تقديم:
الحمد لله، وصلاته وسلامه على خير خلق الله محمد وآله الطاهرين.
وبعد، فإن كلمات الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم هي الحق، والهدى، والصلاح والسداد . وقد يجد الإنسان من بين ما يؤثر عنهم بعض ما يحتاج فهمه ،ومعرفة ما يرمي إليه ، إلى المزيد من التأمُّل والتدبُّر، وإلى معرفة خصوصيات وعناصر تفيد في استكشاف المعنى، والوقوف على حدوده وأبعاده.وحالاته المختلفة.
وقد يغفل البعض، أو يقصِّر أو حتى يتجاهل، بعض ذلك أو كله. فيقع، أو يوقع الآخرين في المحذور الكبير والخطير،وهو البعد عن المعنى المقصود، والمغزى الذي يرمي إليه…
وإن الكلمة المروية عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، التي جاء فيها: (ما أنا في نفسي بفوق أن أخطئ)الخ… هي من هذا النوع الذي يكثر البعض ترداده في مختلف المناسبات .
ونحن وإن كنا لا نجد في ذلك أية غضاضة،لكننا أحببنا أن نورد في هذا البحث المقتضب بعض التوضيح للمقصود من الكلمة المأثورة،ليضعها القارئ، أو السامع في موضعها الصحيح،والسليم. لنحصنه بذلك عن الوقوع في الشبهة أو الخطأ.
وقد كتب هذا البحث قبل أكثر من ثلاث سنوات ، وها هو ينشر اليوم مع تمهيد كتب في أوائل شهر آب الماضي.
والله ولينا وهو الهادي إلى سواء السبيل.
تمهيد: (1)
إننا قبل أن نبدأ حديثنا حول الموضوع الأساس ، نرى ضرورة إلفات النظر إلى بعض الأمور التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار فيما يرتبط بالتعرض لقضايا الإيمان والعقيدة ،مع تأكيدنا على أننا لا نقصد التجريح بأحدٍ من الناس بعينه، فلا يظنن أحد بنا ذلك، وإنما هو الرأي الذي نطرحه على الاخوة العاملين،ولهم الخيار في الرد وفي القبول ، إذا اقتضى الأمر –بنظرهم- أياً من هذين الأمرين .
فنقول:
لا بد من التذكير:
إن ما نود أن نذكر به القارئ هو الأمور التالية:
1 - إن طرح الأحاديث المتشابهة ، أو التي يصعب فهمها على الناس ، ثم الإصرار على الاستمرار في هذا الطرح ،من دون تقديم التفسير المعقول والمقبول،ليس بالأمر المرضي،ولا هو محمود العواقب، خصوصاً إذا كان من قبل أناسٍ يتوقع الناس منهم حلّ المشكلات، وتوضيح المبهمات.
وعلى الأخص إذا كانت هذه الأحاديث أو القضايا المشكلة لا تطرح على أهل الاختصاص من أهل الفكر، وإنما على الناس السذّج والبسطاء ،بمن فيهم الصغير والكبير ، والمرأة والرجل ،والعالم والجاهل. وذلك عبر وسائل الاعلام العامة وفي الهواء الطلق.
2 - إن إثارة المسائل الحساسة ،وطرح التساؤلات على أولئك الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكنهم من حل العقدة بصورة سليمة وقويمة. ومن دون تقديم إجابات كافية، أو حتى من دون إجابات أصلاً – إن ذلك يفرض على العلماء المخلصين أن يبادروا إلى رفع النقيصة،وسد الثغرات وتقديم الأجوبة الصحيحة بكل ما يتوافر لديهم من وسائل؛ لئلا يقع الناس الأبرياء الغافلون في الخطأ الكبير
____________
(1) قد نشر هذا البحث في مجلة (المنهاج) اللبنانية، في
العدد الثالث من السنة الأولى ،ولكنهم حذفوا الفقرة الآتية تحت رقم 4 بلا مبرر ظاهر
،ونحن ننشره هنا بتمامه.
والخطير. مع الحرص الأكيد على أن لا تصدر أية إساءة ومن دون تجريح أو انتقاص لأي كان من الناس . وإنما مع حفظ الكرامة والسؤدد ،وبالأسلوب العلمي المهذّب والرصين.
مع التذكير والإلماح إلى أن تبعة إثارة هذه المواضيع تقع على عاتق مثيرها الأول. لا على الذين تصدوا للتصحيح والتوضيح.
وليس من الإنصاف أن تثار هذه الأمور في الهواء الطلق، ثم يطلب من الآخرين أن يسكتوا عن التعرُّض لها ،إلا في الخفاء ، وبين جدران أربع ،وخلف أبواب مغلقة أو مفتوحة ،فإن طلباً كهذا لا بد أن يفهم على أنه أمر بالسكوت ، بصورة جبرية ،وحصر حق الكلام بصاحب السيادة أو السماحة دون سواه.
3 - إنه لا مجاملة في قضايا الدين والعقيدة ، فلا يتوقعن ذلك أحد من أي كان من الناس حتى لو كان قريباً وحبيباً، ومهما كان موقعه ودوره فإن الحق والدين فوق كل الاعتبارات .
4 - قد نجد البعض (1) يبذل محاولات لصرف الأنظار عن القضايا المطروحة التي تمس عقائد الناس ، وقضاياهم الدينية باعتماد طريقة إعطاء أي مواجهة لأفكاره طابعاً شخصياً ، بزعم أن دافع ذلك الطرف للمواجهة هو عقدة ناشئة عن هذه القضية الشخصية أو تلك ، أو أنها نتيجة تخلف ذهني ،أو انحراف فكري ، أو تعصب ،أو وقوع تحت تأثير أجهزةٍ من نوع ما ،وما إلى ذلك.
مع أن هذا البعض يعرف: أن ذلك لا يجديه الكثير ، لأن أكثر الناس يعرفون :أن القيمة الحقيقية هي للفكر الذي يطرح ، وللأدلة التي تقام ، فما كان صحيحاً فلا بد أن يؤخذ به،ويعول عليه؛ وإلا فلا بد من رفضه وإهماله،مهما كان الدافع أو الرادع.أما النوايا فالله أعلم بها ،وهو الذي يحاسب عليها.
____________
(1) هذه الفقرة كلها حذفتها مجلة المنهاج، في العدد الثالث منها.
( 3 )
على أن هذه الادعاءات سوف تبقى في مستوى الاتهام، الذي يطالب من يدعيه بإثباته بالطرق الشرعية، وإلا ، فلسوف يكون هو المتهم الذي يتجاوز أحكام الشريعة فيما يرتبط بالتعدي على كرمات الآخرين ، والمساس بشخصياتهم ، وذلك ما لا يرضاه الوجدان والضمير ولا تجيزه أحكام الدين.
5 - إن قضايا الدين والعقيدة ليست حكراً على فريق بعينه ، بل هي تعني كل الناس على اختلاف حالاتهم ومستوياتهم ، فمن حق كل أحد أن يظهر حساسية تجاه أي مقولة تمس هذه القضايا ، ولا بد أن يلاحق ذلك باهتمام بالغ ومسؤول،ليحدد موقفه النهائي سلباً وإيجاباً. ولكن ضمن حدود الاتزان،وبالأسلوب العلمي الموضوعي والرصين.
ويتأكد هذا الأمر إذا عرفنا :أن قضايا العقيدة لا يجوز التقليد فيها ، بل لا بد لكل فردٍ من الناس أن يلتمس الدليل المقنع والمقبول..فليست مسائل العقيدة على حد مسائل الفقه التي يرجع فيها الجاهل إلى العالم ليأخذ الفتوى. استناداً إلى الأدلة العامة على لزوم التقليد.
وليس من الإنصاف ،بل ليس من الجائز منع الناس عن التعرّض لمثل هذه القضايا ،ولا يصح أن يطلب منهم مجرد الأخذ الأعمى لها، وتقليد الآباء والأجداد،أو هذا العالم أو ذاك بها.
6 - إن تحسّس الناس لقضايا الدين والعقيدة ،ومتابعة هذه القضايا بحيوية وحماس لهو من علامات العافية، ودلائل السلامة، ومن المفترض تشجيعها وتنميتها فضلاً عن لزوم الحفاظ عليها.
ولايصح مهاجمتها، ومواجهتها بالاتهامات الكبيرة بهدف كبتها والقضاء عليها،بل اللازم هو تأكيدها وتحصينها ،وتوجيهها بصورة قويمة وسليمة ،لتصبح أكثر رسوخاً ،وأعمق تأثيراً في السلوك وفي الموقف، لا سيما في مواجهة التحديات.
( 4 )
7 - إن العلوم الإسلامية كثيرة ، وفيها سعة وشمولية ظاهرة ، بالإضافة إلى أنها بالغة الدقة في كثير من تفاصيلها ،فلا غضاضة على العالم أن يتريث في الإجابة على كثير من الأسئلة التي توجه إليه في كافة العلوم ، بل ليس بمقدوره الإجابة على جميع الأسئلة، إلا أن يكون في مستوى الأنبياء والأئمة .وقد قيل:رحم الله امرءاً عرف حده فوقف عنده.
فعلى العالم أن لا يجيب عن الأسئلة التي لم ينجز هو بحثها وتحقيقها ،ودراستها بصورة دقيقة ووافية ،تمكنه بعد ذلك من أن يصدر أحكاماً قاطعة.
وإذا لم ينجز دراستها والتحقيق فيها فعليه أن يلتزم حدود العرض والبراءة من العهدة، وتقديم العذر بعدم التوفر على دراسة وتمحيص المسائل التي تواجهه ولا غضاضة عليه لو أنه اكتفى بعرض ما توافق عليه أعاظم علماء المذهب وأساطينه من دون التفات إلى ما تفرد به هذا العالم أو ذاك ،حيث لا يمكن التزام الشاذ وترك المشهور والمنصور.
أما أن يثير كل ما يخطر على باله ، أو يجيب على سؤاله بطريقة تشكيكية، توحي للناس بأنه عالم بكل تفاصيل القضايا،وبأنه يثير التساؤلات حولها من موقع الخبرة ،والمسؤولية ، والاطلاع الدقيق، والفكر العميق، فذلك غير مقبول ، وغير منطقي ولا معقول.
8 - إنه ليس من حق أحد أن يطلب من الناس أن يقتصروا في ما يثيرونه من قضايا على ما ورد عن النبي (ص)بأسانيد صحيحة ، وفق المعايير الرجالية في توثيق رجال السند…لأن ذلك معناه أن يسكت الناس كلهم عن الحديث في جل القضايا والمسائل ،دينية كانت أو تاريخية أو غيرها.
بل إن هذا الذي يطلب ذلك من الناس ،لو أراد هو أن يقتصر في كلامه على خصوص القضايا التي وردت بأسانيد صحيحة عن المعصومين ،فسيجد نفسه مضطراً إلى السكوت ،والجلوس في بيته،لأنه
( 5 )
لن يجد إلا النـزر اليسير الذي سيستنفده خلال أيام ،إن لم يكن في ساعات.
على أننا نقول، وهو أيضاً يقول: إن ثبوت القضايا لا يتوقف على توفر سند صحيح لها برواية عن المعصومين، فثمة قرائن أخرى تقوي من درجة الاعتماد أحياناً،ككون الرواية الضعيفة قد عمل بها المشهور ،واستندوا إليها مع وجود ذات السند الصحيح أمام أعينهم، ثم لم يلتفتوا إليها. إلى جانب قرائن أخرى في قضايا الفقه، والأصول، والعقيدة والتاريخ وغيرها يعرفها أهل الاختصاص، ويستفيدون منها في تقوية الضعيف سنداً، أو تضعيف القوي، بحسب الموارد وتوفر الشواهد.
9 - إنه ليس أسهل على الإنسان من أن يقف موقف المشكك والنافي للثبوت ، والمتملص من الالتزام بالقضايا ،والهروب من تحمل مسؤولياتها.وليس ذلك دليل علمية ولا يشير إلى عالمية في شئ .
والعالم المتبحر،والناقد والمحقق هو الذي يبذل جهده في تأصيل الأصول ،وتأكيد الحقائق .وإثبات الثابت منها ، وإبعاد المزيف.
10 - إن نسبة أي قول إلى فريق أو طائفة ،إنما تصح إذا كان ذلك القول هو ما ذهب إليه ، وصرح به رموزها الكبار ، وعلماؤها على مر الأعصار،أو أكثرهم ،وعليه استقرت آراؤهم،وعقدوا عليه قلوبهم.
ويعلم ذلك بالمراجعة إلى مجاميعهم ،ومؤلفاتهم،وكتب عقائدهم، وتواريخهم.
أما لو كان ثمة شخص ،أو حتى أشخاص من طائفة ،قد شذوا في بعض آرائهم ،فلا يصح نسبة ما شذوا به إلى الطائفة بأسرها ،أو إلى فقهائها ،وعلمائها. فكيف إذا كان هؤلاء الذين شذوا بأقوالهم من غير الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب.
وكذا الحال لو فهم بعض الناس قضيةً من القضايا بصورة خاطئة وغير واقعية ولا سليمة ،فلا يصح نسبة هذا الفهم إلى الآخرين بطريقة
( 6 )
التعميم ، لكي تبدأ عملية التشنيع بالكلام الملمع ، والمزوّق والمرصّع مع تضخيم له وتعظيم ، وتبجيل وتفخيم ، ثم يقدم البديل بالكلام المعسول مهما كان ذلك البديل ضعيفاً وهزيلاً.
11 - إن طرح القضايا التي يطلب فيها الوضوح ،على الناس العاديين بأساليب غائمة،وإن كان ربما يسهّل على من يفعل ذلك التخلص أمام الواعين والمفكرين من تبعة طروحاته إلى حدٍ ما…
ولكنه لا يعفي صاحبه من مسؤولية تلقي الناس العاديين للفكرة على أنها هي كل الحقيقة ، وهي الرأي الصواب الناشئ عن البحث والدراسة ، وما عداه خطأ.
نعم ، لا يعفيه من مسؤولية ذلك،ما دام أن الكل يعلم : أن الناس يفهمون الأمور ببساطة ،فلا يلتفتون إلى كلمة : ربما ، لعل ، لنا أن نتصور ، يمكن أن نفهم ، نستوحي، علينا أن ندرس، وما إلى ذلك…
وبعد …فإننا نحترم ونقدر جهود العلماء العاملين والمخلصين، وندعو لهم بالتوفيق والتسديد كما أننا نسأل الله سبحا نه أن يوفقنا لسداد الرأي، وخلوص العمل. وهو ولينا ،وهو الهادي إلى الرشاد والسداد.
جعفر مرتضى العاملي
1/ أيلول /1996 م.
إننا حين نقرأ نصوصاً كتبها أو قالها غيرنا ، فقد نفهمها على حقيقتها ،ونقف على المراد منها ، كما لو كنا نحن الذين كتبناها أو قلناها . وقد نقع في الخطأ في ذلك.
ويتمثل هذا الخطأ في عدة حالات: فقد يتمثل في مجانبة الحقيقة إلى غيرها بصورة كاملة أحياناً ، أو جزئية أحياناً أخرى ،وذلك بسبب القصور عن نيل المراد من النص ،أو لأي سبب آخر ينشأ عنه ذلك.
وقد يظهر هذا الخطأ بصورة تضخيم المراد، وتجاوزه إلى غيره، إلى درجة لا تقل في خطورتها وسوئها عن مجانبة المعنى نفسه ،والابتعاد عنه إلى غيره.
وقد يتجلى ذلك فيما نجده لدى البعض من إصرار على الأخذ بحرفية جانب من النص ، والأباء الشديد عن الأخذ بنظر الاعتبار ما يكتنفه من حدود وقيود ،وذلك رغبة منه في تأكيد معنى أو مفهوم يسعى إلى تأكيده وترسيخه في الأذهان بصورة خفية وذكية.
وعدا عن جميع ذلك فإننا نجد لدى آخرين اهتماماً بالموارد المتشابهة ،التي يحتاج فهمها إلى الرجوع إلى الراسخين في العلم من أهل بيت العصمة عليهم السلام، فيحاول هؤلاء إثارتها بصورة عشوائية ليغرقوا الناس في بحر من الشبهات التي تبعدهم عن الهدى وتصدهم عن الرشد .وهذا هو الأسلوب الذي يتبعه أهل الزيغ، ومثيروا الفتنة، الذين جاءت الإدانة الصريحة لهم في كتاب الله سبحانه حيث يقول:
(منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات .فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ،يقولون:آمنا به كل من عند ربنا . وما يتذكر إلا أولوا الألباب)(1)
وقد جاءت النصوص العديدة لتؤكد على أن في الحديث الشريف أيضاً – كما في القرآن – ناسخاً ومنسوخاً ، ومحكماً ومتشابهاً، وخاصاً وعاماً .(2)
وثمة فريق آخر من الناس ما أسهل عليه أن يبادر إلى رفض النص، والحكم عليه بالتحريف تارة، وبالتزوير والاختلاق أخرى ،
____________
(1) سورة آل عمران الآية 7.
(2)
راجع: الكافي ج1 ص63-65 والأربعون حديثاً للبهائي ص147-150.
وبإظهار البراءة من عهدته بأسلوب إثارة الشبهة في ثبوته ثالثة أو يتجنب الإجابة الصريحة بأسلوب التقليل من أهمية النص الوارد عن المعصوم، حين يقول :هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (!!!) - إنه يفعل ذلك – لأنه عجز عن تبريره وتوجيهه،وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه غير ملتفت إلى أن قصوره هذا لا يبرر له التشكيك بثبوت النص ، أو بسلامته من التحريف.
وإنما قلنا: (وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه)، لإدراكنا :أن كثيراً من النصوص القرآنية والحديثية الواردة عن المعصومين يحتاج فهم المراد منها إلى الاعتماد على خلفيات فكرية ، وسوابق ذهنية ،من شأنها أن تتحكم في مسارها ، وتحدد نقطة الانطلاق والارتكاز منها وفيها . وتخرجها – من ثم – عن دائرة الإجمال والترديد ، لتضعها في دائرة الوضوح والتعين والتحديد.
كما أن هذه الخلفيات تساعد على معرفة الحدود التي ينتهي إليها ويقف عندها النص، وتفصح عن امتداداته وغاياته ،فتحصنه عن القصور والتقصير في شموليته وانحساره على حد سواء.
فإذا كان ثمة خلل أو نقص في تلك الخلفيات فلسوف يؤثر ذلك إلى فهم النص بصورة سليمة وقويمة.
وأما رد الروايات بالاحتمالات العقلية ، فهو غير صحيح ولا مقبول . إلا إذا صادمت الرواية الحكم العقلي القاطع والصريح.
مثال على ما تقدم:
ونحن نشير هنا إلى واحد من هذه النصوص التي ربما يقف عندها أو يتحير فيها ،أو يخطئ بعض الناس في فهم المراد منها…للأسباب المختلفة التي أشير إلى بعضها ، أو يستغل درجة الدقة والغموض فيها ،وهو النص التالي:
(عن علي بن الحسن المؤدب ،عن احمد بن محمد بن خالد ،وأحمد بن محمد ، عن علي بن الحسن التيمي ،جميعاً عن إسماعيل بن مهران ،
( 9 )
قال:حدثني عبد الله بن الحارث ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
خطب أمير المؤمنين الناس بصفين – وذكر خطبته – فكان مما قاله عليه السلام :
(فلا تكلموني بما تُكلّم به الجبابرة ،ولا تتحفّظوا مني بما يُتحفّظ به عند أهل البادرة،ولا تخالطوني بالمصانعة،(1) ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فإنه من اسثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه.
فلا تكفوا عني مقالةً بحق، أو مشورةً بعدلٍ، فأني لست – في نفسي – بفوق (ما ) أن أُخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون) (2)الخ…
الطعن الخفي ، والذكي:
وقد اعتبر البعض : أن هذا النص يكاد يكون صريح الدلالة على إمكان وقوع الخطأ من المعصوم عليه السلام ، ولتلطيف الجو قد يقال لك : (ولكنه الخطأ غير المتعمد الذي لا يوجب عقوبة ، ولا بعداً عن الساحة الإلهية،ولا يعد من الذنوب ، لا من كبيرها ،ولا من صغيرها).
وقد قال المعتزلي الشافعي:
(هذا اعتراف منه عليه السلام بعدم العصمة ،فإما أن يكون الكلام على ظاهره أو يكون قاله على سبيل هضم النفس ، كما قال : رسول الله صلى الله عليه وآله : (ولا أنا إلا أن يتداركني الله برحمته) . انتهى.(3)
____________
(1) .البادرة :الحدة والمصانعة : الرشوة.
(2) محمد بن يعقوب الكليني ، الكافي ج8 ص293 وبحار الأنوار ،للعلامة المجلسي ج27 ص253 وج41ص154وج74 ص358/359 ،ونهج البلاغة ص245 ط دار التعارف ، بيروت.
(3)
شرح نهج البلاغة ج11 ص107 و108 والحديث عنه (ص) يوجد في المصادر
التالية ، بحار الأنوار ج7 ص11 ومسند أحمد بن حنبل ط دار إحياء التراث العربي سنة
1414 هـ ق. ج3 ص305 و230 و236 و17 و260 و270 و308 و452 وج 4 ص336 وج 2 ص467 و505
و519 و613 ومجمع البيان ط سنة 1412 هـ . دار إحياء التراث العربي ج3 ص352 وقال :
رواه الحسن في تفسيره وجامع الأصول ج 1 ص212
–215
عن البخاري ومسلم وصحيح البخاري ج 8 ص176 و177 ط المكتبة الثقافية
–
بيروت وصحيح مسلم ط دار إحياء التراث العربي ج4 ص2169
–
2171 وسنن ألد ارمي ج2 ص396 ط دار الكتاب العربي سنة 1407 هـ ق. وسنن ابن ماجة (
بشرح السندي )ج2 ص550 ط دار الجيل
–
بيروت
.
( 10 )
رأي الشيعة:
أما الشيعة ، فيقولون : إن النبي والإمام معصوم عن الذنب ، وعن السهو والنسيان ، والخطأ، عمدياً كان أو غير عمدي ، في التبليغ وفي غيره(1). وتدل على ذلك الروايات (2) .
والعصمة هي لطف رباني ، ورعاية وتسديد إلهي شامل، أين منها ملكة العدالة في عمقها وقوتها ورسوخها . ولا يمكن تجزئة الملكة، ليكون معصوماً هنا عن الخطأ غير معصوم عنه هناك .
وكيف يمكن أن نتصور الخطأ والسهو في من هو أسوة وقدوة في كل حركاته وسكناته حتى في أخص شؤونه وحالاته ، وفي كل ما يمكن أن يصدر عنه حتى في أدق التفاصيل في حياته الشخصية ؟!.فمن يخطئ كيف يكون أسوة وقدوة ؟،وقوله وفعله وتقريره حجة ودليل على حكم الإباحة على الأقل ؟.
____________
(1) راجع على سبيل المثال : أنوار الولاية ص 567 ط سنة 1409 هـ ق. تأليف : زين العابدين الكلبايكاني، المتوفى سنة 1289 هـ ق. وراجع : الفخر الرازي ، التفسير الكبير .ج10 ص144 والأصول العامة للفقه المقارن ص159 عنه وعبقات الأنوار ج2 ص291 /292 عن الرازي أيضاً . وراجع : دلائل الصدق ج2 مبحث العصمة والتنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان ص10 و12 و13 و14 و45-54 عن الفاضل المقداد والبهائي وعن الشهيد في الذكرى والبيان
(2)راجع
:التنبيه بالمعلوم من البرهان ص 26
–44
.