س:  سجلت الحوزة العلمية والمرجعية الدينية متابعة جادة لرصد حركة المجتمع ومواجهة التيارات الفكرية الالحادية والمنحرفة، فهل تعتبرونها موفقة في هذا المجال؟

 

þ  التوفيق في هذا المجال وغيره من المجالات أمر نسبي يخضع للظروف والملابسات الكثيرة.

وإن من أهم الاسباب في انحسار التيارات الفكرية الالحادية والمنحرفة، عن الاسلام عامة، والتشيع خاصة قوة الدين والمذهب، وأصالتهما، وعقلانيتهما، مما يوجب تجذرهما في أعماق الانسان عقلياً وعاطفياً، وقبوله دعوتهما، واستجابته لهما بطبيعته الاولية.

وأقوى شاهد على ذلك في هذه العصور أن المسيحية التي هي أقوى دين بعد الاسلام، كانت قد غمرت الغرب وحكمته قرونها الطويلة، وقد نبعت في أوساطها الدعوة العلمانية المتحللة باتجاهاتها المختلفة، ونشطت لها وقارعتها حتى انهارت المسيحية واستسلمت لها، ولم يبق منها إلا أسماء خالية وهياكل جوفاء تتعايش مع العلمانية ولا حول لها ولا قوة أمامها إلى يومنا هذا.

بل صارت المسيحية بقوتها التبشيرية واجهة للاستعمار الغربي العلماني وأداة لتثبيته في الشعوب المستضعفة.

حتى إذا استكملت العلمانية الغربية قوتها توجهت للبلاد الاسلامية ـ وهي في منتهى ضعفها ـ فاكتسحتها بقوتها العسكرية الهائلة وبحضارتها ومكتشفاتها الجبارة وبشعاراتها البراقة في الحرية والعدالة وحفظ حقوق الانسان وغيرها، لتقضي على الاسلام في مهده وتقتلعه من مغرسه.

وقد نجحت فعلاً في اكتساح البلاد، والنفوذ فيها عسكرياً وسياسياً حتى الان، إلا أن صراعها مع الاسلام باء بالفشل وقام الاسلام على قدميه كعقيدة أصيلة متجذرة. وقد فرض نفسه عالمياً حتى أثار قوى الشرّ، فهي تحسب له حسابها، وتعد له عدتها.

ولم ينحسر الاسلام في البلاد التي دخلها إلا في بلاد الاندلس، لضعف الاسلام الذي حلّ فيها، لانه أُموي النزعة والتطبيق، منقطع عن منابعه الصافية بسبب بعد البلاد المذكورة عن عواصم الاسلام، ولقسوة الهجمة التي اكتسحته وشراستها وطول مدتها، ولانها جاءت في دور وهن المسلمين.

على أنه بلغنا وجود بقية له هناك، حبذا لو يتيسر تقصّيها لمعرفة واقعها وحجمها.

ومثل هذا يجري في التشيع حيث بقي متماسكاً مع عنف الهجمات التي تعرض لها في تاريخه الطويل وقوتها وقسوتها، بل ازداد ـ رغم ذلك كله ـ قوة وصلابة ونشاطاً وتوسعاً، وفرض نفسه على الساحة العالمية.

كل ذلك لقوة دعوته وتناسقها ومنطقيتها، وخلوّها عن المفارقات والتناقضات وسيطرتها على العقل والعاطفة.

وبالنظرة الموضوعية المنصفة يتضح أن بقاء الاسلام إنما هو ببقاء التشيع، لانه الاسلام الحقيقي المتكامل المتوثب، ذو القلب الحي النابض، والعقل المتفتح الناضج، والفكر الصافي الخالي عن شوائب الاوهام والخرافات وعن المفارقات والسلبيات، والصوت المدوي بالحق والعدل ورفض الباطل والظلم.

ولذا تحزبت عليه قوى الشر وأعداء الاسلام، وأعدت له عدتها لتقضي على الاسلام باسمه، ولو بالاستعانة ببعض الفئات المنتحلة للاسلام التي سبق لها أن استعانت بها لاضعاف الاسلام أو القضاء عليه.

وتبدوا أهمية الحوزات العلمية وموفقيتها في إصلاح المجتمع فكرياً من بقاء التشيع على نقائه وصفائه ووحدته وتكامله في عصر الغيبة الطويل، حيث يغيب القرار المركزي المعصوم، وحيث يتاح لكل أحد أن يقول ما يريد، إذ من شأن العقيدة حينئذ أن تتعرض للاجتهادات والتخرصات ولمحاولات التحريف والتحوير، ولذا ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.» (هامش) .

غير أن التشيع بعناية الله ورعاية إمام العصر (عجل الله فرجه) وبجهود علمائه العاملين بقي متماسكاً هذه المدة الطويلة من دون أن ينحرف عن خطه المعهود. على أنه تعرض لكثير من المشاكل والفتن الداخلية.

فقد تعرض في العصور القريبة للخلاف الحادّ بين الاصوليين والاخباريين الذي كاد يقضي على وحدته، إلا أن الفتنة لم تلبث أن هدأت، وتراجع أهل الرشد والتقوى من الطرفين لتمييع الخلاف والتركيز على الاُصول المشتركة وجمع الشمل ورتق الفتق، حتى عادت الوحدة بين أهل الحق، ولم يبق للتعصب وجود يذكر.

ثم تعرض لمشكلة الشيخية، ثم الكشفية، ثم البابية، ثم البهائية، في فتن متلاحقة لم تلبث أن انحسرت، ورجع الكثير إلى دينهم وعقائدهم الحقة وانضموا تحت لواء التشيع وفي كيانه العام، وانعزل المتشبثون بتلك الافكار في فئات بعضها خرج عن الاسلام رأساً، وبعضها بقي عليه في قلة قليلة غير معتد بها معزولة عن الكيان الشيعي العام لا تؤثر على مسيرته ونشاطه.

كل ذلك بفضل قوة التشيع وجهود الحوزات الشريفة وعلمائها العاملين.

وبمقارنة سريعة مع بعض المذاهب والاديان الاخرى تتضح ميزة التشيع في ذلك. فالوهابية فرقة نشأت في العصور القريبة لتشق وحدة المسلمين وتفرّق كلمتهم، وقد كان لها الدور المهم في إضعافهم وإضعاف الخلافة الاسلامية السنية، وفي التمهيد لنفوذ الاجانب في البلاد الاسلامية.

وحتى أوائل القرن الماضي قبيل الحرب العالمية الاولى كانت ـ بنظر المسلمين عموماً ـ هي الفرقة المبدعة الخارجة المفسدة في الارض المنتهكة للحرمات، حتى إذ استتبت لها الاُمور في أواسط القرن الماضي الهجري خفت صوت التسنن ضدها واعترف بها، ثم نشطت، وإذا هي الان الاقوى مادياً، والاعلى صوتاً، بل قد تكون اليوم هي الناطق الاظهر باسم التسنن، لما تملكه من قوى مادية هائلة ودعم خارجي غير محدود لا يخفى على المتبصر. ولم يقو التسنن على إنهائها ولا على تحجيمها عقيدياً وفكرياً.

وهذه المسيحية الكاثوليكية قد استحدث فيها المذهب البروتستانتي باسم الاصلاح في القرن السادس عشر الميلادي، وثبت المذهب المذكور واستحكم ونشط، وصار لكنائسه كيان ونشاط قوي ينافس الكنائس الكاثوليكية، ويقف في وجهها، ولم تقو الكاثوليكية على استيعاب الخلاف وتمييعه، ولا على تحجيمه، بحيث ينحصر في فئة قليلة غير معتد بها تعتبر شاذة عن الكيان العام، نظير الفئات المشار إليها آنفاً في التشيع.

هذا بالاضافة إلى الفتن والانشقاقات الداخلية.

وأما بالاضافة إلى الافكار الوافدة الخارجة عن الدين، فقد تعرض التشيع والاسلام عموماً للهجمة التبشيرية المدعومة من المستعمر الغربي الكافر، وكان نصيبها الفشل الذريع، كما اعترفوا بذلك حتى قالوا: إن محاولة جعل المسلم مسيحياً غير عملية، ولكن علينا أن نسلخ المسلم عن الاسلام، بدفعه للتحلل والفساد والاستهوان بالدين، فكفانا ذلك مكسباً ونجاحاً.

ونشطت الدعوة لذلك في أوائل اكتساح الغرب المسيحي لبلاد الاسلام ونفوذه فيها.

وليس ذلك ـ لو تهيأ لهم ـ في الحقيقة مكسباً للمسيحية، بل هو انهزام لها، وانتصار لقوى الاستعمار التي أرادت أن تستغلها لتحقيق مصالحها وأطماعها في بلاد الاسلام.

فليعرف المسلمون عظمة دينهم وحقه وواقعيته. وليشكروا الله سبحانه على نعمة هدايته لهم بطاعته واتباع تعاليمه والبخوع لها.

وعلى كل حال فقد كان للحوزات الشريفة والمرجعية الدينية أعظم الاثر في فشل الحملة التبشيرية المذكورة بتوفيق الله تعالى وعنايته ورعاية إمام العصر (عجل الله فرجه) وبركات وجوده الشريف.

كما تعرَّض التشيع في العصر القريب ـ كغيره من المذاهب والاديان السماوية ـ للمدّ الالحادي الذي أفرزته الحضارة المعاصرة، فغمر العالم ونشط، ولاسيما بعد أن أصبح مدعوماً من إحدى القوتين العظميين اللتين انفردتا بالسيطرة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وسرت موجته في البلاد الشيعية وسائر البلاد الاسلامية وقد تصدت الحوزات العلمية له، وكان لها وللمراجع العظام (قدس الله أسرارهم) الدور المشرف في الوقوف بوجهه والحدّ منه بتصميم وإصرار، حتى انكفأ الالحاد منهزماً هزيمة منكرة، وتوثب المؤمنون معتزين بدينهم ذائدين عنه.

 وكان الفارق واضحاً بين فاعلية الحوزات العلمية والمرجعية الشيعية وفاعلية غيرها من المؤسسات الدينية الاخرى لبقية المذاهب الاسلامية وبقية الاديان.

وقد أدرك ذلك المعنيون بالامور، فاضطروا ـ حينما تهددت مصالحهم ـ لفسح المجال للحوزات الشيعية، لتتمتع بقسط من الحرية وتزاول نشاطها في ذلك العهد، حتى أن الوضع الطائفي في أفغانستان والسلطة الحاكمة هناك والحكم الجاري عليه كانا يمارسان الضغط الشديد على شيعة أهل البيت(عليهم السلام) عموماً، وعلى رجال الدين منهم خصوصاً.

فلما بدأت الشيوعية تتغلغل في أفغانستان وتنشط فيها نتيجة سوء الاوضاع وتردِّيها اضطرت الحكومة الافغانية في حينه للتخفيف من حدة الضغط على الشيعة وفسحوا المجال لرجال الدين والحوزات الشيعية في أفغانستان ليمارسوا نشاطهم الديني والتبليغي من أجل أن يقفوا في وجه المدّ الشيوعي والالحادى، لانهم يتميزون بفكر وثقافة تؤهلهم لذلك لا يملكهما غيرهم من الهيآت الدينية المتنفذة في البلاد.

وها هو التشيع اليوم بحوزاته وعلمائه وفكره وثقافته ثابت القدمين تحسب له قوى الشر حسابها وتحاول تفتيته وحرفه عن مساره السليم في الفكر والعقيدة، لتضعفه وتشغله بنفسه عن الوقوف في طريقها، وتتبع عوراتها، والانكار عليها والحدّ من نشاطها.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعضده ويثبته بالقول الثابت، ويسدد الحوزات الدينية للسير في الطريق المستقيم، ويوفق المؤمنين للالتفاف حولها من أجل الوقوف بوجه الانحراف وصدّه، والحفاظ على ثوابت التشيع وحدوده وتعاليمه، تصديقاً لقوله(صلى الله عليه وآله): «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى يأتي أمر الله» (هامش) .

حيث لا يراد بظهورهم إلا ظهور حجتهم وسماع دعوتهم (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة) (هامش) .

ونعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن والنكوص على الاعقاب وشر المنقلب، ومن خزي الدنيا وعذاب الاخرة، وهو أرحم الراحمين.