2-لولا العصمة الإلهية لكان الخطأ:
وقد يجاب عن ذلك بطريقة أخرى لا تختلف عن سابقتها من حيث النتيجة ، وإن كانت تفترق عنها من حيث استبعاد عنصر التواضع وهضم النفس . فيقال: إن الإمام قد تحدث عن نفسه بغض النظر عن العصمة التي هي لطف الهي ،وتسديد وتوفيق ، وهبة ورعاية ربانية لمن تطلب ذلك وسعى إليه . أي أنه عليه السلام يريد أن يقول: لولا العصمة الإلهية لوقعت في الخطأ
فإنه عليه السلام قد نظر إلى نفسه الإنسانية بما لها من خصائص ومزايا ومواصفات اقتضتها الطبيعة البشرية ، والتكوين الإنساني .فهو بهذه التركيبة ، وبغض النظر عن اللطف والرعاية والعصمة الإلهية ليس بفوق أن يخطئ. ولذا قال : ( فإنني لست في نفسي بفوق ) فكلمة ( في نفسي) تشير إلى أنه يتحدث عن نفسه بغض النظر عن اللطف الإلهي والعصمة الربانية.
فهو عليه السلام بشر كالنبي (ص) وكيوسف ، وإبراهيم ونوح وغيرهم ، فلو أوكلهم الله إلى أنفسهم ، وحجب عنهم رحمته وتسديده، وابتعدوا عن لطفه تعالى ورعايته وعصمته فإنهم ليسوا بفوق أن يخطئوا.
وهذا هو نفس ما أشار إليه النبي (ص) في كلمته التي نقلها عنه المعتزلي الشافعي فيما سبق.
وهي قوله (ص) : لا، إلا أن يتداركني الله برحمة منه.
ثم ذكر ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته التي هي مورد البحث بقوله: ( إلا أن يكفي الله ) .
وقد يكون مراد الخواجوئي ما يقرب من هذا حين قال (إن المعصوم لما كان في قالب بشري ، وجلباب ناسوتي وكانت له قوى حيوانية متجاذبة، متداعية إلى الشر والضر شارفت أن تسول له المعصية والجرأة )(1).
لا أن ذلك قد وقع منه بالفعل بل اللطف الإلهي بالعصمة يكون مانعاً من ذلك .
___________
(1)مفتاح
الفلاح ص129.
3- التعليم :
وثمة إجابة ثالثة يمكن أن تراود أذهان البعض ، وهي أنه عليه السلام يريد أن يعلَّم الناس كيف يتعاملون مع الحكام الذين سوف يلون رقابهم ، ويتسلطون على الأمة بغير حق – يريد أن يعلمهم – بطريقة لا تثير حفيظة أحد ، ولا شكوك هذا أو ذاك بأنه عليه السلام يريد بكلامه هذا التعريض بهذا الحاكم أو ذاك ممن سبقوه ، وعرف الناس حالهم وطريقتهم .
إنه عليه السلام يريد أن يقول للناس : إن سلطان الحاكم لا يجوز أن يمنعهم من مواجهته بالحق، ومطالبته بالعدل والعمل به ، والالتزام بخط الشريعة والدين. وإلا فإن عليهم أن يصنفوه في عداد الجبابرة ومن أهل البادرة .
فإذا كان علي عليه السلام الذي هو الإمام المنصوص على إمامته، وقد نص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم على أنه مع الحق، والحق معه، ونصّت آية التطهير ودلت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على عصمته عن الخطأ والزلل – إذا كان علي عليه السلام – يريد من رعيته أن ينفتحوا عليه إلى هذا الحد ،فما بالك إذا كان راعيهم من أولئك الذين ليس لهم صفة الإمامة المنصوصة،ولا عصمة لهم بل هم لا يؤمنون على شئ ولا يتورعون عن ارتكاب العظائم من الجرائم والمآثم، فإن رصد حركة هؤلاء ، ومراقبة تصرفاتهم أولى وأوجب ، ومطالبتهم بالتزام العدل والاستقامة ألزم وأصوب .
وقد ألمح عليه السلام إلى طريقة أولئك المنحرفين ، الذين هذه حالهم ، وتلك صفاتهم ، حين قال في نفس كلامه المتقدم (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ،ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة .)
ثم قدم لهم معياراً وضابطة مهمة جداً ليتعرفوا من خلالها على طبيعة ومزايا هذا النوع من البشر ، ليتخذوا منهم الموقف الحازم والحاسم إذا اقتضى الأمر ذلك، فقال: ( فإن من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه ،كان العمل بهما أثقل عليه ).
كما أنه عليه السلام بأسلوبه هذا يكون قد ابتعد عن الأسلوب الصدامي الحاد ، وعن الظهور بمظهر من يريد أن يفرض أحكامه وتوجيهاته من موقع الآمر والزاجر ، والمتسلط المهيمن القاهر .
ولكن المازندراني الخواجوئي قد اشار إلى أن لهذا التعليم منحى آخر ، حيث قال: (أو يكون هذا من باب تعليمهم الأمة والرعية كيفية الطاعة ، والعبادة والخضوع والخشوع).(1)
أي أنه عليه السلام يريد أن يجسد لهم من نفسه الأسوة والقدوة الصالحة ، ليتعلموا ذلك منه.
____________
(1)مفتاح
الفلاح ص129 وراجع ص226 .
( 15 )
4 - التكليف الصواب ، والواقع الخطأ:
وثمة إجابة رابعة قد لا يستسيغها البعض ،لا سيما إذا لم يتابعوا حديثنا هذا إلى نهايته،لتتضح لهم بعض اللمحات والخصوصيات ، التي تفيد في تركيز الفكرة ، وجلاء الصورة ، ونلخص هذه الإجابة على النحو التالي :
إن المعصوم – النبي أو الإمام – قد يطلع على الواقع من طريق عادي ، كمعرفته بسرقة السارق ، بواسطة الشهود ،وبطهارة الجبن مثلاً ، وبحلية اللحم ، لكونه مأخوذاً من يد المسلم ، أو من سوق المسلمين ، وكمعرفته بحياة زيد من الناس بواسطة إخبار الناس له بحياته.
وقد يطلع المعصوم على الواقع من طريق غير عادي ،كالوحي للنبي (ص) وكإخبار النبي (ص) للأئمة ببعض الأمور والوقائع الغيبية.
وما يكون التعامل مع الناس على أساسه ومن خلاله هو النوع الأول .فيقطع المعصوم يد السارق استناداً إلى شهادة عدلين ، ويجلد شارب الخمر ، ويجلد الزاني أو يرجمه،… استناداً إلى الشهود أو إلى الإقرار من الفاعل . ويحكم بملكية زيد لشيء بعينه استناداً إلى قاعدة اليد ، ويلتزم ويُلزم غيره بالطهارة ، وبذكاة اللحم استناداً إلى سوق المسلمين ،أو إلى حمل فعل المسلم على الصحة . أو أصالة الطهارة وما إلى ذلك .
فإن كان ثمة خطأ ، فإنما جاء من الشاهدين، أو من الإقرار غير المطابق للواقع ، وليس الخطأ من الحاكم والحكم ، وعلى هذا الأساس نجد الرواية المعتبرة تحدثنا : أن النبي(ص) قال:
(إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان . وبعضكم الحن بحجته من بعض ، فأيما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً ،فإنما قطعت قطعة من النار ) أو ما هو قريب من هذا المضمون (1).
وقال عبد الله بن أبي رافع وهو يحكي لنا قصة التحكيم في صفين:
____________
(1)وسائل
الشيعة ج 27 ص232 وفي هامشه عن الكافي ج7 ص414، وتهذيب الأحكام ص229 و252 ومعاني
الأخبار ص279. وراجع :التفسير المنسوب للإمام العسكري (ع) ص 284والسنن الكبرى
للبيهقي ج 10 ص143 و149 وصحيح البخاري وصحيح مسلم .
( 16 )
(حضرت أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد وجه أبا موسى الأشعري ، وقال له : أحكم بكتاب الله، ولا تجاوزه.
فلما أدبر قال: كأني به وقد خدع .
قلت: يا أمير المؤمنين،فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع ؟!
فقال: يا بني، لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل).
(1)فالعمل إذن … لا بد أن يكون وفق الشواهد والدلائل الظاهرية كما ذكرنا .
شواهد من الواقع:
ولأجل أن المعصوم إنما يتصرف ويتعامل مع الناس على أساس هذا العلم الواصل إليه بالطرق المألوفة التي هي حجة ودليل ، نجد النبي (ص) يرسل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ،فيرتكب خالد جريمته النكراء في حقهم، ويقتل بعضهم ،ويضطر النبي (ص) إلى أن يَدِيَهُم ويعوَّضهم عما أخذ منهم، وكان علي عليه السلام هو الذي تولى إيصال ذلك إليهم .في قصة معروفة .
ولكنه عليه السلام لا يعاقب خالداً ومن معه ،ربما لأنهم كانوا يثيرون ما يوجب الشبهة في كون ارتكابهم للجريمة قد جاء عن سابق علم وإصرار . ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات.
ومن هذا القبيل أيضاً إرسال النبي (ص) الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق . وما كان منه في حقهم،حيث تسبب في تعرضهم للكارثة، فنـزلت في حقه الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا ، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ،فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
(2)وقد جعل النبي (ص) في حرب أحد أناساً على فتحة في الجبل ليحفظوها من تسلُّل المشركين منها ، فتركوا مراكزهم،وسنحت الفرصة للأعداء فتسللوا منها، وأوقعوا بالمسلمين.
___________
(1)مناقب أل أبي طالب ج2 ص261.
(2)الحجرات ،الآية 6 .
( 17 )
وقد استكتب النبي (ص) عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ثم ارتد وذهب إلى مكة، وجعل يزعم أنه كان يغير في ألفاظ القرآن حين يلقيها إليه النبي ليكتبها ، فبدل أن يكتب : غفور رحيم، كان يكتب عزيز حكيم مثلاً.
ثم إنه (ص)قد أمر عمرو بن العاص على بعض السرايا ، واستعمل أبا سفيان على بعض الصدقات ،رغم معرفته بهما .
وقد ولى علي عليه السلام مصقلة بن هبيرة ، ففر إلى معاوية في قضية أموال طالبه بها ليعيدها إلى بيت المال .
وولى الأشعت بن قيس آذربايجان، ولم يكن ليخفى عليه أمر الأشعت ولا حقيقة نواياه..
وولى الإمام الحسن عليه السلام عبيد الله بن عباس ، وغيره ، فانحاز إلى معاوية في مقابل حفنة من المال.
وقد كان علي بن أبي حمزة البطائني من وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام ، فلما توفي عليه السلام وكان بيده شئ منها ، ادعى الوقف عليه طمعاً بما في يده،وكان هو المنشأ للفرقة التي تسمى بالواقفة.إلى غير ذلك مما هو كثير وكثير جداً لا حاجة إلى تتبعه واستقصائه.
فكل ما تقدم يدل على أن النبي (ص) أو الإمام عليه السلام حين ولى هذا أو ذاك،أو جعله وكيلاً له ، أو أرسله في مهمة ،أو ما إلى ذلك ،فإنما كان يعمل بوظيفته ،وتكليفه وفق ما انتهى إليه علمه بواسطة ما توافر لديه من أدلة وشهادات أمره الله بالعمل على وفقها.أو استند إلى حسن الظاهر ،الذي لا بد من العمل على وفقه،حيث لا يوجد ما ينقضه ويخالفه.
فهو عليه السلام لم يخطئ في عمله ،لا عمداً ولا سهواً .بل الذي أخطأ هو ذلك الدليل ، وتلك الشهادة.وليس هو عليه السلام مسؤولاً عن ذلك .
( 18 )
نعم،لو جاء الناس إليه أو بعضهم ، ونقضوا له ما أدت إليه تلك الشهادة ،أو الدلالة ، وبطل تأثيرها، ولم تعد دليلاً معتبراً، وارتفع التكليف بالعمل بموجبها، فإن هذا النقض يكون في محله، وهو محبوب ومطلوب لله جل وعلا.
فلو أن الناس جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يرسل الوليد بن عقبة،أو خالد بن الوليد مثلاً،وأطلعوه على واقع هذين الرجلين ،وحقيقة نواياهما ،لم يجز له صلى الله عليه وآله وسلم – والحالة هذه – أن يرسلهما في المهمة التي حصل فيها ما حصل ، وذلك لأن حسن الظاهر لهما قد بطل أثره، وتبدل التكليف ، وصار من الواجب ترتيب آثار الفسق الذي ثبت بإخبار الناس لرسول الله به من باب النصيحة للأمة وللأئمة،والنصيحة واجبة على الناس كلهم كما هو معلوم.
وهكذا الحال بالنسبة لسائر الموارد ،كل مورد بحسبه.
فالنصيحة من الناس للإمام ،وللنبي إنما هي بإعلامه بالأمر الذي لم يكن مكلفاً بالتحري عنه ،ولا كان ملزماً بالعمل على وفقه ،رغم أن المعصوم قد يكون عارفاً بالحقيقة ،ولكن من طريق غير عادي ، كالوحي أو غيره.
ولكن العلم عن هذا الطريق غير العادي لا يلزم النبي (ص)،أو الإمام عليه السلام بالعمل على وفق المعلوم ،فلو حلف المدعي كاذباً،أو شهدت البينة بخلاف الواقع،وعلم (ص)بهذا الخلاف من طريق الوحي،فلا يحكم بعلمه،بل يحكم وفق البينة،أو اليمين.
ولعل ذلك يرجع إلى أن في ذلك صوناً لمستقبل الأمة ،وحفظاً لها من أن يتخذ الظالمون والطواغيت،وأصحاب الأهواء ذلك ذريعة إلى توجيه ضرباتهم القاتلة إلى قوى الإيمان والخير،والتنكيل بهم،وذلك بحجة أنهم قد عرفوا بطرقهم الخاصة غير العادية بما لم يعرف به الآخرون.
وبذلك نعرف السبب في أن الرؤيا في المنام غير قابلة للاعتماد،وكذلك دعوى ملاقاة الإمام الحجة المنتظر عليه السلام،والأخذ منه مباشرة. فضلاً عن العلوم المزعومة التي قد تنسب إلى الجن ،أو السحر،أو ما إلى ذلك.
( 19 )
هذا ، وقد أشارت الروايات إلى أن عمر بن الخطاب، قد حاول أن ينتزع اعترافاً من الصحابة أو من بعضهم بأن له أن يعمل بعلمه،فواجهه علي عليه السلام وابن عوف أو أحدهما برفض ذلك منه.
ويفصل البعض هذه القضية فيقول: روي أن عمر كان يعسُّ ذات ليلة بالمدينة فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟!.قالوا:إنما أنت إمام .فقال علي بن أبي طالب :ليس ذلك لك،إذن يقام عليك الحد ، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود
(1) .ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم .ثم سألهم ،فقال القوم مثل مقالتهم الأولى،وقال علي مثل مقالته الأولى .(2)
نتيجة ما تقدم:
إذن، فليس ثمة ما يمنع من أن يطلب أمير المؤمنين عليه السلام من أصحابه أن يخبروه بالواقع الذي يعرفونه ، وأن يبطلوا الشهادات أو الأدلة التي لو لم يظهر خلافها لكان عليه أن يبادر إلى العمل بمضمونها .
فتكون تلك المبادرات منهم سبباً في إسقاطها عن الاعتبار وعن الحجية ،لأنه عليه السلام مكلف بالعمل وفق تلك الأدلة ،إلى أن يظهر خلافها.
فهو عليه السلام يدعو أصحابه ويريد منهم أن يرصدوا الواقع من أجل أن يحفظوه.وحفظ الواقع بهذه الطريقة ،لا يوجب خللاً في عصمته عليه الصلاة والسلام ، كما أنه لا يوجب خللاً في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
___________
(1)راجع :السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص144 والمصنف لعبد الرزاق ج8 ص340.
(2)الفتوحات الإسلامية (للسيد زيني دحلان) ج2 ص466 وراجع :الاستغاثة ص92 و93 فأنه قد ذكر ذلك في قضية أخرى وراجع :كنز العمال ج5 ص457.