س16: سيدنا الكريم في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا الإسلامية توجد هناك أزمة ثقة في بعض مجتمعاتنا - الإمامية- بين المجتمع ورجال الدين من علماء ومبلغين ساعد على وجودها ظروف كثيرة لا تخفى على المتابع، فيا حبذا لو تفضلتم علينا ببعض النصائح والتوجيهات التي تساعد على التخفيف من تلك الأزمة؟

ج: الأزمة المذكورة من أهم مشاكل هذه الطائفة الممتحنة وأعقدها. وهي بعد مؤشر خير لهذه الطائفة يناسب صمودها وخلودها، لأنها تكشف عن تحرر المجتمع فيها من التقليد الأعمى لرجال الدين والتبليغ، مما يجعل رجل الدين غير قادر على حرف المجتمع عن مسار هذه الطائفة المستقيم ونهجها القويم لو سولت له نفسه وغلبه هواه لضغوط خارجية تدعو للانحراف، كما حصل لكثير من الطوائف والمجتمعات. كما أن رجل الدين والتبليغ إذا كان مستهدفاً للنقد والتمحيص صار حذراً متيقضاً، وحاول تجنب المزالق وتحفز للتكامل والرقي.

وعلى كل حال يجب على جميع الأطراف الوقوف عند حدود الله تعالى والحذر من الخروج عنها في سورة التحرر والاندفاع، وتحري رضا الله تعالى وصدق النية معه. فيجب على رجل الدين والتبليغ الاهتمام بأداء وظيفته على أحسن الوجوه وأفضلها وتجنب السلبيات بالقدر المستطاع للنقد البناء والتجاوب معه. من دون أن يصل الأمر به إلى إرضاء الناس على حساب المبدأ والواجب مهما كان الثمن.

كما يجب على أفراد المجتمع التشجيع على الاستقامة وأداء الواجب ورفض الزيغ والانحراف مهما كان مصدره، والحذر من النقد الهادم غير المسؤول ولا المنصف، وتصلكم مع هذا الكتاب نسخة من الرسالة التي وجهناها أخيراً لرجال الحوزة والتبليغ والتي قد تعينهم على أداء وظيفتهم على الوجه الأمثل. ونسأل الله سبحانه وتعالى العون على هذه المشكلة وغيرها من المشاكل المحيطة بهذه الطائفة المتعبة، وتسديد الجميع لمعالجتها وتلافي أضرارها وهو حسبنا ونعم الوكيل.

نعم هناك أمر مهم له أعظم الأثر في هذه الأزمة لم نرَ التعرض له في تلك الرسالة صلاحاً، يحسن التعرض له هنا. وهو أمر المال الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله، والذي لم يحسن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم إنفاقه في ترويج الدين ورفع أعلامه والدعوة له أو في إغاثة ذوي الحاجة المضطرين من المؤمنين، بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به ويتوسعون في إنفاقه حتى قد يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر حسب منظور الناس، مما أوجب انعكاس صورة سيئة لرجل الدين والتبليغ عند كثير من الناس، وضاع الصالح في هذا الخضم، حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية وأداء الواجب في الدعوة إلى الله تعالى، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع وسلبت الثقة منهم وشاع سوء الظن فيهم حتى قد يتفاقم الأمر، ونصل إلى ما لا تحمد عقباه فالواجب على رجال الدين والمبلغين الصحيحين المخلصين في عملهم والذين بهم ترتب الثمرة المطلوبة على جهودهم..

أولاً: أن يبعدوا عن مواقع التهمة ويتعففوا عن الناس، فلا يطلبوا المال ولا يتعرضوا لتحصيله، وإن عرض عليهم المال تنزهوا عن قبوله إن كان من سنخ الهدايا والمساعدات الشخصية إباءً وترفعاً، وإن كان من سنخ الحقوق الشرعية لم يقبلوه لأنفسهم، بل للمرجع الذي يقتنع به دافع المال أو يقتنعوا به أنفسهم فيما بينهم وبين الله تعالى إن أوكل دافع المال الأمر إليهم يؤكدون ذلك بتحصيل الوصل من المرجع المذكور وتسليمه لدافع المال، ليتضح له وصول المال للمرجع، ثم ينسقوا مع المرجع من أجل إنفاق المال في مصارفه المرضية لله تعالى بما في ذلك سد الحاجة الشخصية لرجل الدين والتبليغ الذي هو الواسطة بين المرجع والناس من أجل أن يستغني عن الناس ويترفع عن الطلب إليهم ويتعفف عما في أيديهم. وقد كان سيدنا الجد مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) يؤكد على ذلك مع خاصة وكلائه وممثليه وأوثق الناس عنده، ليبعدهم عن مواقع التهمة، وكان لذلك أفضل النتائج في عهده.

ثانياً: أن لا يتوسعوا في كسب المال وإنفاقه لأنفسهم، ويبعدوا عن مظاهر الجمع والادخار، ومظاهر البذخ والترف، حتى لو كان المال من مكاسبهم الشخصية، فضلاً عما إذا كان من الحقوق الشرعية، ويحاولوا إنفاق ما زاد عن حاجتهم منه في المصارف الراجحة، كالخدمات الدينية بوجوهها المختلفة، وإغاثة المضطرين من المؤمنين وسد عوزهم وتفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم، ففي ذلك قبل كل شيء رضا الله تعالى الذي هو من أهم أسباب التوفيق والبركة في العمل والتسديد في المسعى، ثم هو سبب لتأكيد ثقة الناس برجل الدين والتبليغ، حتى يطمئنوا إليه ويستمعوا له ويسترشدوا بإرشاداته ويقبلوا قوله ويتعاونوا معه لخدمة هذا المبدأ الشريف المتعب، الذي قام بحقيقته وواقعيته مع الحجة الواضحة والبراهين الساطعة، وبجهود المعنيين من معتنقيه وجهادهم وتضحياتهم وبثباتهم وصبرهم، على مر العصور وتعاقب الدهور في شدة المحن ومظلات الفتن. ونسأله سبحانه أن يجعلنا من العاملين في سبيله المرضيين عنده المقبولين له، إنه الرؤوف بالمؤمنين الرحيم وقد طال بنا المقام إلى ما لم نكن نحتسب في جواب سؤالكم أملاً في أن نؤدي بعض الواجب في النصح والتذكير لرجال الدين والمبلغين في أداء واجبهم {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

س17: بعض الناس يتصرف في الحقوق الشرعية بنفسه من دون مراجعة الحاكم الشرعي، محتجاً بأنه يصرفه فيما يرضي الله عز وجل والإمام المهدي (عليه السلام) فما هو رأيكم في ذلك؟

ج: من حقه أن يفعل ذلك إذا كان من يقلده ـ طبق الموازين الشرعية ـ يفتي بعدم وجوب مراجعة الحاكم الشرعي. أما في غير ذلك فهو خروج عما أمر به الله تعالى من الرجوع لأهل العلم، وللإمام صاحب الحق (عليه السلام) الذي ورد عنه أنه قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. والإنسان المؤمن إنما يدفع الحق من أجل أن تبرأ ذمته منه، ولا يطالب به بين يدي الله تعالى، ويأمن عقابه، وكيف يحصل على ذلك وهو يخرج به عن ميزانه الشرعي بمقتضى تقليده الذي فرضه حجة على نفسه يحاسب على ضوئه يوم يقف بين يدي الله تعالى؟!، ولماذا هذا التسامح في أداء فرائض الله تعالى والخروج عن حدوده؟ على أن في ذلك تشتيتاً للكيان الشيعي ولإمكانياته، وتسيباً في صرف الحق، حيث يتعرض للرغبات الفردية، والقناعات الشخصية التي يسهل سيطرة المتملقين عليها، وتتحكم فيها العواطف والمجاملات، حتى ينحرف به تدريجاً عن وجهه ويبعد عنه.

نعم إذا كان صاحب الحق ذا خبرة بمصارف الحق وقدرة على صرفه فيها أو له وجهة نظر في ذلك أمكنه التنسيق مع الحاكم الشرعي وتبادل وجهات النظر، لأن كلمته مسموعة عنده، ولا سيما بناء على فتوانا من أن الولاية على الحق مشتركة بينهما. وبذلك تتركز المرجعية الدينية، ويتماسك الكيان الشيعي، وتنحل كثير من الإشكالات، ونتجنب كثيراً من السلبيات والمفارقات المتوقعة {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب}. ولنا حديث حول الموضوع في سؤال وجه إلينا ونشر في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين يحسن الإطلاع عليه.

س18: ما هي عناصر القوة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وفي مسيرة أتباعهم التي جعلتهم يصمدون أمام المحن العسيرة والمتنوعة عبر العصور المديدة؟

ج: عناصر القوة تكمن في أمور..

1 ـ قوة المذهب في نفسه، باعتباره هو المذهب الحق المتكامل الفكرة القوي الحجة والساطع البرهان ـ عند الجدل العلمي والحساب المنطقي المنصف ـ والخالي عن المفارقات والتناقضات والفجوات، ويمتلك الحل الأمثل لمسألة خلافة النبوة المقدسة، التي هي أساس الخلاف في الإسلام، وبها يقوم كيانه.

2 ـ تميز الأئمة (عليهم السلام) بمقام رفيع في نفوس المسلمين بسبب انتمائهم النسبي للنبي (صلى الله عليه وآله)، وامتلاكهم القدر الهائل
من الفضائل والكرامات المروية في حقهم عن النبي (
صلى الله عليه وآله) وعن واقعهم المشرف، والمعلومة من حالهم من علمهم وقدسيتهم، وعظمة شخصيتهم، حيث فرضوا أنفسهم على الولي والعدو وصاروا وسام فخر لشيعتهم ومواليهم المنتسبين إليهم والمعتزين بهم.

أضف إلى ذلك حكمتهم في قيادة التشيع وتثقيف الشيعة وشدهم بهم ولائياً وعاطفياً، وتقديساً وتخصيصهم بعلومهم ومعارفهم في أحاديثهم وتعاليمهم وزياراتهم وأدعيتهم، وتربيتهم تربية متميزة.

3 ـ المحن والمآسي التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام)، حيث سببت..

أولاً: شدّ الناس إليهم، لأن الناس مع المظلوم.

وثانياً: حمل شيعتهم على التعرض للمحن والصبر عليها في سبيل الحق تأسياً بهم.

وثالثاً: خلق مناسبات ومواسم وأجواء دينية تشدّ الشيعة لأئمتهم وأوليائهم ولمبدئهم من زيارات ومجالس عزاء وشعارات ونحو ذلك. كما أنها من أقوى أسباب الدعاية للمذهب الشريف ودعوة الناس إليه، وحركة الشيعة المستمرة في هذا الاتجاه.

4 ـ استقلالية الحوزة العلمية والمرجعية الدينية اقتصادياً ومنهجياً، بحيث لا يمكن السيطرة عليها. وما استتبع ذلك من وجود علماء رفيعي المستوى في العلم والدين والثبات على المبدأ والحفاظ على سلامة تعاليم المذهب من التحريف والتشويه، ووجود جماعة كبيرة من المؤمنين يهتمون بالوصول للحقيقة من طريقهم، واستمرار التحرك في هذا الاتجاه، حيث صار ذلك سبباً لتميزهم بكيان قدسي حي، وزعامة روحية محترمة فاعلة.

5 ـ تتابع المدّ الإلهي بحدوث كرامات للأئمة (عليهم السلام) وللأولياء في الوقت المناسب بوجه غير منظم، وبنحو يشبه الصدمة الموجبة لإعادة الحيوية وتجديد التعلق بالمذهب وبرموزه وتجلى حقهم وحقيقتهم وارتباطهم بالله تعالى وعنايته بهم.

6 ـ فشل الأطراف الأخرى ذات الطروحات المختلفة ـ إسلامية كانت أو غيرها ـ في إرضاء الناس وجرّ مودتهم، ولجوؤهم بالآخرة للقهر والظلم. وانتفاع الشيعة ـ من حيث يريدون أو لا يريدون ـ بنقطة الضعف هذه في التنفير عن أصحاب تلك الطروحات، وإنكار جرائمهم، وبيان بطلان طروحاتهم وفشلها، وقد جرّ ذلك لهم مودة المظلومين وعداء الظالمين وصب نقمتهم عليهم وتنكيلهم بهم بعد أن فشلوا في مقاومتهم عقائدياً، وكان لذلك أعظم الأثر في قوة عقيدتهم ومبدئهم، وارتفاع معنوياتهم وظهور دعوتهم، وسماع صوتهم. حيث صارت المظلومية وعداء الظالمين والتضحية ضد الظلم أوسمة مشرفة لهم. ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) من أن الله تعالى أعان على عدونا بالحمق.

7 ـ وآخر هذه الأمور، ولعله أهمها: أن دعوة هذا المذهب الشريف هي كلمة الله تعالى الوحيدة في هذا العالم الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن والضلال والكفر والنفاق والتفسخ والانحلال والظلم والقهر. فلابد من أن يكون مؤيداً من قبل الله جل شأنه محفوفاً بعنايته مرعياً برعايته، كي تتم به الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}. وهذه نعمة من الله تعالى على المؤمنين، فعليهم أن يؤدوا حقها ويقوموا بشكرها ويعرفوا كيف يرعونها ويحافظون عليها.

س19: تشن على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) حملات دعائية مكثفة ومن أطراف متعددة، فكيف يواجهونها فكراً وسلوكاً؟

ج: هذه الحملة ـ على شراستها ـ أمر طبيعي متوقع بلحاظ موقف الشيعة المتميز في قول كلمة الحقيقة للحقيقة، وانحيازهم عن المسيرة العالمية التي تسيطر عليها قوى الشر المادية الفاعلة، من دون أن يركعوا لها أو ينسقوا معها، بل تصدوا لفضحها باستقامتهم في سلوكهم وبإنكارهم على الإجرام والانحراف، فلابد أن يوطنوا أنفسهم على مثل هذه الحملة ويتهيئوا لها، وقد مروا بأمثالها أو بأشد منها في تاريخهم المبدئي الطويل. والأمل بالله تعالى ـ وببركة إمام العصر عجل الله فرجه ـ أن يأخذ بناصرهم ويثبتهم حتى يخرجوا منها ظافرين منتصرين، وترتد عنهم خائبة خاسرة كما ارتدت الحملات السابقة، وقد قال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين}.

وعلينا في مواجهة هذه الحملة ..

أولاً: أن نتجنب العنف بجميع مظاهره، فإنه نقطة ضعف تضر بصاحبها، بل تستغل ضده، وتضخم عليه، وقد تنجم عنه مضاعفات غير محمودة، بل قد يكون بنفسه تعدياً وخروجاً عن الميزان الشرعي. وعلينا أن نتحلى بالصبر والوداعة وهدوء الطرح وسجاحة الخلق، فإن ذلك من آداب أئمتنا (عليهم السلام) وشيعتهم. قال ابن أبي الحديد في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأما سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيى والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه... وقد بقي هذا الخلق متوارثاً متناقلاً في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر. ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك).

وثانياً: الثقة بالنفس نتيجة شعورنا بأنا على حق، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يزيدني كثرة الناس عني قوة ولا تفرقهم عني وحشة). وكفى في رفع معنويتنا شعورنا بأنا مسلمون وقد قال الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. وبأنا الفرقة الناجية من المسلمين من بين ثلاث وسبعين فرقة، ـ كما جاء في الحديث النبوي ـ وقد انتسبنا لأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم القمة في الشرف والدين والقدسية بإجماع المسلمين، أضف إلى ذلك ما ورد في الثناء على الشيعة ـ خصوصاً في عصر الغيبة ـ وأنهم أولياء الله حقاً وأن أهل السماء ينظرون إليهم كما تنظرون إلى الكوكب الدري في السماء، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لقد قلت حتى استحييت من كثرة ما قلت: ليس بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر عينه إلا أن تبلغ روحه ههنا) وأشار إلى حلقه... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

كما أن الله جل وعلا أكد في كتابه المجيد على أن الشاكرين من عباده هم القلة القليلة، وكذلك الناجون منهم، حيث قال تعالى: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} وبذلك استفاضت أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام).

وأكد سبحانه أيضاً على أن المؤمنين معرضون للبلاء والزلزال قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} وقد استفاضت الأحاديث بذلك أيضاً، خصوصاً في عصر الغيبة الذي هو عصر محنة الشيعة، فإذا ضاقت بهم الأمور فقد صدق وعد الله تعالى لهم، وذلك يزيدهم بصيرة في حقهم وإيماناً بصدق دعوتهم، كما قال عز من قائل: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.

وثالثاً: استذكار تاريخنا المشرف في الصبر والثبات على المبدأ والإصرار على السير في طريقه في مراحله المختلفة، وما استتبع ذلك من نجاح وفلاح حتى فرض على الآخرين على أنه أمر واقع لابد من الاعتراف به والتعامل معه على ما سبق في جواب السؤال الثالث.

ورابعاً: الاهتمام بالدعوة والحوار وبيان وجهة النظر وتجديد عرض الأدلة بما يناسب العصر الحاضر، مع سعة الأفق والموضوعية الكاملة والحفاظ على الصدق والترفع عن الالتواء والمغالطات والمهاترات، فإن قليلاً من حق يغني عن كثير من باطل، كما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام). ولا سيما مع أنا نملك بحمد الله من الأدلة والبراهين الشيء الكثير الكافي في حق المنصفين من ذوي التبصر والتعقل، وبعد ذلك {فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.

وخامساً: الحفاظ على إقامة شعائرنا وإحياء مناسباتنا ومواسمنا وطرح مفاهيم أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء أمرهم، فإن لذلك أعظم الأثر في تجمع الشيعة وتقاربهم وتماسكهم وتذكيرهم بمفاهيمهم وتجديد روح العزم والثبات فيهم وجرّ الآخرين لهم، فهي الدرع الواقي، والدعاية الناجحة، كما يشهد بذلك حث الأئمةb على ذلك وتأكيدهم عليه، وتاريخ الشيعة الطويل.

وسادساً: الاهتمام بوحدة الصف وجمع الكلمة وتخفيف حدة الخلاف وتقريب وجهات النظر والترفع عن التهاتر والتنابز والاتهامات الرخيصة من أجل فرض وجهة النظر على الغير، أو من أجل حب الظهور وإلفات نظر الآخرين أو غير ذلك.

وسابعاً: الحذر كل الحذر من الدعوات المنحرفة أو الانهزامية، فإن في ذلك القضاء على الكيان الشيعي المتكامل وتمييع مفاهيمه، بل هي دعوات مشبوهة قد يكون الغرض منها الالتفاف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإغفال أتباعه عن حقيقته، لينفلتوا منهم ويتخلوا عنه من حيث لا يشعرون، فيجب الوقوف ضدها وضد مدعيها بحزم وحكمة ـ إلى جانب العلماء الأعلام ـ، لأنها أخطر كثيراً من الدعوات المضادة الصريحة.

ولذا وقف أئمتنا (عليهم السلام) بشدة وصلابة في وجه الدعوات المنحرفة ومن دون هوادة. نعم لا ننصح باستعمال العنف في ذلك وغيره كما ذكرناه آنفاً.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وثامناً: علينا تأكيد الارتباط بالله تعالى وشدّ أنفسنا به، لنكون مشمولين بعنايته مرعيين برعايته، فإنه خير الناصرين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.

س20: الساحة الشيعية ـ كسائر الساحات ـ تحتوي على مختلف الآراء والاتجاهات، فما هي توجيهاتكم لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في كيفية تعايشهم فيما بينهم؟

ج: سبق منا التعرض لذلك في أحاديث متعددة، ونعود هنا فنقول:

أولاً: يجب أن يكون اتخاذ القرار والتوجه لخصوص بعض الاتجاهات دون بعض مبتنياً ـ بعد الالتجاء لله تعالى في التوفيق والتسديد ـ على التثبت والتروي وملاحظة رضى الله تعالى وصلاح الدين والمؤمنين وأداء الوظيفة الشرعية بعيداً عن الدوافع الخارجية والمصالح الفردية والرغبات الشخصية والتعصب أو التقليد الأعمى، فإن الأمر كله لله تعالى ونحن عبيده نواصينا بيده وأمرنا إليه. والحذر من تسويل الشيطان وتلبيسه، حيث قد يوهم الإنسان ـ من أجل أن يشقيه أو يلقح الفتنة بين المؤمنين ويشق كلمتهم ـ بأنه يطلب في وجهته رضا الله والمصلحة العامة، وقد يستطيع الدفاع عن وجهة نظره بمعسول الكلام، مع أنه لو رجع إلى قرارة نفسه لوجد نفسه مدفوعاً بدافع آخر، وذلك لا يخفى على الله تعالى.

وثانياً: يلزم استبعاد الشدة والعنف في فرض وجهة النظر على الغير واحترام وجهة نظر الآخرين، لا بمعنى تنازل الإنسان عن وجهة نظره وما يراه حقاً وصلاحاً من أجل وجهة نظرهم، بل التعامل معها بتعقل ورزانة وموضوعية وسعة صدر، ومحاولة تخفيف حدة الخلاف وتقليل نقاطه وتقريب وجهات النظر مهما أمكن، وفسح المجال للكل في أن يؤدي دوره في خدمة الطائفة وفق قناعاته.

وثالثاً: الحذر ثم الحذر من أن يجر اختلاف وجهة النظر لانتهاك حرمة المؤمن في بدنه أو عرضه بالافتراء والتشنيع والتشهير، فإن الشيطان قد يسول لذوي النفوس المريضة والأهداف المشبوهة خدمة أهدافهم بإسقاط اعتبار من يعارضها في المجتمع وهتكه، لئلا يقف في طريقهم، مع أن انتهاك حرمة المؤمن من أعظم المحرمات قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناَ}. وقد أطلنا الكلام في ذلك في جواب بعض الأسئلة التي نشرت في رسالتنا الموجهة لطلبة الحوزة والمبلغين بما يغني عن الإعادة.

ورابعاً: اختلاف وجهات النظر لا يمنع من التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل ما دام في حدود الاجتهاد المسموح به، وهو الذي لا يتعدى ثوابت المذهب الحق التي اقتضتها الأدلة القطعية وأقرتها رموز الطائفة.

أما إذا تعدى ذلك إلى زعزعة تلك الثوابت وانتهاكها والخروج عنها باسم الإصلاح أو التجديد أو التقريب أو الانفتاح على الآخرين أو غيرها، فذلك هو الانحراف المرفوض الذي يجب الإنكار عليه والوقوف ضده، ورفض التعاون معه، حفاظاً على كيان الطائفة المحقة وعلى شخصيتها من التمييع والتسيب، فإن في التعامل مع هؤلاء مع انتسابهم للطائفة وحشر أنفسهم في زمرتها تمريراً لمخططهم في شرعية الانحراف المذكور باسم الاجتهاد ووجهة النظر، وتضييعاً لمعالم الحق وحدوده وركائزه. ونعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن، وهو المستعان.

س21: كيف تنظرون إلى التعاون والانفتاح على باقي المذاهب الإسلامية؟

ج: إنها خطوة إيجابية جيدة قد حث عليها أهل البيت (عليه السلام) ويفرضها الواقع القائم، فإن الأعداء كمايعادون خط أهل البيت (عليهم السلام) يعادون الإسلام بإطاره العام، وكما كان خط أهل البيت حقاً يجب الدفاع عنه كذلك الإسلام بإطاره العام حق يجب الدفاع عنه. وقد ضرب أئمتنا (عليه السلام) في سبيل ذلك المثل الأعلى في نكران الذات، فقد سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقه خوفاً على كيان الإسلام من التشتت، ولم يأل جهداً من أجل خدمة هذا الكيان في النصيحة للحاكمين وتسديدهم والتعاون معهم، وانتشل الإمام الباقر (عليه السلام) السلطة من موقفها الحرج في قضية ضرب الدراهم والدنانير لصالح الإسلام، كما فعل الإمام العسكري (عليه السلام) ذلك أيضاً حينما استجار به المتوكل وهو في سجنه ليدفع عن الإسلام شبهة النصارى في الاستسقاء، وأجاز أئمتنا (عليه السلام) لشيعتهم الدفاع في الثغور عن بيضة الإسلام. وعلى ذلك جرى علماؤنا الأعلام في مواقفهم المشرفة على تعاقب العصور حتى دعموا العثمانيين الذين رأت الشيعة منهم الأمرين وحملوا السلاح معهم من أجل الدفاع عن هذا الكيان الشريف، الأمر الذي جرّ عليهم عداء المستعمر الغازي الذي ملك البلاد بعد ذلك وقرر مصيرها. وفي الأمس القريب انفتح سيدنا الأستاذ الجد السيد الحكيم طاب ثراه على بقية المذاهب في العراق حينما وقف في وجه المدّ الشيوعي الإلحادي. حتى أن هذه المواقف منهم ربما تحمل على الاسترسال وقلة العمق والدهاء. لكن هذا من تتمة الظلم للحقيقة الذي هو ضريبة الواقعية والمبدئية، وقد سبق أن قيل: معاوية أدهى من علي (عليه السلام).

وأنظر إلى العمق وبعد النظر في التضحية من أجل المبدئية وخدمة الإسلام في هذه الحادثة التي قد يحسن إثباتها خدمة للتاريخ وللحقيقة المظلومة، وهي ما حدثنا به الحجة آية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي (قدس سره) فقد ذكر أنه لما بدا من المرحوم الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) التهيؤ لثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني في العراق سافر عمه الشيخ عبد الحسن بن المرحوم الشيخ راضي من النجف الأشرف إلى كربلاء، فاجتمع بالشيخ وقال له: كيف تعتمد على الناس في الجهاد وإعلان الثورة ضد الإنكليز؟! أما رأيت الخيانات والتخاذل والعجز عن مقاومة الإنكليز في الجهاد؟! أو ما أشبه ذلك فقال طاب ثراه ما محصله: لا يخفى عليّ ذلك، ولكني أريد أن أوقع بين العراقيين والإنكليز الدم، ليبقى الإنكليز مبغوضاً عندهم لا يسلبهم دينهم. وأقدم على الثورة، ولم نجن من ثمرتها إلا ما أراد (قدس سره) من استحكام البغضاء بين المستعمر الكافر والناس، فأبغضهم وأتعبهم بل انتقم منهم، وأبغضوه ومن يتعامل معه على طول المدة، ولم ينسجموا معه ولا انسجم معهم.

وقد طال بنا الحديث، ونرجع إلى ما قلناه أولاً من أن التعاون مع بقية المذاهب الإسلامية من أجل خدمة الكيان الإسلامي أمر جيد جداً، بل ضروري بلحاظ الواقع القائم. غير أنه لابد من الحفاظ على عقائدنا وثوابتنا وعدم التنازل عن شيء منها في سبيل تسهيل التعاون بيننا وبينهم، إذ لا معنى للتنازل عن روح الإسلام وحقيقته من أجل الحفاظ على كيانه. ولذا لم يغفل أئمتنا (صلوات الله عليهم) التأكيد على حقهم ودعوتهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً. على أن التعاون لخدمة الإسلام لا يتوقف على التنازل المذكور، إلا أن يتعنت الطرف المقابل، بأن لا يهتم بخدمة الإسلام من أجل تعصبه. ومثل هذا حري بالإعراض، لأنه أضر على الإسلام والمسلمين {وإن الله لهو الغني الحميد}.

س22: ما هي الصيغة الصحيحة لتعامل المسلمين فيما بينهم؟

ج: ينبغي لهم ..

أولاً: أن يعمقوا الشعور في أنفسهم بوجوب التلاحم بينهم من أجل الحفاظ على الكيان الإسلامي العام وتقويته، فإن هذا في نفسه واجب شرعي في حق الكل نتيجة انتمائهم للإسلام وإيمانهم بأنه الدين الإلهي الحق الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره، وبأن الله تعالى قد أمر بنصره بالجهاد من أجله. كما أنه اللازم في المرحلة المعاصرة بلحاظ خطط الأعداء وإصرارهم على مقاومة الإسلام بإطاره العام، وإبعاده بتشريعاته ومفاهيمه عن واقع الحياة ومحاولة تجريد أبنائه منه، ومحاربة المسلمين ككل أينما كانوا وكيف كانوا، وإضعافهم وعرقلة مسيرتهم وشق كلمتهم وإلقاح الفتنة بينهم، وتجاهل حقوقهم والتغاضي عنها، والتصام عن سماع صوتهم... إلى غير ذلك.

أضف إلى ذلك أن الأعداء أنفسهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم إذا وقفوا أمام الإسلام تناسوا خلافاتهم واتحدوا ضده، فالاستعمار البريطاني خرج من الهند ووقف في كشمير لصالح الهند الكافرة ضد باكستان المسلمة، وخرج من فلسطين ليتحالف مع العالم على اختلاف شعوبه لصالح اليهود ـ الذين لم يكونوا قد برؤوا من دم المسيح (عليه السلام) بعد ـ ضد المسلمين، واليوم يصرّ الغرب الكاثوليكي والبروتستاني على دعم الصرب الأرثوذكسي ضدّ المسلمين في البوسنة وأمام أعينهم ما قام به الصرب من الجرائم الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان ويندى منها جبين الإنسانية... إلى غير ذلك من مواقفهم. كل ذلك عداء منهم للإسلام بكيانه العام وبغضاً منهم للمسلمين بغض النظر عن مذاهبهم ومواقعهم من الأرض.

وكفى بهذا محفزاً للمسلمين على اختلاف مذاهبهم للتلاحم والتكاتف، وأن يذللوا العقبات في سبيل ذلك، متناسين خلافاتهم التي لا يزيدهم التقاطع والتناحر من أجلها إلا ضعفاً ووهناً.

وثانياً: أن يتعايشوا فيما بينهم بموضوعية واحترام متبادل فهم بعد مسلمون لهم حرمة الدم والمال. وعليهم بعد ذلك مراعاة النقاط التالية:

1 ـ فهم واقع كل طرف على حقيقته، بأخذ معتقداته وأفكاره من مصادره وكتبه التي يعترف بها، لا من مصادر الآخرين وكتبهم، والتعرف على سلوكياته من مخالطته والتعايش معه، ونقد وتمحيص الصورة المشوهة التي رسمت له نتيجة التراكمات الكثيرة في العصور المتطاولة، بسبب التعصب والتباعد والتشويه المتعمد وغير المتعمد.

2 ـ اعتماد كل طرف في بيان وجهة نظره والاستدلال عليها على الطرق العلمية وبموضوعية كاملة، ومناقشة وجهة نظر الآخرين على هذا الأساس أيضاً، وتجنب التنابز والتهاتر والتهريج والتشنيع ونحو ذلك من المواقف الانفعالية التي لا تخدم القضية المطروحة فضلاً عن الكيان الإسلامي العام، واستمرار الحوار بين الأطراف على هذا الأساس.

3 ـ نشر أفكار كل طرف ـ في العقيدة والفقه والتربية والتاريخ وغيرها ـ في وسائل الإعلام التي يمتلكها كل فريق، ليطلع الكل على ما عند الكل.

4 ـ إعطاء الحرية لكل أحد فيما يختار من معتقدات وأفكار في الإطار الإسلامي العام، من دون أن يفرض عليه أفكار الآخرين أو يجبر على التنازل عن أفكاره ومعتقداته. نعم لا بأس بالحوار الموضوعي الهادئ حول ما هو الحق الحقيق بالفوز والنجاة والخروج عن المسؤولية مع الله تعالى.

5 ـ أن يتصدى دعاة التقريب من كل مذهب لمن يخرج عن هذه التعاليم من أبناء مذهبه وينكر عليهم سوء تصرفهم، حتى يشعروا أنهم في مواجهة داخلية ويتنبه أهل مذهبهم إلى خطأ سلوكهم، وكذب معلوماتهم، فيكسد سوقهم، ويخيب سعيهم.

س23: من خلال متابعتكم لأوضاع الساحة الإسلامية وغيرها ما هي توجيهاتكم للكتاب الإسلاميين والمحققين والمبلغين؟

ج: اللازم عليهم الاهتمام بالإنتاج النافع للناس في بيان حقيقة مخفية أو مشوهة، أو تأييد حق مهتضم أو إبطال باطل غالب، أو توجيه أخلاقي تربوي أو دعوة لجمع الكلمة أو غير ذلك مما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ليكونوا رساليين في عملهم ويؤدوا حق الموهبة والفرصة التي منحها الله تعالى لهم، ويقوموا بوظيفتهم في الخدمة من موقعهم. ولا يهتموا بالإنتاج ذي العناوين الرنانة والصور الملفتة إذا كان أجوف خالياً عن الفائدة، فضلاً عما إذا كان مضراً بالإسلام والمسلمين في تشويه الحقائق أو زرع الفتنة وتفريق الأمة، فإن في ذلك خيانة لأمانة البحث والعلم وتعدياً على المبادئ الحقة، فيكفروا النعمة ويستحقوا النقمة، كما قال عز من قائل: {ألم ترَ إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار}.

س24: كيف تنظرون إلى الحوار الإسلامي مع باقي الأديان، خاصة الدين المسيحي؟

ج: مع تطور وسائل الاتصال حتى صار العالم متشابك المصالح كأهل المدينة الواحدة يفترض تفاهم الجميع وفتح الحوار بينهم من أجل صلاحهم والتعايش بينهم على الوجه الأفضل، وتذليل العقبات الناجمة عن اختلافهم دينياً أو قومياً أو فكرياً أو غير ذلك. ولا سيما الأديان السماوية التي تشترك في الحقيقة المقدسة العليا والتي يفترض فيها الدعوة للمثل والأخلاق، التي هي مهددة بالانهيار نتيجة طغيان الجانب المادي على الحضارة العالمية المعاصرة، ونتيجة نشاط القوى الشريرة المتحركة باتجاه التحلل من العقيدة بالغيب والتنكر للمثل والأخلاق، من أجل القضاء على إنسانية الإنسان، وتركيز الجوانب البهيمية فيه وتحفيز دواعي الجريمة.

ونخصّ بذلك الديانتين الأكثر انتشاراً في العالم، وهما الإسلام والمسيحية، حيث يكونان أشد حاجة للحوار والتنسيق، ولا سيما وأن هناك تداخلاً بين المسلمين والمسيحيين في كثير من بقاع الأرض، ووجود الأهداف المشتركة بينهما. وقد تجلت ـ أخيراً ـ أهمية الحوار في تنسيق الجانب الإسلامي مع الفاتيكان حيث أحبطت ـ في محاولة إنسانية ـ عدة محاولات مشبوهة لتمرير قرارات تمس المثل والأخلاق.

س25: باعتباركم أحد مراجع الدين، وعُرِف عنكم اهتمامكم ومتابعتكم لوضع الساحة الإسلامية، هل تنظرون إلى المستقبل المنظور بتفاؤل أو قلق؟

ج: لا ريب في أن المتاعب كثيرة والمشاكل معقدة، إلا أن التشيع قد مرّ بأزمات كثيرة في عصوره المختلفة وقد خرج منها بعناية الله تعالى ورعاية الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) ظافراً منتصراً قد تبلورت مفاهيمه وتكامل كيانه وفرض نفسه على الآخرين، فاعترفوا به ككيان قائم يجب التعامل معه. فالتشيع بعد مقتل الحسين (عليه السلام) كان معرضاً للضياع والاضمحلال بنحو مأساوي، لأنه كان بمنظور الأعداء والمحايدين وكثير من المؤيدين حركة وسياسة قد انتهت بمقتله (عليه السلام) وقضي عليها، ولكن الخاصة القليلة بقيت متمسكة به كعقيدة ذات أصول برهانية، واستطاعت بثباتها أن تفرضه على الواقع الإسلامي، حتى إذا اتضحت معالمه تجددت الحملة عليه بوضع مأساوي بلغ القمة باستشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) والاستهانة بجثمانه الشريف باستهتار مليء بالحقد يستبطن الاعتراف بذلك الواقع العقيدي، حيث نودي عليه بنداءات فظيعة، منها: هذا إمام الرافضة، وقد قارن ذلك انشقاق الواقفة الخطير الذي زعزع أركان التشيع وهزه هزاً عنيفاً لولا ثبات ذوي البصائر، وإذا به ينتصر بعد فترة قصيرة ذلك الانتصار العظيم في بيعة الإمام الرضا (عليه السلام) ثم يفرض نفسه وتضطر السلطة للتعامل معه كحقيقة قائمة، وإن كانت مقاومة وبعنف في بعض الفترات.

ثم جاءت المحنة الكبرى بغيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه وحيرة الشيعة بفقد راعيها، وما استتبع ذلك من انشقاقات ومآسٍ عقائدية، المفترض فيها أن تكون سبباً في ضياع معالمه ـ بل نسفه من أساسه ـ بعد فقد الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المسموع الكلمة. لكنه خرج من تلك المحنة منتصراً بسبب تكامل مفاهيمه وتناسقها وقوة حجته ووضوحها، وجهاد علمائه الأبرار، وثبات المؤمنين الأخيار، وأثبت أنه من القوة بحيث يستطيع الوقوف على أرض الواقع بنفسه حتى مع فقد الإمام، كما قال أئمتنا (عليه السلام) إن الله تعالى لو لم يعلم أن في المؤمنين من يثبت إمامة الحجة (عليه السلام) في غيبته لما غيبه عنهم.

وتوالت الأحداث والمآسي والمتاعب والمصاعب، وهو لا يزيد إلا قوة وصلابة، ولا تزيد حجته إلا ظهوراً وكلمته إلا علواً، حتى انتهى به الأمر اليوم إلى أن يكون هو الناطق باسم الإسلام الحق في مواجهة الكفر والظلم والإنكار عليهما وتعريتهما.

ومن الطبيعي أن تتحالف عليه قوى الكفر والظلم اليوم لتحاول تمزيقه من الداخل بالخلافات والفتن، ومقاومته من الخارج في مواجهات مادية قتلاً وسجناً وإفقاراً وتشريداً، وإعلامية كذباً وتهريجاً وسخرية وتشويهاً. والأمل بالله جل شأنه وببركة إمام لعصر عجل الله فرجه أن ترتد هذه الهجمة خاسئة خاسرة ويخرج التشيع من هذه المحنة منتصراً كما خرج من قبل فقد {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز}. ولابد لكلمة الله تعالى أن تبقى مسموعة لتقوم بها الحجة على الناس {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة}.

غير أن هذا التفاؤل لا ينبغي أن يجرنا للتفريط في أداء الوظيفة، فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فعلينا . .

أولاً: أن نتوجه إلى الله تعالى بقلوب صافية ونيات خالصة، ونصلح أمرنا معه، ونحافظ على حدوده وتعاليمه ونوالي أولياءه ونعادي أعداءه، ونتوكل عليه ونحسن الظن به ولا يغيب عنا طرفة عين.

وثانياً: أن نجدّ في خدمة هذا المبدأ الشريف، وفي الدفاع عن عقائده وتعاليمه، ودعم أهل الاستقامة والصلاح والتضامن معهم، ورفض أهل الزيغ والانحراف وتجنبهم، والدعوة إلى هذا المبدأ بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل علماؤنا السابقون رضي الله عنهم عند المحن وظهور الفتن. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق. إنّه نعم المولى ونعم النصير.

ونسأله سبحانه أن يثبتنا وجميع المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويكفينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويعيذنا من الشيطان الرجيم ومن مضلات الفتن، ويزيدنا إيماناً وتسليماً. إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.