س:  ما هي أهم مميزات الحوزة العلمية والمرجعية الدينية الاسلامية الشيعية بالنسبة لباقي المؤسسات الدينية للاديان والمذاهب الاخرى ؟

 

þ  ترتكز مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وثقافتهم على دعامتين متأصلتين في كيانها..

الاُولى: الثقافة الحقيقية والعلم النافع، المبني على قوة الحجة ودقة الحساب والملاحظة، من أجل الوصول للحقيقة ومعرفة الوظيفة الشرعية، حيث عُرِفوا بذلك هم(عليهم السلام) وشيعتهم من العصور الاُولى، وتميزوا به عن غيرهم في تعاليمهم، واحتجاجاتهم، ومخاصماتهم، وأحاديثهم في مجالسهم، وخطبهم، وأشعارهم.

الثانية: الاخلاص في طلب العلم والمعرفة، أداء للواجب وخروجاً عن العهدة، لا طلباً للدنيا ومن أجل المكاسب المادية أو المعنوية والمراتب والمناصب، لانهم (صلوات الله عليهم) القمة في الاخلاص لله تعالى والدعوة له والتذكير به . وشيعتهم يستضيئون بأنوارهم، وينظرون بمشكاتهم، ويتكامل كيانهم بفيض بركاتهم وقدس نفحاتهم، كل ذلك في ظل عنايتهم ورعايتهم(عليهم السلام).

وقد استمرَّت هذه المدرسة بهاتين الدعامتين ـ بعد الغيبة ـ متمثلة بالحوزات العلمية الشيعية.

ولا يعني ذلك عدم وجود الدخيل والغث فيها، فإن ذلك أمر طبيعي بعد غياب العصمة، وإنما نريد بذلك أن الاطار العام للحوزات لا يخرج عن هاتين الدعامتين ببركة أهل البيت(عليهم السلام) وبرعاية قائمهم (عجل الله تعالى فرجه)، بحيث يعتبر الخارج عنهما خارجاً عن الطبيعة الاولية للحوزات، وعما هو المفترض فيها والمنتظر منها.

ولذا تبتني العلاقة بين عموم المؤمنين والحوزات على الروحانية والتقديس، وحتى صار للمرجع الديني في نفوس المؤمنين مكانة سامية ترتفع إلى مستوى تمثيل الامام(عليه السلام) الذي هو مثال القدسية الاكمل.

وقد ساعد على بقاء هاتين الظاهرتين تركيبة الحوزة وعلاقاتها بالناس، فإنها..

أولاً: لا تتقيد بنظام حدّي في تحديد مراحل الدراسة، بل كل شخص يعمل بقناعاته وقابلياته في إطار الحوزة العام، بحرية تامة وحسب القدرات المتاحة له، من دون أن يتقيد بجدول زمني خاص ولا بأستاذ خاص ولا بغير ذلك، حيث يتيسر له بذلك استغلال قابلياته وملكاته على أتم وجه، كما يقتضيه الواجب الشرعي في تحقيق الحق للخروج عن عهدة التكاليف الالهية المقدسة، وبراءة الذمة منها.

وثانياً: عدم خضوعها للسلطة القاهرة التي تتحكم في قبول الاشخاص في الحوزة، وفي تشخيص من يبلغ المراحل المتعاقبة فيها من المرحلة الاُولى حتى المرجعية العظمى، بل لكل أحد الدخول في الحوزة، والمعيار في أهليته لها ومرحلته فيها دينياً وعلمياً على القناعات الفردية للناس، نتيجة الاحتكاك بالشخص وتقييم الاشخاص الموثوقين له، في علمه ودينه، وقابليته الشخصية في الظهور على الساحة وفرض نفسه على الناس، والتحكم في قناعتهم المبنية في الاطار العام على الواقعية والاخلاص، من دون نظام محدد لذلك.

وثالثاً: تستقل مادياً عن الدولة وعن غيرها من ذوي النفوذ، بل تعتمد بوجه عام على الحقوق الشرعية التي يدفعها المؤمنون بوجه طوعي قياماً بالتكليف الشرعي من دون قيد ولا شرط ولا نظام يتيسر التحكم فيه.

وقد كان لهذه الاُمور ـ بعد تسديد الله تعالى ورعاية صاحب الامر عجل الله تعالى فرجه ـ أعظم الاثر في محافظة الحوزات على بهائها وقدسيتها، وعلى تكامل العلم وتطوره وعمقه فيها.

وكان فيها علماء بالمستويات العليا في العلم والتحقيق والعمق، وفي الافادة والانتاج، ولهم أعظم الاثر في رفع المستوى العلمي في الحوزات، والصعود به في طريق النضوج والتكامل.

كما كانوا على جانب عظيم من الدين والورع والتقوى والمثالية والنفع، وبهذا ملكوا قلوب المؤمنين، وصاروا موضع فخرهم واعتزازهم.

وبذلك كله قام للحوزات كيانها المستقل، وكان لها تحركها المؤثر، وصوتها المدوي، الذي قد يُخنَق وقد ينطلق، تبعاً لاختلاف الظروف والملابسات.

وكان من الصعب بل المتعذر على القوى الفاعلة في الساحة النفوذ فيها والسيطرة عليها لحرفها عن مسارها، وصرفها عن أهدافها، وما يستتبع ذلك من اكتفائها في طلب العلم الديني وتحديد الرتب بالسطحية والشكليات الرسمية من أجل المراتب الوهمية على حساب الحقيقة، ولو بالالتفاف على الانظمة وتطويعها بوجه غير مشروع، كما تبتلى بذلك المؤسسات الرسمية عامة، خصوصاً في الفئات المغلوبة على أمرها.

وقد امتازت الحوزات الشيعية بذلك عن المؤسسات الدينية لباقي المذاهب والاديان.كما يظهر ذلك بأدنى مقارنة وملاحظة، ولا يسعنا تفصيل الكلام في ذلك بعد ظهوره للعيان.

نعم، لا يخلو نظام الحوزات المذكور من سلبيات مهمة مؤلمة..

منها: هدر كثير من القابليات نتيجة الحرية المذكورة وفقد النظام، حيث قد لا يؤدي الكثير واجبهم، ولا يستفرغون قدراتهم في طلب العلم أو في التدريس أو في التبليغ، كسلاً أو ضجراً، من دون قوى تردعهم عن ذلك.

ومنها: ضياع بعض المؤهلين، لعدم تيسر ظهورهم على الساحة، بعد فقد المعايير الدقيقة والحدية لتقييم الاشخاص.

ومنها: حرمان كثير من ذوي الكفاءات من حقوقهم المادية والمعنوية التي يستحقونها بسبب كفاءاتهم. لصعوبة تمييزهم عن غيرهم بعد فقد طرق التقييم الرسمية.

ومنها: فتح باب الدعاوى غير المسؤولة والتصدي لغير المؤهلين.

غير أن ذلك كله لا يعادل المكاسب العظيمة التي حصلت عليها الحوزة الشريفة على الامد الطويل في قيامها وانتاجها وثباتها واستقلاليتها وتأثيرها، فإن ضياع بعض الحقيقة أهون من ضياعها بأجمعها، ووقوع بعض الظلم عليها أهون من اكتساح الظلم لها.

على أنه يمكن تجنب كثير من السلبيات أو التخفيف منها بتركيز الجانب الديني في داخل الحوزة وعند المؤمنين الذين يتعاملون معها، لان الوازع الديني يمنع من كثير من التجاوزات، ويحفظ الحقوق لاهلها، ويحث على أداء الواجب ـ في طلب العلم وبذله وفي التبليغ الديني ـ بالوجه الاكمل.

ومن ثَمَّ كان التركيز على هذا الجانب من أهم الواجبات.

وقد قال الله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (هامش) .

كما أن ذلك قد جرّ على الحوزات في الادوار المختلفة المتاعب والمصاعب التي قد تبلغ حدّ المآسي والفجائع، إذ ليس من السهل على القوى الفاعلة استقلالية الحوزات، من دون أن تنفذ إليها وتسيطر عليها أو تنسق معها. مع ما عليه الحوزات من تأثير فاعل في المجتمع.

ولا يزال الصراع قائماً ولا ينتظر له نهاية. ومن الله سبحانه وتعالى العون والتسديد، إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، وخير الناصرين.