاسعة عشرة: التسامح في التعبير: 297

20 ـ المفارقة العشرون: الكاتب ذو النزعة الفرويدية: 297

21 ـ المفارقة الواحدة والعشرون: السيد فضل الله يحتاط إستحباباً بترك الشهادة لعلي (ع) . 298

22 ـ المفارقة الثانية والعشرون: البدعة المنهجية: 299

23 ـ المفارقة الثالثة والعشرون: من الذي يحتاج إلى نظارة؟! 300

24 ـ المفارقة الرابعة والعشرون: السيد الخوئي (قده) لا يعتمد في تحقيقه على ما يسمعه من أشرطة الكاسيت: 301

25 ـ المفارقة الخامسة والعشرون: الشهادة الثالثة في شريط الفيديو: 302

المبحث الأول: دليل الإنتهاكات: 304

أولاً: النبوة والعصمة. 304

ثانياً: آدم (ع) : 306

ثالثاً: نوح (ع) : 307

رابعاً: إبراهيم (ع) : 307

خامساً: يوسف (ع) : 309

سادساً: لوط (ع) : 310

سابعاً: يونس (ع) : 310

ثامناً: داوود (ع) : 311

تاسعاً: سليمان (ع) : 312

عاشراً: موسى وهارون (ع) : 312

حادي عشر: النبي محمد (ص) : 314

ثاني عشر: الإمام علي (ع) : 315

ثالث عشر: الزهراء (ع) : 315

رابع عشر: الشيعة والتشيع والإمامة: 316

خامس عشر: الصحابة: 319

سادس عشر: البداء: 320

سابع عشر: الرجعه: 320

ثامن عشر: الولاية التكوينية: 320

تاسع عشر: القياس: 321

وأخيراً وليس آخراً: 322

ـ المبحث الثاني: لقطات طريفة: 323

أولاً: السيد فضل الله أعلم من آدم (ع) : 323

ثانياً: وأعلم من إبراهيم (ع) : 323

ثالثاً: وأعلم من موسى (ع) : 324

رابعاً: وأعلم من النبي محمد (ص) : 325

خامساً: ماذا بقي من العصمة؟ 325

حتى لا تكــون فتنـة: 330

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 (لكلِّ نبـأٍ مُستَقَر)

                     قرآن كريم

 

* الكـلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه.

                                     الإمام علي عليه السلام

 

* من جهتي أفكاري ما تزال أفكاري ومستعدٌ أن أتحمَّل مسؤوليتها مائة بالمائة وأنا مستعد أن أشكر كل من يدلَّني على خطأٍ في قولٍ وفعلٍ وأعتبر أنَّه قَدَّم لي هدية في هذا المجال.

                                      السيد محمـد حسـين فضل الله

                              قاعـة الجنان ـ 22 ت1 ـ 1997.


/صفحة 7/

بسـمه تعـالى
 مقدمة

     إعتاد أغلب المؤلفين على كتابة مقدمة يعرضون فيها منهجهم في معالجة المادة التي تدور أبحاثهم حولها. وكذلك يبرزون فيها بياناً لعناوين البحث وخطوطه العامة الرئيسه مع الإشارة إلى عدة ملاحظات تتكون لدى الكاتب من خلال مجموع ما يختزنه من إطلاعات سابقة يملكها مضافاً إليها قراءات نقدية متجهة إلى طبيعة المادة نفسها موضع البحث سواء كانت تراثية أو معاصرة بحيث تتواءم هذه البحوث ومقتضيات الدراسة العلمية الموضوعية المبتنية على أدوات معرفية تناسب المقام الخاص لكل حقل معرفي. وإذا كان هناك من ترابط وإتصال فيما بين حقول العلم والمعرفة على إتساع دوائرها وإختلاف مجالاتها فإنما بحدود ما تقدمه من موضوعات ومفردات تساهم في تطوير نوعية الأداء البحثي والعلمي.

     ولأجل ذلك درج الناقدون على تناول المنهج بالدرجة الأولى والنظر فيه حتى إذا ما تجاوزوا هذه المسألة فإنهم ينظرون بعد ذلك إلى نقد المسائل المطروحة في ثنايا الكتاب سواء لجهة موافقة هذه المسائل أم لجهة مخالفتها وعدم الإقتناع بها. وتزداد صعوبة النقد درجة أخرى إذا كان النقد متجهاً إلى نقد آخر فإنه عندئذٍ سوف تصبح المعاناة أكبر والمجال سوف يتسع أكثر وتزداد كمية الردود والردود المضادة وأحياناً قد ينسى الأصل الذي هو موضع نقاش.

     وهذا هو الذي حصل أو يكاد يكون قريباً منه عندما صدر كتاب(مأساة الزهراء) للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي والذي بحسب مؤلفه إنما وضعه وألفه نتيجة إحساسه بالتكليف الشرعي المتوجب عليه، ولم يكن ذلك العمل منطلقاً من خلفيات ـ بحسب ما قيل عنه ـ سياسية أو حزبية أو شخصية أو أي شيء آخر. ولسنا صدد محاسبة الناس على نواياهم ـ فالله كفيل بهذا ـ إنما الذي يعنينا هو الظاهر على الأقل.


/صفحة 8/

وفي الحد الأدنى. وقد أحدث هذا الكتاب، فيما لوحظ، ضجة كبيرة وأثار إندهاشاً غير متوقع ـ وهذا ما لم نفهمه حتى الآن ـ عند بعض الناس دون مـبرر علمي ولا سـبب منطقي ولا حتى موجب شرعي لذلك. فالذي يريد أن لا يثير الناس ولا يحرك فيهم أدنى شعور بالإحساس بالواجب، عليه أن يحتفظ بما يملكه من معارف وعلوم لنفسه ويبقيها في داخله وسرِّه فهي في هذه الحال حكراً له لا ينازعه فيها أحد. أما الذي يختار طريقاً غير هذا ويصرح بما عنده من هواجس معرفية ويطرحها على الملأ فإن هذه الهواجس لا تعود ملكاً له وحده إنما من حق كل الناس على إختلاف مستوياتهم وتنوع مشاربهم وإتجاهاتهم. أقول إن من حق كل الناس ولهم الحرية في ذلك أن يتناولوا بالنقد والتشريح ـ بالطريقة العلمية طبعاً ـ كل هذه الأفكار والمعلومات خصوصاً إذا كانت هذه الأفكار تمس جوانب جوهرية ونقاطاً حساسة لها دخالة في العقيدة والمذهب والشريعة التي ينتمي إليها هؤلاء الناس.

الهوء الطلق والقناع الواقي:

والذي يدعو للدهشة والإستغراب في هذا المجال، أن تسمع إنساناً يردد دائماً وبأي وسيلة مناسبة وعلى مسامع الجميع أنه لا بد من التفكير بصوتٍ عالٍ وأن تطرح القضايا في الهواء الطلق لأنه (من الخطأ إثارة القضايا في المجالس الخاصة وحسب، بل لا بد من أن نثيرها في المجالس العامة بالطريقة التي تحقق للناس توازناً في فهمهم وأفكارهم، حتى يعيشوا ثقافة الإسلام بوعي وفهم وتدبر) (1) وأنه لا بد من إطلاق الحوار في فضاءات مجتمعنا الرحبه.. وأنه لا بد من الخروج من أقبية الذات والخصوصيات والحسابات الضيقة وعلينا أن نواجه قضايانا وأفكارنا وحتى عقيدتنا بالنقد. وبكل شجاعة وجرأة قبل أن ينقدها الآخرون لأننا، بحسب منطقه، نملك كماً غير قليل من الموروث الذي تركه لنا الأقدمون والذي ينبغي النظر إليه بعين النقد والتحليل حتى لا نكون مصداقاً للآية الكريمة (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)  (2)

 


 (1) بينات 25/10/1996.

 (2) بينات 25/10/1996.


/صفحة 9/

     إلا أن هذه الأفكار كانت مجرد شعارات تفتقر للدليل والبرهان، وها هو نفسه قد إنبرى للتشهير بكل من تصدى له ولمقولاته بالنقد والتشريح وإظهار بطلانها وهزالتها التي أراد أن يناقشها بالسر دون العلن وبالمجالس الخاصـة دون العـامة. كل ذلك قـد يعتبر دليل على أن هذه المقولات خـالية مـن أي مضمون علمي وفـكري ولا يملك لها حتى من أطلقها مصداقاً يمكن أن تنسحب عليه، فتلك دعوة مردودة إلى صاحبها فضلاً عن أنها مشوبة بالشك والإرتياب لما يمكن أن تخفيه من أهداف وطموحات يسعى لتحقيقها من خلال هذا الأسلوب وبهذه الطريقة. ثم إن الذي يطلق دعوات كهذه ويحاول إلزام الآخرين بها لماذا لا يقبل بها ويتفلت من التقيد بها ولا يراعي مقتضياتها إن حاول أحد من الناس أن يمارس هذا الحق أو أن يلتزم بمضمون هذه الدعوة؟

     إن إثارة مثل هذه الطروحات إن لم تكن أهدافها واضحة ومنطلقاتها سليمة ومطلقها من الذين يلتزمونها ويمارسونها شكلاً ومضموناً، فإنها ستفسح بالمجال وتسمح لأي متطفل وصاحب شبهة من أن يمارس أهواءه وطموحاته ويعمل على إشباع الجو بضباب الشك والريبة وتشويش الرؤية لدى عامة الناس التي هي بأمس الحاجة لمن يرشدها ويهديها لا إلى من يضللها ويغويها لأن الرد والحال هذه سيكون ضرورياً وقاسياً لأنه سيمثل بالنسبة للناس القناع الواقي الذي ينبغي إمتلاكه وإرتداؤه منعاً للإختناق من السموم التي تعصف وتنتشر في الهواء الطلق.

الخير فيما وقع:

نعم قد يحدث أن تمر المجتمعات البشرية وهي في سيرها نحو أهدافها وغاياتها في كثير من الصعوبات والمحن القاسية وتلك هي سنة الحياة والتاريخ. ولعل أخطر الصعوبات والهزات التي يمكن أن تواجه مجتمعاً ما تلك التي تطال في تأثيراتها الجانب الفكري والعقائدي لهذا المجتمع. كالذي يحدث اليوم في الساحة الإسلامية عموماً والشيعية خصوصاً. إلا أنه رغم كل النقاشات الحاصلة ورغم كل التشنجات القائمة ورغم كل التجاذبات، وأقول رغم كل ذلك فإن ما يحدث سوف يساعد، عاجلاً أم آجلاً على ترسيخ قواعد العقيدة والمذهب في أذهان الناس ويجعلها أكثر ثباتاً وعمقاً في وعيهم ووجدانهم.


/صفحة 10/

فإذا تعرض الإنسان للتسمم في بعض الأحيان ويعاني من بعض الآلام التي ترافقه، لكن أخذ المضادات للسم ومحاربته سيترك في الجسم مناعة ضد هذه السموم في المستقبل.

مرجعية المرحلة وخرافة الحداثة:

     إن تلك المقولات الغريبة التي يراد إشاعتها، وإن كانت وسائل طرحها متوفرة وجاهزة، إلا أن ذلك لا يكفي بل لا بدّ لها من زيٍ ترتديه لتقدم به ومعزوفة جديدة تزينها تجمّلها. وما تلك المعزوفة الجديدة التي يعزفها بعض الطامحين ويريدون من الآخرين أن يرقصوا على لحنها ونغمها إلا الحداثة والتحديث.

     ولعل أهم ما يميز هذا العازف أنه ينفرد بالإيقاع وحيداً دون غيره، متوسلاً بذلك اسلوباً لا عهد، بحسب إعتقاده، لغيره به. مستخدماً طرقاً يحاول من خلالها الإيحاء للآخرين أنه من الذين يدركون ويفهمون لغة العصر، ويعيشونه بكل جديده وحداثته متهماً، دائماً، العلماء والمراجع الآخرين أنهم يعيشون الماضي ولا يخرجون منه أبداً. ولذلك فهم بعيدون عن هذا العصر ولغته وعن كل ما ينتجه. فهو ـ كما يحاول أن يضفي على نفسه على الأقل ـ يحمل راية التقدم والإنفتاح، ولواء الحداثة والتجديد ومسايرة الزمن ومحاكاته، بينما الآخرون، حسب إتهامه لهم، يعيشون التخلف والتحجر، ليظلوا أسارى التقاليد والموروثات ويسعون جاهدين للعودة بالأمة والناس إلى الوراء.

     ونحن وإن كان ليس من حقنا أن نمنع أحداً من أن يفكر كما يريد وكما يحلو له. ولكن إذا كان هذا الشخص يحاول أن يفرض فكره ورأيه على الناس وإذا كان هذا الفكر له علاقة بمجموع الأمة ويخص عقيدتها وإيمانها، فعليه أن يتحمل المسؤولية جراء ذلك، لأن من حق الناس عندئذٍ ولهم الحرية الكاملة في أن يقبلوا أو يرفضوا، وعليه أن يترك لهم مجالاً واسعاً في سؤاله ومحاسبته لأن مصير الأمة وقرارها إنما هو ملك لها وحق من حقوقها المقدسة والمصانة.

     لكن ما يثير الغرابة والطرافة في آن، أن أصحاب خرافة الحداثة والتجديد الموهوم عندما جوبهوا بمناقشة علمية هادئة ورصينة لمقولاتهم تلك تملصوا منها وإدعوا أن كل ما قالوه وكتبوه لا يخالف المذهب ولا يناقضه ولا هو يعارض ما قاله أكابر علمائه ورموزه.


/صفحة 11/

     نعم إن كلاماً كهذا كثير الغرابة والطرافة، فإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا الجديد الذي أتوا به، وما هو ذلك الموروث الذي رفضوه وما هي تلك الأفكار التي يحملها علماؤنا والتي كانت السبب بالكيل لهم هذا السيل من الإتهامات والأوصاف والنعوت ما دام يقول ما قالوه ويقرر ما قرروه ويؤكد ما أكدوه. هذه هي مرجعية المرحلة وحداثتها المزعومة وتجديدها الخرافي.

عقدة التحديات الفكرية المعاصرة:

لقد حاول أصحاب (خرافة الحداثة) الإستفادة ربما، من الخوف الذي سرى في نفوس أبناء هذه الأمة أمام منجزات هذا العصر من تطور هائل وسريع في ميادين الصناعة والتكنولوجيا وكل وسائل النقل والإتصالات. وقد نشأت جراء ذلك عند أولئك، عقدة كبلت عقولهم بحيث لم يعد بإستطاعتهم التفلت والتخلص من هذا الواقع، ولا يمكنها أن تتحرر وتصنع لنفسها كياناً مستقلاً بعيداً عن كل قيود هذا الغرب ومحاولة نيل رضاه. وتحت تأثير هذا النفوذ وهذه السيطرة برزت قضية حساسة وخطرة جداً عند هؤلاء الذين يمثلون، أو ساعدتهم الظروف ووضعتهم في مواقع متقدمة في الأمة، وهي أنه كيف يمكننا أن نخاطب هذا الغرب المفرط في إنغماساته المادية والمبتعد تماماً عن كل أطروحة ميتافيزيقية ماورائية غيبية، وفي أي لغة نتحدث إليه ومعه وفي أي مواضيع نناقشه ونحاوره؟ وكيف نكلمه عن اللوح المحفوظ والصراط والعرش وأهل الكهف والرجعة والبداء وغيرها؟

     كيف يمكن لنا مع هذا الموروث من المعتقدات أن نواجه التحديات الفكرية المعاصرة؟ فكان لا بد، والحال هذه، من حل، فبدلاً من إعداد ذهنية الإنسان بطريقة تجعله قادراً على إستيعاب الحقائق الإيمانية إتجه هؤلاء إلى نفس تلك الحقائق ليعالج قصور ذلك الإنسان عن فهمها بالتصرف فيها مباشرة. لكن كيف؟ وبأي طريقة؟

     وتفتق الذهن التجديدي عن حلول ألمعية فكان لا بد من:

         ـ إقفال ملف البداء وإبعاده عن عقيدتنا.

         ـ تأويل أخبار الرجعة.

         ـ تفسير رمزي للصراط.


/صفحة 12/

         ـ وكذلك اللوح المحفوظ.

         ـ أما العرش فهذا علم لا ينفع من علمه كما أننا لا نملك الخريطة الجغرافية للسماء.

     وهكذا.. ولكن!!..

     هل تنتهي القضية هنا؟ وماذا عن قضية الإمام المهدي (عج) وهذا العمر المديد والطويل من غيابه الذي قارب الألف ومئتي سنة؟ وماذا عن الروح، والقبر وعالمه وعذابه؟ وماذا يعني رجم الجمرات في الحج؟ وزيارة الأئمة والقبور عن بعد أو عن قرب؟! بل ماذا يعني البعث والخروج من القبور والحشر؟! فلماذا لا ينتقل الإنسان بعد موته، بروحه إلى الجنة أو إلى النار؟! فكيف يا ترى يمكن أن نواجه "التحديات الفكرية المعاصرة" بهذه المعتقدات؟

     إن المسألة فيما نظن لا يمكن أن تعالج بهذه الطريقة ولا يمكن حلها بهذا الإسلوب، فالقضية قضية مبادىء وقيم وقناعات ومناهج، فالآخر، سواءٌ كان غربياً أم شرقياً، لا يقدم لك المبررات العلمية أو العملية لمعتقداته، بل ولا يسمح لك أن تناقشها بإستخفاف وتهاون وأن تكون فيها من الزاهدين.

     وها هي الوفود التي تزور الكيان الصهيوني الغاصب ينبغي عليها أن تضع "القلنسوة" اليهودية على رأسها وأن تزور حائط "المبكى" وإلا فهي غير مرغوب فيها وتلقى استقبالاً فاتراً وغير لائق؟

     أن يحترمك الآخرون، هو أمر لا يتم إلا إذا إحترمت معتقداتك ودافعت عنها وفرضت على الآخرين إحترامها فضلاً عن إحترامك؟

     وكذلك لا ينبغي الإستخفاف بالعقيدة والتنكر لها فإن ذلك لا يكسبك الآخرين وإحترامهم (لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) فيما تعنيه اليهود والنصارى في ذلك الوقـت، وإذا أردنا تحويل هـذا الخطاب إلى القوى المسيطرة والمهيمنة في هذا العصر فإننا نستطيع أن نقول لك: (ولن ترضى عنك أميركا ولا قوى الإستكبار العالمي، حتى تتبع أهوائهم).


/صفحة 13/

     إن معتقداتنا ومبادئنا وقيمنا وقناعاتنا متينة وراسخة سواء أقبل الآخرون بها، أم لم يقبلوها! والتاريخ سينتهي عندنا ومعنا، ولن تنفع تهويلات (فوكوياما) وشطحاته.

نهاية التاريخ ليس في الدولة (الديمقراطية الليبرالية) التي ينظر لها (فرانسيس فوكوياما) في كتابة (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) نعم، قد تكون (الديمقراطية الليبرالية) هي نهاية النظريات العالمية التي يمكن أن يتفتق عنها الذهن البشري، ولكن هل تحمل تلك النظرية عناصر الإستمرار والبقاء؟

     قد تكون هذه النظرية تحمل عناصر تخولها أن تعمر أكثر من الإشتراكية والماركسية، لكن بذور الفشل والدمار تعشعش في ذلك الجسم.

     تشترك اللبيرالية مع الماركسية بتجاهلها حاجات الإنسان الروحية وعطشه لعالم الغيب والعنصر المعنوي لإستمرار حياته؟ كما تشترك معها في الإمعان والإنغماس في عالم المادة؟

     وتفترق عنها بإطلاق حرية الإنسان في الوقت الذي أمعنت فيه الماركسية بقمع الفرد وإلغاء حريته، وكبح طموحه ورغباته؟

     فمع هذا الفارق فقط لا يمكن "للديمقراطية الليبرالية" أن تستمر، نعم قد تعمر أكثر مما عمرت الماركسية، لكنها لن تلبث أن تنهار أمام مشكلاتها المزمنة والمتراكمة: البطالة، الفساد، الجرائم، الإحتكار، تفكك الأسرة، القوميات، الأعراق.. ألخ.

     أما الإسلام فقد قدم لنا، ومنذ ألفٍ وأربعمائة سنة ويزيد، نظاماً متكاملاً يعطي للجانب المادي حقه كما يلبي في الإنسان حاجاته المعنوية والغيبية، دون الإفراط بها لتتحول إلى خرافات تقيد الإنسان وتمنعه من السعي والعمل. وتترك له المجال في تطوير أي جانب يريد كل وفق إستعداداته وقابلياته ووفق معايير تضمن أمن المجتمع وحمايته، وبمقتضى قانون الثواب والعقاب الإلهي (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) . هذه المعتقدات هي التي كفلت لهذا الدين أن يستمر وأن يعمر هذه الفترة الطويلة.

     إن الدين، بمختلف طوائفه ومذاهبه اليهودية والمسيحية والإسلامية، وبغض النظر عن صوابية هذا، وعدم صوابية ذاك، هو فقط القادر على الإستمرار والبقاء، هذه


/صفحة 14/

هي الحضارات التي عمرت وإستمرت، أما تلك التي قامت على أسس مادية وإلحادية أو إشتراكية فقد إندثرت وأصبحت من الماضي.. من التاريخ.. وربما من المجهول..

     الحضارة الفكرية هي وحدها القادرة على البقاء والإستمرار، أما المادية منها فعرضة للإندثار والزوال ولا يبقى منها إلا الأطلال.

     فالحضارة اليونانية لم يبق منها حياً إلا تعاليم سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفكار تلك المذاهب المختلفة من فيثاغوريه ورواقية وغيرها..أما الصينيون، فلم يبق منهم إلا أفكار كونفوشيوس وتعليماته وأين الحضارة الهندية، وهل بقي منها إلا تعاليم بوذا..؟

 نعم الحضارة الفكرية هي القادرة على الإستمرار، لكن من الذي يبقى ليشكل (نهاية التاريخ) ليس من ناحية النظرية الكونية، لأننا قلنا أننا قد نسلم مع (فوكوياما) أن (الديمقراطية الليبرالية) قد تكون هي آخر تلك الأطروحات، لكن نظرية التاريخ التي نتحدث عنها هي الناحية العملية من التاريخ أعني: (نهاية الدولة التاريخية)، وإن شئت قل الدولة الأخيرة التي تختم التاريخ. إن نهاية التاريخ وفق هذا المنظور هي الدولة الإسلامية العالمية، دولة الوارثين للأرض، دولة المستضعفين، دولة الأئمة، دولة القائم، دولة المهدي (عج) . لهذا نعمل، هكذا وُعدنا والله لا يخلف وعده.

ممانعة النقد وغبار التغيير:

     ونعود إلى ما نحن فيه لنجد أن هذا الذي يدعوا لمناقشة القضايا في الهواء الطلق وإبداء الرأي في أجواء الحرية المطلقة، وكذلك يدعوا إلى الإنفتاح على كل القضايا والمسائل والحوار مع الجميع دون إستثناء، لا يمكنه تحمل أي شكل من أشكال النقد، ولا يقبل أي نوع من أنواع المعارضة لأنها، بنظره تمثل مساساً بشخصه وموقعه ومكانته. فخلط ـ وربما عن غير عمد ـ بين ذاته الفردية وبين شخصيته الفكرية. فكان من نتيجة ذلك أن كشف القناع وظهرت الوجوه الحقيقية..! فما هي:

 ـ القصة: شعارات وعناوين براقة تستخدم لأجل إيهام الناس وخداعهم.

 ـ الوسيلة: إشاعة المسألة على أنها شخصية وفردية أو تصفية حسابات.


/صفحة 15/

 ـ الهدف: تحويل الأنظار عن خطورة الأفكار والأراء التي يحملها هؤلاء ويحاولون ترسيخها وتركيزها في عقول الناس.

 ـ علامات ظاهرة: غضب، إستنفار وعلو الأصوات عندما جوبهوا بالنقد والإعتراض على أفكارهم وآرائهم وإظهار زيفها.

 ـ الخطوات المقترحة منهم: كيل التهم ونشر الإشاعات والأضاليل والردود المملوءة بالتحريف والتزوير.

 ـ خطوات إحتياطية مكملة: عدم الدخول في نقاش علمي ومنطقي للدفاع عما وجه إليهم من نقد وإعتراض لأن أفكارهم أضعف من أن تدعم بالدليل والبرهان وأن تصمد أمام النقد العلمي.

 ـ النتيجة المرجوة: إغراق الناس في متاهات الجدل والسفسطه والبهورات الإعلامية والحركات البهلوانية.

     نعم لقد إنهارت كل مظاهر الدعوه للحوار والإنفتاح وسقطت أمام التحدي لتحل محلها مظاهر الممانعة، ممانعة النقد التي تعني فيما تعنيه، أن صاحب الفكرة إن كان عاجزاً عن إثبات فكره ورأيه بالطرق العلمية فعليه أن يكون متسلطاً يسعى إلى تحقيق غاياته وأهدافه بأي وسيلة وبأي ثمن.

     وإزاء كل هذه المسائل والقضايا التي حصلت ولا تزال في ساحتنا، كان لا بد من صدمة قوية ومؤثرة ـ وفق منطقهم أيضاً ـ تستطيع أن تحدث هزة كبيرة في أفكار الناس ومشاعرها، وأن تزيل الغشاوة عن أعينهم ليروا الحقيقة ساطعة بينة. وكان لا بد من فعل أي شيء يقف في وجه هذا الإسترخاء الحاصل عند الكثير من الناس سواء لجهة إيلائهم الثقة لبعض الناس، أو لجهة جهلهم وعدم معرفتهم وإطلاعهم على حقيقة المسألة وخطورتها وأبعادها. فكان أن إرتفعت بعض الأصوات معترضة على الذي يحدث من تشويه فظيع وتحوير خطير لمعالم الدين والمذهب وأصوله وعقيدته وما يتفرع عنها من قضايا تاريخية وإيمانية، ليس بدافع المنافسة ولا المزاحمة وإنما بدافع الغيرة والحرص على أهم مرتكز عند هذه الأمه فيما يخص عقيدتها ودينها ومذهبها، فإنبرى بعض المخلصين للدفاع


/صفحة 16/

عن الحق والصواب متسلحين بسلاح العلم والمنطق والحجة والبرهان والدليل والإحساس بالتكليف الشرعي القاطع للعذر والمانع من التخلي عن هذه المهمة والمسؤولية. وفي المقابل،

فقد كان من الطبيعي، وفق منطقهم وتوجهاتهم، أن لا يقبل الطرف الآخر بمثل هذه الإعتراضات أو بمثل هذا النقد لغياب الرد العلمي عندهم، فعمدوا إلى إثارة الرأي العام من خلال ما يملكونه من وسائل تأثير عليه مستغلين مواقعهم التي أوصلهم إليها الناس، والهالة التي أحاطوا بها أنفسهم، فعمدوا، ولتغطية الممانعة هذه، إلى إثارة الغبار أمام أعين الناس، غبار المرجعية لتغيير معالم الدين وثوابته لكن كل ذلك لن يلبث أن يسقط أمام الحقيقة والمنطق والعلم والبرهان، ولم يبق منها إلا غبار لا يلبث أن يختفي في معالم المرحلة، مرحلة نهوض الأمة الواعية التي تستطيع أن تصنع المستقبل كما صنعت الماضي.

مرجعية المرحلة وغبار التغيير:

     ومن ذلك الغبار الذي أريد منه حجب الرؤيه عن الحقائق، كان كتاب (مرجعية المرحلة وغبار التغيير) لكاتبه الشيخ جعفر الشاخوري البحريني ومن عنوانه يدرك القارىء الوسيلة التي إعتمدها الكاتب لتحريف الحقيقة وتحويرها وتزييفها، فالغبار الذي أثير وذر في الأعين هو غبار التغيير والمرجعية والحداثة والتجديد. ولكن هل يمكن السكوت على هذا؟ وهل يمكن تجاهل ما صدر خاصة وأن التاريخ سيخلد كل كتاب مطلق كتاب، لأن التاريخ لا يفرق بين مضمون ومضمون، فالتاريخ يخلد حتى كتب الضلال والإنحراف والإلحاد، فكيف بكتاب يتلطى كاتبه بغبار التغيير والحداثة؟!!

     لا.. لا يمكن السكوت ولا بد من نفض هذا الغبار، والمطر والماء، ماء الحقيقة والحق كفيل بإزالته ليحل محله الصفاء والوضوح في الرؤية، ليروي قلوب العطاشى إلى الحق والحقيقة، لتينع بعد ذلك وتترسخ الشجرة المباركة الشجرة المحمدية الأصيلة وتثمر إنساناً راسخاً في العقيدة، وثابتاً في الإيمان. مجاهداً ضد الظلم العدوان.

     نعم.. لا يمكن السكوت عن قول الحق، وإظهار زيف كتاب مرجعية المرحلة وغبارها كما لا يمكن السكوت عن غيره مما صدر بل ومما سيصدر خاصة وأن طلاب الحقيقة ومريديها كثر وهم على أهبة الإستعداد لمقارعة الحجة بالحجة دفاعاً عن الدين والإيمان والعقيدة والمذهب ومعالمه وعلمائه ورموزه..


/صفحة 17/

الفصل الأول
العيوب المستورة

/صفحة 18/


/صفحة 19/

أولاً: نظرة في الإستفتاءات:

     يتحدث (الشاخوري) وتحت عنوان (إستفتاءات مفبركة) أن بعضهم إستغل طيبة العلماء (الذين يجيبون على الأسئلة دون التدقيق في طبيعة السؤال وأهداف السائل) (1)

     ومن الواضح أن هذه الإستفتاءات التي تحدث عنها الشاخوري إنما يعني بها تلك التي وجهت إلى المرجع الكبير آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (دام بقاؤه) . وقد كان ينبغي على الشاخوري ذكر المصدر حفاظاً على المصداقية العلمية التي يتغنى بها دائماً.

     ولا يخفى على القارئ العزيز ما في كلامه المتقدم من إساءة ظاهرة وإتهام صريح للمراجع أعزهم الله بأنهم لا يدققون بطبيعة السؤال والتثبت منه. وهو أدنى شروط القضاء والعدالة. وعلى أي حال فقول الشاخوري هذا ليس بالجديد فهو يردد ما يردده السيد فضل الله الذي يقول:

     (ولم يتصل بي أحد من هؤلاء لا سيما المراجع، ولم يسألني أحد منهم عن طبيعة هذه الأمور مما يجعل المسألة في الكلمات الصادرة منهم بعيدة عن التثبت في الحكم ومبنية على الحمل على الأسوء وعلى عدم الأخذ بقواعد الحجية في السند وفي المتن أو القضاء) (2) ولو إتهم أحد السيد (فضل الله) بما إتهم به الشاخوري المراجع العظام بل ما إتهم به السيد فضل الله نفسه المراجع لنادى بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 25.

 (2) إستفتاء للسيد فضل الله بتاريخ 18 جمادي الأول 1418هـ، راجع كتاب الحوزة العلمية تدين الإنحراف، ص164.


/صفحة 20/

كلام في النماذج:

     يعرض الشاخوري بعد مقدمته هذه بعض النماذج مما أسماه (الإستفتاءات المفبركة)

     *النموذج الأول: (ما رأيكم بمن يرى محصورية القضاء والقدر بالواقع الكوني دون الواقع الإجتماعي..) (1)

     ويمكن أن نلاحظ ما يلي:

     1 ـ لم يقتصر السائل على إجتزاء السؤال بالطريقة التي عرضها الشاخوري بل أورد النص الكامل والحرفي لكلام السيد فضل الله.

     2 ـ والسؤال كما جاء بالنص الحرفي:

     (ما هو رأي الطائفة المحقة بمن يرى محصورية القضاء والقدر بالواقع الكوني الإجتماعي، إذ يقول في رده على الشيخ المفيد: إن مسألة القضاء والقدر لا تتصل بالأوامر والنواهي الصادرة من الله في التكاليف المتعلقة بأفعال العباد، بل هي متصلة بمسألة الواقع الكوني والإنساني فيما أوجده الله وفعله وقدره…) (2) إلى آخر النص

     3 ـ إن عدالة الشيخ التبريزي وأقرانه من علمائنا الكبار تقتضي بألا يجيبوا على سؤال أو يتعرضوا لرأي ما دون تتبع وتدقيق وافيين وكذلك فإن إيراد السائل للنص الحرفي للسيد فضل الله يؤكد أن الشيخ التبريزي مطلع على رأي السيد فضل الله في هذه القضية وكل كلام يخالف ما ذكرناه يؤدي بشكل أو بآخر للطعن بعدالة الشيخ التبريزي.

     ومع ذلك فإن إجابة الشيخ التبريزي كانت حول رأي الطائفة في ذلك بناءً على طلب السائل، فلم يتعرض (دام بقاؤه) لأحد بالخصوص.

 


 (1) إستفتاء للسيد فضل الله بتاريخ 18 جمادي الأول 1418هـ، راجع كتاب الحوزة العلمية تدين الإنحراف، ص25.

 (2) أجوبة السيد فضل الله على إستفتاءات الشيخ التبريزي سؤال رقم (12) .


/صفحة 21/

     4 ـ ورغم كل ما تقدم، يبقى أن كلام السيد فضل الله في حصره القضاء والقدر بالواقع الكوني والإنساني باطل جزماً.

     *النموذج الثاني: (ما رأيكم بمن يقول: إن أسلوب القرآن في الحديث عن حياة الأنبياء ونقاط ضعفهم يؤكد القول بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض نقاط الضعف البشري من حيث الخطأ في تقدير الأمور؟) (1)

     إن خطأ الشاخوري في هذا السؤال أشنع من سابقه، لأن السائل هناك وإن كان قد عرض النص الكامل للسيد فضل الله لكنه كان قد صاغ السؤال في البدء قبل عرض النص. أما هنا فإن السائل لم يطرح كلام السيد فضل الله كما فهمه بل جاء بنفس كلام السيد فضل الله. وإليك صيغة السؤال كما جاءت في الإستفتاءات:

     (ما رأي الشارع المقدس وعقيدة أهل بيت العصمة والطهارة بالمقولة التالية المتعلقة بالحديث عن آية (قال رب اغفر لي ولأخي) [آل عمران/151] وما هو حكم من يقول بها، وهل أن هذه المقولة تتفق مع عقيدة العصمة الإمامية: (ولكننا قد لا نجد مثل هذه الأمور ضارة بمستوى العصمة، لأننا لا نفهم المبدأ بالطريقة الغيبية التي تمنع عن الإنسان مثل هذه الأخطاء في تقدير الأمور، بل كل ما هناك أنه لا يعصي الله في ما يعتقد أنه معصية، أما أنه لا يتصرف تصرفاً خاطئاً يعتقد أنه صحيح مشروع، فهذا ما لا نجد دليلاً عليه، بل ربما نلاحظ في هذا المجال أن أسلوب القرآن في الحديث عن حياة الأنبياء، ونقاط ضعفهم يؤكد القول بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض نقاط الضعف البشري من حيث الخطأ في تقدير الأمور) (2)

     وبعد الذي تقدم نرى أن السؤال كما طرحه الشاخوري ليس له عين ولا أثر في النص الأصلي للسائل، وإذا كان ثمة فبركة، فهي لا شك فبركة الشاخوري الذي صـاغ

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 25.

 (2) أجوبة الإستفتاءات ـ سؤال رقم (1) .


/صفحة 22/

سؤاله من نفس كلام السيد "فضل الله"، ولعله، زاده الله بصراً وبصيرة، قد قرأ كلام السيد فضل الله وظن أنه كلام السائل.

     هذا وقد علق الشاخوري على سؤاله المزعوم بقوله:

     (ولم ينقلوا الكلام بأسره، وبالرجوع الى أصل البحث تبين أن سماحة السيد كان يتحدث عن الموضوعات الخارجية كما لو تحاكم إثنان إلى المعصوم، وكانت معطيات الدعوى من البينة والشهود في كفة أحدهما فهنا تكليف النبي أو الإمام هو العمل بالظاهر وان كان الواقع خلافه، لأن المعصوم لم يعصِ الله عندما عمل بأصول الإثبات الظاهرية.

     ومن الطريف أن العالم الذي إستفتوه في هذه المسألة له رأي مخالف لمشهور المتأخرين حيث يقول بجواز السهو على المعصوم في الموضوعات الخارجية (أنظر صراط النجاة ج1 ص462) وهذا ما لا يقول به سماحة السيد لأن العصمة عنده عبارة عن ملكة لا تتجزأ. فالمفروض في المقام أن يقفوا في صف سماحة السيد ضد ذلك العالم لا العكس) (1)

     ويمكن أن نلاحظ عدة هفوات في كلام الشاخوري:

     1 ـ أما مثاله حول قضاء المعصوم وبأنه يعمل بالظاهر، فهو وإن صح إلا أنه لا يعني أن الإمام المعصوم لا يعلم بالواقع، بل هو يعلم ذلك لكنه لا يعمل وفق علمه بل وفق المعطيات الظاهرية.

     2 ـ ومن طريف ما يقال هنا أن الشاخوري قد ذكر في ص (54) وتحت عنوان (إفتراءات بالجملة) أن بعض الناس يضخم كلام المتكلم ويضيف إليه أشياء كثيرة لم يقلها أو أن ينقص من كلامه بأن يذكر مقطعاً صغيراً مع حذف السياق الكامل. ومن الأمثلة التي قدمها على دعواه هذه تأجير أماكن للدعارة حيث قال بالنص الحرفي:

 


 (1) مرجعية المرحلة ص26.


/صفحة 23/

     (والغريب أن نص فتوى السيد [السيد فضل الله] كما في مجلة فكر وثقافة عدد (58) 8 جمادي الأول 1418هـ (إذا كانت هذه الشقق أماكن للـدعارة فلا يجوز ذلك بالعنوان الأولي في بعـض الحـالات وفي العنوان الثانوي في حالات أخرى). والذي حرَّف هذا الكلام تحريفاً كلياً جعل الفتوى هكذا (يجوز في بعض الحالات في العنوان الأولي ويجوز في بعض الحالات في العنوان الثانوي..) (1)

     فالذي إعتبره الشاخوري (تحريفاً كلياً) للفتوى ـ بزعمه ـ لا يتعدى كونه من لوازم قول السيد "فضل الله" لأن الذي يقول (لا يجوز ذلك في العنوان الأولي في بعض الحالات) فإن لازم قوله هذا الجواز في بعض الحالات الأخرى في العنوان الأولي. وقس عليه في العنوان الثانوي.

     والطريف أنه في الوقت الذي يشكل على الآخرين بأنهم يحرفون الكلام وفق المثال المذكور فإنه يقع في نفس الإشكال حول الموضوع المتعلق بالسهو بالموضوعات الخارجية. لأن العالم الذي أشار إليه الشاخوري بأنه سئل حول المسألة وفق المصدر الذي أشار إليه وهو (صراط النجاة ج1 ص462) هو الشيخ "جواد التبريزي" لم يقل هذا الكلام بالكيفية التي أوردها الشاخوري بل قال: (القدر المتيقن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في غير الموضوعات الخارجية) (2) وهو نص السيد الخوئي (قده) وقد وافقه عليه الشيخ التبريزي والظاهر من نص السيد الخوئي (قده) أنه لم يكن في وارد تحقيق جواز السهو وعدمه في الموضوعات الخارجية. لذلك تحدث (قده) فقط عن القدر المتيقن في السهو الممنوع على المعصوم دون الإشارة الى رأيه في السهو في الموضوعات الخارجية جوازاً أو عدماً. علماً بأن صياغة الشاخوري لهذه الفتوى ليست من لوازم كلام السيد الخوئي (قده) كما هو حال كلام السيد "فضل الله" حول شقق الدعارة.

 


 (1) مرجعية المرحلة ص54.

 (2) صراط النجاة، ج1، ص462.


/صفحة 24/

 وعليه فإن ما سماه الشاخوري تحريفاً لكلام السيد "فضل الله" ليس بتحريف بل من لوازمه. أما التحريف الحقيقي فهو تحريف الشاخوري لكلام السيد الخوئي كما هو ظاهر.

     ولعل الخطأ في فهم الشاخوري لكلام السيد الخوئي (قده) ومن ثم لرأي الشيخ التبريزي هو إمتداد لخطأ السيد "فضل الله" الذي استشهد بكلام السيد الخوئي المتقدم ذكره في كلامه عن جواز السهو في الموضوعات الخارجية. (1)

     3 ـ أما قول الشاخوري أن السيد "فضل الله" لا يقول بجواز السهو على المعصوم في الموضوعات الخارجية فهو غير صحيح بل هو تحريف لكلام السيد "فضل الله" لأن السيد "فضل الله" يقول في رده على السؤال موضوع البحث:

     (إن الحديث كان وارداً في قصة موسى (ع) مع أخيه هارون (ع) عندما أخذ برأس أخيه يجره إليه وهذا الفعل يتعلق بالموضوعات الخارجية، وليس ناتجاً عن أمر إلهي. وقد دلّ الدليل العقلي على امتناع الخطأ في التبليغ لا في غيره ـ كما ذكرتم ـ وذكر أيضاً سيدنا الأستاذ السيد الخوئي (قده) في جوابه على سؤال ورد في كتاب (منية السائل)، حيث قال: (القدر المتيقن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في غير الموضوعات الخارجية)…) (2)

     أضف إلى ذلك أن الكاتب بنفسه قد إعترف بذلك عندما ذكر في بداية نصه أنه وعند مراجعته لأصل البحث تبين له أن السيد فضل الله كان يتحدث عن الموضوعات الخارجية وأعطى على ذلك مثالاً حول التحاكم عند المعصوم فالتناقض عند الكاتب حول فهمه لرأي السيد فضل الله واقع لا محالة فهو تارة يقول أن الحديث كان حول الموضوعات الخارجية، وأخرى يقول أن العصمة عند السيد فضل الله ملكة لا تتجزأ. والطريف أن هذا التناقض قد وقع في مقطع واحد يفصل بينهما سطران.

 


 (1) أجوبة السيد فضل الله عن استفتاءات الشيخ التبريزي سؤال رقم (1) .

 (2) أجوبة السيد فضل الله على استفتاءات الشيخ التبريزي سؤال رقم (1) .


/صفحة 25/

     والغـريب في كلام السيد "فضل الله" هو اعتبار قصة جر موسى (ع) لرأس أخيه من الموضوعات الخارجية مع أنها تمثل فعلاً إختيارياً له حكم شرعي.

     على أن تبرير السيد "فضل الله" لتفسيره الآية بأن هذا يتعلق بالموضوعات الخارجية وأن الدليل العقلي دلّ على العصمة في التبليغ لا في غيره، متناقض مع كلام آخر له حول العصمة عندما إعتبرها تشمل التبليغ وغيره. فهو يقول:

     (لا يمكن أن يكون هناك شيء من الباطل في حركته في الحياة، سواء حركته في خط التبليغ أو في غيره..) (1)

     وهو يقول أيضاً: (.. فالإنسان الذي يمثل كل الطهارة وكل الحق لا يمكن أن توكل إليه مهمة الإمامة والنبوة ولا يمكن أن يغير الحياة على أساس الحق وأن يغير الحياة على صورة الإسلام فيما المعاصي أو الأخطاء تتحرك في حياته..) (2)

     وكذلك يقول: (فأنا لا أعتقد أن الشخصية لا تتجزأ، بأن تكون معصومة بالتبليغ وغير معصومة في شؤون الحياة الأخرى فالصادق هو الصادق..) (3)

     النموذج الثالث: (ما رأيكم بمن يقول إن الشفاعة صورية وليست حقيقية؟ أو ما رأيكم بمن ينكر الشفاعة؟) (4)

     وفي هذا السؤال وفق الصيغة التي قدمها الشاخوري كلام:

     1 ـ إن السائل لم يستعمل عبارة أن الشفاعة صورية وليست حقيقية أو ما رأيكم بمن ينكر الشفاعة كما ذكر الشاخوري. بل إن السائل أورد سؤاله على الشكل التالي:

(ما رأيكم بمقولة من قال في الشفاعة ما نصَّه:..)

 


 (1) كتاب الندوة،ج1،ص373.

 (2) المصدر نفسه،ج1، ص370

 (3) المصدر نفسه، ج1، ص373 وتجدر الإشارة إلى أن النص ورد هكذا في الأصل ويبدو أن ثمة خطأ مطبعي إذ ينبغي حذف "لا" من أحد الموردين لينتظم المعنى.     

 (4) أجوبة السيد فضل الله على الإستفتاءات التي وجهت للشيخ التبريزي سؤال رقم (9)


/صفحة 26/

ثم عرض كلام السيد فضل الله مفصَّلاً وهو كلام ورد في خطبة مسجلة له. وهو ظاهر بالتحريف لسؤال السائل.

     وإن كان الشاخوري قد فهم من كلام السيد فضل الله الذي أورده السائل أن الشفاعة صورية وليست حقيقية فإنما يرد هذا الإشكال على السيد فضل الله نفسه، بل يدلُّ هذا الفهم على أنَّ القول بصورية الشفاعة أو شكليتها هو ما ذهب اليه السيد فضل الله بل هو ظاهر عبارته.

     أمَّا قول الشاخوري بأن ما قاله السيد فضل الله ليس (شيئاً جديداً لديه في هذا المجال فهو يؤكد ما أكَّده أعلام المذهب من خطأ المعنى الذي يفهمه البسطاء من معنى الشفاعة) فهو غير صحيح لما تقدم من نفس فهم الشاخوري لكلام السيد فضل الله الذي يقول بصورية الشفاعة وهو أمر لا شكَّ أنَّه بعيد عن المذهب ولا يصح نسبته إلى أعلام المذهب، والذي يؤكد ذلك إنما هو إجابة الشيخ التبريزي على هذا السؤال المذكور حيث قال (دام ظله) :

     (المراد من الشفاعة في الآية (ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى) معناها الظاهر وهي أن يطلب من صاحب الحق الإغماض عن تقصير المقصِّر وإذا كان للطالب حرمة وكرامة عند صاحب الحق فإغماضه عن تقصير المقصِّر لكرامة الشفيع ووجاهته عنده أمرّ حسن عند العقلاء والعقل، فالشفاعة ليست أمراً صورياً وحيث أن ظاهر الآية هو ما ذكرنا فلا يصح رفع اليد عن الظاهر إلاَّ بقرينة عقلية أو نقلية والعقل لا يرى مانعاً من شمول الرحمة الإلهية للعصاة بشفاعة الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكريماً لهم لإتعاب أنفسهم طول عمرهم في نشر الدين واعلاء كلمته والمراد بالإرتضاء في الآية المذكورة هو ارتضاء دينه فلا يعُّم العفو للمشرك لقوله تعالى (إن الله لا يغفر لمن يشرك به) وليس المراد بالإرتضاء استحقاق دخول الجنَّة كما ذكر في السؤال [المقصود بالسؤال كلام السيد فضل الله نفسه] وأمَّا النقل فالروايات الواردة في شفاعة أهـل


/صفحة 27/

البيت عليهم السلام كثيرة لا تحتمل المناقشة فيها وهذه عقيدة الشيعة المستفاده من الآثار الصحيحة وخلافها خلاف العقيدة الشيعية والله الهادي) أجوبة السيد فضل الله على الإستفتاءات التي وجهت للشيخ التبريزي جواب رقم (10) .

     وقد لوحظ من جواب الشيخ التبريزي أن كلام السيد فضل الله ظاهر في صورية الشفاعة، كما لوحظ أن عقيدة الشيعة بخلاف ما ذهب إليه السيد فضل الله وبالتالي فإن كلام الشاخوري بأن السيد فضل الله قد أكَّد ما أكَّده أعلام المذهب غير صحيح وفي غير محلّه حتى أنَّه لا يخلو من تحريف لكلام السيد فضل الله.

     2 ـ أما إستشهاده بكلام الشهيد مطهري فهو عجيب لأن الشهيد مطهري إعتبر الشفاعة المرفوضة بالأدلة العقلية والنقلية إنما هي تلك التي يحاول المجرم التسلل من خلالها للهروب من الحكم الإلهي والحيلولة دون تطبيقه (1) وهو ما لا يقول به أحد من أعلام المذهب.

      والأعجب منه إستشهاده بكلام الشيخ جعفر سبحاني الذي كان يتحدث: أن الشفاعة المرفوضة هي (الشفاعة التي كانت تعتقدها اليهود الذين رفضوا كلَّ قيد وشرط في جانب الشفيع والمشفوع له واعتقدوا أن الحياة الأخروية كالحياة الدنيوية حيث يمكن التخلص من عذاب الله سبحانه بالفداء) (2) وهذا أمر بديهي ومما لا يقول به أحد من علمائنا.

      والأكثر عجباً من كليهما أن يستشهد بكلام للسيد فضل الله نفسه –وفيه ما يؤكد ما نذهب إليه ـ من إعتباره الشفاعة شكلية ثم جعله شاهداً على مدّعاه، وإليك عبارة السيد فضل الله (إنَّ الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده فيما يريد أن يظهره من فضلهم في الآخرة فيشفعهم في من يريد المغفرة له ورفع درجته عنده لتكون المسألة –في الشكل واسعة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي والنعـيم الربَّاني ـ تماماً كما لو كان النبي هو السـبب أو

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص27.

 (2) مرجعية المرحلة، ص28.


/صفحة 28/

كان الوليُّ هو الواسطة ولكنها في العمق إرادة الله لذلك مما لا يملك نبي مرسل أو ملك مقرَّب أو وليٌّ امتحن الله قلبه للإيمان أمر تغييرها في الإتجاه الذي نتحرك فيه..) (1)

     وللقارىء أن يتأمل في عبارة السيد فضل الله (في الشكل) وعبارته أيضاً (لا يملك نبي مرسل.. أمر تغييرها..) وليس من الغريب أن يلجأ الشاخوري إلى تحريف كلام السيد فضل الله لإظهاره متوازناً لأن عبارة (واسعة في النتائج) لم ترد في المصدر ولم يقلها السيد فضل الله بل قال (واسطة في النتائج) مع ما تعنيه كلمة (واسطة) من دلالة دعت الشاخوري إلى إعمال هوايته في التحريف فيها لأن كلمة (واسعة) تعني أن الشفاعة قد أنتجت شيئاً جديداً أما كلمة (واسطة) فهي تجعل الشفاعة شكلية ولا تنتج أمراً جديداً كما جاء في تعبيره (في الشكل).

     وإذا قيل إنه خطأ مطبعي، فلنا أن نتساءل عن المصادفة الغريبة في أن يقع الخطأ في الكلمة حيث مورد الإشكال دون غيرها من سائر النص وهو نص طويل؟!!

     النموذج الرابع: يقول الشاخوري: ما رأيكم في آية (ولقد همَّت به وهمَّ بها) أن مشاعر يوسف قد تحركت بإتجاه إمرأة العزيز من واقع الضعف الإنساني؟ أو أن يوسف هجم عليها كهجوم الجائع على القصعة الشهية؟ (2)

     ويلاحظ على هذا السؤال أن الشاخوري قد عمد إلى إدخال سؤال قد صاغه هو نفسه لأنا لم نجده في المصدر المذكور فيه هذا السؤال (أو أن يوسف هجم عليها كهجوم الجائع على القصعة الشهية)ويظن الشاخوري أنَّ عدم ذكره للمصادر قد يفسح له في المجال للتلاعب بصيغة السؤال لحاجَّه في نفسه قضاها.

     أمَّا قول الشاخوري أنَّ السيد فضل الله لم يذكر في كتابه (من وحي القرآن) ما يـزيد عمَّا ذكـره أعـلام المفسِّرين الشيعة أمثال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان والسيد

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص28.

 (2) مرجعية المرحلة، ص29.


/صفحة 29/

المرتضى (علم الهدى) في تنزيه الأنبياء والشيخ الطوسي في التبيان فإنه لا يصح بل لا يخلو من (تحريف) واليكَ البيان.

مع الشيخ الطوسي في تبيانه:

     ينقل الشاخوري عن التبيان ما نصَّه:(إنَّ الهم في اللغة على وجوه منها العزم على الفعل والثاني خطور الشيء بالبال والثالثة المقاربة والرابع الشهوة وميل الطباع فإذا احتمل الهمَّ هذه الوجوه نفينا عنه –عليه السلام ـ العزم على القبيح واجزنا باقي الوجوه.) (1)

     وبالرجوع الى كتاب التبيان للشيخ الطوسي نجد أنَّ الشاخوري لم يكمل عبارة الشيخ الطوسي كامله والتي يفصح فيها عن رأيه في تفسير هذه الآية. والجدير ذكره أن هناك فرقاً كبيراً بين عرض آراء المفسِّرين وبين تبنيِّهم لهذه الآراء.   

ونحن هنا ننقل عبارة الشيخ الطوسي التي تظهر رأيه واضحاً وصريحاً:

     (..وإذا احتمل الهم هذه الوجوه نفينا عنه عليه السلام العزم على القبيح وأجزنا باقي الوجوه لأن كلَّ واحدٍ فيها يليق بحاله ويمكن أن يحمل الهم في الآية على العزم ويكون المعنى وهمَّ بضربها ودفعها عن نفسه كما يقول القائل: كنت هممت بفلان أي أوقع به ضرباً أو مكروهاً وتكون الفائدة على هذا الوجه في قوله: (لولا أن رأى برهان ربِّه) مع أنَّ الدفع عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها إنه لمَّا همَّ بدفعها أراه الله برهاناً على أنَّه إن أقدم على ما يهم به أهلكه أهلها وقتلوه… وأنها تدعي عليه المراودة.. لها على القبيح وتقدمه بأنه دعاها إليه وضربها لإمتناعها منه فأخبر تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه أو ظنَّ القبيح واعتقاده فيه) (2)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص29.

 (2) التبيان الشيخ الطوسي م6 ص121 ـ 122 ـ دار إحياء التراث العربي.


/صفحة 30/

     ثم استعرض الشيخ الطوسي بعض الآراء وناقشها فيما يخص هذه الآية. ويظهر من كلام الشيخ الطوسي المتقدم أنَّه يميل الى تفسير الهم بالضرب والدفع وعليه تكون الفائدة من قوله {لولا أن رأى برهان ربِّه} بخصوص البرهان متجهة.. الى نتائج وعواقب الضرب والدفع التي تحتاج الى الصرف برؤية البرهان.

      وبعد ما تقدم كيف يدعي الشاخوري أن ما ذكره السيد فضل الله لا يزيد عما ذكره الشيخ الطوسي وقد اتضح لك أنَّ الشيخ الطوسي قد فسَّر الهمَّ بمعنى الهم بالضرب والدفع بخلاف ما ذهب إليه السيد فضل الله في تفسيره الهم بمعنى الانجذاب اللاشعوري والميل الغريزي.

     يقول السيد فضل الله: (لكن فهمي للمسألة أنّ (هم بها) يعني تكونت لديه حاله انجذاب والإنجذاب حالة [لا] شعورية ولكنه لا يتحول إلى ممارسة وإلى قصد) (1)

     وفي نص آخر يقول: (إنجذب إليها انجذاباً غريزياً ولكنه ليس إرادياً فالإنسان بما رُكِّب فيه من غرائز ينجذب إلى ما يستجيب إلى غريزته بشكل لا شعوري فالجائع ينجذب إلى الطعام بشكل طبيعي..وكذلك العطشان.. وهكذا في الشهوة..ففي الإنسان حاله.. غريزية تمثل انفتاح الجسد على كل ما يثيره ويحرّكه فما صدر من يوسف عليه السلام في الأجواء المعقدة اندفاعها إليه وربما ملامستها له عند إمساكها به هو الانجذاب الغريزي..) (2)

مع الشيخ الطبرسي في مجمع البيان:

     عرض الشيخ الطبرسي لأحد معاني الهم والتي بمعنى الاشتهاء وميل الطبع قائلاً: (وقد يجوز أن تسمى الشهوة همَّاً على سبيل التوسع والمجاز ولا قبح في الشهوة لأنها من فعل الله تعالى وإنما يتعلق القـبح بالمشتهي). وقـد أبان

 


 (1) كتاب الندوة، ج1 ص304

 (2) حركة النبوة في مواجهة الانحراف ص291


/صفحة 31/

الشيخ الطبرسي عن رأيه في هـذا المعنى حين افترض أن سائلاً يسأل أن قوله ولقد همَّت به وهمَّ بها خرجا مخرجاً واحداً. فلم جعلتم همّها به متعلقاً بالقبيح وهمَّه به متعلقاً بغير القبيح؟ وجوابه والكلام للشيخ الطبرسي. (أن الظاهر لا يدل على ما تعَّلق به الهم فيهما جميعاً وإنما أثبتنا همها به متعلقاً بالقبيح لشهادة القرآن والآثار به ولأنها ممن يجوز عليها فعل القبيح والشاهد من الكتاب قوله (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) وقوله (وقال نسوة في المدينة إمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها {حبا أنا لنراها في ضلال مبين) ..والشاهد من الآثار إجماع المفسِّرين على أنها همَّت بالمعصية والفاحشة وأمَّا يوسف عليه السلام فقد دلت الأدلَّة العقلية التي لا يتطرق إليها الاحتمال والمجاز على أنَّه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه. فأمَّا الشاهد من القرآن على أنَّه ما همَّ بالفاحشة فقوله سبحانه (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وقوله (وذلك ليعلم أنَّي لم أخنه بالغيب) وغير ذلك من الآيات). (1)

 ويتضح من هذا العرض لكلام الشيخ الطبرسي أنَّه قد استبعد تماماً أن يكون الهم بمعنى الشهوة وميل الطبع في هذه الآية. ولا بأس بأن نشير ثانية إلى أنَّ عرض الآراء المختلفة لا يعني التزامها أو تبنيها.

مع السيد المرتضى (علم الهدى) في تنزيه الأنبياء:

     يُلاحظ عند مراجعة كتاب تنزيه الأنبياء وما ورد فيه من كلام حول تفسير الآية موضع البحث أنَّ رأي صاحب التبيان وصاحب مجمع البيان لا يختلف عن رأي السيد المرتضى (علم الهدى) وقد استدلوا جميعاً بنفس الدليل ولعلَّك لا تجد كبير فرق في عباراتهم. (2)

 


 (1) مجمع البيان، ج5 ص225.

 (2) راجع تنزيه الأنبياء ص71 ـ 80 ـ 81 طبعة الأعلمي.


/صفحة 32/

مع السيد شبَّر في تفسيره:

      نقل الشاخوري عن السيد عبد الله شبَّر أنه قال:(وهم بها مال طبعه إليها لا القصد الاختياري) (1)

     ويتضح من هذه العبارة أن السيد شبَّر فسَّر الهم بمعنى ميل الطبع إلاَّ إن ما لم يذكره الشيخ الشاخوري هو تتمة التفسير. حيث ذكر السيد شبَّر في تفسيره لمعنى قوله تعالى: ((لولا أن رأى برهان ربِّه) أي لولا النبوَّة المانعة من القبيح لهمَّ ولكن لم يهم لذلك) (2)

     وظاهر كلام السيد شبَّر أنَّ يوسف عليه السلام لم يمل طبعه لوجود المانع وهي النبوة. وقد تبيّن لك مما تقدم فساد دعوى الشاخوري أن كلام السيد فضل الله لم يزد عما ذكره أعلام المفسرين الشيعة.

     وأما قول السيد فضل الله بان (التعبير الصحيح لمعنى قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) فهو لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها لتفيد معنى حصول الفعل الذي يحصل في المستقبل فلا يصح أن نقول جاء زيد لولا القوم بل الصحيح أن نقول لولا القوم لجاء زيد وهذا ينسجم مع التعبير الأدبي الصحيح). (3)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص29.

 (2) تفسير شبر، ص241.

 (3) أجوبة السيد فضل الله على إستفتاءات الشيخ التبريزي.


/صفحة 33/

     وخلاصة هذا الكلام أن السيد فضل الله يقول بعدم صحة تقدم جواب لولا عليها. علماً أن السيد المرتضى (علم الهدى) والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي قد اعتبروا أن تقدم جواب لولا جائز مستعمل. (1)

     وحتى الشيخ مغنية الذي يصر هؤلاء على الإستشهاد بأقواله ذهب إلى ذلك أيضاً فإعتبر أنّ في الآية تقديماً وتأخيراً. (2) ومن أدلة صحة تقديم جواب لولا قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) .  ولا بأس بالاستئناس بما ورد في عيون أخبار الرضا (ع) في رده على سؤال المأمون عن عصمة الأنبياء أنه قال: (..ولولا أنّ رأى برهان ربه لهم ّ بها كمّا همّت به لكنه كان معصوماً لا يهم بذنب ولا يأتيه). (3) والذي يظهر من هذه الرواية جواز تقدم جواب لولا وبالتالي امتناع المعصوم حتى عن مجرد الهم.

النموذج الخامس:

     أورد الشاخوري السؤال الخامس على الشكل التالي:(ما رأيكم بمن ينكر مظلومية الزهراء وعصمتها والجوانب الغيبية فيها و.. و.. و..) (4) .

     يلاحظ عند الرجوع إلى الإستفتاءات التي وجهت للشيخ التبريزي وهي المصدر الذي أخذ عنه الشاخوري أسئلتة نجد أنّ السائل لم يطرح سؤاله بالطريقة التي أوردها الكاتب بل أنّ سؤاله جاء على الشكل التالي: (ما رأيكم بمقولة من يقول أنا لا أتفاعل مع كثير من الأحاديث ) (5) . ثم أكمل السائل لكلام السيد فضل الله حرفياً.

 


 (1) راجع مجمع البيان والتبيان وتنزيه الأنبياء.

 (2) تفسير الكاشف، ج4، ص33.

 (3) تفسير الصافي، ج 3 ـ ص13.

 (4) مرجعية المرحلة، ص 30.

 (5) أجوبة السيد فضل الله على استفتاءات التبريزي سؤال 17.


/صفحة 34/

     ثمّ يعلّق الشاخوري على هذا السؤال فيقول: (وفي المقام، أقصى ما يمكن أن يسجله الآخرون أن سماحة السيد لم يتفاعل فقط مع حديث ضرب الزهراء تماماً كما هو صريح عبارة كاشف الغطاء: جّنة المأوى، ص134 وأما بقية الأمور كالهجوم على الدار والتهديد بالإحراق وإشعال النار والإعتداء على حرمة الزهراء والإمام عليهما السلام فلم ينكرها، فلا يصح أن يقال أن سماحته نفى حصول أي عنف على الزهراء كما يورده البعض..) (1)

     ونحن بدورنا نعلّق على كلام الشاخوري فنقول:

     1 ـ أما قول الشاخوري إن إشعال النار لم ينكره أحد فهو غير صحيح لان ذلك لم يثبت عند السيد فضل الله بل الثابت لديه حتى قو ل (وإن) بما يعني التهديد بالإحراق فقط مستشهداً على ذلك بكلام ينقله هو وحده عن المقدّس السيد عبد الحسين شرف الدين، أضف إلى ذلك أنه حتى التهديد قد أفرغه من مضمونه عندما أعتبر أنّ قلوب المهاجمين مملوءه بحب الزهراء وعندها يغدو التهديد شكلياً.

     2 ـ ثم إننا لم نفهم أي معنى يقصد بقوله (لم أتفاعل) وهل هذه الكلمة تعتبر من مفردات أصول البحث العلمي؟ وهل القضايا التاريخية يستدل عليها بتفاعل هنا ووجدان هناك أم بالدلائل والقرائن والشواهد؟ وهلّ أن إثبات القضايا التاريخية ونفيها خاضع للمزاج الشخصي والتفاعل النفسي والوجداني، وإذا كان الأمر على هذا النحو فإننا بكل بساطة نصل عندها إلى مرحلة يمكن معها إسقاط كثير من الحوادث التاريخية التي قد لا يتفاعل معها بعض دون بعض آخر.

     3 ـ ثم إذا كانت القضية قضية تفاعل وجداني فما هو الفرق إذن بين قباحة الضرب من جهة وقباحة الهجوم على الدار والتهديد بالإحراق وإشعال النار والإعتداء على حرمة الزهراء والإمام عليهما السلام من جهة أخرى؟

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 30.


/صفحة 35/

     4 ـ كذلك فإننا نتساءل كيف أنّه يوازن بين مسألة الإعتداء على حرمة الزهراء (ع) بالضرب وبين قضايا مثل التطبير والضرب بالسلاسل وغيرها؟ وهل أنّ مسألة الإعتداء على حرمة الزهراء بالضرب بما له خلفيات مشبوهة وبما له من دلالات خطيرة تلامس جوهر المشكلة الكبيرة داخل المجتمع الإسلامي تساوي عنده مسألة التطبير والضرب بالسلاسل التي إرتآها وأرتضاها بعض الناس لتكون تعبيراً منهم عن الحزن والأسى لمصاب أهل البيت عليهم السلام؟ هذا فضلاً عن أنّ مسألة التطبير والضرب بالسلاسل قد تجد بعض المراجع يؤيدونها وبعض آخر يتحفظ حولها أمّا قضية الاعتداء على حرمة الزهراء بالضرب وعلى حرمة الإمام عليهما السلام مما لم ينكره أحد على الإطلاق سواء في الدائرة الشيعية أم في غير الدائرة الشيعية.

     و يتابع الشاخوري قائلاً:(و لذلك لا حاجة لان يتعب صاحب كتاب مأساة الزهراء (ع) نفسه بإيراد أقوال العلماء إلا إذا أراد تكثير الأسماء الذين تتطابق وجهة نظرهم مع سماحة السيد كالمجلسي وأبو صلاح الحلبي والشيخ جعفر كاشف الغطاء والسيد محمد قلي الموسوي والمظفّر والسيد عبد الله شبّر حيث تقول عبارة الأخير (أنّه ـ أي عمر ـ همّ بإحراق بيت فاطمة (ع) وقد كان فيه أمير المؤمنين (ع) وفاطمة (ع) والحسنان وآذاهم) ـ المأساة ج2، ص 103 ـ كما أنّ على الباحث الموضوعي أن يذكر أسماء العلماء الذين يتفقون معه ويختلفون) (1) .

     ونحن نرى أنّ قوله هذا غير صحيح بل لا يخلو من تحريف واضح لان هؤلاء الأعلام قد ذكرهم العلاّمة المحقق السيد جعفر مرتضى في مورد الاستشهاد بهم لإثبات ما جرى على الزهراء (ع) .

     وتبقى مشكلتنا مع الشاخوري أنّه يقرأ بالمقلوب ـ حسب تعبيره ـ ويتهم الآخرين بذلك، ولعلّ إستشهاده بهؤلاء الأعلام قد انتحله من كتاب ـ مأساة كتاب المأساة ـ الذي اتى بشواهده من نصوص لهؤلاء الاعلام زعم أنها ذكرت في كتاب مأساة الزهراء.إلا أنّ

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 31.


/صفحة 36/

يـد كاتب (مأساة كتاب المأساة) قد عملت بالتزوير والتحريف وإجتزاء النص وحذف بعض فقراته حتى تصبح صالحة ـ بنظره ـ للإستدلال بها.واليك بعضها.

     1 ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء يقول وهو يستدل على عدم صحة خلافة ابي بكر: (ومنه:إحراق بيت فاطمة لما جلس فيه علي عليه السلام ومعه الحسنان وامتنع عن المبايعة).. (1) . إلاّ أنّ صاحب مأساة كتاب المأساة قد ذكر أسم الشيخ جعفر كاشف الغطاء، متجاهلاً النص المذكور مستدلاً بنص آخر كان قد ذكره العلامة المحقق حيث ينقل عن الشيخ كاشف الغطاء وهو يورد إشكالاته على الخليفة الثاني: ( ومنه قصد بيت النبوة وذرية الرسول بالإحراق) (2)

     2 ـ السيد محمد قلي الموسوي. وقد قال السيد الموسوي: (وقوع إحراق بيت الزهراء ورد في الروايات وتؤيده القرائن الصادقة الموجودة في كتب أهل السنة) (3)

      وهذا النص المذكور قد حذفه صاحب (مأساة كتاب المأساة) واكتفى بإيراد النص الآخر (4) وفي مثله يقال عن المجلسي والحلبي والمظفّر. وأما السيد عبد الله شبر والذي نقل عبارته الشيخ الشاخوري فليتأمل فيه قوله: (أنّه همّ بإحراق البيت ـ بيت فاطمة، وكان فيه أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة والحسنان وآذاهم) وعلى القارئ أنّ يلاحظ كلمة (وآذاهم)

 


 (1) كتاب مأساة الزهراء ـ شبهات وردوده، ج 2، ص102.

 (2) راجع كتاب مأساة كتاب المأساة نجيب نور الدين ص 178وراجع كتاب مأساة الزهراء،ج2،ص102.

 (3) مأساة الزهراء، ج 2،ص 104.

 (4) مأساة كتاب المأساة ص 178.


/صفحة 37/

ملاحظة على النماذج:

     ومما يؤخذ على صاحبنا حول ما أسماه الإستفتاءات المفبركه أنّ جميع هذه النماذج لا تخلو من تحريف إمّا بزيادة أو بنقصان وإما بإستيحاء السؤال من ثنايا الإجابة أو من كلام السيد فضل الله كما ظهر في النماذج: الثاني والثالث والخامس.

     وبعد كل هذا العرض يتضح أنّ إتهام الآخرين بفبركة الأسئلة وإتهام الناس وتضليلهم بها إنما ينطبق على نفس الشيخ الشاخوري حينما عمد إلى فبركة الأسئلة المشار إليها آنفاً ونسبها إلى غيره دفاعاً عن فلانٍ من الناس بغير وجه حقّ ومن دون أيّ دليل أو برهان.

ثانياً: بين اللعب بالألفاظ والحرتقة والهرطقة:

     يتهم الشاخوري بعض الناس بإستعمالهم أسلوباً خبيثاً في عرض آراء الآخرين ونقلها فهم ينقلون ـ على حد زعمه ـ مقطعاً صغيراً ويحذفون ما قبله وما بعده ليبدو الكلام ظاهراً في غاية القبح.

     ولتوضيح فكرته هذه عمد الشاخوري إلى تجربة بتقطيع عبارات لبعض العلماء يهدف من خلالها إلى بيان كيفية التلاعب بالألفاظ حتى تخرج تماماً عن قصد قائلها وقد مهّد لنفسه الطريق للطعن بما فهمه الآخرون من عبارات وردت في كتاب (من وحي القرآن) للسيد فضل الله. (1)

      ونحن سوف نذكر مثالاً من الأمثلة التي أوردها الشاخوري اختصاراً وهو كفيل بإيضاح الفكرة التي حاول الشاخوري الإيحاء بها.

     يقول الشاخوري: (الشهيد مطهري يقول: الإمامة ليست أمراً مقدساً!! بينما في المصدر الأصلي قال:(معنى الإمام: لا تنطوي كلمة الإمام في حد ذاتها على مفهوم مقدس، فالإمام هو المؤتم به أي المقتدى والمتبع، وهـو

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 32.


/صفحة 38/

الشخص الذي يتقدم على جماعة تتبعه، سواء أكان عادلاً ينهج صراطاً سوياً، أم ضالاً يهوي نحو الباطل) الإمامة ص38) (1) . هذه التجربة وغيرها من التجارب التي حاولها الشاخوري لا تصلح كشاهد أو دليل على إتهام الآخرين بالتلاعب بألفاظ وردت في كتاب (من وحي القرآن) للسيد فضل الله وذلك لأسباب عديده منها:

     1 ـ إنّ هؤلاء إنما ذكروا نصوصاً كاملة لأراء وكلام السيد فضل الله.

     2 ـ إن هناك فرقاً واضحاً بين مضمون كلام، الشهيد مطهري وبين العنوان المفبرك الموضوع له ويمكن للقارئ أن يكتشف هذا الفرق فور قراءته للنص الأصلي إلاّ أن الأمر مع عبارات (من وحي القرآن) تختلف إختلافاً جوهرياً لان ما فهمّه (هؤلاء) من كلام السيد فضل الله هو نفسه مقصده ومراده وبالتالي فان دعوى التلاعب بالألفاظ غير صحيحة.

     ويكفي شاهداً على ذلك أن الشاخوري نفسه قد عمد إلى مصادرة عقل القارئ عندما ذكـر أن بعض المفسرين قد ذهب مذهب فضل الله في التفسير ومثّل على ذلك بما جاء في مجمع البيان حول تفسير قوله تعالى (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي..) . الأمر الذي يدل على أن المفهوم من كلام السيد فضل الله هو عين ما فهمه (هؤلاء) وإن استشهاد الشاخوري بكلام صاحب مجمع البيان إنما هو للتدليل على أن السيد فضل الله لم ينفرد بهذا القول مع أن ذلك غير صحيح وسيتضح لك ذلك في حينه.

     3 ـ لو صحّ إتهام الشاخوري لهؤلاء بالتلاعب بالألفاظ لكان في مقدوره الإكتفاء بعرض النص المفبرك من كلام السيد فضل الله ثم يتبعه بالنص الأصلي كما فعل بتجاربه والتي عرضنا منها نموذجاً لكلام الشهيد مطهري.

     ويتضح من خلال هذا العرض أن ما حاوله الشاخوري من إتهام الآخرين بالتلاعب بالألفاظ إنما هو أسلوب برع فيه هو نفسه عندما مارسه مع الآخرين. وأسماه بالحرتقات اللفظية والتلاعب بالألفاظ وهو لا يعدو كونه في سوق العلم والعلماء أن يكون هرطقات جوفاء.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص23.


/صفحة 39/

ثالثاً: التشيع وجهة نظر والتوجيه الفاشل:

     نلاحظ أن الشاخوري قد أفرد عنواناً مستقلاً لمعالجة قول السيد فضل الله إن التشيع وجهة نظر ولكنه من الناحية العملية أدرجه تحت ما أسماه بالاستفتاءات المفبركه.

     يقول الكاتب: (وهكذا نجد التهويل واضحاً في عبارة (مراجع الآمة وعلماء المذهب يتصدون) وقد مرّ عليك نماذج من طريقة التصدي عن طريق الاستفتاءات المفبركه وهكذا اللعب على لفظ أن التشيّع وجهة نظر التي وردت في سياق الحديث مع الآخرين.. لأنه عندما يقال من البداية أننا الحق وأنكم الباطل فلن يدخلوا في النقاش أصلاً، أمّا عندما يقال لهم إن لنا وجهة نظر وأنتم لكم وجهة نظر فتعالوا نتناقش فإنه يمكن جذبهم لساحة الحوار وهذا التعبير مما درج عليه العلماء الواعون في مقام التخاطب مع أهل التسنن، فمثلاً أستعمل هذا التعبير الشيخ عبد الله نعمة في كتاب روح التشيع ص 174 حيث قال: (ومن أجل هذا يرى الشيعة أن وجهة نظرهم حول وجوب طـاعة النبي في جميع الشؤون الدينية والدنيوية تنسجم مـع صريح القرآن). وهكذا السيد عبد الحسين شرف الدين في المراجعات ص48 في مقام توجيهه انقلاب الصحابة على النص على علي (ع) حيث يقول ما نصّه:(أمّا ما كان فيها متعلّقاً بالسياسة كالولايات والإمارات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وتسريب الجيش فانهم لم يكونوا يرون التعّبد به والإلتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه بل جعلوا لأفكارهم مسرحاً للبحث ومجالاً للنظر والاجتهاد فكانوا إذا رأوا في خلافه رفعاً لكيانهم أو نفعاً في سلطانهم ولعلهم كانوا يحرزون رضا النبي بذلك..). (1)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 31 ـ 32.


/صفحة 40/

والمتأمل في هذا النص يجد أنّه لا يخلوا من مغالطات فادحه وتلاعب ـ كعادته ـ بالألفاظ واليك بعضها:

     1 ـ لم يذكر الكاتب مصدر العبارة (مراجع الآمة وعلماء المذهب يتصدون) فهل ذلك متعمد حتى لا يطلع القارئ على مصدرها ويحول بينه وبين الرجوع إليه وعلى أيّ حال فان هذه العبارة قد وردت في كتاب (لماذا كتاب مأساة الزهراء ص26) فراجع.

     2 ـ إن ما إعتبره الكاتب في عبارة (مراجع الأمة يتصدون) من قبيل الإستفتاء المفبرك إنما هو استخفاف بفتاوى المراجع وآرائهم لان هؤلاء الأعلام لم يتصدو بناءً على إستفتاءات. يزعم الشاخوري أنها مفبركة بل لقد كان تصديهم بعد
دراسة وافية وقراءات مفصّله لآراء السيد فضل الله وكتبه وقد تقدم أنّ ما ذكره الشاخوري كنماذج على الاستفتاءات المفبركة لم يكن بالحقيقة إلاّ نصوصاً حرفية من كلام السيد فضل الله نفسه. على أن القاصي والداني يعلم أنّ آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قد تفرغ برهة هامة من الزمن لمطالعة كتب السيد فضل الله وآرائه قبل أن يصدر رأيه في أيّ استفتاء وجّه إليه وكذلك فعل آيات الله العظام الشيخ الوحيد الخراساني والشيخ محمد تقي بهجت والسيد محمد سعيد الحكيم وهذا ما نعهده من علمائنا ومراجعنا العظام.
وعليه فانه من غير المقبول ولا يمكن السكوت عن اتهام كهذا يصدر من الكاتب وغيره.

     3 ـ أما توجيه الكاتب الفطن لكلام السيد فضل الله حول التشيّع وكونه وجهة نظر في الإسلام بأنه جاء في سياق الحديث مع الآخرين فيعتبر توجيهاً فاشلاً لاّن كلام السيد فضل الله إنما كان موجهاً للعاملين في الساحة الإسلامية أو لمن يحب أن يسميهم (بالإسلاميين الحركيين) وعليه فانّ هذا الخطاب قد كان موجهاً لفئة مخصوصة وليس كما حاول هذا الفطن توجيهه ولتأكيد ما نقول نعرض للقارئ الكريم نصاً من كلام السيد فضل الله يتعلق بموضوع البحث.


/صفحة 41/

     فهو يقول:

(إننا من خلال هذا العرض كلّه نستطيع التأكيد على نقطة مهمة في حركة العمل الإسلامي في واقع الأمة وهي دراسة الظروف الدقيقة التي تحكم الساحة العامة للواقع السياسي والاجتماعي الثقافي للتعرف على العناصر الحية التي تحكم إمكانات العمل ومراحله وأهدافه. فقد تكون القضية هي أن ينطلق العاملون من أجل تعبئة الذهنية الإسلامية العامّة بثقافة الرفض للحكم المنحرف الذي يملك الشرعية الإسلامية سواء كان حكماً يتحرك في مواقع الحكام المسلمين أو في مواقع غيرهم.. وتوجيه الفكر الحركي إلى الانطلاق مع القيادة الشرعية في مظاهرها ومواقعها المتنوعة..) (1) .

      ومن خلال هذا النص يتضح أنّ محاولة الكاتب لتوجيه كلام السيد فضل الله وفق ما تقدم هي محاولة فاشلة خاصة وأن الفكرة التي حاول السيد فضل الله إظهارها نابعة من دراسته لحياة الإمام الكاظم عليه السلام.

     ويمكن الإستشهاد أيضاً بنفس النص الذي تعرض فيه السيد فضل الله لموضوع البحث لتأكيد فشـل هذا التوجيه حيث يقول السيد فضل الله: (وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون خط التشيع فيما هو التشيع وجهة نظر في خط الإسلام حاله معزولة عن الواقع العام للمسلمين فيبتعد اتباع أهل البيت عليهم السلام عن حركة المجتمع في الحالات التي يبتعد فيها الحكم الإسلامي الشرعي عن السيطرة على الحياة بل ينبغي لهم أن يدرسوا لهم موقعهم ومواقع المسلمين الآخرين في كل الساحات الإقليمية والدولية بالطريقة التي تجعل موقعاً فاعلاً في المجالات العامّة الحيوّية ) (2) .

 


 (1) تأملات في آفاق الإمام موسى الكاظم ص 94 محمد حسين فضل الله.

 (2) المصدر نفسه، ص94.


/صفحة 42/

إن المتأمل في هذا النص يدرك تماماً أن كلام السيد فضل الله موجّه لخصوص من اسماهم بالعاملين الحركيين هذا من جهة ومن جهة أخرى كان بإمكان السيد فضل الله عدم ذكر العبارة محل الإشكال وهي (فيما هو التشيع وجهة نظر في خط الإسلام) التي جاءت كجملة إعتراضية تعبر عن رأيه في التشيع كمذهب وعقيدة، ومع ذلك كان يمكن للمعنى الذي يريده السيد فضل الله أن يستقيم دون ذكره للعبارة المشكلة.        والجدير ذكره أن ما يأتي عادة في جملة إعتراضية إنما هو من قبيل تأكيد نفس الفكرة التي يريدها الكاتب ويقصد إلى التشديد عليها.

     ومن جهة ثالثة فان كلام السيد فضل الله لم يأت من فراغ بل إن له نوع إرتباط وإتصال بما يتعلق في مسألة الإمامة وجعلها من (المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للإجتهاد مّما لم يكن صريحاً بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه ولم يكن موثوقاً بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه..) (1) .

     كما أنّ له ارتباط أيضاً بما أسماه التراث الفقهي والكلامي والفلسفي والذي جعله نتاج المجتهدين والفقهاء والمفكرين وبأنه لا يمثل الحقيقة إلاّ بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة وبالتالي فان كلّ الفكر الإسلامي ما عدا البديهيات هو فكر بشري.قد يخطئ فيه البشر وقد يصيبون. (2)

     وأمام هذا العرض يصبح واضحاً أنّ تعبير السيد فضل الله حول التشيع بأنه وجهة نظر في خط الإسلام يمثل قناعة لديه وليس الأمر كما حاول الكاتب توجيهه بأنه جاء في سياق مخاطبة الآخرين خارج الدائرة الشيعية، ومن هنا قلنا بأنّ توجيهه لكلام السيد فضل الله كان توجيهاً فاشلاً لا يحتمله النص سياقاً ودلالة ولسنا نجازف إن قلنا بان هذا التوجيه قد لا يقبله السيد فضل الله نفسه.

 


 (1) مجلة المنهاج، عدد 2، مقال الأصالة والتجديد.

(2) حوار في الفكر والسياسة والإجتماع، ص480.


/صفحة 43/

     4 ـ أمّا تشبيه الشاخوري لكلام السيد فضل الله بما جاء في كتاب روح التشيع (للشيخ عبد الله نعمه)  (1) . فلا يخلو من مجازفة ظاهرة بل لا يخلو من تعسّف لان كلام الشيخ نعمه المتقدم ذكره إنما جاء في إطار الحديث عن مورد محدّد يتعّلق بخصوص وجوب طاعة النبي في جميع الشؤون الدينية والدنيوية ولذلك عبّر الشيخ نعمه بعبارة وجهة نظرهم ـ أي الشيعة ـ ولم يجعل ـ رحمه الله ـ التشيع كلّه وجهة نظر.

     إضافة إلى ذلك فإن الشيخ نعمه وإن كان قد عبّر حول رؤية الشيعة لهذه القضية بأنها وجهة نظر ألا أنّه عقّبها بعبارة (تنسجم مع صريح القرآن) ليصبح المعنى بأن وجهة نظر الشيعة في هذه القضية هي الوجهة الصحيحة وهذا ما لا نجده في عبارة السيد فضل الله التي جاءت عامّة بلا قيد أو ضابطة.

     وما قيل حول استشهاده بكلام الشيخ نعمه يقال أيضاً حول إستشهاده بكلام السيد عبد الحسين شرف الدين فلا حاجة للإعادة والتكرار.

رابعاً: من فمك أدينك:

     يورد الكاتب بعض النماذج من كلام السيد فضل الله التي يفترض أنّ الآخرين قد قاموا بتقطيع عباراتها على غرار ما قدمه من تجارب قام بها، والغريب في هذه العبارات التي قدّمها كنصّ حرفي لكلام السيد فضل الله أنها تحتوي على كثير من الإشكالات التي أوردها عليه الآخرون ولعلّ كاتبنا (المدقق) لم يلتفت إليها رغم ذلك فقد دأب ـ كعادته ـ على إيجاد التبريرات وتقديم الاعذار مستعيناً بآراء العلماء.

النموذج الأوّل:

     يتعلق هذا النموذج بقوله تعالى: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربّي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلمّا رأى القمر بازغاً قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لان لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين فلمّا رأى الشمس بازغة قـال

 


 (1) كنا قد ذكرنا النص الكامل للشاخوري في بداية هذه النقطة فراجع.


/صفحة 44/

هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم أني بريء مما تشركون أني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين)  (1) .

     حيث يحاول الشاخوري مصادرة عقل القارئ منذ البداية عندما ذكر أنّ الشيخين الطوسي والطبرسي قد أوردا أربعة إتجاهات في تفسير الآية المذكورة وهي:

     1 ـ إنما حكى الله سبحانه عن إبراهيم قبل بلوغه وقبل كمال عقله.

     2 ـ إن هذا القول كان من إبراهيم في زمان مهلة النظر لان مهلة النظر مدة الله العالم بمقدارها.

 3 ـ إن إبراهيم لم يقل ذلك على وجه الشك ولا في زمان مهله النظر بل كان عالماً بالله وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار.

 4 ـ إن إبراهيم قال ذلك على وجه المحاجه لقومه بالنظر. (2) ويبدو من خلال هذه الوجوه الأربعة أنّ الوجه الأول هو المشكل بينما لا إشكال في باقي الوجوه التي لا تقدح في عصمته وإيمانه ومع ذلك نرى أن الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي قد دافعا عن الوجه الثاني في مقابل من أشكل عليه ممن يتبنون الوجه الأول وفي هذا إشارة واضحة منهما ـ رحمهما الله ـ بدفع الوجه الأول واستبعاده. فهل هذا ينطبق على ما جاء في كلام السيد فضل الله؟ فلننظر في ما نقل الكاتب من كلام السيد فضل الله ونقارنه مع ما جاء في (من وحي القرآن) لنتعرف على حقيقة آراء السيد فضل الله ووجهة نظره.

     يقول الشاخوري:(وفي تفسير (من وحي القرآن) كان سماحة السيد في مقام تقرير وجهات النظر التفسيرية التي ذكرت للآية بكل دقة وأمانة ثم في نهاية البحث يستعرض الرأي الذي يرتأيه ولكن حاول بعضهم أن يقتطع هذا القطع الذي ينطبق على الاتجاه التفسيري الأول فنقل هذا المقطع (فخيّل إليه أنّ هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه لان الفكرة الساذجة تجعله

 


 (1) الأنعام، 74 ـ 79.

 (2) مرجعية المرحلة، راجع ص 45، وكذلك مجمع البيان ج4 ص 323 والتبيان ج4 ص 182.


/صفحة 45/

في الأفق الأعلى البعيد الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ولا تستطيع الخلائق أنّ تصل إليه أو تدرك كنهه) ولم ينقل المقطع الموجود في آخر البحث وهو (وماذا بعد ذلك هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان لدى إبراهيم أو هي محاكاة إستعراضية للأجواء المحيطة به فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس.. في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام منطق الوجدان وذلك من موقع الابتعاد عنها بعد إقترابه منها ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدّثنا القرآن عن حياته فنحن لم نلمح في غير هذه الآية ـ حاله تأثر في الجو المحيط بل ربّما الأمر ـ بالعكس من ذلك ـ حالة تمرد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم منه وقد نستطيع إستيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم لأبيه حول الأصنام التي يعبدها أنّ هذا الموقف سابقٌ لموقفه من هذه العقائد) (1) .

     ونقول:

     1 ـ إنّ الاتجاه المعاصر في تفسير القرآن أنّ يقوم المفسّر بإبداء رأيه في معنى الآيات في المقام الأّول ثم يتبع ذلك بعرض الاتجاهات الأخرى في تفسير الآيات إمّا لمجرّد عرضها وإمّا بهدف معالجتها ومناقشتها نفياً أو إثباتاً أو توجيهاً. والمطّلع على كتاب (من وحي القرآن) وتحديداً في تفسير الآيات موضع البحث يجد أن السيد فضل الله قد استعرض هذه الآيات ثم أبدى وجهة نظره في تفسيرها ابتداء ليستعرض بعد ذلك الآراء الأخرى في التفسير. وعليه فإن ما نقله الشاخوري من مقطع زعم أن بعضهم قد إقتطعه ونعني به خصوص قول السيد فضل الله (فخيّل إليه أنّ هذا هو الإله العظيم..) إنّ هذا

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 45 ـ 46.


/صفحة 46/

المقطع مأخوذ من الجزء المتعلّق بوجهة نظر السيد فضل الله نفسه في تفسير الآية. ولتقريب الصورة سوف نعرض للقارئ عبارات السيد فضل الله:

(.. نشاهد إبراهيم يتطلع إلى السماء كما لو كان قد شاهدها أوّل مرة فهو ـ فيما توحيه الآية ـ يواجهها كتجربة جديده لم يلتق بها من قبل.. فقد كان يشاهدها سابقاً في رؤية جامدة لا تعني له شيئاً وبدأ يفكر في إستعراض عقلي للعقائد التي يعتقدها قومه في عبادتهم للكواكب.. ومحاكاة ذاتية تتحرك من أجل إثارة التساؤل وهكذا التقى في الكواكب المتناثرة في السماء فما أن لمح كوكباً يتلألأ ويشع حتى سيطرت عليه أجواء الروعة واستولى على فكره الخشوع الروحي فخيّل إليه أنّ هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد (فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربّي).في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيّل إليه أنّه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس كما لو لم يكتشفه أحد غيره وكأنّه أقبل إليه في خشوع العبد وربّما ردّد هذه الكلمة (هذا ربي) في سّره كثيراً ليوحي لنفسه بالحقيقة التي أكتشفها ليؤكدها في ذاتها بعيداً عن كلّ حالات الشكّ والرْيب وبدأت الكواكب تشحب.. وتبهت حتى غابت.. لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح وانكشفت له الحقيقة الصارخة فقد كان يعيش في وهم كبير فقد أفل الكوكب لكنّ الإله لا يأفل وإهتزت قناعاته من جديد (فلمّا رأى القمر بازغاً) في صفاء الليل وبدأت المقارنة بين ذلك النور الكوكبي. وبين هذا النور القمري فأين هذا من ذاك فهذا هو السّر الإلهي الذي كان يبحث عنه (قال هذا ربي)وعاش معه في حالة روحيه من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني وفجأةً بدأ الشعاع يبهت ثمّ يغيب وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد أين ذهب الإله.. وضجّت علامات الاستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو؟ وعاش في التصور الضبابي.. يتوسل


/صفحة 47/

بالربّ الذي لا يعرف كنهه وفجأةً أشرقت الشمس.. فأخذت عليه وجدانه (فلّما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) فأين حجم الشمس من حجم القمر فلا بّد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه فإذا به يهتز ويتحرك في قوّة وامتداد وبدأ يفكّر فها هي تبهت.. ثم تغيب وتأفل وأطلق الصرخة في من حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون الكواكب فيما خيل إليه في وقت من الأوقات أنّه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شكّ ولا ريب وتمرد على كلّ هذه الإتجاهات الإشراكيه لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وأدرك أن الله لا يٌحس كما تٌحس الموجودات الأخرى ). (1) .

     وبعد ما تقدم من نص السيد فضل الله فإننا نسأل الكاتب هل هذه عبارات من يستعرض وجهات نظر المفسرّين وآرائهم أم هي تقرير لوجهة نظر يرتأيها!؟.

     ولابّد للقارئ من ملاحظة بعض المفردات والعبارات التي أستخدمها في النص المذكور والتي تلقي الضوء على ما ذكرناه وإليك هذه النماذج التالية:

        ـ حتى سيطرة عليه أجواء الروعة.

 ـ في صرخت الإنسان الطيّب الساذج الذي خيّل إليه أنه أكتشف السر الكبير.

        ـ وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد في لهفة المسحور.

        ـ وربما ردّد هذه الكلمة (هذا ربّي) في سّره كثيراً.

        ـ ليوحي لنفسه بالحقيقة التي أكتشفها ليؤكدها في ذاتها.

        ـ وانكشفت له الحقيقة الصارخة.

        ـ فقد كان يعيش في وهم كبير.

        ـ إهتزت قناعاته من جديد.

 


 (1) من وحي القرآن، ج 9، ص 114 ـ 118.


/صفحة 48/

        ـ هذا هو السّر الإلهي الذي يبحث عنه.

        ـ عاش معه في حاله روحية من التصوف والعبادة لهذا الربّ النوراني.

        ـ عاش في التصور الضبابي.

        ـ يتوسل بالربّ الذي لا يعرف كنهه.

        ـ لابدّ أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه (أي الشمس) .

 ـ فيما خيّل له (في وقت من الأوقات أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك).

        ـ وأدرك أنّ الله لا يُحس.

     وبعد أن قدم السيد فضل الله تفسيره للآية ذكر أن هناك إتجاهين حول ما قام به إبراهيم. يقول السيد فضل الله: (وماذا بعد ذلك هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان لدى إبراهيم أو هي محاكاة إستعراضية للأجواء المحيطة به فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب) (1) .

     فالاتجاه الأول في التفسير كما عرضه السيد فضل الله هو أن يكون إبراهيم قد خاطب الكواكب على أنها آلهة حقيقة قد تعبّد إليها. أما الاتجاه الثاني فهو أن يكون إبراهيم قد حاول إظهار سخافة هذه العقائد.

     وقد قام السيد فضل الله في ختام بحثه حول الآية المشار إليها بالتحدث بعبارات تنسجم ورأيه ووجهة نظره التي سبقت عرضه للإتجاهين.

     2 ـ لقد قام الشاخوري في عرضه لهذه القضيّة ـ وكعادته ـ بتقطيع أوصال كلام السيد فضل الله وهو ما اتهم به الآخرين بعدم نقلهم للمقطع الموجود في آخر البحث لان الشاخوري إنما عرض رأي السيد فضل الله في الاتجاه الثاني وهو خصوص النص القائل (ربّما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم..)

 


 (1) من وحي القرآن، ج 9، ص 119.


/صفحة 49/

ولم ينقل المقطع الموجود بعد هذا النص الذي إستقرب فيه السيد فضل الله الإتجاه الأول والذي سنعرضه بعد قليل. وعلى أيّ حال فإن نفس عبارات السيد فضل الله حول الاتجاه الثاني كما نقلها الشاخوري نفسه لا تخلو من مناقشة خاصةّ لجهة استعماله لبعض المفردات:

     أ ـ قوله (ربّما) وهو استعمال ضعّف فيه السيد فضل الله الاتجاه الثاني.

     ب ـ قوله (هو الرأي الأقرب) ولم يقل ربما هذا هو المقصود من الآية فإن تعبيره (بالرأي الأقرب) إلى جانب كلمة (ربما) تزيد من ميله إلى الاتجاه الثاني ضعفاً إلى ضعف.

     ج ـ والتضعيف الثالث يأتي في تعبيره بأن هذا (الرأي الأقرب) (يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته) فالمعيار عند السيد فضل الله هو شخصية إبراهيم وليس عصمته التي هي من مقتضيات النبوة.

     د ـ والتضعيف الرابع قوله أنه لم يلمح في غير هذه الآية حالة تأثر بالجوّ المحيط وظاهر عبارته هذه أنّه لمح في هذه الآية حالة تأثر بالجوّ المحيط به.

     هـ ـ والتضعيف الخامس وهو قوله حول الاتجاه الثاني (أو هي محاكاة إستعراضية للأجواء المحيطة به فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد إقترابه منها مّما يعطي لموقفه بعض القـوة في الإيحاء بإعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ثم تمرد عليها) (1) . فلاحظ قوله: (من موقع ابتعاده عنها بعد إقترابه منها) وكذلك قوله: (الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ثم تمرد عليها).

     3 ـ إنّ الشاخوري وكما ذكرنا آنفاً لم ينقل المقطع الموجود في آخر البحث ونعني به كلام السيد فضل الله بعد حديثه عن الاتجاه الثاني حيث عاد وإستقرب الإحتمال الأول فهو يقول: (أمّا الاحتمال الأول فقد يقربه أن تكون الحادثة قد حدثت في

 


 (1) من وحي القرآن، ج 9 ـ ص 119 وكذلك راجع مرجعية المرحلة، ص 46.


/صفحة 50/

بداية طفولته عندما بدأ يتطلع للأشياء ويفكر في الإله في عملية تأمل وتدبر في مستوى ذهنية الطفل ولعلّ هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عالياً.. بعيداً.. ولكنّه يشرق في قلب الظلام فيشعر بالرهبة والروعة فيصرخ ـ في مثل اللهفة ـ هذا ربّي إنطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد.. فلما أفل أحسّ بالانقباض وقال لا أحب الآفلين فقد نجد في كلمة (لا أحب) بعض كلمات الطفولة البريئة التي تحب أو لا تحب من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء وتتكرر التجربة مع القمر وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد تماماً كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئاً قد أضاعه أو شيئاً قد طلبه وتتكرر خيبة الأمل من جديد وتشرق الشمس فتكبر الصرخة في طفولية بارزه هذا ربي هذا أكبر وينطلق الحجم ليؤكد الفكرة فيما لا توحي به ألاّ أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل لان الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة وتتجدد خيبة الأمل بالأفوال..) (1) .

     والمتأمل في عبارات السيد فضل الله حول تقريبه للاتجاه الأول سيجد أنها تتطابق مع وجهة نظره في تفسيره للآية والتي ذكرها في بداية تفسيره لها وهي عبارات واضحة وليس فيها أي تعبير يوحي بتضعيفه لهذا الاتجاه كما هو الحال في عباراته حول الاتجاه الثاني.

     4 ـ ويضاف إلى كل ما تقدم أن السيد فضل الله وبعد أن ذكر ما ذكره أعقب ذلك بقوله (وفي كلا الاحتمالين يمكن للعاملين في حقل التوجيه..) (2) . فالاحتمالان مازالا واردين.فهو وعلى أبعد تقدير لم يستقرب واحداً دون الآخر فكلاهما موجود في دائرة الإمكان.

 


 (1) من وحي القرآن،ج 9, ص 120 ـ 121.

 (2) من وحي القرآن،ج 9، ص 121.                       


/صفحة 51/

     5 ـ ولا ينبغي أن يغفل القارئ عن بعض العبارات التي لا يصح إستعمالها أو نسبتها أو وصف الأنبياء بها مثل: (الجو النفسي الساذج) و (الفكر الساذج) و (مشاعر ساذجة) و (طفولة بارزة) والتي قد لا نجدها عند من لا يقول بعصمة الأنبياء.

النموذج الثاني:

     يقول الشاخوري:(في تفسير قوله تعالى (وعصى آدم ربّه فغوى) طه/121 ـ حاول أحدهم أن يذكر المقطع الذي وردت كلمة (لأنه كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان) ولم يذكر المقطع الذي يجعل الصورة واضحة وهو قوله (فنسي ما ذكرناه به فترك الامتثال للنصيحة الإلهية التي لم تكن أمراً إرشادياً يتحرك من المنطق الطبيعي للأمور فيما ترتبط به النتائج بمقدماتها) (1) .

     إن إدعاء الشاخوري بأن (أحدهم) لم يذكر المقطع الذي يجعل الصورة واضحة ليس صحيحاً باعتبار أنّ مورد الإشكال لا يتعلق بطبيعة الامتثال للنصيحة الإلهية أو بعدم الامتثال وبكون الأمر الإلهي أمراً إرشادياً أو مولوياً، فهذا مما لا خلاف فيه بين المفسرّين، إنما ينصب أو يتمحور الكلام في هذه المسألة حول ما أثاره السيد فضل الله من إشكالات تتعلق بالأنبياء أنفسهم وخصوصاً تأكيده على نقاط الضعف البشري التي هي مرتكزة في طبيعة الأنبياء باعتبارهم بشراً.

     أضف إلى ذلك إشكالات تتعلق فيما يستخدمه السيد فضل الله من تعابير ومفردات وأوصاف لا تليق بساحة الأنبياء وقداستهم. ومن جهة أخرى ما يتعلق بتناقض كلامه حول المعصية وإليك التفصيل:

     أ ـ يقول السيد فضل الله حول معصية آدم بأنه عليه السلام (ترك الامتثال للنصيحة الإلهية التي لم تكن أمراً تشريعياً يستتبع عقاباً جزائياً بل كان

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 47.


/صفحة 52/

أمراً إرشادياً يتحرك من المنطق الطبيعي للأمور) (1) . ويقول في مكان آخر شارحاً الفرق بين الأمر الإرشادي والأمر التكليفي بان معصية آدم (ليست لأمر تكليفي يستتبع الجزاء والعقاب بل هي لأمرٍ إرشادي يستتبع الضرر الذاتي الذي يترك تأثيره على حياة الإنسان بعيداً عن مواقع الانحراف الفكري والروحي) (2) .

     لكنه يقول في موردٍ آخر إنّ الله قد أمر آدم وزوجه (بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها لأنهما عصياه كما عصاه وإن كان الفرق بينهما أنه ظلّ مصراً على المعصية ولم يتب فلم يغفر له الله بينما وقف آدم وزوجته في موقف التوبة إلى الله فغفر لهما) (3) .

     وكلامه هذا ظاهر في التناقض مع ما تقدّم من الأمر الإرشادي لأنّ معصية الأمر الإرشادي كما تقدم ذكره لا تستلزم ثواباً أو عقاباً وبالتالي فإنّ التوبة إنما هي زيادة في الكمال وهذا لا ينسجم مع اعتبار معصية آدم كمعصية إبليس و أنّ الفرق بينهما أن إبليس أصرّ على المعصية ولم يتب فأستلزم ذلك العقاب. فإنّ كانت معصية إبليس كمعصية آدم فان ذلك يعني أن معصية إبليس أيضاً كانت معصية أمر إرشادي فكيف استحق العقاب بالخروج من الجنة وهذا يعني أيضاً أن آدم لو لم يتب لاستحق العقاب.

     ومن جهة ثانية، كيف امر الله تعالى إبليس بالخروج من الجنة لأنّه عصاه ـ على حد تعبير السيد فضل الله مع أنّه لم يتب؟ ثم عاقب آدم بنفس العقاب ـ أعني الخروج من الجنّة ـ رغم توبته! نعم قد يقال إنّ معصية إبليس كانت معصية لأمر تكليفي بينما معصية آدم كانت لأمر إرشادي.

 


 (1) من وحي القرآن،ج 15، ص 171.

 (2) مرجعية المرحلة، ص 175.

 (3) نفس المصدر، ج 10، ص 34.


/صفحة 53/

     فنقول: إن هذا غير ظاهر في كلام السيد فضل الله من جهة ومن جهة أخرى فإنه إنّ صحّ ذلك فان كلام السيد فضل الله إن الفرق بين المعصيتين ناظرٌ إلى التوبة وعدمها يصبح ظاهر الفساد بإعتبار أن الفرق متجه إلى طبيعة المعصية نفسها.

     ب ـ يدأب السيد فضل الله على وصف الأنبياء ـ كما ذكرنا ـ بنعوت وأوصاف لا تليق بهم ولا تجوز عليهم.

     ومن جملة أوصافه (نقاط الضعف البشري) (السذاجة) وإليكَ بعض النماذج التي تؤكد على أنّ المسألة ليست مسألة حذف وتقطيع عبارات بقدر ما هي تركيز على مقولات السيد فضل الله الذي لا يترك فرصة ولا مناسبة إلاّ ويشدد فيها على هذه الأمور ويدافع عنها وقد رأيت إلماحات حولها عند كلامنا عن النبي إبراهيم عليه السلام في النموذج الأول.

        إنه يقول:

(ولكن آدم لم يتعمق في وعي الموضوع ولم يأخذ مأخذ الجديّة والإهتمام وبقي مستمراً على خطِّ العفوية والبساطة…) (1)

     (بل نحن هنا في مجال التأكيد على أن الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمق في ذهننا الإسلامي الفكرة التي تحدثت عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي يوحي بأن هناك أسراراً فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم فيما هي الخصائص الذاتية للشخصية) (2) (لأنه كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان) (3)

     ولو فكرا جيداً [آدم وزوجته] لعرفا أن الخلود والملك ليسا من الأشياء التي تحصـل بفعل الأكل من شجرة بل هما نتيجة الإرادة الإلهية التي تملك

 


 (1) من وحي القرآن، ج15 ص171.

 (2) من وحي القرآن، ج15، ص171.

 (3) نفس المصدر، ص171.


/صفحة 54/

أمر الموت والحياة… ولكنهما إستسلما للجوِّ الخيالي المشبع بالأحاسيس الذاتية المتحركة مع الأحلام) (1)

     ملاحظة: عجباً كيف عرف السيد فضل الله ذلك ولم يعرفه آدم!؟

     ويقول: (..وإبتعد عن خطِّ الرشد الذي يقود الإنسان إلى ما فيه صلاحه في حياته المادية والمعنوية ولكن هذا الإنحراف الطارئ البسيط لم يكن حاله معقّدة في عمق الذات… بل هو حالة إنسانية تستغرق في الغفلة لحظة ثم تعود إلى رشدها) (2)

     (.. إنّ النبوِّة تلتقي بمواقع الضعف البشري في الإنسان في أكثر من موقع ولا تفرض الكمال الذي يبتعد عن المواقع الطبيعية لديه… إن القرآن لا يريد أن يعطي النبي هالة مقدسة غائمة في مجال التصور…) (3)

     (وأثار [ إبليس ] في داخلهما [ آدم وزوجته ] طموح الملك والسيطرة والخلود… فإنطلقا إليها[ الشجرة ] بكل شوقٍ ولهفة وأطبقت عليهما الغفلة) (4)

     (وتمثلت لهما الجريمة في مستوى الكارثة … كيف أقبلا على ممارسة الرغبة المحرَّمة) (5)

     (الله أراد لآدم أن يمرَّ بدورة تدريبية في مواجهة إبليس لأنَّ آدم طيِّب وساذج) (6)

 


 (1) من وحي القرآن، ج15، ص174.

 (2) نفس المصدر، ص174 ـ 175.

 (3) نفس المصدر، ص176.

 (4) من وحي القرآن، ج10، ص31.

 (5) نفس المصدر، ص33.

 (6) الموسم ع21 ـ 22، ص293.


/صفحة 55/

 النموذج الثالث:

     يتعلق هذا النموذج بما أورده الشاخوري حول قوله تعالى: (ونادى نوح ربَّه فقال ربِّي إن إبني من أهلي وإنَّ وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظكَ أن تكون من الجاهلين) (1)

     وعلق الشاخوري قائلاً: (حاول بعضهم أن يقتطع هذا المقطع (ونادى نوح ربَّه فقال ربِّي إن إبني من أهلي وإنَّ وعدك حق) فيما وعدتني أن تنقذ لي أهلي عندما أمرتني أن أحملهم وهو منهم ولكنَّ ذلك لم يحدث وأنت أحكم الحاكمين فلا يصدر عنك شيء إلاَّ لحكمة لا يدركها أحدٌ غيرك وحذف هذا المقطع (ما هي علاقة المسألة بالعصمة؟ وقد يتساءل المتسائل عن مدى إنسجام هذه الآيات في مدلولها مع عصمة الأنبياء فكيف لنوح النبي… الذي وقف أمام كل تحديات الإنحراف … ان يعيش لحظة الضعف أمام عاطفة البنوة ليقف بين يدي الله ليطلب منه إنقاذ ولده الكافر… وكيف يخاطبه الله بكل هذا الإسلوب الذي يقطر بالتوبيخ والتأنيب، ويمكن لنا أن نجيب عن ذلك… فربما كان نوح يأمل أن يهدي الله ولده في المستقبل وربَّما كان يجد في وعد الله له بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل لأنَّه من أهله ولم يلتفت إلى كلمة (إلاّ من سبق عليه القول) لأنها لم تكن واضحة…) (2)

     ولنا أن نلفت نظر القارئ إلى المفارقة العجيبة التي إرتكبها الشاخوري وأوقع نفسه فيها.. لأنَّ هذا البعض الذي زعم أنَّه إقتطع المقطع الذي أشار إليه لم يكن في وارد الإشكال على السيد فضل الله بخصوص هذا المقطع المقتطع حسب زعمه بينما في الحقيقة ـ وهنا المفارقة ـ يتجه الإشكال إلى النص الذي ذكره الشاخوري مدعياً أنَّ هذا البعض قد

 


 (1) هود، 45 ـ 46.

 (2) مرجعية المرحلة، ص47.


/صفحة 56/

حذفه، إذ كيف يمكن لهذا البعض أن يورد مقطعاً لا إشكال فيه ويحذف المقطع الذي يحتوي على الإشكال. ونحن نعتقد أن الكاتب قد عمد إلى ما عمد إليه في محاولة منه لتضليل القارئ عن مورد الإشكال ربَّما لعدم قدرته على توجيهه وتأويله خاصّة وأنَّه قد وضع العبارة التي تتضمن الإشكال ضمن نصٍّ طويل يضيع معها مورد الإشكال بحيث لا يلتفت القارئ إليها ويمر عليها مرور الكرام. وعلى أىِّ حال فإنَّ المتأمل في النص الذي إدعى الشاخوري أنَّه حُذفَ ونعني به خصوص النص الذي يبدأ بقول السيد فضل الله: (ما هي علاقة المسألة بالعصمة..)، سوف يجد أنَّ السيد فضل الله تحدث عن وحيٍ لم يلتفت إليه نوح عليه السلام بعبارة (ولم يلتفت إلى كلمة إلاَّ من سبق عليه القول لأنها لم تكن واضحة) وهذا هو مورد الإشكال. إذ كيف للنبي أن لا يلتفت إلى ما يوحى إليه؟، وهل يبقى بعد ذلك أمان من أن لا يبِّلغ نوح عليه السلام ما أوحي منقوصاً وكيف يمكن بعد ذلك ألاَّ يطعن الناس بالوحي ما دام إحتمال الخطأ وارداً على الأنبياء في تبليغ ما يوحى إليهم من خلال خطأهم في تلقّي الوحي نفسه.

     ونحن لو أردنا مناقشة آراء السيد فضل الله المتعلقة بالعصمة لظهر لنا الإضطراب في كلامه بل والتناقض أيضاً، فقد ذكر السيد فضل الله في أجوبته إلى آية الله العظمى الشيخ التبريزي أنَّ الدليل العقلي قد دلَّ على (إمتناع الخطأ في التبليغ لا في غيره) (1) لكنه عاد ليقول بعد ذلك بأنه (من الممكن من الناحية التجريدية.. أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها في وقت معيّن ليصحح ذلك ويصّوبه بعد ذلك لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة) (2) على أي حال فلا ضرورة للتوسع في مناقشة هذه الفكرة لأن رأي السيد فضل الله ظاهر الفساد.

 


 (1) ردود السيد فضل الله على استفتاءات الشيخ التبريزي جواب رقم (1) .

 (2) نفس المصدر، جواب رقم (3) .


/صفحة 57/

النموذج الرابع:

     ويتحدث الشاخوري في هذا النموذج عن قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أوَّاب إذ عرض عليه بالعشيِّ الصافنات الجياد فقال إني أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربِّي حتى توارت بالحجاب ردوها علَّى فطفق مسحاً بالسوق والأعناق)  (1)

     يعلق الشاخوري في نهاية كلامه على هذا النموذج قائلاً: (يكفي للقارىء أن يعرف الضابطة العامَّه فيما ينقل إليه ممَّا يفرض على أيِّ إنسان (تقي يخاف الله) أن يتثبت ويتريث فيما ينقل إليه ويراجع المصدر الأصلي الذي نقل الكلام عنه ويقرأ الكلام بأكمله لا أن يقرأه مبتوراً لأن الفكرة تكون عندئذٍ مبتورة أيضاً) (2)

     نودُّ في هذا المجال أن نشير إلى أنَّ هذا الشيخ (التقي الذي يخاف الله) لم يذكر لنا المصدر الذي نقل عنه وجعله عرضَّة للنقد والمؤاخذات وليته (هذا الشيخ) تريث وصبر قليلاً حتى ينزل هذا المصدر إلى المكتبات ودور النشر وبعدها يتثبت مما ينقل عنه حتى يكون القارىء على بيِّنه من أمره فيما يتعلق بالنص المنقول عن المصدر وكذلك الرد عليه ونحن وإن كنا نعلم أنَّ ما قدمه الشيخ (التقي الذي يخاف الله) من نماذج قد أخذه من مسودة كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء) التي سرقت. فقد أحببنا أن يكون هذا الأمر واضحاً عند القارىء الكريم. كما يمكن للقارىء أن يراجع تاريخ صدور كتاب الشاخوري وتاريخ صدور كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء)

     وبالعودة إلى مناقشة ما أورده الكاتب حول هذه الآية فقد عرض لأقوال بعض العلماء نقلاً عن تفسير الشيخ الطوسي ثم عقَّب على ذلك بقوله: (وحاول بعضهم هنا أن يقتطع المقطع الذي يتحدث فيه سماحة السيد عن فوات صـلاة العصـر

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 30 ـ 33.

 (2) مرجعية المرحلة، ص51.


/صفحة 58/

بسبب الإستعراض العسكري للخيل ولم يذكر المقطع الذي يتحدث فيه سماحته عن أن ذلك كان من باب ترك الأولى بإعتبار أنَّ تقديم الصلاة أفضل بلحاظ الوقت (راجع من وحي القرآن ج19 ص271)) (1)

     ويلاحظ أنَّ الكاتب (كعادته) قام باتهام الآخرين بتقطيع كلام السيد فضل الله. ثم يعرض مقطعاً إدعّى أنه حُذفَ ونسي فعلته التي فعلها هو عندما عرض مضمون مقطع صغير من كلام السيد فضل الله وترك الباقي ورغم ذلك فإننا نقول:

     1 ـ إن المسودة المسروقة التي نقل عنها الشاخوري العبارة التي زعم أنها مقتطعة قد ورد فيها النص كاملاً للسيد فضل الله وعليه فإن إتهام الشاخوري للآخرين بالتقطيع لا يعدو كونه مجرّد إفتراء. (2)

     2 ـ لماذا لم يورد الكاتب المقطع الآخر من كلام السيد فضل الله وهو خصوص قوله: (لقد أثار بعض المفسرين إحتمال تعلّق وحبّه لها (أي الخيل) عن ذكر ربِّي بحبِّ الخير بلحاظ إنطلاقه عن أمر الله ليكون إستعراضه لها وحبه لها عملاً عبادياً ليتهيأ بها للجهاد في سبيل الله… ولعلّ الأساس في هذا التفسير التوجيهي هو الخروج بعمل سليمان عن كونه مخالفاً لموقعه الرسالي في إنشغاله بإستعراض الخيل عن عبادة الله الواجبة في وقت معيّن.

     ولكنّ ذلك لا يفيد شيئاً في هذا الجانب، لأن صلاة العصر إذا كانت مؤقتة بوقت معين، بحيث يذهب وقتها بغروب الشمس وتواريها بالحجاب، كما يظهر من بعض الروايات، فإن الإنشغال عنها المؤدي إلى تركها، بعملٍ آخرٍ مرضي لله، موسع في وقته، غير مبرَّر شرعاً.

     ولهذا فقد يكون من الأقرب إبقاء الآية على ظاهرها الذي يوحي بأن سليمان كان في مقام توبيخ نفسه أو الإعتذار إلى الله عمَّا حدث له…) (3)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص50.

 (2) خلفيات كتاب مأساة الزهراء، ص140.

 (3) من وحي القرآن، ج19، ص290.


/صفحة 59/

3 ـ إنَّ الكاتب لم ينقل أيضاً كلام السيد فضل الله الذي جاء في سياق التبرير لتفسيره الآنف الذكر والذي يتعارض مع تنزيه الأنبياء وعصمتهم حيث قال: (وقد ينبغي دراسة الأسس التي يحاول الكلاميون الذين يتبنون مسألة عصمة الأنبياء بالشكل المطلق لنتعرف ماذا يمكن لنا أن نواجه به الظواهر القرآنية التي تمنح الجانب الإنساني قيمة واقعية في تقييم شخصية النبي بالمستوى الذي لا يبتعد عن الإخلاص في الصدق الواعي في خط الرسالة، مع إفساح المجال لبعض نقاط الضعف الإنساني في أن تنفذ إلى حياته، بشكل جزئي طبيعي…) (1)

     ولا شك أنَّ القارئ قد لاحظ حديث السيد فضل الله عمَّا يسميه (بنقاط الضعف الإنساني) وهي مقولة لا ينفك السيد فضل الله عن تردادها كلما حاول تبرير ما يذهب إليه حول بعض الآيات التي قد يوحي ظاهرها بأنها تنافي عصمة الأنبياء فضلاً عن وصفه لعمل سليمان (ع) بأنه غير مبرر شرعاً.

     ولا بأس من بالإستئناس بما ذكره السيد المرتضى (علم الهدى) في كتابه تنزيه الأنبياء حول ما نحن صدده حيث يقول:  (.. أما ظاهر الآية فلا يدلُّ على إضافة قبيح إلى النبي (ص) والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟ والذي يدل على ما ذكرناه على سبيل الجملة أن الله تعالى إبتدأ الآية: بمدحه [أي النبي سليمان] وتعريفه والثناء عليه، فقال: نعم العبد إنَّه أوَّاب وليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه..) (2)

 


 (1) من وحي القرآن، ج19، ص291.

 (2) تنزيه الأنبياء، ص132.


/صفحة 60/

     ومما يقوِّي رأي السيد المرتضى (علم الهدى) أنَّ لأحد أوجه إستعمال (إذ)  (1) أن تكون للتعليل أو أن تكون للظرفية وفي كلا الإستعمالين تفيد (إذ) أنَّ المدح والثناء كان حال عرضه للخيل، أو أنه (أي المدح والثناء) قد جاء لأجل ما فعله سليمان (ع) . وعليه فلا وجه لإضافة فعل القبيح له (ع) بعد مدحه والثناء عليه. وسياق الآيات يؤكد هذا الإتجاه.

     4 ـ ثم نقل الشاخوري قول السيد فضل الله في تفسيره لقول الله تعالى: (فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) ما نصُّه:

(أما تعليقنا على ذلك فانَّ الظاهر من الآية قد يؤكد فكرة ضرب أعناقها وسوقها، لأن مسألة تسبيلها في سبيل الله لا يتوقف على ردها عليه وكما أنه لا يفسر مسح أعناقها أو سوقها، فإن من المتعارف مسـح الخيل على نواصيها كما أنَّ هذه الروايات تلتقي مع ظهور الآية في ردِّ الفعل الذي قام به سليمان إزاء إنشغاله بها عن الصلاة، ممَّا جعله يفكر بالخلاص منها بقتلها، من غير ضرورة لأن يكون ذلك على سبيل الإنتقام منها، أو إتلافها كمالٍ محترم لا يجوز إتلافه بل قد يكون ذلك بمثابة ضغط على نفسه التي أحبَّت الخيل بهذا المستوى الأمر الذي يريد إيلامها فيما يحبَّه بهذه الطريقة، مع ملاحظة أن ذلك حلال في شريعته لأن الخيل كانت تذبح كالأنعام للطعام، والله العالم) (2)

     وقد كان السيد فضل الله في كلامه هذا يعَلّق على ما ذكره صاحب تفسير الميزان بأن (هذا الفعل ممَّا تتنزه عنه ساحة الأنبياء فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشدِّ المؤاخذة فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما فيه من إتلاف المال المحترم) ويضيف صاحب تفسير الميزان:(أنَّ الروايات التي تؤكد على هـذه القصة بهـذا الشكل تنتهي إلى

 


 (1) مغنى اللبيب، ص86.

 (2) مرجعية المرحلة، ص51.


/صفحة 61/

كعب الأحبار، بالإضافة إلى الإغراق في التفاصيل التي تدخل في دائرة الأعاجيب) (1) وبعد هذا فإن لنا على ما ذكره السيد فضل الله ملاحظات عدَّة:

     أ ـ إنَّ قول السيد فضل الله بظهور الآية بتأكيد فكرة ضرب أعناقها أو في ردِّ الفعل الذي قام به سليمان (ع) ليس بظاهر، بل الظاهر خلاف ذلك كما ذكرنا حول رأي السيد المرتضى (علم الهدى) .

     ب ـ كيف يوفق السيد فضل الله بين قوله بأن إنشغال سليمان (ع) عن الصلاة جعله يفكر بالخلاص من الخيل وبين قوله: (من غير ضرورة لأن يكون ذلك على سبيل الإنتقام). لأن مقتضى كلام السيد فضل الله كما هو واضح في نصه أن إنشغاله بالخيل هو الذي جعله يفكِّر بالخلاص منها ليكون بذلك الإنشغال هو الـدافع والعلّة للخلاص منها فلا عبرة بعد ذلك بما عقِب به السيد فضل الله ليتلافى ما أوقع نفسه فيه من أن ذلك لم يكن على سبيل الإنتقام. فلو لم ينشغل (ع) بها عن الصلاة هل كان فكر بالخلاص منها؟!

      ج ـ أضف إلى ذلك أن قول السيد فضل الله معلِّلاً ما نسبه إلى سليمان (ع) بأن ذبح الخيل كان حلالاً في شريعته كذبح الأنعام غير دقيق لأن مسألة القتل هنا غير متعلقة بحلية الذبح أو عدم حليته بل المسألة متجهة إلى طبيعة الحدث المتصل بفعل سليمان (ع) نفسه والدافع له. ونضيف أنه إذا كانت القضية عبادة على كلا الوجهين (أي الصلاة أو عرض الخيل) فما معنى أن يكون قتله لها إنتقاماً وضغطاً على نفسه؟ وزيادة على ذلك فإننا نقول أنَّ النيَّة لها مدخليه مهمة في تحديد طبيعة الفعل ووظيفته وهدفه. فكيف يصح قتل سليمان (ع) للخيل مع وجود دافع الإنتقام أو الضغط على نفسه على حدِّ تعبير السيد فضل الله. ألا يعني ذلك أن القتل كان بدافع ذاتي وشخصي لا تقرباً ولا زلفةً إليه؟ ويمكن أن يستذكر المرء قصَّة الإمام علي وعمرو بن ودٍّ العامري المعروفة لمَّا سأله الناس لِمَ تريَّث في قتله فأجاب عليه السلام إنمَّا خشيت أن يكون قتلي له لأجل نفسي حين تفل في وجهي فتريثت قليلاً حتى برد غيظي وبعدها قتلته ليكون ذلك خالصاً في سبيل الله.

 


 (1) من وحي القرآن، ج19، ص292.


/صفحة 62/

نماذج أخرى:

 أورد الشاخوري مجموعة نماذج في الهامش (1) دون أن يعالجها وإكتفى بقوله أنها مجموعة أقاويل مفبركة تشبه ما قدَّمه من نماذج ليبرر بذلك عدم عرضه لها ولعل ذلك يعود لعجزه عن توجيهها أو إيجاد التبريرات لها.

 ولتوضيح مقصدنا نقدَِم للقارئ الكريم هذه النماذج، التي أشار إليها الشاخوري دون مناقشتها ومعالجتها، مدَّعمةً بالنصوص والأدلة من كلام السيد فضل الله دون أي تعليق عليها.

أ ـ الشيعة إنا وجدنا آبائنا:

 يقول السيد فضل الله:

(المشكلة أنَّ السنَّة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء ورثوه، وأنَّ الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أيِّ شيءٍ مما ورثوه، بقطع النظر عمَّا إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض أوضاعها (إنَّا وجدنا آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مقتدون) .

     لذلك لا نجد هناك أية حريَّة في داخل المذهب السنِّي لمناقشة القضايا السنية، وليست هناك أية حرية في داخل المذهب الشيعي لمناقشة القضايا الشيعية؟. الحرية المطروحة هنا وهناك هي مناقشة الآخر، أمَّا أن نناقش فكرنا في عملية نقد علمي، فهذا ليس وارداً، بل قد نجد هناك إرهاباً فكرياً هنا وإرهاباً فكرياً هناك..

إنني أعتقد أنَّ علينا أن ندرس ما عندنا، وأنَّ عليهم أن يدرسوا ما عندهم بطريقة علمية، موضوعية، بعيداً عمَّا إذا كانت هذه المفردات الفكرية أو الفقهية أو المفهومية، ممَّا إلتزم به المتقدمون أو ممَّا لم يلتزموا به..) (2)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص50.

 (2) الإنسان والحياة ـ السيد فضل الله، دار الملاك، ص195.


/صفحة 63/

ب ـ تعليق صور الإمام الخميني صنمية:

      يقول السيد فضل الله:

     (أنا أتصور أنَّ هناك نوعاً من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدسونها من خلال هذه الأشكال التي قدمناها إليهم وإعتبرناها طقوساً ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن القيمة الدينية أمام الصورة المادَّية. وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره أيقونه، حتى أنَّ بعضهم يعلّق صورة السيد المسيح، أو العذراء، ونجد عندنا من يعلّق صورة الإمام علي، أو صورة الإمام الخميني، أو صورة بعض الشخصيات) (1)

ج ـ النبي محمد لا يعرف المهم من الأهم:

     يقول السيد فضل الله وهو يتحدث عن سورة عبس وتوّلى: (فكانت المسألة دائرة، ـ في وعيه الرسالي بين المهم، في دور هذا الأعمى، وبين الأهم، في دور هؤلاء الصناديد.ولكن الله يوجه المسألة إلى ما هو الأعمق في قضية الأهمية في مصلحة الرسالة، بإعتبار أن هذا الأعمى قد يتحول إلى داعيه إسلامي كبير، (وما يدريك لعلّه يزَّكي) فيما يمكن أن يستلهمه من آيات القرآن التي يسمعها، مما يغني له روحه، فتصفوا أفكاره، وترقُ مشاعره، وتتسع آفاقه) (2)

 


 (1) مجلة المعارج، عدد 28 ـ 31، ص624 ـ 625.

 (2) من وحي القرآن، ج24، ص73.


/صفحة 64/

د ـ ضعف نوح في ملكاته الروحية:

     والعجيب أننا لم نجد لهذا العنوان نصاً في كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء) الذي سرقت مسودته، إلاَّ أننا عثرنا على نص يتحدث فيه السيد فضل الله عن ضعف نوح عليه السلام أمام عاطفة البنَّوة قائلاً: (كيف يمكن له أن يعيش لحظة الضعف أمام عاطفة البنوة ليقف بين يدي الله ليطلب منه إنقاذ ولده الكافر، من بين كلِّ الكافرين… إنَّ المسألة ليست مسألة عاطفة تتمرد، ولكنها عاطفة تتأمل وتتساءل… فربما كان نوح يأمل أن يهدي الله ولده في المستقبل، وربما كان يجد في وعد الله له بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل لأنه من أهله،

ولم يلتفت إلى كلمة (إلاَّ من سبق عليه القول) لأنها لم تكن واضحة…) (1)

هـ ـ يونس النبي يهرب من مسؤولياته:

     يقول السيد فضل الله: (وهذا رسول آخر عاش مع قومه مدَّة طويلة لم يستجب له فيها منهم الكثيرون، فخرج مغاضباً، إحتجاجاً على ذلك من دون أن يتلقى أيَّة تعليمات من الله في ذلك، [ظناَ] منه بأن المسألة لا تحتاج إلى ذلك فقد قام بدوره كما يجب ولم يدَّخر جهداً في الدعوى إلى الله بكل الأساليب والوسائل ولم يبقَ هناك شيء مما يمكن عمله ولكنَّ الله إعتبرها نوعاً من الهرب في ما يمثله ذلك من معنى الإباق، تماماً، كما هو إباق العبد من مولاه..) (2)

 


 (1) من وحي القرآن، ج12، ص79 ـ 80.

 (2) نفس المصدر، ج19، ص240 ـ 241.


/صفحة 65/

و ـ جهل النبي موسى بتكليفه الشرعي:

     يقول السيد فضل الله: (وتبقى لفكرة العصمة بعض التساؤلات كيف يخطئ هارون في تقدير الموقف وهو نبي أو كيف يخطئ موسى في تقدير موقف هارون وهو النبي العظيم وكيف يتصرف هذا التصرف ولكننا لا نجد مثل هذه الأمور ضارة بمستوى العصمة لأننا لا نفهم المبدأ بالطريقة الغيبية التي تمنع الإنسان من مثل هذه الأخطاء في مثل هذه الأمور، بل كل ما هناك أنَّه لا يعصي الله فيما يعتقد أنه معصية أمَّا أنَّه لا يتصرف تصرفاً خاطئاً يعتقد أنه صحيح مشروع فهذا ما لا نجد دليلاً عليه، بل ربَّما نلاحظ في هذا المجال أن أسلوب القرآن في الحديث عن حياة الأنبياء في نقاط ضعفهم في حياتهم العملية قد يؤكد الحاجة إلى الإيحاء بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض نقاط الضعف البشري في الخطأ في تقدير الأمور…) (1)

     وبعد هذه النماذج المتعددة التي إفترض الشاخوري أن بعضهم قد إقتطعها وحذف وقدَّم فيها نترك للقارئ الكريم أن يقدر ويتصور حال الأنبياء والمرسلين الذين تعتورهم نقاط الضعف البشري ويمكن لهم أن يقعوا في الخطأ وعدم تقدير الأمور وعدم الإلتفات إلى الوحي المنزَّل من الله تعالى و و..

خامساً: حقائق بالجملة:

1 ـ إفتراءات من؟!!

     بعد أن ينتهي الشاخوري من عرضه لما أسماه بالتحريفات ـ بالزيادة أو بالنقصان ـ ينتقل إلى موضوع آخر يفترض فيه كالعادة ـ أنَّ هناك إفتراءات ليس لها أصل بأي معنى من المعاني صدرت عن بعض الجهات التي درست في الحوزة على حدّ تعبيره (2) وقد قدّم الكاتب بعض النماذج لها.

 


 (1) من وحي القرآن، ج10، ص178.

 (2) مرجعية المرحلة، ص52.


/صفحة 66/

ونحن بدورنا سوف نقوم بعرض هذه النماذج ومعالجتها لنبيِّن –بالتالي ـ أن ما أسماه الشاخوري (إفتراءات بالجملة) ليست في حقيقة الأمر إلاَّ (حقائق بالجملة) وإن أنكرها المنكرون.

النموذج الأول: (العمل بالقياس عند الحاجة ولو في مسألة واحدة أو النهي عن القياس لأجل عدم الحاجة). (1)

وحين يتعرض الشاخوري للقياس نجده بأنه عند رجوعه إلى المصدر الأصلي تبين له –ولا ندري كيف ـ أن السيد فضل الله كان في مقام تقريب السبب الذي دعا أبا حنيفة للّجوء إلى القياس ثم ينقل بعد ذلك النص الحرفي للسيد فضل الله من كتاب (تأملات في آفاق الإمام موسى الكاظم) صفحة 41. (2) إلاَّ أن الشاخوري قد تجاهل عمداً بقية الكلام والذي ورد في نفس الكتاب المذكور صفحة 43، حيث قرر السيد فضل الله فيه إمكانية العمل بالقياس ولو من ناحية نظرية. يقول السيد فضل الله:

     (..وربما نستفيد من الحديث الأول الذي يؤكد عدم الحاجة إلى القياس لوفاء الكتاب والسنة لجميع الأحكام، إنَّ الأمر لو لم يكن كذلك بحيث كانت هناك حاجة مُلحة إلى معرفة الحكم الشرعي لبعض الأمور ولم يكن لدينا طريق إلى معرفته من الكتاب والسنة، فإن من الممكن أن نلجأ إلى القياس أو نحوه من الطرق الظنية في حال الإنسداد إنطلاقاً من أن الإعتماد على الطرق الظنية العقلائية أو الشرعية كان مرتكزاً على الحاجة إليها لإدارة شؤون الحياة العامة للناس…) (3)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص52.

 (2) المصدر نفسه، ص52 ـ 53.

 (3) تأملات في آفاق الإمام موسى الكاظم، ص43.


/صفحة 67/

     ثم أن الكاتب –المحدود الإطلاع ـ لم يراجع مصادر أخرى أو أنه راجع ولم يشأ الإفصاح عنها وإليك نصاً آخر للسيد فضل الله، حول القياس يقول فيه: (إننا نتصور أنه لا بد لنا من أن ندرس هذه الأمور دراسة أكثر دقة وأكثر حركية.. إن المشكلة هي أن الدراسة الأصولية والفقهية تؤطر ذهنية الإنسان في هذه الدائرة الضيّقة ومن هنا ينشأ الإنسان وفي قلبه وحشة من أن يمد الحكم الثابت لموضع إلى أمثاله لأن ما أسميه لغة القياس التي تألفها الذهنية الشيعية تجعل كل شيء قياساً عندهم حتى ولو كان الإحتمال إحتمالاً بعيداً جداً لأنهم إذا لم يستطيعوا أن يشيروا إلى خصوصية الإحتمال في مضمونه فإنهم يطلقون الإحتمال في المطلق ويقولون إنّ الله أعلم بالخصوصيات ونحن لا طريق لنا إلى معرفتها بحيث يغلقون الباب على أي إستيحاء وإستلهام للملاك الشرعي..

      ما نتصوره أنَّ علينا أن نعيد دراسة الأحاديث التي وردت في رفض القياس عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لأن الواضح أن بعض القضايا التي رفض فيها نقل الحكم مـن موضوع إلى موضوع آخـر كانت منطلقة من أنّ السائل اعتقد الملاك في جانب مقاس بينما كان الملاك شيئاً آخر لا يسمح بهذا القياس لأنه لا يحقق عناصر القياس). (1)

     إننا نعتقد بعدم الحاجة للتعليق على هذا الكلام الذي يتضمٌن دعوة صريحة للعمل بالقياس عند انسداد باب العلم وما أكثر المسائل التي ينسد فيها باب العلم عند السيد فضل الله الذي يرى أن المعيار هو خصوص ما ورد في القرآن الكريم وأن المعتبر في الحديث هو خصوص ما يشرح تلك العناوين بل أن السيد فضل الله يدعو إلى إعادة النظر في الأحاديث التي وردت في رفض القياس بل هو يعترض أيضاً على إقفال الباب على أي إستيحاء وإستلهام للملاك الشرعي. فهل يصح بعد هذا إدعاء الشاخوري إنه يقول بعـدم

 


 (1) مجلة المنطلق ع 11، ص 76.


/صفحة 68/

وجود أي أصل لهذه الافتراءات بزعمه والذي يبدو أن الذي لا أصل له ولا مسوغ هو محاولة تبرئة الشاخوري للسيد فضل الله.

 النموذج الثاني: تأجير أماكن للدعارة جائز في بعض الحالات. (1)

     يورد الشاخوري نص فتوى السيد فضل الله في مجلة فكر وثقافة العدد (58) 8 جمادى الأولى 1418 وهو:

     (إذا كانت هذه الشقق أماكن للدعارة فلا يجوز ذلك بالعنوان الأولى في بعض الحالات وفي العنوان الثانوي في حالات أخرى) ويلاحظ أن الشاخوري قد حذف كلمة (أيضاً) من آخر الفتوى. ويّدعي الشاخوري أنّ هذه الفتوى قد حٌرفت تحريفاً كلياً بحيث صارت الفتوى على الشكل التالي:

     (يجوز في بعض الحالات بالعنوان الأولى ويجوز في بعض الحالات بالعنوان الثانوي).

     وهنا لابٌد من تعليق بسيط حول هذه المسألة حيث إن صاحبنا قال قبل قليل أنٌ ما سوف يورده لا يعدو كونه إفتراءات لا أصل لها بأي معنى من المعاني لكنه يعود ويتحدث عمٌا يسمٌى بالتحريف ومعلوم أنٌ هناك فرقاً بين التحريف والافتراء.

     وبالعودة إلى الفتوى ومناقشتها نجد:

      أ ـ إنٌ هذه الفتوى لم نجدها في كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء) التي سرقت مسودته مع أنه ذكرها في سياق ما هو منقول عنه.

     ب ـ إنٌ ما زعمه الشاخوري بأنه تحريف للفتوى غير صحيح وإنما هو من لوازم منطوق الفتوى. فان الذي يقول بعدم جواز تأجير شقق للدعارة بالعنوان الثانوي في حالات أخرى أيضاً (مع ما لكلمة "أيضاً" من دلالة) فإنما يعني ذلك الجواز في حالات أخرى بالعنوان الثانوي ونحن بدورنا ندعو الشاخوري وأضرابه أن يدلونا على موردٍ واحد

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص53.


/صفحة 69/

أن يحصلوا على فرص تسهٌل عليهم ممارسة هذه الأمور سواء بالعنوان الثانوي أو بالعنوان الأولي.

     وإذا كانت العبارة دائماً قاصرة أو مقصِّرة وتحتاج باستمرار إلى من يوجهها ويقومها فما ذنب الآخرين إذا فهموا عبارات السيد فضل الله وفق مقتضيات اللغة العربية وظواهرها المتسالم على حجيتها؟‍‍.

النموذج الثالث: إعادة النظر في التشريعات.

     يقول الشاخوري: (نسب إلى سماحة السيد قول مفاده أنه لابد من إعادة النظر في بعض التشريعات بكونها تؤدي إلى الشلل والجمود وعندما رجعنا إلى المصدر الأصلي تبين أن سماحته يتحدث عن بعض الروايات الضعيفة السند الواردة في باب مكروهات السفر والتي عمل بها بعض من يرى التسامح في أدلة السنن) (1)

     ثم يعرض الشاخوري بعد ذلك نصاً من كتاب الحدائق حول نحوس بعض الأيام، ليختم كلامه بنص لكلام السيد فضل الله حول هذه القضية من كتاب (تأملات في آفاق الإمام الكاظم).. (إن الفكرة التي تحكم كل هذه الأحاديث هي أنٌ التطير لا ينطلق من واقع موضوعي في الأمور التي يتطير الناس منها، بل هناك عادات معينة.تحولت إلى سلوك بشري عام وإلى أوضاع نفسية داخلية صعبة فلا بد من مواجهتها بالموقف المضاد الذي يمثل صدمة قوية للمشاعر وبالوسائل الإيمانية التي تفتح قلب الإنسان على مواقع الثقة بالله في كل شيء والتوكل عليه في كل أمر..

     إننا نريد أن نؤكد على ذلك لأن الطريقة التي يثير فيها الأسلوب الفقهي مسألة المكروهات في باب السفر وفي أبواب الأعمال العادية المتعلقة بأوضاع الإنسان العامة والخاصة قد يؤدي إلى الكثير مـن الشـلل

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 54.


/صفحة 70/

والجمود على المستوى العملي بحيث تتعطل مسيرة الحياة العامة للإنسان فتؤدي إلى كثير من الأضرار النفسية والاجتماعية والاقتصادية وقد تنعكس في بعض الحالات على الأوضاع السياسية عندما تتحول الأمة إلى أمة خائفة من الزمن في نشاطاتها العامة والخاصة). (1)

     بداية، تجدر الإشارة إلى أن ما ذكره الشاخوري لم يرد في كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء) التي سرقت مسودته.

     أضف أنٌ ما تقدم من كلام السيد فضل الله يدحض إدعاء الشاخوري بأن هذه النماذج ليس لها أصل بأي معنى من المعاني. ومن ناحية ثانية، فأنه ليس في كلام السيد فضل الله المذكور آنفاً، أي إشارة إلى ضعف السند، كما أدعى الشاخوري، وإنما هو يناقش في دلالة الروايات، إذ صرح السيد فضل الله وبشكل ظاهر، بأنه لابد من إعادة النظر في دلالة هذه الروايات المتعلقة بأوضاع الانسان، العامة والخاصة، والتي تؤدي إلى الكثير من الشلل والجمود على المستوى العملي.

     ولا ندري بعد هذا كيف يدعي الشاخوري أنه لدى رجوعه إلى المصدر الأصلي، تبين له أن السيد فضل الله يتحدث بخلاف ما ينقله بعضهم عنه؛ فأي تبيان يتحدث عنه الشاخوري.

النموذج الرابع: الذهاب إلى نوادي العراة.

     يعرض الشاخوري بعد ذلك نموذجاً رابعاً سماه (افتراءات)، وهي ليست سوى حقائق دامغة، وإن كره الشاخوري الذي يقول:(الافتراء على سماحته بأنه يجوز الذهاب إلى نوادي العراة أو نظر الرجل إلى عورة الرجل أو نظر المرأة إلى عورة المرأة في غير حالات الضرورة العرفية، وكذا عرض مسألة استمناء المرأة بغير وجهها الصحيح،مما سوف تقف عليها مفصلاً في داخل الكتاب..) (2)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 56 ـ 57.

 (2) مرجعية المرحلة، ص 57.


/صفحة 71/

     وحيث إن الشاخوري أشار إلى أنه سيبحث هذه المسألة بالتفصيل في موضع آخر من الكتاب، فإننا نكتفي الآن بإيراد نص السيد فضل الله في خصوص هذه النقطة، والذي يعلق فيه على جواز النظر إلى عورة الكافرات في ما اعتدن أن تظهرنه، ليعمم هذا الحكم على المسلمات أيضاً. يقول السيد فضل الله: (عالم النظر هو عالم الاحترام. فكل إنسان يسقط احترامه من هذا الجانب جاز للآخرين النظر إليه..وهذا يختلف باختلاف الأزمان.فلو أن النساء قد اعتادت الخروج بلباس البحر، جاز النظر إليهن بهذا اللحاظ..وهناك نقطة مهمة، هي التعليل "بأنهن لا ينتهين إذا نهين" يشمل كل النساء من المسلمات والكافرات اللاتي يكشفن بعض أجزاء من الجسد..وفي ضوء ذلك، قد يشمل الموضوع النظر إلى العورة عندما تكشفها صاحبتها كما في نوادي العراة أو السابحات في البحر في بعض البلدان أو نحو ذلك..) (1)

2 ـ افهموا إذا قرأتم:

     عرض الشاخوري تحت عنوان (إقرأوا قبل أن تؤلفوا)، لأمثلة عدة. إتهم من خلالها بعضهم بعدم تتبع الآراء حول المسائل المتعلقة بها. وهذه الأمثلة هي:

     أ ـ سورة عبس وتولى.

     يقول الشاخوري إن فريقاً من علماء الشيعة ذهب إلى أن المقصود بالآية (عبس وتولى، أن جاءه الأعمى ) (رجل من بني أمية أو عثمان بن عفان كما في تفسير الصافي (ج 5، ص284) واستقر به صاحب الميزان. وذهب فريق من كبار العلماء والمفسرين الشيعة إلى أن المراد بالآية هو النبي (ص) كما في تفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية (ج 7، ص 515) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج 2، ص 51) وسيرة المصطفى للسيد هاشم معروف الحسني (ص 194) وذكره صاحب

 


 (1) كتاب النكاح، ص 66.


/صفحة 72/

مجمع البيان كأحد الاحتمالين، وكذلك الشيخ السبحاني. وهناك بعض العلماء اختاروا الوجه الأول، ومع ذلك أعطوا توجيهاً للرأي الثاني كالسيد المرتضى علم الهدى) (1)

      الملاحظ أنٌ الشاخوري قد اقتصر في إيراده لأسماء العلماء ممن ذهبوا إلى أن المراد بالآية هو النبي (ص) على خصوص بعض المتأخرين منهم.أما المتقدمون، فإنه لم يجد أحداً منهم يؤيد ما ذهب إليه. ولا ينفعه التمسك بما نقله عن صاحب مجمع البيان من أنه ذكر نزول هذه الآية في النبي (ص) كأحد احتمالين، إذا أن الصحيح أن صاحب مجمع البيان ذكر هذا الأمر كأحد قولين، ولا يخفى على القارئ الفطن الفارق بين الاثنين (إحتمالين ـ قولين) ، وإن لم يفطن إلى ذلك الشاخوري، وكذلك الأمر فيما نسبه إلى الشيخ جعفر السبحاني. وفي ما يتعلق بتوجيه السيد المرتضى علم الهدى، فإنما ساقه تنزلاً وفي سياق الفرض الذي يبغي من خلاله تنزيه النبي (ص) ، وبالتالي لا يصح استدلال الشاخوري به.

     وبغض النظر عن كل ما تقدم، فإن خطأ هؤلاء المتأخرين في التفسير لا يصحح تفسير السيد فضل الله ولا يبرره، إذ لا يصح الاستدلال بكلام العلماء، لأن الأمر يدور مدار الدليل (2) .

     وتنبغي الإشارة إلى أن أثنين ممن ذكرهم الشاخوري لهما شطحات معروفة و مشهورة يعرفها العلماء ولسنا بصدد الخوض فيها، ونأمل ألا نضطر إلى الحديث عنها أو التعرض لها والملفت هنا تمسك الشاخوري، بقول ثلاثة من العلماء المحدثين، وتركه، بل تجاهله لآراء كبار علماء المذاهب و أساطينه.

     ب ـ قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها)

 كنا قد تحدثنا عن هذه النقطة سابقاً فراجع.

     ج ـ قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 59.

 (2) لمزيد من التفاصيل حول تفسير الآية انظر: خلفيات كتاب مأساة الزهراء عليها السلام، ص 155.


/صفحة 73/

     أورد الشاخوري هذه الآية في سياق اتهامه للآخرين بتحريف كلام السيد فضل الله أو الافتراء عليه. إلا أنه، وكعادته، لم يشر إلى مصدر هذا الافتراء، علماً أن هذه المسألة لم تذكر في خلفيات كتاب (مأساة الزهراء) الذي اعتمد الشاخوري على مسودته المسروقة وإن كان قد حصل عليها من مصدر آخر لمؤلف آخر، والذي نظنه أنه أخذه من كتاب (الولاية التكوينية) للشيخ "جلال الدين الصغير" كان حرياً به أن يشير إلى هذا المصدر، وبالتالي لا يطلق اتهامه إطلاقاً.

3 ـ هل تزوج أبناء آدم من اخوتهما؟.

     وفي هذا الصدد، نقل الشيخ الشاخوري إجابة السيد أبي القاسم الخوئي عن سؤال في هذا الموضوع، وجاء فيها: (الأخبار الواردة في ذلك مختلفة ولا محذور فيما لو صدقت إن كان بالأخوات لإمكان أنها لم تكن محرمة في شرع آدم (ع) على الأخوة) (1) .

     وقبل التعليق على رأي السيد فضل الله في هذه المسألة ومقارنتها مع ما ذكره الخوئي، لابد من ذكر ما قاله السيد فضل الله في هذا الصدد:

(أول الخلق كان هذا الشيء حلال، لماذا؟ لأن هذا هو الذي يفسح المجال لإنطلاقة البشرية، ولا يوجد طريق غيره)

     ويضيف: (فنظام العائلة مكون من أب وأم وأخوة وأخوات، وهو إنما يتوازن ويستقيم عندما تكون هناك مناعة عند الأب وعند الأم وعند الأخ وعند الأخت ضد أي إحساس جنسي تجاه الآخر لأنه لو فرضنا أن الأحاسيس الجنسية كانت موجودة في حياة الأب والأم تجاه أولادهما، أو في حياة الأولاد تجاه بعضهما البعض فلن تستقر حياة عائلية ولن تنسجم في خصوص الجو العائلي المغلق، حيث يفسح المجال لهذه الأمور بشكل فوق العادة. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن صار هناك أبناء عم أو

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 62


/صفحة 74/

أبناء خال وخالة، أي عندما أمتد التناسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية، حرم الله ذلك ليستقيم نظام العائلة ولتنموا العائلة في جو طاهر نظيف من الناحية الجنسية، وبعد ذلك تنطلق لينشئ كل واحد منهم عائلة.) (1)

     بناء على ما تقدم، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

      ـ أشار السيد أبو القاسم الخوئي إلى أن الأخبار الواردة في ذلك مختلفة، معتبراً أن لا محذور من تزاوج الأخوة مع الأخوات على فرض صدق هذه الروايات،فيما اعتبر السيد فضل الله أن لا طريق غير ذلك للتناسل، والفارق كبير بين هذين القولين.

      ـ ويلاحظ أنه في الوقت الذي تحدث فيه السيد الخوئي بطريقة تنزلية وعلى سبيل الفرض، نرى أن السيد فضل الله تحدث بطريقة تقريرية جازمة.

      ـ إلى ذلك، أشار السيد أبو القاسم الخوئي إلى حصر التزاوج على فرضه بين الاخوة، وتبعه في ذلك صاحب تفسير الميزان الذي ذكر رأيه الكاتب. أما السيد فضل الله، فقد عمم الأمر ليشمل الأب والأم تجاه أولادهما، وهو مخالف في ذلك لمسلمات المذهب وضروراته، بخلاف ما ذهب إليه كاتبنا.

      ـ من ناحية ثانية، فإننا لم نجد أحداً من العلماء قد تحدث بما تحدث به السيد فضل الله. عن عدم نظافة وطهارة الجو العائلي عند آدم (ع) قبل صدور حكم التشريع الذي يحرٌم هذه العلاقات فيما بين الاخوة و الأخوات فضلاً عن الآباء والأبناء.

      ـ وتجدر الإشارة إلى انه وبحسب منطق السيد فضل الله إذا كانت مسألة التناسل بين الاخوة والأخوات أمراً مشروعاً وحلالاً فما معنى استخدام بعض المفردات التي فيها نوع إساءة وتجريح في مقام الأنبياء من قبيل عدم النظافة والطهارة.

      ـ وأخيراً فهل إذا كان ثمة عائلة تعيش في صحراء وكان هناك أب وأم وبنت وإبن وخالة، فهل يجيز السيد فضل الله هذا التزاوج، بسبب فقدانهم الوسيلة لما عداه وتوفر الرغبة والميل الجنسي.

 


 (1) الندوة، ج 1، ص 737.


/صفحة 75/

 حقائق أخرى:

     وسوف نقدم لك عزيزي القارىء بعض النماذج التي يظهر فيها الطريقة والأسلوب اللذان يستخدمهما، السيد فضل الله في حقٌ الأنبياء والأولياء المعصومين، وليست هذه النماذج إلاٌ عينة بسيطة جداً من كمّ هائل جادت به قريحته وخياله الواسع.

     1 ـ موسى (ع) وقتل القبطي: (ولكن هل كان يشعر بالذنب لقتل القبطي، باعتبار أن ذلك يمثل جريمة دينية في مستوى الخطيئة التي يطلب فيها المغفرة من الله أو أنّ المسألة هي أنٌه يشعر بالخطأ غير المقصود الذي كان لا يجب أن يؤدي إلى ما انتهى إليه مما يجعله يعيش الألم الذاتي تجاه عملية القتل.. أننا نرجٌح الاحتمال الثاني). (1)

     ولا يخفي عليك ما لمعنى الترجيح من دلالة!.

     2 ـ موسى (ع) ووسوسة الشيطان: (أما حديث التأثير الشيطاني في الأشياء.. فان الظاهر إرادة الارتباط بهذه الأشياء في الجانب العملي من خـلال وسوسته للإنسان في الأخذ بها في الطـريقة المضٌادة لمصلحته وهذا هو الذي نفهمه من آية موسى (ع) لانٌ قتله للقطبي قد يكون ناشئاً من الوسوسة الخفية فيما تصنعه من حاله الإثارة التي تقود إلى ذلك) (2)

     3 ـ خطأ داود (ع) : (.. فيكون معرضاً للخطأ من خلال طبيعة الأجواء المثيرة الضاغطة المحيطة به وانتبه ـ بعد إصدار حكمه لمصلحة صاحب النعجة ـ إلى استسلامه للمشاعر العاطفية أمام مأساة هذا الإنسان الفقير، وخطأه في عدم الاستماع إلى وجهه النظر الآخرى (فإستغفر ربه) على هذا الخطأ في إجراءات الحكم الشكلية..) (3)

 


 (1) من وحي القرآن، ج 17، ص 310.

 (2) من وحي القرآن، ج 19، ص 301.

 (3) من وحي، القرآن، ج 19، ص 278.


/صفحة 76/

     4 ـ لوط (ع) ليس نبياً بشكل مباشر: (..هناك أنبياء محليٌون، هؤلاء الأنبياء المحليون لا يرتبطون بالوحي مباشرة إنما يرتبطون بالوحي العام.. إبراهيم (ع) هو مسؤول لوط، كأنه لوط ليس نبيا بشكل مباشر، ولكن نبوٌته من خلال أنهٌ وكيل إبراهيم (ع) في هذا المجال..) (1)

     5 ـ الإمام علي والذنوب الكبيرة: (.. ألا تشعر أنٌ علياً (ع) لا يزال خائفاً ولاسيما أنٌ الذنوب والخطايا التي طلب من الله سبحانه أن يغفرها له من الذنوب الكبيرة التي يكفي ذنب واحد لينقصم الظهر منها) (2) ثم يقول (فالإمام (ع) يقول: يا رب خلقت لي هذه الغرائز ومن حولي أجواء تثير هذه الغرائز، تستيقظ غرائزي عندما تحفٌ بها الروائح والأجواء الطيبة التي تثيرها أعطيتني عقلاً ولكن غرائزي في بعض الحالات تغلب عقلي فأقع في المعصية) (3)

 


 (1) شريط مسجل بصوت السيد فضل الله.

 (2) في رحاب دعاء كميل، ص 94.

 (3) في رحاب دعاء كميل، ص 169.


/صفحة 77/

الفصل الثاني
قصور علمي

/صفحة 78/


/صفحة 79/

     يعالج هذا الفصل عدَّة مباحث تتناول بالنقد بعض الموضوعات التي طرحها الشاخوري والتي تتعلق بعلم النفس وبعلم الإجتماع بالإضافة إلى المنطق الأرسطي والحقيقة المطلقة. وسوف يتضح للقارئ من خلال هذه المعالجة مبلغ قصوره العلمي وقلَّة باعه في هذا المجال.

المبحث الأوَّل: نزعة التبرير أم تبرير النزعة؟

     إستنفذ الشاخوري ما يقارب الثلاث صفحات من دراسته لتحليل ظاهرة نزعة التبرير مستعيناً بعبارات وآراء علماء النفس الذين إعتبرهم بأنهم يستطيعون أن يضعوا أيديهم على جذور المشكلة. (1) ولعلَّ هذا الجزء من كتابه هو الأطرف في الوقت الذي يشعر فيه القارئ اتجاه الكاتب بما لا يحسن ذكره. ولتبيان القصد مما ذكرناه نعرض خلاصة لما ذكره في هذا المجال:

     (اعتاد العلماء القدامى في نظرتهم إلى الإنسان أن يعتبروه مكوناً من ذات واحدة هي التي يشير إليها الإنسان بكلمة "أنا" ولكنَّ هذا الرأي قد تبين خطؤه حيث أنَّا نجد الإنسان كثيراً ما يعاتب نفسه ويتحدث إليها.. وعليه لا بدَّ أن تكون هناك أكثر من ذات. وقد اعتبر هؤلاء العلماء –في نظريتهم هذه التي لا نعلم مدى دقتها– أن الإنسان مكون من ثلاث ذوات: الذات الحيوانية، والذات البشرية، والذات المثالية.. ومن أهم ما يميز الذات الحيوانية أنها لا شعورية ويغلب عليها طابع اللذَّة والألم.. وهي في هذا لا

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 81.


/صفحة 80/

تعرف الحلال والحرام أو الشروط والقيود.. وهذه الذات تحاول دائماً أن تجرَّ الإنسان إلى أسفل السافلين.

     وأمَّا الذات البشرية فهي شعورية واعية.. إنَّها تشعر بقيود المجتمع وتحاول مراعاتها… إنَّ الذات البشرية تفهم الحساب والعقاب أكثر ممَّا تفهم المثل العليا ولولا الذات المثالية التي تراقبها لصارت مطيَّة للطبيعة الحيوانية..

     وأمَّا الذات المثالية.. وهي التي تسمى في الروايات (صوت الملك) وفي العرف الإجتماعي "بالضمير" فهي القوة الرادعة في داخل الإنسان.. وقد كان القدماء يصفون الضمير بأنه "الصوت الإلهي في الإنسان" وهذا وصف غير دقيق فالضمير يستمدُّ جذوره من العقائد والتقاليد والقيم الإجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان.

     إنَّ الضمير نسبي إذاً فهو يتلون بلون المجتمع وهو قد يدفع الإنسان أحياناً إلى القسوة والظلم إذا كانت القيم الإجتماعية مؤيدة لهما… إنَّ الضمير صوت المجتمع لا صوت الله..) (1)

     إنَّ الكاتب لم يدرك أن المطالعات المتفرقة في هذا الحقل من العلوم (علم النفس) لن تجديه نفعاً بل ستغرقه بالمزيد من الإشكالات والمتاهات وحتى لا نطيل نقول:

     1 ـ إن قوله بأن نظرية كون الإنسان مكوناً من ذات واحدة يشار إليها بكلمة (أنا) نظرية خاطئة وأنه لا بد أن يكون مكوناً من أكثر من ذات هو كلام غير دقيق لأن علماءنا الأفاضل بل حتى علماء النفس الحديثين لا يعتبرون أن هناك أكثر من ذات لدى الإنسان وإنما هي ذات واحدة والتعدد الحاصل إنما هو في قوى هذه النفس، والتقسيم الذي قسمه الكاتب هو تقسيم لهذه القوى ولا يدل على تعدد الذات وهكذا عندما يقسم علماء النفس يقولون (نفس حيوانية…) إنما يقصدون القوى التي تتمتع بها النفس.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 81 ـ 82 ـ 83.

    

/صفحة 81/

2 ـ قال الكاتب عندما تحدث عن نظرية هؤلاء العلماء أنه لا يعرف مدى دقتها فإذا كان الأمر كذلك فلماذا سلم بها وحاكم الآخرين على أساسها ألم يكن الأجدر به أن يعطي لنفسه بعض الوقت لمناقشة هذه النظرية ومعرفة بعض تفاصيلها وحيثياتها بدلاً من التسليم بها وهو لا يعلم إلى أين ستؤدي به خاصة وأنه قد طالب الآخرين بالتريث بعض الوقت لدراسة كتابتهم لأن ثمة فرقاً بين أن (يمسك القلم بعقله وبين أن يمسك القلم بعاطفته). (1)

     3 ـ إن تعريفه للذات الحيوانية والذات البشرية وإن كانت لا تخلو من مناقشة تفصيلية إلا أننا قد نغض الطرف عنها وهذا ما لا نستطيع أن نفعله حول كلامه في ما يسمى بالذات المثالية ونحن لا ندري إن كان هذا الكاتب يعلم أبعاد هذا التفسير لهذه الذات وإلى أين سيؤدي به هذا الطرح الخطير

فإن كان لا يدري فتلك مصيبة * وإن كان يدري فالمصيبة أعظم

     وحتى لا يبقى القارىء متشوقاً لمعرفة خطورة هذا الطرح نقول محاولين الإختصار قدر المستطاع:

     يعتبر مضمون الذات المثالية التي أشار إليها الشاخوري لناحية مصدر معاييرها وجذورها هو نفس المضمون الذي تحدث عنه عالم النفس الشهير:(سيغموند فرويد) وإن اختلفت التسمية حيث أطلق عليها فرويد إسم "الأنا الأعلى" إن هذا التفسير "للأنا الأعلى" جاء بناءً على نظرية فرويد حول ما يسمى "الطوطم" و "التابو" وتمثل "عقدة أوديب" الشهيرة – التي خلاصتها أن الكبت الجنسي وغيرة الإبن أدى به إلى قتل والده رغبة منه في الحصول على والدته – جزءاً أساسياً في هذا "التابو" (الحرام المقدس) . إن هذه العقدة عند فرويد يعود إليها الفضل في نشوء الحضارة من خلال الكبت الجنسي وعلى أساسها يفسر فرويد نشوء الدين. (2)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 65.

 (2) راجع الطوطم والتابو، دار الحوراء، ص 15. وكذلك راجع نفس المصدر المقالة الرابعة ص 123.


/صفحة 82/      

فالدين عند فرويد إنطلاقاً من هذه النظرية هو نتيجة الكبت الجنسي، والعودة إلى الدين بالتالي هي عودة إلى هذا التابو الخرافي الذي يعود إلى عصر الطوطمية. وإن كنا نعتذر للقارئ عن غرابة هذه المصطلحات بعض الشيء لكن الدخول في شرحها سيخرجنا عن إطار البحث وعلى أي حال وخلاصة هذا البحث فإن إعتبار كون الضمير يستمد جذوره من القيم الإجتماعية التي ينشـأ فيها الإنسان وبالتالي تلونه بلون المجتمع إن هذا الطرح يؤدي إلى الطعن بالفطرة الإنسانية (فطرة الله التي فطر الناس عليها) . وبالتالي نفي وجود معايير أخلاقية عامة مشتركة بين كل الشعوب ونفي وجود قواعد عقلية أخلاقية بديهية. إن ذلك يعني أن الضمير سوف يحكم بشرعية الكثير من القضايا التي يستقبحها العقل لمجرد أنها مستمدة من التقاليد كالذي نراه اليوم في دول الغرب، فأين الحسن والقبح العقليان إلا إذا كان كاتبنا هذا يعتبرهما شرعيين.

     ورغم ذلك نجد إصراراً منه على إعتبار وصف الضمير (بالصوت الإلهي في الإنسان) وصفاً غير دقيق. وقد توسع في سرد بعض القصص حول وجوب قيام الإنسان بمداهمة أغوار النفس لمعرفة دوافع العمل الذي يقوم به، وهل هو بدافع التقرب لله أو بدافع التعصب والجاه والمنصب؟

     وهنا نطرح على الكاتب (المتبصر) السؤال التالي:

     هل قمت (بمداهمة) نفسك ومحاولة التفتيش في خفاياها لمعرفة سبب كتابتك لهذه السطور والتي إتخذت طابع التعصب والتسرع، فهل كان دافعك حقاً الدفاع عن دين الله أم هو تعصب بغيض يحول بينك وبين معرفة الحق والحقيقة؟!

المبحث الثاني: فلسفات شاخورية.

يشن الكاتب، في كتابه، حملة شعواء على المنطق الأرسطي، وهو وإن ذكر أنه ليس (ضد المنطق الأرسطي، بل ضد سوء استغلاله) (1) إلا أن هذا لا يبرر هجومه على هذا المنطق، فإن وجود بعض المسلمين الذين يسيئون للإسلام بتصرفاتهم، لا يبرر للبعض القيام بالتهجم على الإسلام. بحجة أن ذلك ليس هجوماً على الإسلام بل على سوء إستغلاله.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 79، الهامش.


/صفحة 83/

ولا يحتاج القارىء إلى كثير تأمل في بطلان هذه الدعوى مهما تمسك الكاتب بالحجج والمبررات. وقد استغل الكاتب هجومه على المنطق الأرسطي ليمرر مقولة خطيرة أجمع الفلاسفة الإسلاميون على بطلانها، بل يمكن القول أنها من البديهيات الفلسفية وإن حاولت بعض المذاهب الفلسفية الغربية نقضها من هنا وهناك، والمقولة تتعلق بالحقائق فهل هي مطلقة أم نسبيه حيث إعتبر الفلاسفة الإسلاميون أن الحقيقة مطلقة. (1) على أي حال فللنظر ماذا يقول الفلاسفة الإسلاميون في كلا الموضوعين:

1 ـ الحقيقة مطلقة لا نسبية:

يعتبر الفلاسفة الإسلاميون أن المطابقة للواقع وعدمها هي المعيار في صدق القضايا وكذبها. فإذا طابقت الواقع وصفت بالقضية الصادقة، وإذا خالفتها وصفت بالكاذبة. وبما أن الواقع واحد لا يختلف بين فردٍ وآخر. فالحقيقة واحدة مطلقة لا تختلف بين فرد وآخر وعليه فكل قضية إما أن تخالف الواقع أو تطابقه وعلى الأول تكون القضية كاذبة، وعلى الثاني تكون صادقة.   لكن أي واقع ينبغي على القضية أن تطابقه حتى توصف بالصدق، هل هو الواقع الخارجي؟

     يجيب الفلاسفة على هذا السؤال بالقول أن ملاك الخطأ والصواب، والصدق والكذب، هو إنطباق القضايا على واقعها، أي على واقع نفس القضية.ولتوضيح هذه النقطة نقول: يصنف الفلاسفة القضايا إلى ثلاثة أقسام:

     الخارجية: وتسمى القضية خارجية إذا كان الحكم فيها على موضوع ما لا ينطبق إلا على الأفراد الموجودة في زمان الحكم فقط. كقولنا "قتل من في العسكر" فصدق هذه القضية هو انطباقها على الخارج حال الحكم. فإذا هلك من في العسكر كانت صادقة وإلا فكاذبة.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 7 ـ 8 ـ 9. كذلك ص 24 وراجع نفس المصدر ص 79 ـ 103 وحتى 105.


/صفحة 84/      

الحقيقية: وهي القضية التي يكون الحكم فيها ناظراً إلى الأفراد المحققة حال الحكم والآتية بعده كقولنا: (كل جسم متناه أو متحيز منقسم إلى غير نهاية) فصدق هذا النوع من القضايا هي مطابقتها للخارج فعلياً أو مستقبلياً ففي جانب الأفراد الموجودة بالفعل فالأمر فيها واضح على غرار القضية الخارجية، أما في جانب الأفراد المقدرة (أي المقدر أن توجد) فإنا نفترضها موجودة ثم نحكم على الكل بأنها كذا فإذا طابقتها كانت صادقة وإلا فكاذبة.

 الذهنية: أما القضية الذهنية فالصدق فيها هو مطابقتها لما يسمى "نفس الأمر" إذ لا خارج لها لكي تطابقه. والمراد بنفس الأمر هو ما يقابل فرض الفارض.

فقولنا (الإنسان كلي) أو (الإنسان نوع) كلها قضايا ليس لها مصاديق خارجية بل هي قضايا ذهنية، وعالمها الذهن لأنها كلية ولا كليات في الخارج ومع ذلك فإن هذه القضايا واقعية في نفس الأمر وليس واقعيتها بحسب فرض الفارض وإعتبار المعتبر.وبمعنى آخر أن واقعية هذه القضايا لا ينبع من إعتبار المعتبر. ودليل ذلك أن قولنا (الإنسان جزئي) أو (ليس بنوع) باطل.     وهذا يكشف عن سببٍ ما يفرض علينا صدق بعض القضايا وكذب بعضها الآخر. وليس هذا السبب إلا إنطباق هذه القضايا على نفس الأمر الذي هو الملاك في صدق القضايا الذهنية وكذبها. ومن هنا يمكننا القول إن ملاك الصدق في القضايا الذهنية هو الإنطباق على نفس الأمر والذي هو أعم من الوجود الخارجي الملموس. فنفس الأمر في القضايا الخارجية هو خارجها، وفي القضايا الذهنية هو واقعها وإن لم يكن لها خارج ملموس. (1)

     وقد حاول الكاتب التعمية على القراء لإثبات مدعاه عند تمسكه ببعض الأمثلة التي أكل الدهر عليها وشرب، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على مستوى تحصيله.

 


 (1) نظرية المعرفة، الشيخ جعفر السبحاني، ص 216، 217.


/صفحة 85/

     والمثال الذي ذكره هو ما كان شائعاً في الزمان الماضي من كون الأرض مسطحة وليست كروية. فإن هذا القول كان مقبولاً ومتسالماً عليه، ورغم ذلك فإنه ثبت بطلانه. فهذا يعني أن هذا القول كان صادقاً، أما الآن فهو كاذب. (1)

وتعليقاً على مثال الكاتب نقول: مما تقدم تبين أن الحقيقة واحدة، ولا يمكن أن تكون كلا النظريتين موصوفة بالحقيقة، فإن الأرض إما أن تكون مسطحة، كما قيل سابقاً، وإما أن تكون كروية كما أثبت ذلك الآن.

     وعليه فإن تسالم الناس على قضية معينة لا يجعلها صادقة ما دام الملاك في الصدق والكذب هو مطابقة الواقع وعدمه.         والقول بغير هذا إنما يرجع إلى السفسطة وإنكار كاشفية العلم. وقد غاب عن كاتبنا "الباحث" أن ملاك الحقيقة في القضايا الحاكية عن الكون ليس هو المقبولية، ولا الرفض ملاك الخطأ. بل كما ذكرنا هو مطابقتها للواقع أو عدمها. وفي ختام هذه النقطة ننقل بعض ما قاله العلماء في هذا الشأن:

     يقول الشهيد السيد الصدر:

     (ويخلص معنا في هذه الدراسة:

     أولاً: إن الحقيقة مطلقة وغير متطورة.

     ثانياً: إن الحقيقة تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الخطأ…) (2)

     ويقول الشيخ جعفر السبحاني:

     (يرى الفلاسفة الإسلاميون أن القضايا الصادقة هي المطابقة للواقع، والكاذبة هي المخالفة له). (3)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 100.

 (2) فلسفتنا، السيد محمد باقر الصدر، ص 175.

 (3) نظرية المعرفة، ص 214.


/صفحة 86/

     ويقول أيضاً:

     (.. وبما أن الحقيقة ليست متعددة، بل هي واحدة..) (1)

     لقد كان حرياً بكاتبنا (الباحث) التعمق بما يقوله الفلاسفة الإسلاميون لا أن يتمسك، من غير علم ولا تدقيق، بما يقول شلر أو مانهايم أو غيرهم من الفلاسفة الأوروبيين من الذين قال عنهم الشيخ السبحاني:

(وكم لهم من زلات وعثرات ناتجة عن عدم تعمقهم في دراسة وفهم مبادئ الفلسفة الإسلامية ونظرياتها). (2)

     وأخيراً نختم القول إن مقولة نسبية الحقيقة وإصرار الكاتب عليها والدفاع عنها دليل على أن الحقيقة مطلقة لأننا نسأل الكاتب هل قولك بنسبية الحقيقة، هو حقيقة مطلقة أم نسبية، وعلى القول الأول إعتراف بوجود حقائق مطلقة وهو يخالف الفرض، وعلى القول الثاني، أعني أن قضية "الحقيقة نسبية" تصبح هذه القضية نسبية، وبالتالي قد يقبلها البعض ولا يقبلها الآخر وفي كلا الإحتمالين القضية فاسدة. ولا محيص عن القول بما ذكرناه في البداية من أن الحقيقة مطلقة واحدة. إن من مخاطر القول بنسبية الحقيقة، هو الإعتراف بصدق العقائد الفاسدة، ما دامت تمثل بالنسبة إلى قائليها حقائق وفق ما يقتنعون به من الحقائق. على أن هذه الفكرة عند كاتبنا قد أخذها من أستاذه السيد "فضل الله" الذي يقول:

     (.. إن كل ما جاءنا من تراث فقهي وكلامي وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين من خلال معطياتهم الفكرية. ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة.) (3) مع أننا نسأل السيد فضل الله إن كان كل الفكر الإسلامي لا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة فلماذا يقيم الدنيا ولا يقعدها عندما يخطؤه الآخرون ثم يصفهم بما يصفهم به من عبارات (التحجر) و (التعقد)

 


 (1) نظرية المعرفة، ص 224.

 (2) نظرية المعرفة، ص 229.

 (3) حوارات في الفكر والسياسة والإجتماع، السيد فضل الله، ص 480.


/صفحة 87/

و(التخلف) وغيرها ما دامت أقواله لا تمثل الحقيقة، إلا بالمقدار الذي يقتنع به من الحقيقة، والتي لا يقتنع بها الآخرون.

     علماً أن أقواله تخالف ما جاء به أئمة المذهب وما نقله عنهم علماؤه، بل إن بعض أقواله تخالف أوضح البديهيات وما تسالم عليه العقلاء. وعلى أي حال فإن القول بنسبية الحقيقة هو عين السفسطة ما داما يعتبران أن الحق والباطل تابعان لتفكير الإنسان، وبالتالي فإنه لا وجود للحقائق وراء الفكر الإنساني. فإن السيد فضل الله يقول بأن ما نملكه لا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من الحقيقة على أساس ما نملكه على أساس من مقاييس الحقيقة.

2 ـ المنطق الأرسطي:

     إن كلام الكاتب حول المنطق الأرسطي شأنه شأن كلامه حول الحقيقة، أي أنه ينبع من مغالطات وشبهات. فهو يأخذ على هذا المنطق أنه يمنع الخطأ من ناحية الشكل أي صورة القياس لكنه لا يمنع الخطأ في المادة أو المضمون والجوهر. بل هو يصف المنطق الأرسطي بالمنطق الفوتوغرافي، أما المنطق الجديد فهو، عنده، منطق سينمائي.

     ثم هو يقول: (منطق أرسطو يريد أن يأخذ عن الأمور صورة ثابتة مطلقة ويعتبرها نهائية. هذا بينما الحياة في حركة متواصلة والفوتوغرافية لا يمثل من حقيقتها إلا لحظة عابرة) (1)

     وهذا الكلام لا يخلو من سفسطة واضحة إضافة إلى وجود شبهات ومغالطات فادحة لا بد من إزالتها وتوضيح القول فيها:

     1 ـ إن المنطق الأرسطي عبارة عن قواعد عامة تؤمن لمن يراعيها سلامة في الفكر ومناعة في الوقوع في الخطأ.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 98.


/صفحة 88/

ولم يدع أحد أن هذا المنطق هو الذي يؤمن المادة أو المعلومات للعقل وبالتالي فهو يسهر على شكل التفكير وصورته. أما المادة فهو يكتسبها بطرق مختلفة إما عبر قواعد عقلية مسلمة أو بديهية كمبادئ عدم التناقض والكل أكبر من الجزء وغيرها أو عبر قضايا خارجية تجريبية (كتمدد الحديد بالحرارة) وغليان الماء عند بلوغه درجة المائة وغيرها.  وعليه فإن أي خطأ يقع في نتيجة قياس منطقي ما، مع صحة شكله، فإنما هو ناتج عن خطأ في مادة القياس. وما دامت القواعد العقلية العامة والبديهية، قضايا صحيحة نظراً لبداهتها، فإن الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في أقيسته المنطقية، مع مراعاتها للقواعد المنطقية، إنما تعود إلى فساد مادة القياس. والتي عادة تكون قضايا غير صادقة وغير مطابقة للواقع فإذا كانت هذه القضايا علمية طبيعية، فالخطأ يعود إلى العلوم الطبيعية التي قدمت هذه المادة.   وهذا ما حاول الإشارة إليه الشهيد مطهري (رحمه الله) والذي نقل كلامه الكاتب، وإن لم يوفق لفهمه وفهم أبعاده ومراميه. يقول الشهيد مطهري:

     (.. إن منع الخطأ في صورة القياس يعطينا فائدة نسبية ومنع الخطأ في مادة القياس ليس ميسراً للقواعد والضوابط المنطقية، ولكن مع الدقة والمراقبة الكثيرة يمكن أن يطمئن إلى ذلك) (1)

     2 ـ إن تشبيه المنطق الأرسطي بالمنطق الفوتوغرافي وبأنه يعطيك صورة ثابتة ويعتبرها نهائية بينما الحياة في حركة متواصلة والفوتوغرافية لا يمثل من حقيقتها إلا لحظة عابرة.

أقول إن هذا الكلام فيه سفسطة واضحة، لأن المنطق عبارة عن قواعد ينبغي للعقل مراعاتها، فهي في حركة متواصلة ما دام يوجد عاقل على ظهر هذه الأرض، هذه القواعد صحيحة في نفسها سواء راعاها الذهن أم لم يراعها.

 


 (1) المنطق، الشهيد مطهري، ص 120.


/صفحة 89/

     وعليه فإن ثبات الصورة التي يعطينا إياها المنطق مع تطور الحياة لا تقدح في صحتها. وما دامت الحياة تتطور فإن هذا المنطق سيبقى يزودك بالصور وفق هذه التطورات، وكما ذكرنا آنفاً فإن الطبيعة هي التي تزود المنطق بمادته، ولا علاقة للمنطق بها.

     3 ـ إن هجوم المناطقة الغربيين على المنطق الأرسطي معروف الهدف والغايات ويبدو أن كاتبنا (الحذق) يساهم في تحقيق غاياتهم من حيث يدري أو من حيث لا يدري.

     4 ـ إن المنطق الحديث، والمعروف بالمنطق الرياضي، ليس له خصائص تميزه من حيث بنيانه عن المنطق الأرسطي، بقدر ما له من خصائص تميزه من ناحية الشكل والخارج فقط. وذلك لأن المنطق الرياضي يدعي لنفسه أنه مستقل تماماً عن (الفكر) أو قل عن كل نزعة (سيكولوجيه) في المنطق. (1)

لقد حول المنطق الرياضي القضايا اللفظية التي كان يستعملها المنطق الأرسطي إلى قضايا رمزية رياضية مجردة عن الفكر وعن الواقع العيني. ومن هنا فإن تطور المنطق الرياضي مرتبط بتطور علم الرياضيات وخاصة علم (الجبر).

ومن هنا فإن ما قيل عن تطور المنطق الرياضي، إنما هو في الحقيقة مرتبط بتطور الرياضيات حيث حل فيها الحساب الآلي محل القياس اللفظي. (2)

     وفي الختام نقول: إن ما قدمناه كفيل بإثبات فساد ما حاول الكاتب إثباته.

     وهو في الوقت الذي يشنع على البعض حفظ أسماء مفكرين متغربين يدعي أنهم يرددون أسماءهم بدل الكتابة والرد عليهم، (3) ينسى نفسه فيقوم بحفظ بعض الأسماء من المفكرين الغربيين ثم يردد مقولاتهم بدل أن يناقشها ويثبت بطلانها.

     ولعل كاتبنا (المنصف) يعتبر نفسه أعلى شأناً من هؤلاء الذين يشنع عليهم، فهم يحفظون أسماء المتغربين، أما هو فيحفظ أسماء الغربيين أنفسهم، فهم يشربون من الساقية، أما هو فينهل من النبع!!!. وأي نبع!

 


 (1) أصول المنطق الرياضي، محمد ثابت الفندي، ص 8.

 (2) نفس المصدر، ص 18.

 (3) مرجعية المرحلة، ص 24.


/صفحة 90/


/صفحة 91/

الفصل الثالث
مقدمات لا بد منها

/صفحة 92/


/صفحة 93/

     يتطرق هذا الفصل إلى بعض المقولات التي ذكرها الشاخوري في الفصل الثاني من كتابه والتي إعتبرها كمقدمات للملاحظات التي سوف يبديها حول مطالب كتاب (مأساة الزهراء).

مقدمة أولى: الميزان في التهميش والتأصيل.

     يقول الشاخوري:(إنّ هذا النوع من البحوث التي تركز على أمور هامشية – لا يعدو كونها تفصيلاً من تفاصيل الحوادث التاريخية – ونضخمها ونجعلها في مصاف القضايا الإستراتيجية التي تهدِّد وجود الإسلام والمسلمين ونترك الحديث عن الهجمة الإستكبارية التي تجتاح العالم الإسلامي برمته ومذهب أهل البيت بالخصوص لهو أمر خطير جداً يدل على بساطة من يشترك في هذه المعارك… وإن من الخطأ أن ينشغل الناس في أحاديث الضلع أو زواج القاسم أو وجود ليلى في كربلاء وعدمه…) (1)

     وهنا بعض النقاط لا بدَّ من الإشارة إليها فنقول:

     1 ـ كان الأجدر بالشاخوري أن يضع معياراً وميزاناً للتفريق بين القضايا الأساسية والقضايا الهامشية حتى لا تختلط الأمور على القارئ.

 2 ـ هل يستطيع كاتب أو عدة كتَّاب أن يضخموا حدثاً تاريخياً معيناً ويجعلوه في مصاف القضايا الإستراتيجية بمعزلٍ عن منطق وحركة التاريخ نفسه ومن خلال الوقائع والحوادث التي تفرض نفسها على المؤرخين والمهتمين بشؤون البحث التاريخي من حيث قيمة وموقع الأشخاص الذين يمثلون محور الحدث التاريخي إضافة إلى دلالة الأحداث وتأثيرها على كافة الصعد والمستويات السياسية والإجتماعية والعقائدية.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص66.


/صفحة 94/

وبتعبير آخر إن كل قضية إنما تستقي أهميتها من إرتباطها بالقضية الأهم من جهة ومن مدلولها من جهة أخرى. فقضية كسر الضلع، على فرض أنها القضية من ناحية حجمها وموقعها ترتبط بحجم وموقع هذا الشخص المكسور ضلعه، وعندما يكون هذا الشخص هو الزهراء (ع) بضعة رسول الله (ص) وأم أبيها التي من آذاها فقد آذى رسول الله (ص) ومن آذى رسول الله (ص) فقد آذى الله واجترأ عليه، عند ذلك لن تكون هذه القضية هامشية تفصيلية. ولن يكون الحديث فيها دليل تخلف؟! هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن القضايا إنما تنبع أهميتها أو بالمقابل هامشيتها من المدلول الذي تدل عليه وليس من نفسها. وعليه فإن مقارنة قضية الإعتداء على الزهراء (ع) بل وكسر ضلعها مع أحاديث زواج القاسم أو وجود ليلى في كربلاء فيه خلط ومغالطة فادحة فبينما يفتقر البحث في مسألة زواج القاسم أو وجود ليلى في كربلاء إل أي مدلول نرى أن قضية الزهراء (ع) تحمل الكثير من المداليل التاريخية أو العقيدية أقلها الإدانة القاطعة لمرتكبي هذا العمل فإنه لا يمكن لمن يرتكب مثل هذا العمل الشنيع أن يحكم الإسلام والمسلمين.

     3 ـ لماذا الإصرار على حصر قضية الإعتداء على الزهراء (ع) ومظلوميتها بقضية كسر الضلع؟ ألا يفهم منها محاولة إظهارها بأنها قضية تفصيلية لا ترتبط بمشروع متكامل، هذا المشروع الذي لم يستهدف الزهراء (ع) فحسب بل رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) والخلافة الإلهية. كما يوهم حصر النزاع في خصوص كسر الضلع، أن غير ذلك ثابت عند السيد فضل الله والحال أنه لم يثبت عنده أكثر من قوله (وإن).

     4 ـ إننا نرى أنفسنا متحيرين مع أهل هذا المنطق: فعندما أخبرنا التاريخ بتفاصيل حادثة الإعتداء قال هؤلاء بأنها لا تعدو كونها تفصيلاً من التفاصيل وهي قضية هامشية ولو لم يخبرنا التاريخ بهذه التفاصيل لطعنوا هم أنفسهم بالحادثة بحجة أنه كيف يمكن لحادثة بهذه الخطورة أن تقع على بضعة رسول الله (ص) دون أن يخبرنا التاريخ أو الرواة بتفاصيلها.


/صفحة 95/

     5 ـ إننا نتساءل –ونسأل الشاخوري– عما إذا كان إهمال أو تهميش بعض التفاصيل من حوادث تاريخية معيّنة – وعلى فرض كونها تفصيلاً – يسـاعد على تقويـم البحث التاريخي أم يؤدي إلى هدمه وتقويضه خصوصاً إذا كان هذا البحث يعالج مفصلاً مهماً من مفاصل التاريخ الإسلامي والذي له مساس بشكل أو بآخر بمسألة الخلافة.

 6 ـ هل التصدِّي للهجمة الإستكبارية ضد الإسلام عموماً وضدَّ مذهب أهل البيت خصوصاً يعني للشاخوري ولغيره أن يُسمح بتقويض أسس العقيدة والمذهب من داخله وتحت ستار مقولة التصدي للهجمة الإستكبارية الخطيرة. فأي قوة يمكن بها مواجهة هذه الهجمة الشرسة والخطيرة إذا كانت الساحة الداخلية غير متماسكة وغير متجانسة وغير متحدة وخصوصاً فيما يتعلق بالمبادئ والأسس والركائز التي يقوم عليها المذهب وتنبني عليها العقيدة.

     7 ـ هل الذي يساهم في الدفاع عن العقيدة والمذهب ويبذل في ذلك قصارى جهده من خلال الإحساس بالمسؤولية الكبرى تجاه هذه المسألة والتي هي من أعظم التكاليف الشرعية على الإطلاق يجوز للشاخوري ولغيره أن يتهمه بالبساطة والسذاجة؟ وهل سيرة النبي وأهل بيته والمعصومين من ذريته وكذلك كل التابعين لهم على مدى الأيام والدهور كانت إلاّ دفاعاً عن العقيدة والمذهب؟

     بناءً لما تقدم، يبقى أن نشير إلى تفاهة وسخافة بعض الأمثلة التي ذكرها الشاخوري وإعتبرها أدلَّة وبراهين تؤيد مدَّعاه بأن البحث في هذه القضايا الثانوية يخدم بطريقة أو بأخرى المخابرات الأميركية والإسرائيلية التي تعمل جاهدة على تعميق الخلاف والتحاقد بين المسلمين وتؤدي إلى التقاطع بين المؤمنين وإيجاد العداء المستحكم بينهم وصولاً إلى التراشق بالسباب والشتائم وتضييع الوقت وبعثرة الجهد الذي يفترض أن يكون متجهاً لمحاربة أمريكا وإسرائيل. والذي يثير إستغراب الشاخوري وإصراره أنَّ الذين يهتمون بهذه الأمور ليس لديهم كتاب أو مقال واحد يتحدثون فيه عن أخطر عدو للمسلمين المتمثل بأمريكا وأعوانها وحلفائها! (1)

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص 68 ـ 70.


/صفحة 96/

ونقول:

     يمكن لأي متتبع ومطلع على حركة وسيرة الفقهاء والمراجع الكبار أن يلمس لديهم وعلى وجه اليقين أي صلابة وشجاعة وأي إرادة قويَّة كانوا يحملونها في مواجهة أي احتمال بوجود خطر أو عداء يتعرض له الإسلام حتى يكونوا هم في الخط الأوَّل في الدفاع والمواجهة والإستعداد الدائم للتضحية بأنفسهم لأجل أن تبقى العقيدة والشريعة قائمة ومصانة ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أنَّ رمز هذا التصدي والمواجهة والمقاومة كان متجسداً في شخص الإمام الخميني (قدس سره) لما كان يحمل من صلابة في العقيدة قلَّ نظيرها إل ى ممارسة يومية ومعاشة لحركة الجهاد والمقاومة ضد الإستكبار العالمي بكل صوره وأشكاله وألوانه، نحن لا نشك لحظة واحدة أن هذه هي حال كل العلماء والفقهاء والمراجع الكبار فيما لو أتيح لهم ما أتيح للإمام الخميني من سلطة وحكومة مكنته من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

     كما يمكن وبحسب منطق الشاخوري نفسه أن نطلب منه أن يعطينا مؤلفاً أو مقالاً واحداً للسيد الخوئي (قدس سره) تناول فيه خطر الإستكبار العالمي على الإسلام. ومع ذلك فإننا لا نشك ولو للحظة واحدة في أن السيد الخوئي (قده) كان على إستعداد للتضحية بنفسه وولده في سبيل حفظ الإسلام. كذلك يمكن أن نحيل الشاخوري إلى تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي المملوء بآلاف الكتب وعشرات الآلاف من المقالات وملايين الخطابات المعادية للإستكبار العالمي وخطره فماذا كانت النتيجة؟ هل كانت إلاَّ مزيداً من السيطرة والتوسع والإحتلال والهيمنة على مقدرات وثروات العالم الإسلامي؟.

     وأما إذا كانت ميزة المجتمع المتخلف هي التراشق بكلمات التكفير والخروج عن الدين والمذهب (1) – على حد قول الشاخوري – كذلك فإنه ليس أسهل على الذين لا يملكون الحجَّة القوية والبرهان الساطع والعقيدة الثابتة والراسخة من أن يتسلحوا بمنطق جديد ومعاصر سمته الأساسية إتهام الآخرين بالعمالة للمخابرات المركزية الأميركية وبالعقد النفسية وبالتحجر الفكري وإلى غيرها من مفردات متداولة بشكل كثيف في هذه الأيام.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص69.


/صفحة 97/

مقدمة ثانية: إستشهاد أصولي في غير محله.

     ذكر الشاخوري في مقدمته الثانية ما نصّه: (من المعروف لدى علماء الأصول أن هناك إتجاهين أصوليين في مسألة قبول الروايات والأخبار التي تتحدث عن المسائل التاريخية والكرامات والمعاجز وأمور الثواب والعقاب، فصاحب الكفاية – على حسب رأيه – لا يرى ثبوت الحجَّية لتلك الأخبار حتى لو أفادت الظن وذلك لأنها لا يترتب عليها أثر شرعي بينما على رأي السيد الخوئي يجوز الإخبار بها إذا كانت من الظنون الخاصة كخبر الواحد الذي لم يصل إلى حدِّ التواتر…

     وعلى هذا الأساس فإن العلماء الذين يسلكون مسلك صاحب الكفاية لا يمكنهم الإخبار البتِّي عن الأمور التاريخية وتفاصيلها بشكل قاطع ما لم يصل الأمر إلى حدِّ التواتر ومن المعلوم أنَّ دعوى التواتر ليست سهله على العالم المحقق فهو أمر يحتاج إلى تتبّع للرواة في الطبقات وإحراز امتناع اتفاقهم على الكذب لا أن يجد رواية في كتاب سليم بن قيس أو غيره ثم تأتي المصادر المتأخرة – التي هي بالعشرات – لتنقل عن هذا الكتاب هذه الرواية ثم يأتي شخص فيقول أن الحديث متواتر) (1)

     يمكن مناقشة هذا الكلام من عدَّة جهات:

     1 ـ إن المسألة – موضوع البحث – مبنائية فربما لا يكون المحقق السيد جعفر مرتضى أو غيره ممَّن يتعرضون لهذه المواضع الفقهية الأصولية من القائلين بجعل الحجيَّة.

     2 ـ هل يعتبر الشاخوري أن السيد فضل الله ممَّن يقول بذلك فإذا كان الأمر بالإيجاب فيلزم من ذلك أن لا يخبر بشيء مما يخبر به عادةً من على المنابر وفي كلِّ مكان ثم يرتب عليه الآثار وبالتالي فإنَّ عليه أن يلزمه بعدم التشكيك فيما يشكك به من قضايا تاريخية ما لم يحصل له القطع بعدم وقوعها. ولا يقال بأن التشكيك بحادثة أو نفي وقوعها لا

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص72 ـ 73.


/صفحة 98/

يعتبر إخباراً لأننا نجيب أنَّ التشكيك إخبار بوجود المانع عن الأخـذ بالمشكك فيه، ولأن النفي إخبار بعدم الوقوع.كذلك لا يقال بأن على الآخرين عدم الإخبار بالوقوع لأننا نقول

لعلَّ هؤلاء ممن دلَّ الدليل عندهم على الوقوع وصحَّت عندهم الأخبار عليه وهم لا يقولون بجعل الحجيَّة فيصح الإخبار منهم عندئذٍ.

     ومع ذلك فإننا نعلم الشاخوري بأن السيد فضل الله ممَّن لا يقولون بجعل الحجيّة كما صرَّح بذلك في رسالته إلى آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (دام ظله) حيث قال:(لكن بناءً على رأينا في ثبوت الحجيّة ببناء العقلاء فإن مقتضاه ثبوت الأمور الشرعية وغير الشرعية بالخبر الموثوق به نوعاً) (1)

     ولنا أن نطلب من الشاخوري أن يتفق أولاً مع السيد فضل الله حول هذه المسألة الأصولية لا سيَّما أنك قد عرفت أن السيد فضل الله ممَّن لا يتبنى مسلك صاحب الكفاية.

     ثم أننا لا نسلم بترتب عدم الإخبار على مسلك الحجية لأن الحجيّة بمعنى التنجيز والتعذير وهي مسلك صاحب الكفاية إنما هي مفاد الأدلة الدالَّة على حجيَّة الخبر الواحد وهذا ليس له إرتباط بمؤدى نفس الخبر.

     3 ـ إنَّ الكلام هنا –فيما أثاره الشاخوري ـ يتعلّق بالظن ودعوى المناقشة في حجيَّة الظن في المقام باطلة لأن الروايات التي بين أيدينا – والتي قدمها العلامة السيد جعفر مرتضى – تصل إلى حدّ التواتر فلا مجال للطعن فيه كما يطعنون في حجيَّة الظن المتعلقة بحجيَّة خبر الآحاد.

     4 ـ هناك فرق بين الإجماع حول القضايا الفقهية والإجماع حول القضايا التاريخية ففي الأوَّل تنبع حجيَّة من الكشف عن قول المعصوم ولو لم يطبق العلماء على المسألة قولاً واحداً كما يعلم ذلك أهل الإختصاص بل أنَّ المحقق الحلِّي قال في المعتبر أنَّ قول المائة لا ينفع ما لم يكشف عن رأي المعصوم ولو قال اثنان مع كاشفيته لأصبح حجة، بخلاف الثاني لعدم الحاجة إلى الكشف عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره في المسائل التاريخية وإلاَّ فلا يمكن لأحد من المسلمين إثبات القضايا التاريخية. وكانت القضايا التاريخية الحادثة بعد زمن الغيبة الكبرى غير قابلة للإثبات.

 


 (1) أجوبة السيد فضل الله على استفتاءات الشيخ التبريزي.


/صفحة 95/

     5 ـ إننا نستغرب قول الشاخوري بأنه لا يجد سوى رواية في كتاب سليم بن قيس علماً بأن صاحب كتاب (مأساة الزهراء) قد جمع إحدى وأربعين رواية، أربع منها فقط عن طريق كتاب سليم وهي الروايات رقم (2 ـ 6 ـ 7 ـ 8)  (1) كما أنَّه قد أورد في فصول أخرى عديدة عشرات النصوص التي يعلم الناظر فيها أنَّ جلهَّا إن لم يكن كلها لم يعتمد على كتاب سُليم خصوصاً ما روي منها عن غير طريق شـيعة أهـل البيت عليهم السلام فلماذا التركيز في قضية الزهراء عليها السلام على أنها لم تذكر إلاَّ من طريق كتاب سليم ثم الإدعاء بعد ذلك أنَّ هذا الكتاب ضعيف وغير صالح للإعتماد عليه علماً بأن الطعن في هذا الكتاب في غير محله كما أثبته السيد جعفر مرتضى وكما سيأتي الحديث عنه لاحقاً، إضافة إلى ما ذكرناه من أنَّ معظم الروايات التي ذكرت هي من غير طريق كتاب سُليم.

     ولا ينفع التمسك بأقوال الأشخاص في هذه الأمور العلمية حتى يقال رأي السيد الخوئي (قدس سره) في هذه المسألة كذا أو رأي غيره كذا إذ ليس هذا إلاَّ محض التقليد مع أنَّ اللازم في هذه الأمور التحقيق والتثبت والإجتهاد وإبداء النظر.

ورغم ذلك فأننا سنناقش أدلَّة الطعن في كتاب سليم بن قيس بعد قليل.

 6 ـ إن لم تكن إحدى وأربعون رواية مختلفة المصادر تفي بدعوى التواتر فبأي شيء يكون التواتر! وعليه فلا يصح أن يدّعي أحد التواتر بعد الآن.

مقدمة ثالثة: مصادرات شاخورية:

     يأخذ الشاخوري في مقدمته الثالثة على الآخرين عدم تأليفهم كتاباً خاصاً طيلة هذه العهود يردون فيه على (السيد عبد الحسين شرف الدين أو الشيخ كاشف الغطاء أو الشيخ المفيد أو السيد هاشم معروف الحسني أو الميرزا محسن الفضلي وغيرهم، ولماذا بدأ الحديث عن التكليف الشرعي الآن ولو فرضنا أن الإمام الخميني (قده) كان من مؤيدي كاشف الغطاء فهل يرد عليه هذا

 


 (1) مأساة الزهراء، ج2، ص 35 ـ 72.


/صفحة 100/

الباحث أم أنه يلوذ بالصمت؟) (1) ويضيف الشاخوري:(علماً بأن أصل الهجوم على الدار والتهديد بالإحراق ممَّا إتفق عليه الكل وإنما الخلاف في التفاصيل) (2)

     هذا الكلام من قبل الشاخوري فيه مصادرة واضحة لأن من إعتبرهم يقولون بمقالته حول نفي الإعتداء على الزهراء وما جرى عليها ليسوا كذلك لما يلي:

     1 ـ إن عمدة ما استدل به السيد فضل الله على رأي السيد عبد الحسين شرف الدين إضافة إلى ما نقله شفاهاً عنه أنه لم يذكر ذلك في أيٍّ من كتبه وهي دعوى باطلة لوجود نص واضح وصريح عند السيد شرف الدين فلا بد إذن من توجيه ما نقل عنه شفاهاً – على فرض كونه صادراً منه – لينسجم مع صريح عبارته في كتاب المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة حيث يقول: (وكأني بها وقد أصلى ضلعها الخطب ولاع قلبها الكرب ولعج فؤادها الحزن واستوقد صدرها الغبن حين ذهبت كاظمة ورجعت راغمة ثم انكفأت إلى قبر أبيها باكية شاكية قائلة:

(قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب) (3)

     2 ـ وكذا الأمر مع الميرزا محسن الفضلي الذي ينقل الشاخوري ذلك عنه مشافهة نقلاً عن أحفاده كما يزعم حسبما ذكره الشاخوري نفسه في كتابه على هامش صفحة (75) تحت ترميز (*) على أنَّ الميرزا الفضلي غير معروفٍ لدينا ولعَّله كان من أصحاب الشأن لكن لا يمكن الركون إلى هذه النقولات لا سيما إذا كانت من أمثال الشاخوري كما لم تقبل من غيره كما أثبت ذلك صاحب كتاب (مأساة الزهراء) بالدليل القاطع.

 


 (1) مرجعية المرحلة، ص74.

 (2) مرجعية المرحلة، ص74. الهامش.

 (3) المجالس الفاخرة، السيد شرف الدين، ص35، مطبعة النعمان 1967م.


/صفحة 101/

     3 ـ أمَّا الشيخ المفيد (قده) فإنَّ دعوى عدم ثبوت هذه القضية عنده هي دعوى من غير دليل لأنَّ العمدة في دليلهم إنما هو التشكيك في نسبه كتاب الإختصاص له حيث ذكرت فيه رواية الإعتداء على الزهراء (ع) وقد أثبت العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى في كتابه أنَّ كتاب الإختصاص لمحمد إبن الحسين بن عمران وأنَّ إختيار المفيد لهذه الرواية منه شاهد على تأييده لمضمونها.

     والغريب أنَّ عمدة ما استدلَّ به الشاخوري متابعاً بذلك السيد فضل الله على موقف الشيخ المفيد من هذه القضية إنما كان عدم ذكر المفيد لها في كتبه. وأنت تعلم أنَّ السكوت لا يدل على الإنكار، وقد أشار إلى ذلك العلاّمة المحقق السيد جعفر مرتضى (1) والذي أوضح أيضاً أن استدلالهم بما في كتاب الإرشاد لا يصح وأنهم قد التبس عليهم الأمر في فهم عبارات المفيد رغم وضوحها.

     4 ـ