بسم الله الرحمن الرحيم

س1: هل كان التقليد والرجوع للعلماء موجوداً لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في عصور حضور الأئمة أو عصر الغيبة الصغرى أو بدأ بعدها؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

ج: الرجوع للعلماء وسؤالهم عن الأحكام الشرعية العملية مما جرت عليه سيرة الشيعة وجميع المسلمين من الصدر الأول، وعرف في كل عصر جماعة ممن يتصدى للفتوى، وقد تضمنت النصوص تصدي الشيعة لذلك مثل أبان بن تغلب، الذي قال الشيخ الطوسي في حقه بعد أن مدحه وعظمه: (وقال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام): اجلس في مسجد المدينة، وأفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك، فجلس) ومثل معاذ بن مسلم النحوي فقد روى في حديثه عن الإمام الصادق (عليه السلام): (قال: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو بمودتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك. قال: فقال لي: اصنع كذا، فإني أصنع كذا).

لكن الفقه الشيعي لم يكن متميزاً بنفسه وبفقهائه في الصدر الأول بسبب الفتن والمآسي التي مرت على الشيعة، وربما كان الشيعة يستفتون العامة غفلة عن مخالفتهم لأهل البيت (عليهم السلام). وقد اهتم الإمام الباقر (عليه السلام) بهذه الجهة وبدأ بتثقيف الشيعة بفقههم. وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً. قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر، فلا يسأل أحداً) وقام (صلوات الله عليه) بما وعد، وبدأ الشيعة يقصدون علماءهم ويرجعون إليهم، وتصدى جماعة منهم للفتيا، كما أرشد الأئمة (عليه السلام) إلى جماعة منهم، ففي صحيح شعيب العقرقوفي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي. يعني أبا بصير) وفي صحيح عبد الله بن أبي يعفور: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال: ما يمنعك عن محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً)، كما ورد الإرجاع إلى جماعة آخرين، مثل الحارث بن المغيرة والمفضل بن عمر وزكريا بن آدم ويونس بن عبد الرحمن والعمري وابنه، في أحاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها، وتكامل للشيعة فقههم واستغنوا عن غيرهم ففي معتبر محمد بن حكيم: (قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم من الناس حتى أن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه [إلا] يحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ علينا بكم…)، وفي كتاب الإمام الهادي (عليه السلام) لأحمد بن حاتم وأخيه: (فاصمدا في دينكما على كل مُسِنّ في حبنا وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى).

وبدأ فقهاء الشيعة يؤلفون الكتب في الأحكام الشرعية لعمل الناس التي هي أشبه بالرسائل العملية، يحضرنا منها كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا (عليه السلام)، الذي ورد عنهم (عليهم السلام) في نصوص كثيرة الثناء عليه وإقرار العمل به، وكذا كتاب يوم وليلة المعروف بكتاب التأديب لتلميذه أحمد بن عبد الله بن مهران المعروف بابن خانبة، ورسالة علي بن بابويه القمي والد الصدوق المتوفى في عصر الغيبة الصغرى. وما كتاب من لا يحضره الفقيه المؤلف في أوائل الغيبة الكبرى إلا رسالة عملية يرجع إليها من لا يتيسر له سؤال الفقيه، وهي تتضمن فتاوى الصدوق، ثم تتابعت الرسائل للعلماء طبقة بعد طبقة كالمقنعة للشيخ المفيد وجمل العلم والعمل للسيد المرتضى والنهاية في مجرد الفقه والفتوى للشيخ الطوسي قدس الله أسرارهم الزكية وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.

س2: ما هي الشروط الأساسية في مرجع التقليد؟

ج: الأساس في ذلك الاجتهاد والعدالة. أما العدالة فنقصد منها المرتبة العالية بحيث تمنع الشخص عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو صدرت منه ـ نادراً ـ لأسرع للتوبة والإنابة لله تعالى.

وأما الاجتهاد فهو عبارة عن القدرة على أخذ الحكم الشرعي والوظيفة العملية من الأدلة المعتبرة الكافية في الخروج عن المسؤولية أمام الله تعالى. والفاقد للقدرة المذكورة جاهل لا معنى للرجوع إليه وتقليده. هذان هما الشرطان الأساسيان. نعم مع العلم باختلاف المجتهدين ـ كما هو حاصل الآن ـ لابد من ترجيح الأعلم ، كما فصلنا ذلك في بحثنا الفقهي. ومن هنا تعدّ الأعلمية شرطاً ثالثاً.

س3: عرف عنكم رأيكم المتميز في عدالة مرجع التقليد، حيث تشترطون في المرجع أن يكون على مرتبة عالية من العدالة، وهي أرقى من العدالة المعتبرة في الشاهد وإمام الجماعة، وفي موضع آخر ذكرتم أنه إذا تساوى المجتهدان في العلم يقدّم للتقليد من هو أشد ورعاً... وهنا يطرح سؤال عن مدى ارتباط شدة الورع بالتقليد الذي هو اتباع العالم بالحكم الشرعي.

ج: رأينا في عدالة مرجع التقليد نابع من أن الأمانة كلما عظمت وجلّت احتاجت إلى قوة رادعة عن الخيانة بصورة أقوى وآكد. وبعد غياب العصمة عن مقام التبليغ بأحكام الله تعالى والقيام بالوظائف الدينية لا رادع عن التلاعب بالأحكام وضياعها والتفريط في الوظائف الدينية إلا قوة العدالة وشدة الخوف من الله تعالى. فالمرجع في التقليد يتعرض..

أولاً: للضغط النفسي عند اختيار الحكم واستنباطه من الأدلة، فإن أدلة الأحكام غير منضبطة، والنفس بطبعها تميل للفتوى بما يطابق الظنون والقناعات والعواطف، فقد يجنح الباحث للحكم وتلبس عليه نفسه، فيستوضح الأدلة عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظاً من القدرة على الاستدلال واللحن بالحجة، فيبرز ما ليس دليلاً بصورة الدليل. ولا حاجز له عن التلاعب أو التسامح أو التغافل في ذلك إلا الخوف من الله تعالى وشدة الحذر من نكاله حين يلتفت إلى أن الخصم المحاسِب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يُخدع بالحجج الواهية، فإنه حينئذٍ يتجلى له أن ما يقيمه من الأدلة هل يصلح لأن يكون حجة له مع الله تعالى وعذراً بين يديه أو لا؟ فيحمله ذلك طبعاً على استفراغ الوسع واستكمال الجهد لمعرفة الأدلة الحقيقية والوقوف عندها واستنباط الحكم على أساسها.

وثانياً: للضغوط الأخرى الخارجة عن مقام الاستدلال، إذ كثيراً ما يكون الحكم الذي تقضي به الأدلة الشرعية غير ملائم لرغبات السلطان أو العامة أو غير مناسب للظرف القائم أو العواطف المتأججة، كما قد يتعرض لضغط الأنانية بلحاظ حب الظهور في الابتكار والتميز عن الآخرين أو في التجديد والعصرنة، أو في التسهيل من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من الناس، إلى غير ذلك مما يدعو إلى محاولة التخلص من قيود الأدلة الشرعية الحقيقية والالتفاف عليها والتشبث بالشُبه والمبررات للخروج عنها.

ونحن نرى أن كثيراً من ذوي العلوم العملية التي تكون نتائج الخطأ فيها ظاهرة ـ كالطب والهندسة ـ قد يخون أمانته تسامحاً أو تعمداً لبعض الدواعي المادية ـ ولو مثل الكسل والضجر ـ ويتحمل تبعات عمله وأقلها ظهور الخطأ عليه وفشله في مهمته عاجلاً أو آجلاً، فكيف بمثل علم الفقه الذي لا يظهر الخطأ والتفريط فيه لعامة الناس، وكيف يؤمن ذلك فيه لولا شدة التقوى والورع وقوة ملكة العدالة.

وثالثاً: أن مرجع التقليد بحكم مركزه معرض لكثير من المخاطر الدينية بسبب ابتلائه بالأموال وامتلاكه للجاه واحتكاكه بالناس، وذلك يجعله معرضاً للدواعي الغضبية والشهوية والنزغات الشيطانية، فإذا لم يتحصن بقوة الورع والتقوى كان معرضاً للسقوط والهلكة، ولتشويه صورة المرجعية والدين.

كل ذلك مما يؤكد حاجة مرجع التقليد إلى شدة التدين وكونه بمرتبة عالية من العدالة والورع وتقوى الله تعالى. وعلى ذلك جرى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بمرتكزاتهم وإجماعهم العملي على مرّ العصور. وهو من أقوى الأدلة في المقام مدعوماً ببعض النصوص المذكورة في محلها. وبذلك صار للمرجعية وجهها المشرق ونورها المتألق. ولذا نرى الشيعة يكنون لمراجعهم قدسية عالية لا وجه لها لولا أنهم يفترضون فيهم القرب من الله تعالى بورعهم وتقواهم.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبت هذه الطائفة على هذا النهج اللاحب والطريق الواضح ويسددها في جميع أمورها، ويعصمها من الزيغ والانحراف ومن مضلات الفتن، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.

هذا كله بالإضافة إلى أصل اعتبار كون العدالة بمرتبة عالية، وأما ترجيح الأورع عند تساوي المجتهدين في العلم فهو يبتني على أن التخيير عند تساوي المجتهدين في العلم مخالف للأصل، والمتيقن جواز تقليد الأورع. وتفصيل الكلام في ذلك في كتابنا الفقهي الاستدلالي (مصباح المنهاج).

س4: يطرح البعض سؤالاً عن المبرر لتقليد الفقهاء واتباع اجتهاداتهم الفقهية مع أنها قد لا تصيب الحكم الشرعي الواقعي، فما هو نظركم حول الموضوع؟

ج: لا ريب في أن خطأ الفقهاء وضياع الحكم الشرعي الواقعي من مآسي الدين العظيمة التي يتحمل تبعتها الطغاة الذين غصبوا أهل البيت (عليه السلام) حقهم حيث صار ذلك سبباً لضياع الأحكام الشرعية. غير أنه بعد أن حصل ذلك فالرجوع للفقهاء بالشروط المقررة شرعاً هو الحل الشرعي الوحيد المبرئ للذمة والذي يخرجنا من مسؤولية التكليف مع الله تعالى، لأنه يستند إلى حجج شرعية كافية في المعذرية عند الخطأ وعدم إصابة الواقع. كما أنه الحل الأمثل الذي يجري الناس على نظيره في جميع أمورهم التي يحتاجونها والتي يتعرضون للخطأ فيها، كالطب والهندسة وغيرهما.

ولا بديل عن ذلك إلا أحد أمرين، أما تعطيل الشريعة بإهمال الأحكام وترك العمل عليها، أو أخذها من الطرق غير الشرعية، كالظنون والتخرصات التي منع الله سبحانه من العمل بها، واجتهاد من ليس أهلاً للتقليد، ومن الظاهر أن كلا الأمرين أشد محذوراً من الرجوع للفقهاء، بل لا يرضى بهما عاقل.

س5: هل يمكن توضيح أدلة وجوب تقليد الأعلم؟

ج: الإنسان بطبعه إذا احتاج العمل فيما يجهله يرجع للعالم به، وعلى ذلك جرت سيرة الناس في جميع أمور معاشهم ومعادهم، كالطب والهندسة وعلم الدين وغيرها. وعليه دلت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عن المعصومين (عليهم السلام) المتضمنة للرجوع للعلماء والفقهاء. ولا يتقيد بطبعه بالرجوع للأعلم، بل يكتفي بمن يتيسر له الوصول إليه.

أما إذا التفت لاختلاف العلماء وأهل الفن فيما وصلوا إليه وفيما هو مورد الحاجة له ـ كما هو الحال في عصورنا حيث ظهر اختلاف فتاوى العلماء في رسائلهم العملية ، وبسبب البعد عن منابع التشريع ومصادره وتعقد مقدمات الاجتهاد ـ ، فإنه لابد أن يتوقف ويفحص عن الحق من الأقوال، لرجوع اختلافهم إلى أن كل عالم يخطئ الآخر فيما وصل إليه، ومع تخطئة بعضهم لبعض فما المبرر للرجوع لهم والعمل بقول بعضهم دون بعض؟ ولذا ورد في كثير من الموارد رجوع الشيعة للأئمة (عليهم السلام) عند اختلاف العلماء، لأن قولهم (عليهم السلام) هو الفصل في تمييز المخطئ من المصيب ومعرفة الحق من الباطل. ففي حديث خيران الخادم: (كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه، فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) : لا تصل فيه، فإنه رجس...) وفي حديث سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع. قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه) إلى غير ذلك.

نعم مع تعذر معرفة الحق، لعدم تيسر الرجوع لمن قوله الفصل ـ كما هو الحال في عصرنا هذا عصر الغيبة والمحنة ـ فالأعلمية من المرجحات العقلائية التي يعتمد عليها الناس في جميع أمورهم. وهل يمكن لعاقل أن يعتمد في أمور معاشه في الطب والهندسة والقوانين الوضعية وغيرها على قول غير الأعلم وترك قول الأعلم عند اختلافهما؟ فكيف بأمر الدين الذي به السعادة والنجاة من الهلكة الدائمة؟! وكيف يمكن التفريط به باتباع غير الأعلم عند الاختلاف، وبماذا يجيب الله تعالى إن سأله يوم يعرض عليه ويقف بين يديه؟ وهل تكون أوامر الله تعالى ونواهيه أهون من الأمور الطبية والهندسية والقوانين الوضعية ونحوها من أمور الدنيا الفانية، ليتسامح فيها. وكفى بهذا دليلاً للمنصف وحجة على المتعسف.

س6: بعض الناس يصور عدم وجوب تقليد الأعلم بأن الأحكام الفقهية ليست بتلك الدرجة من الأهمية، بحيث يفترض في الإنسان مراجعة الأعلم، مثل الحالات المرضية العادية، فإن الإنسان يراجع فيها أي طبيب كان، لا خصوص الأعلم، فما هو تعليقكم على ذلك؟

ج: لا ندري كيف يصدر هذا الكلام من مؤمن وحرمة الأحكام الشرعية من حرمة الله تعالى الذي شرعها، وسوف يحاسب عليها، وهو الذي يقول في حق أحب خلقه إليه وخاتم أنبيائه (صلى الله عليه وآله) : {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} وفي صحيح أبي ولاد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في التعقيب على قضاء لأبي حنيفة قال (عليه السلام) : (في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركتها).

وأما الرجوع في الحالات المرضية العادية لغير الأعلم، فهو إنما يصح عند العقلاء في حالتين:

الأولى: أن لا يعلم بالخلاف بين الأعلم وغيره، فيرجع لغير الأعلم لتخيل سهولة معرفة الحالة، بحيث يعرفها الأعلم وغيره. وهو خارج عن محل الكلام لما سبق - في جواب السؤال الخامس - من أن وجوب الرجوع للأعلم في الأحكام الشرعية إنما هو بسبب العلم بالاختلاف بين العلماء في الأحكام التي يبتلي بها المكلف

الثانية: ما إذا تعذر العمل بقول الأعلم وتيسر العمل بقول غير الأعلم مع كونه مأمون العاقبة. كما إذا كان الدواء الذي وصفه الأعلم صعب التحصيل لا يتيسر للمريض استعماله، والدواء الذي وصفه غير الأعلم متيسراً ومأمون العاقبة، فإن المريض قد يستعمل الدواء الذي وصفه غير الأعلم برجاء الفائدة مع كونه مأمون الضرر. وهذا لا يجري في الأحكام الشرعية التي لا يجوز نسبتها لله تعالى والتعبد بها والعمل عليها إلا بحجة وافية بالعذر عند الحساب، وإلا كان العبد مستحقاً لنكال الله تعالى ومتعرضاً لعقابه.

ومن هنا نودَّ التنبيه إلى أمور..

الأول: أن الذي يبدو من كثير من هذه الأسئلة ـ ذات الطابع العلمي الاستدلالي ـ أن هناك حاجة للتعرض لهذه الأمور بسبب إشغال الساحة بالحديث فيها على الصعيد العام. وهي أمور قد أطال العلماء وأهل الاختصاص ـ بعد البحث والتمحيص ـ في الاستدلال عليها بدقة تدريساً وتحريراً في كتب كثيرة.

وحينئذٍ فالحديث فيها على الصعيد العام إن كان من غير أهل الاختصاص فعليهم أن يتنبهوا إلى أن هذه مسائل علمية دقيقة لا تعالج بهذه السهولة السطحية، بل هي شأن مسائل باقي العلوم ـ كالطب والهندسة ـ توكل للمختصين الذين يمتلكون ـ بفضل جهود مضنية لسنوات طويلة ـ العمق العلمي في علم الفقه وما يرتبط به من علوم أخرى، فهؤلاء هم القادرون على الإحاطة بأدلة الدعوى وبراهينها ومداخلاتها واستيعابها.

وإذا كانوا يطمئنون للأطباء والمهندسين وغيرهم من أهل العلوم والفنون في علمهم وفنهم ويكلون أرواحهم وأموالهم وشؤونهم إليهم، فلماذا لا يطمئنون لعلماء الدين في علمهم، أترى أولئك أوثق من هؤلاء في علمهم ودينهم وأبعد عن الخطأ والخيانة منهم؟ وهل يرضى المؤمن المنصف لنفسه بذلك؟!

وإن كان الحديث عنها ممن يعدّون أنفسهم من أهل الاختصاص فالظاهر أن الأدلة الشرعية في ذلك أوضح من أن تخفى عليهم.

على أن المفروض فيهم بحث هذه الأمور مع أهل الاختصاص الذين يحسنون الأخذ والرد فيها، وتمحيص الأدلة إثباتاً أو نفياً عليها، ولذا لا تطرح النظريات العملية في العلوم الأخرى إلا بعد أن يفرغ منها أهل الاختصاص بحثاً وتمحيصاً. ولا يحسن صدمة المجتمع الإيماني العام بها بنحو يوحي لهم بأنها حلول إصلاحية شرعية غفل عنها علماء الدين أو تغافلوا عنها، لجمودهم على الماضي أو لاستفادتهم منه مادياً إلى غير ذلك من الأقاويل، مما يؤدي إلى زعزعة الثقة بهم وحيرة الناس في أمرهم وإحداث البلبلة بين المؤمنين.

أما إذا كانت وجهة نظر هؤلاء أن هذه الحلول ليست حلولاً شرعية، ليطرحوها مع أهل الاختصاص ويبحثوا معهم في أدلتها الشرعية الكافية، بل هي حلول آنية تقتضيها طبيعة المرحلة التي نعيشها تجنباً لسلبيات الحلول الشرعية، فهم يحاولون إقناع عموم الناس بها، ليرتضوها بدلاً من الحلول الشرعية التي يقف علماء الدين عندها ولا يتجاوزونها، فليصرحوا بالحقيقة على وجهها إن كانوا مثاليين، ليعرف المؤمنون على ماذا يقدمون، ومع من يتعاملون، وماذا يراد بهم.

ولماذا هذا التشكيك في الأدلة الشرعية والتشبث بدعاواهم بتقريبات خطابية واهية بنحو يوهم أنها أدلة شرعية، وهي {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب}.

الثاني: أن ثوابت التشيع وركائزه في العقائد والتاريخ والفقه لم تثبت إلا بعد البحث والتمحيص، ولم يتسالم علماء الشيعة عليها إلا بعد أن عرفوا رأي أئمتهم المعصومين (عليهم السلام) الذين عاشوا معهم ما يزيد على ثلاثة قرون تكفي في بلورة العقيدة واتضاح معالمها وثوابتها، ولم يفارقهم الأئمة (عليهم السلام) حتى عرفوا منهم ذلك وأقاموا الحجة الكافية عليها، وإلا فمن غير المعقول أن يفارق الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم من دون أن يتموا الحجة في ذلك. ولا نريد بذلك أن نفرض عقائدنا على المؤمنين فرضاً على نحو التقليد الأعمى، بل كل ما نريده هو تثبتهم عند صدمتهم من بعض الناس بالتشكيك أو الإنكار ومحاولتهم الفحص عن حقيقة الحال، بالرجوع لأهل البحث والتحقيق، ولا يُستَغفَلوا بتوهم أن هؤلاء لم يتكلموا بما تكلموا به إلا بعد الفحص والتثبت، لحسن ظنهم بهم. فإن ذلك تفريط في الدين والعقيدة وضياع لهما بوجه لا يعذر فيه العبد أمام الله تعالى. ولا سيما مع ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أن أمرهم في ذلك اليوم أبين من الشمس. وحيث يدل ذلك على أن شبهات التشكيك والإنكار واهية يظهر بطلانها للمتبصر، ولكنها الفتنة والخذلان اللذين وعد الله تعالى بهما في قوله: {أحسب الناس أن يتركوا أو يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقوله عز من قائل: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} إلى غير ذلك مما يجب أن يتهيأ معه المؤمن للامتحان ويعدّ عدته له، ولا يسترسل في أمره، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال.

الثالث: الأمل بإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى أن ينظروا إلى ما ذكرناه بعين التدبر والتبصر، وبحسابات العقل الذي منّ الله تعالى به على الإنسان ورفع به شأنه وأقام عليه به الحجة وبه يثيب ويعاقب، ويحذروا من النظرة العاطفية والانفعالية التي لا تستند إلى ركن وثيق، بل إلى الانخداع ببهرجة الأقوال وجمال الطرح والصورة، من دون تبصر في العواقب. وليحذروا أيضاً من التعصب والتقليد الأعمى إعجاباً بصاحب الدعوى، أو بسبب الانتماء لخطه والاقتناع به من دون نظر في التفاصيل. فإن ذلك قد يجرّ للمآسي والمهالك بنحو لا يمكن تداركه. وليعلموا أن المسؤولية عظمى والحساب عسير، وأن المحاسب هو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، وقد أتم الحجة وأكملها.

س7: كيف نستطيع تمييز الأعلم من بين المجتهدين؟

ج: العاجز عن الفحص بنفسه ليس له إلا الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن الشيعة في عصور حضور الأئمة (عليه السلام) كانوا كثيراً ما يرجعون إليهم (عليه السلام) لتعيين من يرجعون إليه في أمر دينهم، كما أشرنا إلى ذلك - في جواب السؤال الخامس.

أما في عصر الغيبة وتعذر الرجوع لهم (عليهم السلام) فليس هناك شيء أقرب وأوصل من الرجوع لأهل الخبرة، وهم الذين بلغوا من العلم مرتبة تؤهلهم للتمييز بين المجتهدين بعد الإطلاع على آرائهم العلمية في الأصول والفقه، وعلى طريقة كل منهم في الاستدلال ومدى فهمه للأدلة، حيث قد يتضح لهم الأعلم حينئذٍ، فتجوز لهم الشهادة في ذلك، ويقبل قولهم.

س8: هل يجوز الاعتماد على الحدس في تعيين الأعلم؟

ج: لا يجوز للإنسان الاعتماد على حدسه لعمل نفسه بأن يقلد اعتماداً على الحدس، لأنه من أتباع الظن والعمل به الذي تظافرت الآيات والأحاديث بالمنع منه، وأنه لا يغني من الحق شيئاً. إلا أن يبلغ مرتبة القطع واليقين، فيجوز. كما لا يجوز له الاعتماد على حدسه في الشهادة للغير بأعلمية شخص ليقلده، إذ لابد في الشهادة من اليقين قال تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : (قال: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك). بل لا يجوز للغير الاعتماد على الشهادة الحدسية حتى لو كان الشاهد قاطعاً في حدسه متيقناً، بل يشترط في حجية الشهادة الحسّ.

س9: في مقدمة رسالتكم العملية أضفتم تمهيداً حول الاجتهاد والتقليد ما الذي دعاكم إلى ذلك؟

ج: كثيراً ما يختلط مقتضى التكليف الشرعي بالعادة والروتين، وتتحكم فيه العواطف والمصالح، فينحرف المكلف في تطبيق الحكم الشرعي غفلة وذهولاً عن حقيقة الحال، بل قد يتعمد بعض الناس ذلك ـ تبعاً للهوى ـ تسامحاً في أداء الوظيفة وتمرداً علها. ومن ثم يحتاج لمثل هذا الحديث تنبيهاً للغافل، وموعظة للمتمرد وهزاً للضمائر الشريفة، كما قال الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.

كما أن هذا الانحراف قد يكون سبباً في تشويه حقيقة التقليد والمرجعية، لأن كثيراً من الناس لا يتسنى له أخذ الفكرة من مصادرها الأصيلة، بل يأخذها من واقع تطبيقها العملي، فإذا خرج التطبيق عن الضوابط الحقيقية عكس صورة مشوهة للفكرة، ولا سيما وأن الاجتهاد يحمل مفهوماً آخر في الواقع القائم غير الشيعي. فأردنا بهذه المقدمة بيان حقيقة الاجتهاد والتقليد والمرجعية عند الشيعة بواقعها بواقعهما المشرق المشرف حسبما اقتضته الأدلة الشرعية، ومن عين صافية. وبذلك نكون قد قمنا بما علينا من بيان الحقيقة والدفاع عن المرجعية الصحيحة، التي قد تظلم نتيجة الفهم الخاطئ لها.

س10: قضية تعدد المراجع الدينيين هل تعتبرونها حالة طبيعية، أو لا؟ وما هي إرشاداتكم لمقلديكم بهذا الخصوص؟

ج: لا ريب في أنها من الحالات الطبيعية بعد أن كانت أهلية المرجع للتقليد وأعلميته من الأمور الحدسية القابلة للاختلاف، وبعد أن كان للمكلف الاختيار في تعيين المرجع عند تعذر الاحتياط ومعرفة الأعلم. وبعد غياب العصمة قد تكون في تعدد المراجع بعض الإيجابيات ـ أحياناً ـ ، لأن وحدة المرجع قد تعرضه للاندفاع في الجري على قناعاته من دون تروٍ وتثبت بنحو قد لا تحمد عواقبه. كما أنها قد تضفي عليه هالة من الجلالة والقدسية، تجعل من سيرته سنة ثابتة لا يمكن الخروج عنها، وتمنع من النظرة الموضوعية لها وإخضاعها للنقد والتعديل. بل قد يتعدى ذلك لآرائه الفقهية، بنحو يعيق عملية الاجتهاد ممن بعده.

نعم لا ريب في أن لتعدد المراجع سلبيات أيضاً لا يستهان بها، لكنها سلبيات لابد منها بسبب فقد المرجعية المعصومة نتيجة غيبة الإمام (عليه السلام) وينبغي أن تكون مثاراً للحسرة لغيبته ولانتظار الفرج بظهوره، وللنقمة على الظالمين الذي تسببوا في غيبته وحرموا الأمة من خيرات حضوره وتوليه لإدارة أمور المسلمين بنفسه. وعلى كل حال فهذه المرجعية بسلبياتها تبقى هي الحل الأفضل بعد أن تعذرت المثالية الكاملة بفقد المرجعية المعصومة.

أما وصيتنا لمقلدينا ـ وفقهم الله تعالى ـ فهي أن اختلاف التقليد لا ينبغي أن يكون منشأ للفتنة ولا سبباً للفرقة، ولا مثاراً للتنابز والتهاتر والشحناء والبغضاء، وعليهم احترام الآخرين ما داموا قد عملوا بموازينهم الشرعية التي قامت حجتهم عليها، والتلاحم والانسجام معهم والتعاون في سبيل الحق وخدمة المبدأ مع تبجيل العلماء العاملين المتقين وحفظ حقهم وتعظيم حرمتهم شكر الله سعيهم وأجزل أجرهم وسدد خطاهم ونفع بهم، وجعلنا ـ بتوفيقه ـ منهم.