الفصـل التاسـع
سقوط القنـاع المزيـف

يعالج السيد الحسيني في فصله السادس والأخير ما أطلق عليه اسم "لغة الاتهام" وقد بدا واضحاً في هذا الفصل أن هدف السيد الحسيني تكثير عدد الصفحات وكيل الاتهامات شمالاً وجنوباً ويسرة ويمنة علماً بأنه لم يعرض لنا من نماذج ما أسماه "لغة الاتهام" إلا نموذجاً واحداً. ويعلل ذلك بأنه يريد التعالي عن هذه اللغة التي شكلت السمة الرئيسية والبارزة في كتابه ويكفي مراجعة الفصل الخاص بمعجم شتائم الحسيني لإظهار كذب دعواه هذه.

أولاً: الادعاء الفضيحة:

يصدِّر السيد الحسيني الفصل الأخير من كتابه بمقدمة لا تخلو من ادعاءات تمثل فضيحة له إذا ما لوحظ ما جاء في ثنايا كتابه فهو يقول:

" تسود لغة الكتاب لغة مشبعة بالاتهام والادعاء وتوزيع الشتائم وإن كان يحاول السيد مرتضى أن يخففها تارة أو يدعي التزام الموضوعية تارة أخرى.

ولا أريد أن أدخل في التفاصيل تعالياً على هذه اللغة أو على الأقل من باب حسن الظن بالكاتب السيد مرتضى العاملي إنما أسوق فقط شاهداً واحداً على ذلك"(1)

ولا يخلو كلام السيد الحسيني هنا من طرافة واضحة وظاهرة فهو يدعي أن كتاب المأساة كتب بلغة مشبعة بالاتهام وليلاحظ كلمة "مشبعة" ثم يقول بأنه لا يريد الدخول بالتفاصيل. فكيف يسوغ لنفسه إطلاق اتهام كهذا من غير إبراز دليله؟! وهل إظهار تلك المواضع التي يدعيها يعني الدخول في هذه اللغة حتى يقول بأنه يتعالى عنها ؟! وكيف يوفق بين اتهامه للعلاّمة المحقق بتوزيع الشتائم واستعمال لغة الاتهام

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص105

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 226/

من غير تقديم الدليل غير الموجود أصلاً ثم يدعي أنه يتعالى عن الدخول في هذا من باب حسن الظن ؟! وهل ترك لحسن الظن من سبيل ؟!

وإن كانت كل تلك الاتهامات وكل تلك الشتائم التي جمعنا لها معجماً تمثل حسن الظن عنده فكيف يكون سوء الظن يا ترى ؟!!!!

لا شك أن دعاوى كهذه مغلفة بغلاف حسن الظن والتعالي عن لغة الاتهام فيها سخرية من عقول الناس وتسخيف لهم !!!!

ثانياً:...وسقط القناع:

ثم يسوق السيد الحسيني شاهده الوحيد على دعواه الكبيرة فيقول:

" يقول في رده إظهار فاطمة بصورة المرأة التي تبالغ في الجزع:[...ولكن الحاقدين والموتورين قد حاولوا تصوير فاطمة (ع) بصورة المرأة الجازعة التي تدعو بالويل وتقيم النوائح ويصل بها الجزع حداً تقتل ولدها وتسقط جنينها، لقد روى أنها مازالت بعد أبيها رسول الله (ص) معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة...] مأساة الزهراء (ع) 2/146.

وربما نشاطر السيد مرتضى العاملي الرأي في عدم دقة هذه الصورة... ولكن لا نشاطره الرأي في المبالغة في الاتهام ورمي الآخرين في الحقد ونصب العداوة لآل البيت (ع) لمجرد ذلك وإن اختلفنا معهم لأن مثل هذه الروايات وردت في كتاب "سليم بن قيس الهلالي" وهو معتبر جداً عند السيد مرتضى العاملي وسليم أيضاً حيث روى أنها نحل جسمها بعد وفاة رسول الله (ص) وبدت عليها آثار الضعف وذلك قبل تعرضها للأذى من قبل المهاجمين [أنظر مأساة الزهراء ج2ص164].."(1)

وبعد هذا لم يعد ثمة قناع يستر به السيد الحسيني وجهه الحقيقي فالقضية عنده إذن هي تبرئـة القـوم مـن جـرائـمهم وإلا فـما معنى استـياءه مـن وصفـهم بالحـاقـديـن

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص105ـ106

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 227/

والموتورين وهل يعتبر السيد الحسيني أن من يتحدث بهذه اللغة الشنيعة هم من محبي الزهراء (ع) ؟!! وهل وصفهم لها بهذه الطريقة هو مجرد اختلاف بالرأي؟! وكيف يسوغ لنفسه كيل هذا السيل من الاتهامات والشتائم على العلاّمة المحقق لمجرد أنه ناقش آراء السيد فضل الله ويستنكر وصف البعض بالحاقدين والموتورين لأنهم أخافوا الزهراء ووصفوها بما وصفوها؟!! فهل العلاّمة فضل الله أعز عنده وأهم من سيدة نساء العالمين؟!! ولماذا تجاهل السيد الحسيني قول السيد فضل الله في أجوبته إلى آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي والتي أطلع عليها حتماً حيث قال: "ولم أثر الموضوع بل كان حديثاً خاصاً إستغله الحاقدون ونشروه بين الناس..."(1)

ولماذا تجاهل قوله أيضاً في أكثر من مناسبة بأن هؤلاء أي الذين ينقدون آراءه يعملون بوحي من المخابرات الأميركية ؟!!

ولماذا تجاهل قوله واتهامه لهم بأنهم معقدون نفسياً و..؟!!!

ولماذا تجاهل قوله بأنهم يصطادون في الماء العكر ويحاولون إثارة السذج والغوغاء ؟!!!! ولماذا... ولماذا... ؟!!!!!

ألا يعتبر هذا عند السيد الحسيني اتهاماً وشتماً أم أنه يحق للسيد فضل الله ما لا يحق لغيره؟!!!

على أن هذا الأسلوب في تعاطي السيد الحسيني مع القضايا هو نفس أسلوب العلاّمة فضل الله ولا غرابة في ذلك.

وها نحن نرى السيد فضل الله يوعز لعماله بفبركة الردود ونحتها على كتاب "مأساة الزهراء" وهو يرضى عنها رغم أنها تتضمن تحريفاً وافتراء وتدليساً مع أن أحد دوافع هذه الردود هو الدفاع عن الشخص ولو احترقت الساحة ومهما كلف الثمن والغاية تبرر الوسيلة عنده بل تنظفها وهذه القاعدة هي الأولى في هذا الخط والمنهج الجديد فهو لا يكتفي بالإيعاز بالكتابة بل ويطالع ما يكتب قبل نشره ليباركه فهنيئاً للسيد الحسيني بكتابه المبارك هذا الذي وصف بأنه الأكثر عنفاً وشدة وأن السيد

ـــــــــــــــ

(1) راجع أجوبته إلى الشيخ التبريزي رقم 17ص17

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 228/

فضل الله خفف من حدته وشدته على أننا لا ندري هل كان يحتمل الكتاب أن يكون أقبح مما هو عليه ؟!!!

وبعد كل هذا نجده يتكلم على المنبر ويخاطب العامة بأنه مستعد للحوار وأن قلبه مفتوح للجميع ثم ينتقد هؤلاء الذين يزعم أنهم يخرجون الناس عن الدين والمذهب لمجرد أنهم يناقشون بعض الآراء وينسى نفسه عندما يتهم الآخرين بالعمل لصالح المخابرات وأنهم يعملون من خلال عقدهم النفسية و... و...؟! فكيف يسوغ لنفسه أن يعظ الناس بما لا يعظ نفسه وأن يطلب من الآخرين الالتزام بما لا يلتزم هو به ؟!! فهل يعتبر نفسه فوق الشبهات وفوق مستوى النقد ؟!

وبغض النظر عن كل ما تقدم فإن السيد الحسيني ارتكب مغالطة فادحة في معالجته للنص الذي نقله عن كتاب المأساة فقد شبهه بما روي في كتاب سليم حول نحولة جسم الزهراء(ع) وظهور آثار الضعف والمغالطة بأن نحولة الجسم وظهور آثار الضعف ليس بمستنكر وإنما المستنكر هو قولهم أنها قتلت ولدها وأسقطت جنينها وكان يغشى عليها ساعة بعد ساعة الخ...

ولم يكتف السيد الحسيني بارتكاب هذه المغالطة بل عمد إلى التدليس أيضاً فإن قوله:

"قبل تعرضها للأذى من قبل المهاجمين" لم ترد في رواية سليم بل ورد "قد عصبت رأسها ونحل جسمها..." وهي الرواية التي أشار إليها الحسيني في كتاب المأساة ج2 ص164.

على أن العبارة التي نقلها سليم في كتابه عن عصبها(ع) لرأسها ونحولة جسمها قد ذكرت بعد أن أرسل أبو بكر قنفذاً إلى علي عليه السلام للبيعة عدة مرات فهل يرى السيد الحسيني أن ذلك لا يؤذي الزهراء(ع)؟

ويرتكب السيد الحسيني مغالطة أخرى وذلك عندما نقل الرواية التي ذكرها الشيخ الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) حول امتناع بلال عن الأذان بعد وفاة الرسول (ص) ثم أذانه بناءً لرغبة الزهراء (ع) وإنه لما وصل إلى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله شهقت فاطمة وسقطت لوجهها وغشي عليها فإضافة لما ذكرناه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 229/

آنفاً نقول إن ذلك حصل بعد وفاة الرسول بمدة طويلة فإن المشكلة ليست في غشيتها بعد سماع صوت بلال الذي ذكرها بأبيها (ص) ولكن بقولهم أسقطت ولدها في الأيام الأولى من وفاة النبي (ص) وقتلت ذلك الجنين المظلوم بسبب شدة حزنها. فالإشكال هنا وليس في غشيتها.

ويضيف الحسيني:

 "ونقل هذه الروايات العلاّمة المجلسي خاصة تلك الرواية الطويلة عن فضة والتي ورد فيها لبيت الأحزان ذكر وحديث وهو ما بنى عليها السيد مرتضى العاملي بعض استنتاجاته وإن كان أشار إلى أصله وأنه لم يؤخذ من أصل يعول عليه كما ذكره ونبّه عليه العلاّمة المجلسي.

مرة أخرى أقول: كان يكفي السيد مرتضى العاملي أن يلاحظ ويتحفظ على بعض الروايات وهو لا يتحفظ في الغالب إلا إذا راق له ذلك خشية الوقوع في مزالق الاتهام الكيفي والخروج على أصول البحث العلمي"(1)

أما كلام السيد الحسيني حول رواية فضة فإضافة إلى عدم علاقتها بالموضوع الذي يتحدث عنه وهو لغة الاتهام فإن هذه الرواية قد عبر العلاّمة المحقق عن شكه بها(2) علماً بأنه ذكر أن بيت الأحزان لا ينحصر ذكره برواية فضة.

وعليه فلا تصح ادعاءات السيد الحسيني بأن العلاّمة المحقق قد بنى بعض استنتاجاته عليها وقد لجأ السيد الحسيني مرة أخرى إلى بتر الكلام والتصرف فيه بل وأسند إلى العلاّمة المحقق ما كان قد نفى أن يكون مستنده. على أننا نتساءل لماذا لم يذكر تلك الاستنتاجات التي تحدث عنها ؟! والغريب أنه لم ينته بعد من ادعاءه بتعاليه عن لغة الاتهام حتى يتهم العلاّمة المحقق بأنه لا يتحفظ إلا إذا راق له ذلك. ألا يعتبر هذا اتهاماً ؟!

والسيد الحسيني وإن كان كتابه مليئاً بمثل هذه الاتهامات إلا أن الطريف أن يأتي بها بعد ادعائه المذكور وهو لم يكتف بهذا الاتهام بل أعقبه باتهامات أخرى.

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص 106ـ107

(2) راجع مأساة الزهراء ج1 ص336

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 230/

ثالثاً: السقوط إلى الهاوية:

يقول السيد الحسيني:

"إن لغة الاتهام هذه هي التي دعت السيد مرتضى لأن يتمترس أمام خصومه بطريقة غير عقلانية وهو يوزع اتهامه هنا وهناك بل ويتبنى إصدار فتاوى لاستبعاد البعض من المذهب مع أنه لا هو أهل لها ولا هي من اختصاصه"(1)

مرة جديدة نسأل أين هي لغة الاتهام التي يتحدث عنها؟ وهل الشاهد الوحيد الذي ذكره وقد تبين تهافته يصح الاعتماد عليه لإطلاق اتهامه للآخرين بأن لغة كتابه "مشبعة بالاتهامات"؟ وهل طريقة السيد الحسيني طريقة عقلائية؟! فإن كانت هذه هي الطريقة العقلائية فإننا لا نشك عندئذٍ بأن المعايير عنده مقلوبة فيرى العقلائي غير عقلائي وبالعكس؟!

ـ لقد أثبت السيد الحسيني هنا سقوطه المريع إلى الهاوية وانحداره بكتابه إلى الحضيض فضلاً عن أن كلامه يمثل نهياً للأخلاق والنزاهة.

ـ فلماذا لم يذكر لنا السيد أين أصدر العلاّمة المحقق فتاوى لاستبعاد البعض من المذهب ؟!! ومع ذلك فإن الذي يستبعد البعض من المذهب هو الذي يتبنى آراء تخالف ثوابت المذهب ويتبنى الآراء الشاذة ويتمترس خلفها فيتصيد كلمة من هنا وأخرى من هناك ويختبىء وراء عالم هنا وعالم هناك ليبرر شذوذه في مسائله التي يشذ بها فيجمع الآراء الشاذة لبعض علمائنا على مر التاريخ ويتبناها لتصبح الغالبة على آرائه من غير تحقيق أو تدقيق!!

 ومع ذلك فمن أين علم السيد الحسيني بأن العلاّمة المحقق ليس أهلاً للفتوى ولا هي من اختصاصه فهل أطلعه الله على غيبه وكشف له عن علم الآخرين ؟!

ومن هم بنظره أهل الفتوى هل هو العلاّمة السيد فضل الله الذي يحط من قدر المراجع كلهم ويدعي بأنه لا يرى من هو أعلم منه ؟!! وهل هو من يدعو الناس إلى تقليد نفسه والعدول إليه، لأنه يرى أن تقليده مبرئ للذمة ؟!! وهل يصح له من الناحية العلمية أن يقول لمن يأتي ليسأله عن الأعلم ليقلده فيتـكلم عـن التقليد المـبرىء

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص107

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 231/

للـذمـة بـدلاً مـن الإشـارة إلى الأعلم ؟!! وهل الأهل للفتوى من كان يدعي في حياة الإمام الخميني (قده) بأن الإطمئنان لا يكفي للتقليد بل لا بد من إحراز الأعلمية، وعندما يتعلق الأمر بتقليده هو يدعي كفاية الإطمئنان للتقليد ؟! فهل هذا ما عهدناه من مراجعنا العظام على مر التاريخ ؟! ألم يكن علماؤنا يتجنبون المرجعية لشدة إحترازهم وتقواهم؟! ألم يرفضها ولي أمر المسلمين السيد الخامنئي لسنوات عديدة لولا إصرار الإخوةس المؤمنين وقيادات الجمهورية الإسلامية في إيران ؟ ألم يرفضها من فترة قريبة جداً آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم لولا إصرار المؤمنين عليه؟ ألم يرفضها أيضاً آية الله العظمى السيد السيستاني لولا إصرار المؤمنين عليه؟ ألم يرفضها ومازال السيد علي بهشتي في النجف الأشرف؟ أوليس قد تجاوز آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت عمر الثمانين من دون تصدٍ للمرجعية حتى أصر عليه جملة من العلماء وأقبل عليه المؤمنون؟ ومع ذلك فإننا لم نسمع ولا نتوقع أن نسمع منهم حفظهم المولى بحفظه ما نسمعه من السيد فضل الله.

 ورغم ذلك ألم يقل السيد فضل الله بنفسه في قم وفي منزل العلاّمة المحقق تحديداً حيث كان ينزل كلما سافر إلى إيران "لا تسألوني والسيد جعفر مرتضى موجود" وذلك طلب مباشر بتوجيه الأسئلة إلى العلاّمة المحقق فهل يصح أن تشرب من البئر ثم ترمي به الحجارة ؟!

وما دام الحسيني يتكلم عن الاختصاص فهل اختصاصه هو في علوم الحديث والتاريخ ليناقش في قضايا تاريخية ؟! وهل التاريخ والعقائد من اختصاص السيد فضل الله ليشكك هنا وينفي هناك كيفما كان، وكيفما راق له ليبرىء فلاناً ويتهم فلاناً بطريقة عشوائية ودون دليل و...؟!

ألم يقل السيد فضل الله بنفسه في رسائله إلى العلاّمة المحقق(1) بأنه طرح قضية الزهراء من دون تحقيق؟ فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يصر على آرائه؟! ولماذا لم يرجع في الأصل إلى أهل الخبرة والاختصاص في هذا المجال قبل إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف وأبرزهم وأكفؤهم على الإطلاق العلاّمة المحقق بشهادته هو الذي اعتبره شرف الدين هـذا العصـر كما تقـدم في الفصـل الأول ؟! وإن قـيل أنها مجـرد

ـــــــــــــــ

(1) ملحق رقم2

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 232/

علامات استفهام فلماذا يأتي بألف دليل ودليل على النفي ؟! أسئلة كثيرة لم يعد يصعب الإجابة عليها.

كنا نتمنى أن نبتعد عن هذه اللغة واللهجة إلا أننا لم نلجأ لها إلا اضطراراً لوضع النقاط على الحروف في محاولة لإرجاع الأمور إلى نصابها ووضع الأشخاص في مكانهم الطبيعي الذي يستحقونه على أن سبب هذه اللغة هو مثيرها الأول ولا نعمل إلا بقول الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وبقوله تعالى: (العين بالعين والسن بالسن..)

ثم يتابع السيد الحسيني فيقول:

"والغريب في منهج السيد مرتضى العاملي أنه يبني نتائج أبحاثه على وقائع ومناقشات غير مسلمة وطالما بنى على التشكيك بهذا أو ذاك لمجرد أنه شكك أو تحفظ على كتاب (سليم بن قيس الهلالي) أو كتاب (الاختصاص)... ولذلك نفى الشيخ المفيد صحة كتاب سليم بن قيس وكذلك الشهيد الثاني ولم يطعن أحد في إخلاصهم للمذهب... وتحفظ السيد الخوئي على صحة كتاب (فقه الرضا) للإمام الرضا عليه السلام وقلل من قيمة كتاب (دعائم الإسلام)... بل إن السـيد الخـوئـي نفسـه نفـى أن يـكون أبـو بـكر وعمـر وفريقـهما فـي عــــداد الناصبين لترتيب آثار النصب فقهياً عليهم ولم يطعن عليه أحد في إخلاصه للمذهب.."(1)

والغريب عند السيد الحسيني هو حبه لنقض كلامه بكلامه إذ كيف سمح لنفسه بأن يقول عبارة (وقائع غير مسلمة) إذ كيف يمكن للوقائع أن تكون غير مسلمة بل كيف يصح أن توصف بالوقائع؟! إلا إذا كان السيد الحسيني لا يجيد اللغة العربية ولا يعلم معنى كلمة "وقائع" ؟! وإذا لم تكن الأبحاث ستبنى على الوقائع فعلى ماذا ستبنى إذاً؟!!

ثم إن قوله بأن العلاّمة المحقق شكك بهذا وذاك لمجرد شكه أو تحفظه على كتاب معين فهو لا يصح وإلا فليذكر لنا السيد الحسيني شاهداً واحداً على ما يدعيه!!

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص107ـ108

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 233/

ومع ذلك فإن النقاش يدور مدار الدليل وقد عرض العلاّمة المحقق لأدلة المشككين في كتابي "سليم بن قيس الهلالي" و "الاختصاص" وناقشهما دون التشكيك بأحد وآراء العلاّمة المحقق تدور مدار الدليل لذلك نراه يقبل بتحفظ السيد الخوئي (قده) على صحة نسبة كتاب "فقه الرضا" وتقليله من قيمة كتاب دعائم الإسلام لأن دليله (قده) مقبول.

ومع ذلك فإن عدم الطعن بإخلاص من ذكرهم من قبل أحد، فلأنهم لم يجدوا منهم حرصاً على التأكيد على مقولات غريبة عن المذهب وإذا ما صودف أن واحداً منهم قد اشتبه في مسألة أو عدة مسائل فإنه لا يصل إلى حد التعدي على هذا القدر الكبير من مسائل المذهب وثوابته.

وأما كلام السيد الخوئي (قده) ونفيه أن يكون أبو بكر وعمر في عداد الناصبين فقد اعترف السيد الحسيني بنفسه بأن هذا البحث إنما كان في مقام ترتيب الآثار الظاهرية وهذا معنى قوله "ترتيب آثار النصب فقهياً عليهم" ولا يصح منه الاستفادة من كلام السيد الخوئي (قده) والذي نؤيده فيه تبعاً للدليل للإيحاء ببرائتهم من أمرٍ اقترفوه، وقد ظهرت بوادر محاولات تبرئتهم في أكثر من مجال في كتاب السيد الحسيني الذي بين أيدينا بل وفي كلمات صاحبه الذي يدافع عنه وينطق باسمه ويتبنى آراءه ويرددها بطريقة ببغائية ويدافع عنها...

رابعاً: تلميع الصورة المشوهة:

يختتم السيد الحسيني هواجسه بمحاولة لتلميع صورة مشوهة أصلاً، ومن المعلوم أن تلميع صورة هذه مواصفاتها لا ينفع، إذ لا ينفع مع الصورة المشوهة إلا تغييرها أو إعادة رسمها من جديد لا تلميعها. فلننظر في محاولته هذه:

يقول السيد الحسيني:

"ختاماً أقول: إن الاختلاف أمر مشروع والنقد أمر مشروع بل وواجب أيضاً في حالات ولكن الاختلاف لا يقتضي التناحر ولا يتوقف على توزيع الاتهامات والتشكيك بالنوايا أو تتبع العثرات بطريقة جنونية غير مهذبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 234/

وختاماً أقول أيضاً:

 إن الدافع لتسجيل هذه الملاحظات ليس هو نفي أو إثبات بعض ما وقع على السيدة الزهراء (ع) من ظلم واعتداء وإنما كتبت بدافع نقدي ينحصر بالمنهج السائد في كتاب مأساة الزهراء للكاتب السيد جعفر مرتضى عسى أن تسهم في تصحيح المسار النقدي السائد في أوساطنا العلمية والثقافية"(1)

نعم إن الاختلاف أمر مشروع والنقد كذلك ولكن هل التزم السيد الحسيني بعدم التشكيك بالنوايا؟ لا شك بأن كتابه هذا خير دليل على أنه لم يلتزم بهذه القواعد!!

إن أسلوب السيد الحسيني هذا وكما ذكرنا سابقاً يمثل نسخة طبق الأصل عن أسلوب السيد فضل الله الذي يوعز بكتابة كتب ظهر أنها مليئة بالتحريف والتزوير ثم يتظاهر على المنبر بسعة صدره وبانفتاحه على الجميع وبدعوته لحوار سبق ورفضه إلا بشروط تحفظ له القدرة على المناورة والتعمية على حقيقة ما يجري وتسمح له برمي الآخرين بالتهم وبالعمل بوحي من المخابرات للنيل من الحالة الإسلامية التي يحرص على ادعاء تمثيلها فهو هي وهي هو وإلا فالهيكل مهدد بالسقوط على رؤوس الجميع.

كذلك يفعل السيد الحسيني فهو يناقش محرفاً حيناً ومدلساً أحياناً لنفي ما وقع على الزهراء (ع) ثم يدعي أنه لا يريد أن ينفي أو يثبت وهو أسلوب صاحبه أيضاً الذي يثير القضية بعنوان علامة استفهام ثم يأتي بألف دليل ودليل على نفي وقوعها بنقل شفهي لكلام يدعي أنه سمعه شفاها من السيد شرف الدين (قده) من هنا وبفهم مغلوط لكلام الشيخ كاشف الغطاء (قده) والشيخ المفيد (قده) من هناك وبحب مزعوم كان يملأ قلوب المهاجمين من هنالك و.. و.. ثم يقول إنني لم أنكر ذلك لأن الإنكار يحتاج إلى دليل وليس عندي دليل على النفي ثم يعود فيقول ولكني قلت لا أتفاعل بمعنى أن لدي علامات استفهام ثم يعود ويأتي بأدلة النفي.(2)

ـــــــــــــــ

(1) هوامش نقدية ص108ـ109

(2) راجع رسالته إلى الشيخ التبريزي جواب 17

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 235/

فإن كان لا يملك دليلاً على النفي فلماذا يثير الشكوك عند الناس في قضية ثابتة تاريخياً لا يملك دليلاً على نفيها باعترافه ثـم يصر على موقفـه هـذا الـذي أثـار الناس

والعلماء الذين يتهمهم بالعمل بوحي من المخابرات وبالحسد والغيرة و.. و..؟!!

وبعد هذا فهل تصح دعوى السيد الحسيني بأنه يهدف إلى تصحيح المسار النقدي؟!

ولماذا اختار خصوص كتاب "مأساة الزهراء" دون غيره وفي عجلة لا نحسده عليها ستكون عواقبها وخيمة على مستوى شخصيته العلمية أمام الناس فالتاريخ لم يرحم أحداً في السابق دَأَبَ دَأْبَ الحسيني ولن يرحم أحداً في المستقبل وهذه سنة وناموس طبيعي لا يحتمل الإستثناء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 236/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 237/