التمهيد

 

في مدينة النجف الاشرف حيث تمتزج العراقة بالحداثة، والتراث بالمعاصرة، والاصالة بالتقليد، والضوء بالظل، والابداع بالاتِّباع.

وحيث يمتاح الاجتهاد روح النص فيستنطقه، ويخترق عمق المتن فيستظهره، ويجلي محتوى الشكل فيستشفه.

وحيث تتآزر علوم اللغة، والبلاغة، والنقد، والتفسير، وأصول الفقه، والمنطق وأضرابها على تحليل الخطاب الشرعي، وسبر أغواره، واستخراج مكنوناته، واستكناه تجلياته.

في مدينة يجتهد في مساجدها الماء، ويستنبط في معاهدها الحبر، ويستدل في مدارسها الورق، ويتناغم في بحوثها الحس والوجدان والحدس، ويتحاور في رؤاها
العقل والنظر والنقل، حواراً يفكك فيه العقل والنظر متن النقل ثم يعيد تركيبه صعوداً نحو استيحاء المضمون واستنطاق الدلالة واستنباط الحكم.

مدينة تختضب فيها الروح بدفء القرب وطيب الوصال، وهي تستنطق كل يوم ذاهبة وآيبة حول ضريح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) نور وعلم وحكمة وفقه وبلاغة الامام علي باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله) «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب»، وتستدعي الحق والعدل والقسط والانصاف من سيرته وتاريخه «علي مع الحق والحق مع علي»، وتستحضر صواب الحكم وعمق الفهم ونصاعة الفتوى ونزاهة التقوى من عدالته ونهجه «أقضاكم علي»، وتستلهم شجاعة الرأي وجرأة القول وثبات القلب وفروسية المنازلة وصبر المجالدة، من صولاته وجولاته «لا فتى الا علي لا سيف إلا ذو الفقار».

فيكون للفتوى عند ذاك عمق تاريخي متجذر موصول بماض من عصر التشريع حي، ونصاعة مستوحاة من نور الوحي المبين وإشراقة البيان الكريم وضاءة، وبطولة موروثة من فروسية ساحات الجهاد وقراع الاسنة والحراب محركة فاعلة.

مدينة عمر جامعتها الدينية أكثر من ألف عام، احتضنت علوم اللغة العربية وآدابها فصانتها من حملات التتريك والتذويب، وعمود الشعر العربي وتفعيلاته فحصَّنتها من موجات التجريب والتغريب، وعلوم الشريعة الاسلامية وأحكامها فحفظتها من طروحات التجديف والتزييف، وأصول العقيدة وفروعها فنزهتها عن محاولات التشويه والتحريف.

متحملة جرّاء ذلك الموقف الصلب ما تحمّلت، معانية لاجله ما عانت، من مآس ومحن شاخ على مجالدتها الشاب، وشؤون وشجون شبًّ على ضراوتها الرضيع، وآلام ومصائب استنزفت من الدموع والدماء ما لا يصبر على مثيله الاّ الثلَّة المجاهدة.

مدينة خرّجت جامعتها الدينية الحديثة ـ ناهيك عن تاريخها العلمي العريق ـ الجمع الغفير من العلماء الاعلام فغدت قلعة للمرجعية الدينية الاصيلة، وحصناً من حصون الشريعة السمحاء، ومعلماً جهادياً ينير الدرب للسالكين، وحاضرة من أهم حواضر فقه آل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

وحين تثار اليوم حول مسألة المرجعية الدينية التساؤلات، وتتفرع الاشكالات، وتتشعب الطروحات، تتوجه الانظار صوب النجف الاشرف من جديد باحثة عن جواب : يرشد ويسدد، ويقود ويهدي، ويوضح ويبين.

والنجف هذه المرة حاضرة بشخص أحد مراجعها الاجلاء، سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)، وهو مَن عرفته جامعة النجف الدينية أُستاذاً من أساتذة حوزتها العلمية العتيدة في الفقه وأصوله سنوات وسنوات، تخرج على يديه فيها نخبة من أفاضل أساتذة الحوزات العلمية ومدرسيها اليوم، في حاضرات النجف الاشرف، وقم المقدسة، ودمشق، ولبنان، والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية... وغيرها.

كما عرفته النجف الاشرف مجتهداً من مجتهديها الافاضل، عاصر أكثر من مرجعية دينية عامة، وكان قريباً من مرجعية جدِّه الامام الراحل السيد محسن الحكيم(قدس سره)أحد أبرز مراجع التقليد الفاعلين لاتباع مدرسة أهل البيت(عليه السلام) في العصر الحديث.

وعرفته الاوساط العلمية والمحافل الدينية كذلك محققاً بارعاً تشهد له سوح البحث المناظرة بالدقة والعمق والرصانة، ومؤلفاً موسوعياً أحكم في أصول الفقه (المحكم) ، وأضاء في دنيا الفقه (مصباح المنهاج)، و(حَشَّى على الكفاية) حدّ الكفاية، وأنهج للصالحين (منهاج الصالحين)، وأصَّل عملياً (الاصول العملية) وله من المؤلفات والرسائل والكتب من غير هذه وتلك مما هو معروف متداول مشهور.

وحين تصدى للمرجعية الدينية، وأصبح من مراجع التقليد الاجلاء، نهض بأعباء الزعامة والتدريس والفتيا، وتولى بدأب وصبر وحنو أُمور المؤمنين العامة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مهتماً بشؤون الفقراء المعوزين المحتاجين، معنيَّاً بآمال وآلام المضطهدين المقهورين، مخففاً عن كواهل الالاف منهم المعاناة الصعبة القاسية المروعة زمن الحصار الجائر والقحط العسير الشديد.

وله من المواقف الجليلة في الشأن الاجتماعي والفكري ما لا يسعه هذا التمهيد الموجز.

وها هي ذي الاسئلة تطرح، وها هو ذا سماحته يجيب.