الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
وبعد؛ فقد كانت تراودني من فترة تزيد على السنة، فكرةُ التعرُّض لبعض الأمور العقائدية، أو تلك التي ترتبط بالعقيدة، كالبحث في آية قرآنية تخصُّ نبياً من الأنبياء (عليهم السلام)، مما قد تُوهِم للنظرة الأولى الدلالة على ما لا يُمكن الالتزام به.
وفعلاً فقد اشتغلتُ بذلك، ولكنه شغلتني أمورٌ أخرى كانت أرجح من جهات، مما قضى بتقديم تلك الأمور.
وبعد الانتهاء منها والحمد لله تعالى، رأيت أن أرجع إلى البحث في تلك المباحث من حيث كنت قد وقفت.
وقد كانت النيَّة على أنْ أذكر في كتاب واحد أهم تلك المباحث التي رأيت التعرض لها في بعض الكتب ممَّا لا يُمكن الالتزام به، ثم بدا لي أنْ أقتصر على كتابة بعض الكراسات في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 6/
شيء هنا وفي شيء هناك، على أن تصدر إنْ شاء الله تعالى ضمن كتيبات صغيرة تسهيلاً على القارئ الكريم، فإنَّ ضخامة الكتاب في هذا العصر أصبح موجباً لترك تَصفُّحِه وللابتعاد عنه، نظراً لكثرة أشغال الناس من جهة، ومضافاً إلى توجُّه الأكثر إلى المسموعات والمرئيات من جهة ثانية.
فعزمت متوكلاً على الله تعالى شأنه، وقد جعلتُ ما قرأته في بعض الكتب محورَ البحث في جلِّ المباحث، سائلاً إياه تعالى أنْ يُوفِّق لِما فيه رضاه، وأنْ يتقبَّل بقبول حسن، هو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الميامين المطهَّرين.
الغــازية ـ صيـدا
24 ـ 12 ـ 1423هـ
علي بن حسين أبو الحسن
الموسوي العاملي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 7/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 8/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 9/
قد يسأل سائل عن تفسير آية "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا" ؟
وقد يقال في الجواب: "بعض الناس يقولون همَّت به يعني مالت إليه بحيث يؤدي الموقف إلى الفاحشة، وهمَّ بها أي بضربها، ولكنَّ طبيعة التعبير في الآية يتنافى مع هذا لأنه يقول: {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء}.
لكنَّ فهمي للمسألة، أنَّ "همَّ بها" يعني تكوَّنت لديه حالةُ انجذاب، والانجذابُ حالةٌ لا شعورية، ولكنه لا يتحوَّل إلى فعل وإلى ممارسة وإلى قصد، كما لو أنَّ إنساناً جائعاً يُقبِلُ على رائحة الطعام ألا تهشُّ نفسه للطعام، فيُقبِل عليه مِن غير أنْ يأكله، فهو أي يوسف كان في حالة الانجذاب النفسي، لكنَّ إيمانه في أعماقه منعه من ذلك، {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} يعني البرهان من إيمانه وحجته، وعصمته الروحية، وانسجاماً مع جو الآية، فإنه يقتضي أنْ يكون هناك إنجذاب، ولكنه انطلق وبرهان ربه موجود في عقله وفي قلبه، فكأنَّ الله ثبَّته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 10/
ليصرف عنه السوء والفحشاء.
وخلاصة الفكرة: إنَّ يوسف لم يتحرَّك نحو المعصية ولم يقصدها، ولكنه انجذب إليها غرائزياً بحيث تأثر جسده بالجو، دون أنْ يتحرك خطوة واحدة نحو الممارسة، لأنه رأى في عصمته الروحية البرهان الذي يضغط على موقفه الجسدي لحساب موقفه الروحي، والله العالم بحقائق آياته" (1).
أقول: هذا الجواب لا يجوز الالتزام به بحال من الأحوال.
قوله: "ولكنَّ طبيعة التعبير في الآية يتنافى مع هذا" .
والجواب:
أولاً: لا بُدَّ عند دراسة أيِّ موضوع أشار إليه القرآن الكريم، من ملاحظة جميع الآيات التي لها دخالة في ذلك، ولا يصحُّ بحال أنْ ندرس الموضوع دراسة مستقلة من خلال تعرُّضِ آيةٍ له هنا، ثم دراسته من خلال تعرُّضِ آيةٍ ثانية له هناك، بحيث ندرس كلاً من الآيتين على انفراد، بل لا بُدَّ مِن دارسة الموضوع بملاحظة جميع الآيات.
ثانياً: إنَّ ادِّعاء ـ إفادة أيِّ تعبير في القرآن لمعنى من
ـــــــــــــــ
(1) الندوة 1 ـ للسيد محمد حسين فضل الله ـ ص 303 ـ 304 ط الخامسة دار الملاك 1418هـ ـ 1998م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 11/
المعاني، بحيث يُقتصَرُ على ما يُفيده التعبيرُ القرآني وبالتالي فالتعويل عليه ـ (إدِّعاءٌ) غيرُ صحيح على إطلاقه، ذلك أنَّ المولى سبحانه قد لا يكون معتمِداً في بيان المقصود على ما يُفيدُهُ التعبيرُ القرآني وحده، بل قد يكون معتمِداً على قرينة خارجية مِن شأنها توضيح المقصود من وراء التعبير الوارد في الآية القرآنية.
فلا يصح أنْ يقال: إنَّ الله تعالى قد سلب الناس اختيارهم بدليل إفادة التعبير القرآني لذلك، كما في قوله تعالى {وَمَا تَشَاؤونَ إِلاَ أَنْ يَشَاء اللهُ}(1)، وهكذا في كثير من الأمور التي تحدث عنها القرآن الكريم.
بل في مثل هذه الموارد، لا بُدَّ أولاً من الرجوع إلى الأمر المسلَّم واليقيني، ثم نعمد ثانياً إلى تفسير الآية بمعنى ينسجم مع الأمر المسلَّم.
وفي حديث القرآن الكريم عن بعض الأنبياء (عليهم السلام)، قد اشتملتْ كثيرٌ من الآيات على ألفاظ، تقود بغير المتأمل إلى أنْ يفهم معنى يتنافى مع كونهم معصومين تارة، ويتنافى مع
ـــــــــــــــ
(1) سورة هل أتى الآية 30.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 12/
موقعهم ومحلِّهم، ومع ما هي وظيفتهم، وما يقتضيه شأنهم الرسالي تارة أخرى.
الوقوع في القياس:
وقد يقع الباحثُ في قياسِ بعضِ الأمور على بعضٍ آخر، فينشأ عن ذلك أنْ يُفسِّر الآية بمعنى غير مقبول، وقد يكون عدمُ وضوح معنى العصمة وعدمُ معرفة حقيقتها، سبباً للالتزام بمعنى لا يصحُّ إطلاقاً.
وفعلاً فقد وقع مَنْ نقلنا جوابه في القياس تارة، ولم يقف على معنى العصمة وعلى حدودها وحقيقتها ثانياً، وفسَّر النص القرآني من دون أنْ يُلاحِظ بقيةَ النصوص المرتبطة بالنصِّ الذي فسَّره ثالثاً.
أما أنه وقع في القياس، فلأنه قاس بين أمرين، بين مسألة الجوع وقضية الجنس، من دون أنْ يتحقق أنَّ بينهما فارقاً، مع أنَّ الفارقَ يحسُّ ويشعر به كلُّ الناس، هذا أولاً.
ثانياً: قد أوهم السائل بأنَّ أمر التأثُّر لا يمكن أنْ ينفكَّ عنه الشخص المُواجِه للأمر الذي مِن شأنه أنْ يُؤثِّر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 13/
فقد ادَّعى بأنَّ الجائع إذا أقبل على رائحة طعام، فإنَّ نفسه تهشُّ إليه، واعتبر أنَّ الذي يُقبِلُ على الإغراء الجنسي حاله حال الجائع.
وهنا نقول: إنَّ كلامه هذا لا يفيد لِمَا رام إثباته، إلا بعد أنْ يُبرهِن؛
أولاً: على أنَّ كلَّ جائع إذا اقبل على أيّ طعام، فإنَّ نفسه لا بُدَّ وأنْ تهش إليه.
وثانياً: يجب عليه أنْ يأتي بدليل يفيد بأنَّ مسألة الجنس حالها حال مسألة الجوع.
واقع الحال:
وهذان الأمران يستطيع كلُّ إنسان إذا ما التفت إلى نفسه أنْ يعلم ببطلانهما، بغضِّ النظر عن التفصيل بين الأمور المحرَّمة والأمور المحلَّلة والمباحة.
ذلك أنَّ كثيراً ما تمرُّ بعضُ الحالات على بعض الأشخاص ـ بل ولعل على كلِّ شخص ـ يواجهون ويُقبِلون على رائحة أطعمة كثيرة وهم جائعون، من دون أنْ تهشَّ أنفسهم أصلاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 14/
كبعض المرضى وهذا أمر يعرفه الكثيرون، والمرض في هذه الحالة يُمثِّل جانب فَقْدِ المُوجِب والمقتضي للتأثُّر، وكذلك الحال في كثير من الصائمين بحقٍّ، فإنهم على الرغم مِن جوعهم لا تهشُّ نفوسهم إلى الطعام قطعاً، والصوم الحقيقي يُمثِّل هنا جانب المانع من التأثر.
ولتوضيح معنى المقتضي والمانع نضرب مثالاً: فنقول إذا وُجِد الخشب اليابس فقد وُجِد ما يقبل الاحتراق، ولكنَّ الخشب لا يحترق من دون مادة تُشعِلُه وهي النار، فإذا وُجِدت النار فقد وُجِد المؤثِّر والمُوجِب للإحراق، ومع ذلك فما لم تحصل مُماسَّة النار للخشب، فإنه لا يحترق.
ومع ذلك أيضاً فالخشب القابل للاحتراق إذا ابتلَّ بالماء، فإنه لا يحترق وإنْ حصلت المُماسَّة مع النار.
إذن لا يكفي أنْ يوجد العنصران من الخشب والنار ليحصل الاحتراق، بل لا بُدَّ أولاً: من إرتفاع المانع المُتمثِّل بالماء، وثانياً: من حصول الشرط المتمثِّل بالمماسة.
وهنا نقول: لا يكفي أنْ يشمَّ الجائعُ رائحةَ طعام كي تهشَّ نفسه، بل لا بُدَّ من ارتفاع ما مِن شأنه أنْ يمنع عن حصول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 15/
الهش.
والمريض الكاره جداً لصنفٍ خاص مِن أصناف الطعام، لا تهشّ نفسه إليه إذا ما اشتم رائحته، وهنا يكون المُوجِبُ والمقتضي للتأثر غيرَ موجود.
القاعدة ليست عامة:
ويكفي أنْ يتحقَّق هذا من بعض الناس ولو في بعض الحالات، إذ مع تحققه ـ وهو متحقِّق ـ فلا تكون القاعدةُ التي طرحها ذاك المجيب (صاحب الندوة) قاعدةً عامةً شاملة.
وإذا لم تكن القاعدة عامة، فإننا لا نستطيع أنْ نبني على أساسها، ولا يصح أنْ نقيس عليها.
ثم إنَّ بعض ما يمنع عن التأثر، قد يصل إلى درجةٍ يحصل بسببه ارتفاع المقتضي والموجِب للتأثُّر، كما لو تحوَّل الخشب إلى عنصرٍ غيرِ قابل للاحتراق، بسبب عروض بعض الموانع التي أفقدت الخشب قابليَّةَ الاحتراق، وهذا المثال لمجرد تقريب الفكرة.
فالجائع إنما تهش نفسه وتتحرك غريزته لكونه إنساناً يتأثر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 16/
بطبعه (طبعياً) بتلك الأمور، ومع ذلك ونتيجةً لبعض الرياضات التي يُمارسِها أصحابُها، فإنه يرقى بهم الحال إلى ارتفاع حالة التأثر عندهم، إلا إذا أرادوا ذلك وطلبوه.
فبعضُ الموانع مِن شأنها أنْ تمنع عن التأثُّر ما دام المانعُ موجوداً، وبعضُ الموانع مِن شأنها أنْ تجعل مِن الإنسان شخصاً مالِكاً لجميع إدراكاته وأحاسيسه وتأثراته، بحيث يتحوَّل إلى شخصٍ قابلٍ لأنْ يتأثَّر متى ما شاء، وأنْ يُفقِد نفسه القابليَّة على التأثر متى ما شاء وأراد، وإنْ لم يكن هذا بنحوٍ كليٍّ مطلق.
وجميع ما ذكرناه قد وقف الكثيرون من الناس على صحته، إما بما يُدرِكونه من أنفسهم، وإما لأنهم عرفوا أشخاصاً كذلك بعد اختبارهم وامتحانهم.
الميل والحب:
وأما مسألة الميل والحب وما شابههما، فإنها أبداً ترجع إلى أسباب معيَّنة، ولا يُمكن أنْ يُنكِر أحد أنَّ لمسالة التربية والثقافة الخاصة، الأثرَ الكبيرَ والفعَّالَ في ذلك.
فمَنْ تربَّى على حبِّ الخير لا يكون ميلُ نفسه إلى الشر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 17/
كمثل ميل مَنْ تربَّى على الشر، وهكذا التفاوت بينهما إلى أنْ يؤول الحال في مَنْ تربَّى على الخير، أنْ لا تميل نفسُهُ نحو الشرِّ قطعاً.
وكلما كان الإنسانُ كارهاً بحقٍّ وبصدقٍ للقبيح من الأمور، فإنه من اليقين أنْ لا تميل نفسه إليه، بل لو بحث باحث في غياهب نفس ذاك الشخص، لَمَا وَجَدَ إلا الميلَ نحو الحسن.
وإذا لم يكنْ في قرارة نفسه وفي أعماق وجدانه إلا الحبُّ الحقيقي للخير، فإنَّ اجتماع أهل الأرض على ادِّعاء ميل ذاك الشخص نحو الشر ولو ميلاً ضعيفاً، لا يُزلزِلُ عقيدتنا فيه، ولو حلفوا الأيمان لكانوا جميعهم غير مصيبين.
بل الأمر أشد وآكد ممَّا ذكرنا، فكثير مِن الناس يعرفون مِن أنفسهم، أنَّ نفوسهم لا تميل ولا تحبُّ ولا تتأثرُ بما يَرَوْنه ويعتقدونه أمراً باطلاً.
الانجذابُ أمرٌ داخل تحت الاختيار:
وهنا نستطيع أنْ نُؤكِّد على أنَّ الميلَ والتأثرَ والانجذابَ أمورٌ داخلة تحت الاختيار، نعم ليست باختيار كلِّ شخص فعلاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 18/
ولكنها حيث تدخل تحت دائرة اختيار بعض الأشخاص، فلا محالة تكون مِن الأمور القابلة لدخولها تحت اختيار كلِّ شخص، غاية الأمر أنَّ بعض الأشخاص قد حاولوا وجاهدوا أنفسهم فنجحوا وظفروا، وبقي الآخرون على ما هم عليه من الغفلة والسهو وما شاكل.
والانجذاب وإنْ لم يكنْ بجميع مقدماته أمراً اختيارياً، إلا أنه لا شبهة بأنَّ لتوجُّهِ النفس وللتفكير أثرهما، ومع ذلك فليس الانجذاب على حد سواء في جميع البشر، بل يتفاوت بالنسبة للشخص الواحد بحسب ما يمرُّ عليه من حالات وظروف.
وكلٌّ منا يعلم بأنه تارة يحصل عنده حالة من حالات الانجذاب عند مواجهته للمُؤثِّر الضعيف، وأنه تارة لا يحصل أيّ انجذابٍ عند المواجهة والإقبال على أعظم المُؤثِّرات.
إذن، ليس الانجذاب أمراً لا بُدَّ وأنْ يقع مِن كل شخص عند إقباله على ما مِنْ شأنه أنْ يُثيِر الشهوة وما أشبه ذلك، وهذا أمرٌ يدركِهُ جيداً كلُّ ذي شعور وإحساس، ويعرفه جيداً كلُّ إنسان، ولا دخالة للإلتزام بالقِيَم أو بالأخلاق أو بالدين في ذلك، فإن التأثر أو عدم التأثر يرجع إلى الشخص نفسه بما هو إنسان له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 19/
قابلية التأثر، وبما له أن يُحقِّق في نفسه المانع من جهة ثانية.
شواهد على ذلك:
ولا زال الناس يمدحون كثيراً من عباد الله تعالى، بأنهم أشخاصٌ لم يتأثروا بوضعٍ قاهر هنا، أو بأمرٍ عظيم هناك، وكثيرٌ من الأطباء يُعايِنون المواضع المُثيِرة، ولا يعرفون مِنْ أنفسهم ميلاً أو انجذاباً قطعاً.
وكثير منا مَنْ يُواجِه ويُقبِل عليه من المثيرات ـ وما أكثرها في هذه الأيام ـ للشهوة الحيوانية بحيث تكون مُثيرات شديدة، وواللهِ لا يعرفُ مِن نفسه ميلاً، ولا يحسُّ مِنْ جسده انجذاباً، ودعك من أصحاب الأهواء والشهوات، ولا يصح بحال أنْ يقيس العاقلُ ـ إنْ كان عاقلاً ـ الناسَ عليه وعلى شاكلته.
بالله تعالى عليك، ألا تنظرُ إلى نفسك إذا ما تأثَّرتْ بمثيرٍ معيَّن، نظرةَ ماقتٍ لها، غاضبٍ عليها؟
بلى، والمؤمن يرجع إلى بيته، فيحاسب نفسه إذا ما غلبتْ شهوتُهُ، وطغى شيطانُه.
فالنتيجة ـ وإني أُحاكي وجدانك ونفسك وما أقربهما منك ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 20/
أنَّ الانجذابَ أمرٌ يتفاوت فيه الحال يقيناً، وليس هو على وِزانٍ واحد حتى بالنسبة إلى نفس الشخص.
وعليه، فلا يوجد قاعدةٌ كليَّةٌ عامة حاصلها: أنَّ كلَّ جائع تهش نفسه إذا ما أقبل على رائحة طعام، ولا يوجد أمر عام حاصله: أنَّ مَنْ يُواجِه أمراً مثيراً للشهوة، فسوف تحصل عنده حالة من حالات الانجذاب، بل الأمر في حالة الانجذاب لا يجهل به أبسط الناس.
هذا، ولم ندخل في البحث في المسألة من حيثيَّة ما يُواجِهُه الإنسان من الأمور المحرَّمة، فإنَّ عدمَ تأثُّر الإنسان المؤمن مهما كان جائعاً ـ فيما إذا شمَّ رائحة لحمِ كلبٍ يُشوى بدهن خنزير ـ أمرٌ لا يمكن أنْ يُنكَر.
الانجذابُ الغرائزي شأنٌ شيطاني:
وأما الانجذاب الغرائزي مِن مؤمن متَّزِن نحو امرأة متزوجة محصَنَة، فلا يحصل إلا عند الأشرار من الناس.
إذن الانجذاب النفسي الغرائزي نحو الأمر المحرَّم يكون مِن الأمر الباطل من جهة، وممَّا يستعيذ منه المؤمنُ الحقُّ مِن جهة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 21/
ثانية.
أَوَ ترى نفسك مُحسِناً عندما تنجذب غرائزياً نحو امرأة محصَنَة؟! إنَّ هذا لباطلٌ قطعاً.
وقد قال تعالى مادحاً نبيه يوسف (عليه السلام) {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}(1)، وفي آية ثانية حاكياً عن إبليس عليه اللعنة قوله {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}(2).
وإذا ما كان الانجذاب الغرائزي نحو الأمر المحرَّم من الأشياء الباطلة، فعُلِم من هاتين الآيتين، أنَّ يوسف الصدِّيق (عليه السلام) لا يحصل منه الانجذاب الباطل، فإنَّ الباطل يجيء من الشيطان، وليس للشيطان على مثل الصدّيق يوسف (عليه السلام) من سبيل.
ويحسن بنا أنْ نرجع إلى كلام المولى سبحانه، لنقف على حقيقة الأمر الذي كان من نبي الله يوسف الصدّيق (عليه السلام).
قال سبحانه: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية 24.
(2) سورة ص الآية 82 ـ 83.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 22/
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، وفي آية ثالثة {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ}.
وفي آية رابعة {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}(1).
يوسف لم ينجذب غرائزياً:
أقول: لو أنَّ يوسف (عليه السلام) كان قد انجذب غرائزياً، لكان الأنسب أنْ يقال في مقام التعبير عن ذلك: وكذلك لِنصرِفَه عن السوء والفحشاء، بينما التعبير في الآية: "لنصرف عنه" هذا أولاً.
ثانياً: رجعنا إلى كلام صاحب الندوة حيث قال: "لكن فهمي
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف (عليه السلام) الآيات 23 ـ 24 ـ 32 ـ 51.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 23/
للمسألة، أنَّ "همّ بها" يعني تكوَّنت لديه حالة (إنجذاب)، والانجذاب حالة لا شعورية" .
فنقول: قوله ـ: إنَّ الذي كان من يوسف (عليه السلام) هو حالة الانجذاب غير الشعوري ـ لا يتوافق مع الآية القرآنية {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}(1).
إذ لو كان ما صدر من الصدّيق (عليه السلام) هو حالة غير شعورية، فهذا يعني أنه أمرٌ خارجٌ عن الاختيار والقدرة، وإذا كان كذلك فكيف يُؤمَر يوسف (عليه السلام) بالإعراض وبالترك لأمر غير داخل تحت قدرته واختياره؟!
فلا بُدَّ وأنَّ يوسف (عليه السلام) قد أراد أنْ يفعل أمراً ما وبادر إليه، ولكنَّ المولى سبحانه أراد أنْ يصرف عنه شيئين:
الشيء الأول هو السوء، والشيء الثاني هو الفحشاء.
ما هو الفعل الذي كاد يصدر من يوسف (عليه السلام):
فيا تُرى ما هو ذلك الفعل الذي يمكن أنْ يصدر من مؤمن ـ فضلاً عن سادة المؤمنين ـ في مقام مُواجهته للمنكر،
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية 29.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 24/
وقد ينتج عنه في بعض الظروف أمران هما: السوء والفحشاء؟
ألستَ على يقين بأنَّ يوسف (عليه السلام) لو كان بادر إلى ضرب امرأة العزيز، لكان نُسِب إليه الأمران، بأنه ـ والعياذ بالله تعالى ـ راود امرأة العزيز، وهو الفحشاء، ولمَّا لم تقبَل منه ذلك ضربها، وهو السوء.
الدليل على ما ذكرناه:
أولاً: قد عرفت بأنَّ يوسف لم يحصل منه الانجذاب، ونُضيِف على ما ذكرناه، أنه (عليه السلام) "فَاسْتَعْصَمَ"(1) أولاً، وقال للمرأة "مَعاذَ اللهِ"(2) ثانياً، ثم نبَّهها إلى أنَّ ما دعته إليه يُعدُّ ظلماً "إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"(3) ثالثاً.
وهذا يعني أنَّ يوسف (عليه السلام)، سلك الأمور الترتيبيَّة المُتَّبعة في مقام النهي عن المنكر، حيث أنكر المُنكَر بقلبه وكرِهَه بعقله، ثم بادر إلى وَعْظِها وإرشادها أي أنكر بقوله ثانية، جازماً بأنَّ ما دعته إليه هو من عمل الشيطان ومن الظلم، وهو لا يفعل الظلم.
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية 32.
(2) سورة يوسف الآية 23.
(3) سورة يوسف الآية 23.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 25/
ومن المعلوم أنَّ يوسف (عليه السلام) عندما استعصم لم يكن معتصِماً بالشيطان، وإنما كان معتصِماً بالله تعالى وحده. والمعتصِمُ بالله تعالى من شيءٍ يكرهه ويُبغِضه جداً، كيف يمكن أنْ ينجذب غرائزياً نحوه؟!
ومَنْ يتعوَّذ بصدقٍ بالله تعالى من شيءٍ، أَتظنُّ فيه أنْ يُتْبِعَ تعوُّذَه بالميل إلى ما تعوَّذ منه؟!
كلا، فمَنْ يتعوذ ومَنْ يستعصم ومَنْ يعتقد بحقٍّ وبصدقٍ بعملٍ أنه ظلْمٌ، لا بُدَّ وأنْ يجري على وفق ذلك.
الأمر المناسب هو المبادرة إلى الضرب:
والأمر الذي يتناسب مع تلك المقدمات التي صدرت من يوسف (عليه السلام)، هو أنْ يُبادِر إلى الضرب تكميلاً لمقدّمات النهي عن المنكَر التي سلكها.
فهو لم يكن ينتظر برهان ربِّه كي يبتعد عن المنكَر، وكي يضغط البرهان على موقفه الجسدي لحساب موقفه الروحي كما زعمه صاحب الندوة وقد نقلنا كلامه، إذ قد صرَّحت الآيات بأنه انتهى عن المنكَر وابتعد عنه، وتعوَّذ بالله تعالى منه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 26/
وقد عرفتَ أيضاً أنَّ الانجذاب لم يكن ممَّا حصل من يوسف (عليه السلام). إذن فلا بُدَّ وأنَّ البرهان الذي جاءه قد منعه عن المبادرة إلى ما كان بصدد القيام به، ولم يكنْ يوسف (عليه السلام) إلا بصدد القيام بالأمر الذي يتلو تلك المقدّمات التي سبق تفصيلها، والأمر الذي أراد القيام به هو خصوص الضرب قطعاً.
والخلاصة: أنَّ أيَّ مؤمن عادي، بعد أنْ يُنكِر بقلبه وبقوله أمراً من الأمور المبغوضة، فإنه لا محالة سيلجأ إلى الضرب تكميلاً لعملية النهي عن المنكر.
وإذا كان كذلك هو حال المؤمن العادي، فكيف بنبيّ الله تعالى، وهو الصدِّيق المخلَص المعصوم؟
وقد قال سبحانه حاكياً لكلام النسوة مُقرِّراً مُؤيِّداً إياه {حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ}(1)، ولا شبهة بأنَّ الانجذاب الغرائزي نحو المرأة المحصَنة يُعدُّ سوءً، بل يُعدُّ من أفظع وأقبح الجرائم الأخلاقية، بل لا يكون صاحبه إلا إنساناً ساقطاً بالنظر إلى جميع الاعتبارات والأعراف، وقد نفى سبحانه عن يوسف (عليه السلام) أنه تلبَّسَ بأيِّ سوءٍ.
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية 51.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 27/
لفت نظر إلى التعبير القرآني:
ثم إنَّ كلَّ ملتفت إلى التعبير القرآني في قوله تعالى {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ}، يُدرك يقيناً بأنَّ الله تعالى إنما ساق العبارة بهذا النحو، تنبيهاً لمُريد التأمل في الآية، ليسوقه تأملُهُ إلى معرفة ما كان قد حصل.
فلم يقل سبحانه: وراودته امرأة العزيز عن نفسه، وإنما قال: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ}، وهذا يعني أنَّ يوسف (عليه السلام) كان متمكِّناً جداً من أنْ يُقدِم ـ والعياذ بالله تعالى ـ على ما دعته إليه المرأة، ومن دون أدنى خوف من أحد من الناس، فإنه في بيتها، وهي صاحبة القرار من جهة، وقد كان يعيش معها من جهة ثانية، وعليه فلا مجال لاتِّهامه من أحد، لأنَّ وجوده معها كان أمراً معلوماً لكل أحد، لذا فإنَّ أحداً لنْ يشعر بما سوف يُقدِم عليه والعياذ بالله تعالى.
مرجع تعوُّذِ يوسف:
إذن، لم يكن منشأ تعوُّذِ يوسف واعتصامِهِ هو الخوف من أحد من الناس، فلم يبقَ إلا أنه كان الخوف من الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 28/
والخائفُ من الله تعالى والمُراعي لحرمة حدوده سبحانه، كيف يمكن أنْ ينجذب نحو الأمر المحرَّم الذي تعوَّذ منه واستعصم عنه؟!
وأيضاً، فإنَّ تعبير الآية عن امرأة العزيز بما عبَّرت به عنها، ليس إلا (بحسب الظاهر) لأجل تذكير المتأمل بأنَّ لامرأة العزيز خصوصيةً، فإنَّ يوسف (عليه السلام) قد تربَّى عندها، ومِن المستغرَب والمستهجَن جداً أنْ يحصل الانجذاب الغرائزي من الشخص العادي نحو امرأة متزوجة محرَّمة عليه، مع وجود خصوصية لها بالنسبة إليه، وهي أنه قد عاش في بيتها، وتربَّى عندها.
بماذا تعلَّق الهمُّ من المرأة:
هذا ومن المعلوم أنَّ زوجة العزيز قد صدر منها الفعل، ولم يكن قد اقتصر حالها على الميل الغرائزي نحو يوسف (عليه السلام)، وعليه فلا بُدَّ وأنْ يكون لولا برهان الله تعالى لكان صدر من يوسف فعْلٌ أيضاً، ولا يصح بحال أنْ نُفسِّر الفعل الذي كاد يصدر من يوسف (عليه السلام) بالهمِّ على أن يُراد منه خصوص المَيْلِ النفساني فحسب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 29/
والدليلُ على ذلك، أنَّ الهمَّ الحاصل من يوسف (عليه السلام) لا بُدَّ وأنْ يتعلَّق بشيء قطعاً، لأنَّ همَّ المرأة قد تعلَّق أيضاً بفعلٍ من الأفعال، ولا يصح أنْ لا يتعلق همُّ يوسف بشيء.
ذلك أنَّ الآية نسبت صدور الهمِّ الحاصل من يوسف (عليه السلام)، بالنحو ذاته الذي نسبت فيه صدور الهمِّ من المرأة إليها، إذن لا بُدَّ وأنْ يتعلَّق الهمُّ من يوسف بفعل من الأفعال، كما أنَّ همَّ المرأة قد تعلَّق بفعل أيضاً.
فقد قال سبحانه {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، ومعنى الآية أنه لولا برهان ربِّه لكان همَّ بها كما أنها همَّتْ به، ولمَّا لم يكن الهمُّ من المرأة قد اقتصر على الميل والانجذاب الغرائزي، فأيضاً لا بُدَّ وأنْ لا يقتصر الهمُّ من يوسف ـ لولا أن رأى برهان ربه ـ على ذلك.
تفصيل الكلام في ما كان يوسف (عليه السلام) بصدد القيام به:
وما يمكن أنْ يفعله يوسف هو أحد أمرين:
إما الفعل المحرَّم والعياذ بالله تعالى، وإما الضرب، ولا ثالث.
أما الهروب فقد صدر منه، وألفيا ـ يوسف والمرأة ـ سيدّهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 30/
لدى الباب، والمرأة تشدُّ بقميص يوسف من خلف، يعني أنه كان هارباً.
إذن لا يكون الفعل الذي لولا البرهان لفعله هو الهروب، لأنه قد فعله، والآية تتحدث عن فعل لم يصدر ولم يقع من يوسف (عليه السلام).
والإنكارُ بالقول للمُنكَر قد حصل ووقع من يوسف، فلم يبقَ إلا أنْ يفعل الفاحشة، أو أنْ يضرب المرأة.
ولكنه (عليه السلام) مؤمن، وقد عرفت بأنَّ المؤمن في مثل ظرْف يوسف، وبملاحظة ما أتى به من مقدمات، لا يُحتَمَلُ فيه أنْ يأتي بالفاحشة أو أن يتوجَّه نحوها.
وإنْ لم ترضَ ولم تقتنع، فأظنُّ أنك تعتقد بعصمة الأولياء، فكيف بالأنبياء المخلَصين ومنهم يوسف (عليه السلام).
فلم يبقَ إلا الضرب، وعليه فيتعيَّن أنْ يكون هو ما كان سيصدر من يوسف لولا أنْ رأى البرهان الإلهي، الذي أراه عاقبة الضرب، وأنه سيعود عليه بالضرر.
وبعبارة أخرى ـ ولا أظن أنه يوجد حاجة أكيدة للتكرارـ: إنَّ آية {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، تدل على أنَّ يوسف (عليه السلام) كان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 31/
سيأتي بفعل لولا أنْ رأى البرهان.
والبرهانُ لا يمكن أنْ يكون عبارة عن العصمة، لأنَّ العصمةَ موجودةٌ معه ولم تكن غائبة عنه أو أنها في إجازة خاصة.
والبرهان الذي رآه يوسف (عليه السلام)، هو الذي حال بينه وبين أنْ يفعل الفعل الذي لم يفعله.
وهنا نرجع إلى يوسف (عليه السلام) وإلى تلك الواقعة، لِنُحصي الأفعال التي يتمكَّن يوسف كإنسان ـ بغضِّ النظر عن كونه معصوماً ـ أنْ يأتي بها.
والأفعال فيما يخصُّ الأمر المبحوث فيه هي:
أ: النهيُ عن المنكر بالقول.
ب: التصريحُ بحبِّ المنكر.
ج: الإبتداءُ بممارسة الفاحشة.
هـ: الإبتعادُ عن المكان أي الهروب.
ز: منْعُ الطرف الآخر بالضرب وما شاكل.
أما الفعل الأول فقد وقع من يوسف (عليه السلام)، وبطبيعة الحال فإنَّ الفعل الثاني لم ولا يقع، والفعل الثالث لا يناسب وقوعه ممَّنْ أتى بالمقدمتين الأوليتين من مقدمات النهي عن المنكر، والفعل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 32/
الرابع قد صرحت الآية بوقوعه، فلم يبقَ إلا الفعل الخامس، فإنه خصوص ما يُحتمَلُ أنْ يصدر من يوسف (عليه السلام) كمؤمنٍ عادي ـ بغضّ النظر عن كونه نبياً ـ، وهو أيضاً خصوص ما لم يحصل ولم يقع منه.
وبما أنَّ رؤية البرهان الإلهي كان من آثاره عدم وقوع ما لولا الرؤية لحصل ووقع، فإنه يتعيَّن أنْ يكون هو خصوص ما تعلَّق الهمُّ من يوسف بأنْ يفعله.
وأخيراً، فإنَّ الانجذاب الغرائزي نحو الأمر المُحرَّم، لا يمكن أنْ نتصور حصوله من أيّ مؤمن بادر إلى إنكار المنكَر بقلبه وبقوله، وقد عرفت أنه ليس كلُّ إغراء وإثارة جنسيَّة يُواجِهها الإنسان يستتبِعُها ميلٌ وانجذابٌ.
ومسألة رؤية البرهان الإلهي، قد حالت دون وقوع الفعل الذي يتناسب مع كون الفاعل مؤمناً، وإلا فقد حالت دون وقوع الفعل الذي يتناسب مع كون الفاعل معصوماً، وقد عرفت أنَّ الفعل الذي يتناسب مع كون الفاعل مؤمناً فضلاً عمَّا لو كان معصوماً هو خصوص الضرب، وهو خصوص مَنْعِ الطرف الآخر عن ارتكاب المنكر بالنحو الذي يجدي في المنع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 33/
ما يتناسب مع جوِّ الآيات:
وقد اتضح لك أنَّ ما يتناسب مع جو الآيات التي تحدثت عن همِّ يوسف (عليه السلام)، لا يمكن أن ينسجم إلا مع إرادة خصوص الضرب، قضاءً لما فرضه واقعُ إيمانه بالله تعالى، وواقعُ صدقِه في إنكاره المنكر، وواقعُ تعوُّذِه بالله تعالى من الظلم.
وهذا المعنى هو ما ورد عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، فقد روى الصدوق بإسناده عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} قال (عليه السلام): فإنها همَّت بالمعصية، وهمَّ يوسف بقَتْلِها إنْ أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قَتْلَها والفاحشة، وهو قوله {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء} يعني القتل {وَالْفَحْشَاء} يعني الزنا… الحديث(1).
وأما الانجذاب الغرائزي فلا يتناسب مع كون يوسف (عليه السلام) كارهاً للمنكَر، مُبغِضاً لِمَا راودته امرأة العزيز، ولا يتناسب مع هروبه ولا ينسجم مع آية {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}(2)، ولا
ـــــــــــــــ
(1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 151 ـ 152 ط مؤسسة البعثة قم المقدسة 1417هـ ؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج2 ص 171 ط مؤسسة الأعلمي 1404هـ .
(2) سورة يوسف الآية 29.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 34/
مع آية {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ}(1).
وقد ظهر لك أننا لم نُعالِج الآية بملاحظة أنَّ يوسف (عليه السلام) نبي معصوم مبرأٌ عن كلِّ عيب، ولا شبهة بأنَّ الانجذاب الغرائزي نحو المرأة المحصَنَة من أعظم العيوب.
وأيضاً فلم نُعالِج الآية بملاحظة أنَّ يوسف (عليه السلام) عنده من العلم الحقيقي ما لا يمكن معه أن يقع منه ولا أن يصدر عنه ميلٌ غرائزي نحو امرأة محصَنَة تربَّى هو في بيتها، فإنَّ الميلَ نحو ذلك ميلٌ إلى أعظم الخيانات.
وحاشا مَنْ هو أدنى من يوسف (عليه السلام) بدرجات ودرجات أنْ يميل غرائزياً نحو أمر يُعدُّ من أعظم المُوبِقات المبغوضة، ومن أفظع الجرائم الأخلاقية، ومن أسوأ الخيانات المُريِعة.
وأيضا،ً فإننا لم نبحث المسألة بملاحظة تعرُّضِ القرآن الكريم لها وهو كتاب الهدي والهداية، وهو الكتاب المتكفِّلُ بتنزيه الأنبياء، وهو الكتاب المتكفِّلُ ببيان عظيم مقامهم ورفيع محلهم، فإنَّ ملاحظة واحدة من هذه الجهات ـ التي لم نبحث
ـــــــــــــــ
(1) سورة يوسف الآية 24.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 35/
المسألة بملاحظتها ـ يكفي للحكم بأنَّ ما ذكره "صاحب الندوة" أمرٌ باطل عقلاً وشرعاً، كتاباً وسُنَّةً.
البُهتان على يوسف (عليه السلام):
وحيث برهنَّا بشكل قاطع على أنَّ الميل الغرائزي ليس أمراً حتميَّ الوقوع عند مواجهة المؤثِّر والمُثير للغريزة، فإنَّ ادِّعاء "صاحب الندوة" بأنَّ يوسف (عليه السلام) كان قد انجذب غرائزياً، يكون من البُهتان قطعاً، لأنه لا يوجد ـ والعياذ بالله تعالى ـ ما يدل على ذلك.
وحيث برهنَّا أيضاً على أنَّ الميل الغرائزي نحو الفاحشة يُعدُّ من الخيانة العظمى، والمفروض أنَّ الطرف الآخر هي امرأة محصَنة ولها خصوصية المُربِّية، فإنَّ الكثير من الآيات القرآنية تفيد بنحو قاطع على أنَّ الميلَ الغرائزي من يوسف (عليه السلام) أمرٌ من المستحيل تحققه بوصفه معصوماً.
كلمة أخيرة:
وأخيراً، فإنَّ حصول الانجذاب الغرائزي من يوسف (عليه السلام) نحو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 36/
امرأة العزيز لا يناسبه حديثُ القرآن عن تعوُّذِهِ واعتصامِهِ وهروبِه، ولا يناسبه سائرُ ما دلَّ عليه أو ألمح إليه.
وانجذابُ الشخص المؤمن غرائزياً نحو امرأة محصَنَة تحمل خصوصية المربِّية، يُعدُّ أمراً قبيحاً جداً، بل نكاد نجزم ـ ولعل جميع العقلاء كذلك ـ بأنه لا يصدر إلا من شرار الناس.
هدانا الله تعالى لما فيه الحق، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 37/
خوف إبراهيم وموسى (عليهما السلام)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 38/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 39/
قد يسأل سائل عن تفسير خوف إبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}(1)، وعن تفسير خوف موسى (عليه السلام) في قوله تعالى {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}(2).
وقد يقال في الجواب عن السؤال الأول: "لقد تحدَّث الله سبحانه في القرآن عن إبراهيم بطريقة متميزة...، ولقد ذكر نقطة سلبية واحدة، وهي أنه عندما جاءته الملائكة الذين أُرسلوا لتعذيب قوم لوط {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} ليأكلوا منه باعتبار أنهم أضيافه، {فَلمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}، وهذه الآية تعبير عن الجانب الإنساني، وهي لا تنافي العصمة ولا تنافي الكمال. إنَّ الخوف لا يستقر في نفسه من موقع الخوف السلبي بمعنى الهلع أو الجبن أو ما شاكل، بل من موقع الغريزية البشرية" (3).
ـــــــــــــــ
(1) سورة هود الآية 70.
(2) سورة طه (صلى الله عليه وآله) الآية 67.
(3) الندوة 1ـ السيد محمد حسين فضل الله ـ ص 357 طبع دار الملاك الطبعة الخامسة 1418هـ ـ 1998م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 40/
وقد يقال في الجواب عن السؤال الثاني: "{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}(1)، واستعملوا كل فنون السحر التي يتقنونها من أجل الإيحاء بالرهبة التي تزلزل قلب موسى وروحه، وتهزم موقفه. وكانوا يملكون الفن العظيم الذي يسحر العيون ويخلب الألباب، حتى كاد موسى أنْ يتأثر بها كبشرى، طاف به خيال الإنسان الذي يتأثر بسرعة بما يحيط به، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} حين راوده الضعف البشري، خاصة وأنَّ موسى لم يطَّلع على التدبير الإلهي بكافة تفاصيله وجزئياته فتسرّب إلى نفسه الخوف، ولذا فإنه كان ينتظر نداء الله وتعليماته حتى يطمئن قلبه للفوز" (2).
إشارة قصيرة:
أقول: أولاً: إنَّ إثبات شيء لشيء، متوقِفٌ على وجود دليل تامٍّ ينهض بذلك. ومع عدم تماميَّته، فإنَّ ادِّعاء ذلك محضُ تخرُّصٍ ورجْمٍ بالغيب.
ـــــــــــــــ
(1) سورة طه(صلى الله عليه وآله) الآية 66.
(2) من وحي القرآن ج 15 ـ السيد محمد حسين فضل الله ـ ص 132؛ ط دار الملاك الطبعة الثانية 1419هـ ـ 1998م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 41/
ثانياً: إنَّ الدليل الذي يمكن أنْ يُدَّعى نهوضه بإثبات ذلك، لا بُدَّ قبل أنْ يُعمَد إلى التمسك به مِن ملاحظة خصوصية المورد الذي يُدَّعى شمول ذاك الدليل له.
ثالثاً: قد أشرنا من ذي قبل إلى أنه لا يصح تارة ولا يجوز تارة أخرى، أنْ يقتصر الباحث في أية آية قرآنية على النظر فيما تفيده تلك الآية، بل المتعيِّنُ أنْ تُلحَظ باقي الآيات المرتبطة مع الآية التي يبحث فيها هنا أو هناك، هذا من جهة. ومن جهة ثانية فلا يصحّ أن نغضَّ النظر عمَّا قام الدليل العقلي على ثبوته في هذا المورد أو ذاك.
تفصيل الكلام في بيان المراد من
الخوف الوارد في الآيتين:
إنَّ ادِّعاء وجودِ ضعفٍ بشري عند الأنبياء (عليهم السلام)، وأنه مؤثِّرٌ على سلوكهم وتفكيرهم، ولو في ما لا يضر بموقعهم وبعصمتهم، كلامٌ يتوقف الالتزام به على ما يُثبِته مِن دليل عقلي أو نصّ شرعي.
وفي المقابل لا نرى في الدليل العقلي ما ينفع لهذا، بل قد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 42/
يدلّ جداً على انتفائه، فيبقى أنْ نفحص في الأدلة الشرعية.
فنظرنا في القرآن الكريم، فوجدنا أنَّ فيه الكثير من الآيات التي تتحدث عن حالات خاصة يُقال عنها أنها أحوال بشرية، تلبَّس بها نبيٌّ هنا أو نبيٌّ هناك.
وفي هذا المجال، نقف بادئ ذي بدء حيارى أمام ما تدل عليه أو تشير إليه تلك الآيات، لجهة عدم إمكان الالتزام بثبوت ما تُخبِر عنه كما يفيدُهُ مدلولها الظاهري، لِمَا نرى في ما تدل عليه من مناقضة وتنافٍ واضح مع ما تدل عليه آياتٌ أخرى أصرح وأوضح دلالة، ولِمَا تحمله تلك الآيات من معانٍ تُستفاد منها لأول وهلة تتنافى مع الدليل العقلي في كثير من الموارد.
ولكنَّ المتأمل والبصير يكبح أولاً خيال الفكر أنْ يقوده إلى فهم تلك الآيات كما يفهمها غير المتأمل وغير البصير المتأني، ويحاول أنْ يتعمّق في فهم الفكرة بما يتناسب مع ما تدلّ عليه صريح الآيات الأخرى من ناحية، ومع ما ينسجم مع الدليل العقلي من ناحية ثانية.
ثم إنَّه في مقام فَهْمِ بعض ما ينسبه القرآن الكريم إلى بعض الأنبياء (عليهم السلام)، لا بُدَّ من ملاحظةِ وَصْفِهم الخاص، والأخذِ بعين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 43/
الاعتبار ما يُمثِّلونه في مستوى الفكر والعقل، وهذا يعني أنه لا يصحّ أن نقيس شأن الأولياء على شأن الشخص العادي.
الأنبياء (عليهم السلام) بشرٌ كاملون:
ونحن وإنْ كنّا لا نُنكر بأنَّ الأنبياء (عليهم السلام) بشرٌ، غير أننا نُنكِر أشدَّ الإنكار على مَنْ يلتزم بأنَّ بشريَّتهم كبشريِّة غيرهم في ما يخصُّ ما يصدر عنهم، أو يتأثرون به.
وتوضيح هذا: أنه لا شبهة بأنَّ للأنبياء (عليهم السلام) غرائزهم وحاجاتهم الخاصة، وأنَّ لهم أحاسيسهم ومشاعرهم وما إلى ذلك، غاية الأمر أنَّ جميعَ ذلك خاضعٌ ـ بفعل إرادتهم القوية وبتأثير إدراكاتهم الحقَّة ـ لموازين الحق، فلا إفراط فيه ولا تفريط.
فلهم عواطفهم، ولكنْ في الحق ومع الحق وبالحق، ولهم أحاسيسهم، ولكن ضمن دائرة رضا الله تعالى وطلب مرضاته، وهكذا.
موقف الأنبياء (عليه السلام) من التعاليم الإلهية:
ولم تكن التعاليمُ الإلهية التي جاء بها الأنبياء (عليهم السلام) عبارةً عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 44/
مواعظ وحكم لغيرهم فقط، بحيث يكونون بعيدين عن التخلُّقِ بكل فضيلة، وإنما أتوا بالتعاليم الإلهيَّة التي تجسَّدتْ قولاً وعملاً فيهم، فكانوا الأدلاّءَ على الحق قولاً، والعاملين بالحق فعلاً، ولذلك كانوا أُناساً ربانيين إلهيين، لا يوجدُ إلا الحقُّ في باطنهم، ولا يلحظُ اللاحظُ إلا الحقَّ في ظاهرهم.
وقد تحقَّق وتقرَّر أنهم (عليهم السلام) المنزَّهون عن كلِّ عيب، وأنهم الخالِصون لله في الله تعالى في كل حركة وسكون، فلا يعرفون باطلاً في فكر، أو ضلالاً في سلوك وعمل.
وقد تقرر وتحقق أيضاً، بأنَّ الإنسانَ بما أودعه الله تعالى فيه، قادرٌ على أنْ يجعل السيطرةَ في مملكة الذات للعقل المُدرِك للحق، بحيث لا مجال للباطل فيه ولا مطمع، فلا يكون في قلبه وفي أعماق ذاته وفي جميع تقلباته ظاهراً وباطناً إلا الحق.
الإنسان القدوة:
إنَّ الإنسانَ قادرٌ جداً على أنْ يجعل السيطرة في مملكة ذاته للعقل، بنحو تتجسَّدُ فيه جميع جنود العقل، ولا يكون فيه أيُّ جندٍ من جنود الجهل الباطل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 45/
ولعلّ من أبرز صفات الجهل ومن أهم جنوده وأعظمها عنده هو الجُبْن، فإنه الباعث على الركونِ إلى الباطل، وإلى عدم التصدي له، وبالتالي فلعلَّ الجُبْن من أردأ الصفات والملكات الرذيلة، وهو وحده يولِّد عنه الخوفَ من غير الحق في غير الحق.
وأما الخوف من الحق، أو الخوف في الحق، فهو من أعظم وأفضل الفضائل والملكات المحمودة.
والجُبن لا يمكن أنْ يكون عند العالِم العاقل، فإنَّ العالم بالحق لا يخاف من غير الحق، لأنه يُدرِك يقيناً بأنَّ غيرَ الحق لا قرارَ له ولا سلطان، بل ويدرك جيداً بأنَّ غيرَ الحق ـ وهو الباطل ـ ليس إلا محضَ توهُّمٍ لا حقيقة له.
فمَنْ يعلم بأنَّ السحر لا يُمثِّل حقيقة، فإنه لا محالة لنْ يحصل عنده أيّ نحو من أنحاء الخوف من غلبته أو سيطرته، فإنَّ اللاشيء لا غلبة له ولا قوة.
نعم يمكن أنْ يحصل الخوف من العالِم فيما إذا كان غافلاً عن حقيقة ما يعلم به، أو فيما إذا احتمل أنَّ مَنْ يملك السلطان الحقيقي وهو المولى تعالى سيمكر به، أو سيمكر بأتباع الحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 46/
العقلاء في موقع المواجهة:
ولكنَّ العقلاء في مقام المُحاججة والاحتجاج، لا بُدَّ وأنْ يكونوا الملتفتِين غايةَ الالتفات إلى ما يعلمونه مِن الحق. وإذا ما كانوا مبعوثين من صاحب السلطان الحقيقي تعالى شأنه لغرض هداية الناس إلى الحق، فإنه لا محالة لنْ يمرَّ في خاطرهم وسواس أو شيطان المكر.
وعليه وفي مثل تلك الحالات والظروف، فلا يمكن أنْ يكون لديهم أيّ خوف، إلا من الحق أو في الحق، فلا يكون منشأ الخوف عندهم إلا أمراً عُقلائياً من جهة، ولا يكون الخوف منهم إلا حقاً من جهة ثانية.
وإذا ما كانت بشريَّتُهم متوازنةً ضمن دائرة الحق، فلا يمكن أنْ يحصل منهم خوف منشؤه الغريزة البشرية، فإنَّ الغرائزَ البشريَّةَ عند العقلاء الكاملين، مقهورةٌ لسلطانِ الحقِّ الغالبِ في مملكة ذواتهم، والمالكِ لأزمَّةِ النفس الناطقة بالحق أبداً.
خوف العقلاء الكاملين:
نعم لا شبهة في تولُّدِ الخوف مِن العاقل على الجُهَّال خشيةًً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 47/
من أنْ تضلَّ بهم الأهواء، فيركنوا إلى الباطل.
وهذا الخوف ليس منشؤه الجهل والجُبن، بل مرجعه إلى العقل وإلى إدراك خطورةٍ في موقف هنا، وفي وَضْعٍ خاص هناك.
بل عدم حصول الخوف في مثل تلك الأوضاع والظروف لا يمكن التصديقُ به، إلا فيما يكون العاقلُ لا رحمةَ في قلبه، ولا حبَّ للهداية في عقله.
وأنت تعلم جيداً بأنَّ من صفات القادة من الناس، بل من أبرز صفاتهم هو الشجاعة، فلا يعرفون خوفاً أو هلعاً وما شاكل.
ماذا عن التأثر الطبيعي:
لعلك تقول: ولكنَّ حالة التأثُّرِ الطبيعي لا تنافي كون الإنسان قدوةً، فيما إذا كان التأثرُ راجعاً إلى كون المتأثِّر إنساناً.
فنجيب: إنَّ التأثُّر بأمر من الأمور الباطلة التي يُواجِهها الإنسان، لا يمكن أن يحصل إلا مع غفلته، أو بسبب جهله وضعف مداركه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 48/
وبعبارة أخرى: إنَّ الذي يعلم ويدرك جيداً بأنه مالك للدليل الحق على صدق مدَّعاه، لا يمكن أنْ يتأثر بما يُبرِزه خصمُهُ مهما بالغ الخصم في التصوير والتزوير والخداع.
ومَنْ يدرك جيداً بأنَّ خصمه ضعيفٌ كل الضعف، فإنه مهما بالغ في الاستكبار والعتو، فقطعاً لن يتأثر البتة.
ومَنْ يعلم بأنَّ الله تعالى ناصرُه، كيف يخشى غير الله تعالى، وكيف يخاف مِنْ سواه سبحانه؟!
هذا مع غضِّ النظر عن أنَّ الكلام عن الأنبياء والأولياء الخلَّص، وأما إذا أخذنا بعين الاعتبار بأنَّ الذي يُواجِه الباطل هو نبيٌّ من الأنبياء، فلا محالة لا نتصور فيه أيّ نحو من أنحاء الخوف.
إذ ممَّا يخافُ مَنْ يعتصم بالله تعالى، أيخافُ من خَلْقِ الله الضعاف؟!
والنبي في مقام الاحتجاج على أهل الباطل لا نتصور فيه قصوراً في أية جهة من الجهات، اللهم إلا إذا قلنا بأنه نبيٌّ غافل عن ربِّه، جاهلٌ بأنه مالكٌ للحق، ولا وجود لنبي كذلك.
وأما حديث الضعف البشري، فيمكن تصديقُهُ في حقِّ مَنْ لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 49/
يُهذِّب نفسه على وِفْقِ التعاليم الإلهية، ويمكن تصديقه في حقِّ ضعاف الإرادة وأصحاب النفوس المضطربة فحسب.
التاريخ يشهد:
وخلاصة الكلام: إننا نعرف ـ وفي التاريخ آلاف الشواهد ـ مَنْ لا يعرفون الخوف في أشد المواقف هولاً، ولا يعرفون الخوف وهم يواجهون مَنْ لا يملكون في قِبالهم من القوة الظاهرية ومن البطش الشديد شيئاً.
نعم مَنْ لا يملكون إلا الإيمان بالله تعالى، قد وقفوا يواجهون مَنْ يملكون كلَّ المقدَّرات. ومع ذلك فما زادهم ضعفُ قوتهم الظاهرية، وقلةُ الأنصار وكثرةُ الأعداء، إلا ثباتاً وعزماً.
وإنَّ التاريخ الصحيح تعرَّفَ على ما لا يحصى من النماذج الحية، تعرَّفَ على مَنْ لم تضعف عزيمتُهُ أمام الجبابرة، تعرَّف على مَنْ لا يعرف الخوف إلا من الحق وفي الحق تعالى، فكيف يظنُّ ظانٌّ بأنَّ في أوليائه سبحانه خوفاً يرجع إلى الغريزة التي لا تُناسِب إلا البهائم؟!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 50/
أَوَ ليس المولى سبحانه قد مدح المؤمنين هنا في ثباتهم، وذكر المؤمنين هناك مُبجِّلاً شاكراً شجاعتهم، وأنهم ما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا؟
أَمَا قال سبحانه مادحاً بعض المؤمنين ممّن هم دون الأنبياء (عليهم السلام): {الذين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(1)، فكيف لم يكن من أولئك الخوف، وكان من أنبيائه سبحانه الخوف والرهبة؟!
أين يكمن فضل الأنبياء (عليهم السلام):
وأيُّ فضلٍ للأنبياء إذا ما بقيت بشريَّتُهم وغرائزُهم محكومةً للأوهام والأباطيل؟!
وأيُّ فضلٍ للمخلصين من عباد الله تعالى، إذا لم يكن منهم قمْعُ جماحِ النفس المضطربة كلَّ مقمع؟!
وإذا لم تنعكس التعاليمُ الإلهيَّة ولم تتجسَّد المعارفُ الربانيَّة في سلوكِ وفكرِ وشعورِ الأولياء الكاملين، ففي مَنْ تتجسَّدُ
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران الآية 173.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 51/
إذن؟! وما هي الحاجة إليهم، وما هو الغرض مِن بعثهم؟!
ولنرجع إلى الآيتين اللتين نبحث فيهما، فنقول:
أما الآية التي تتحدث عن خوف إبراهيم (عليه السلام)، فإنَّ الإدِّعاءَ بأنَّ الخوف كان مِن موقع الغريزة البشرية، إدِّعاءٌ لا يمكن التصديق به إلا بعد إثبات أنه لا منشأ للخوف إلا ذلك.
وإذا كان من المعلوم بأنَّ للخوف مناشئ كثيرة ـ مضافاً إلى ما قررناه قبل قليل، بأنَّ ما يكون ناشئاً عن الضعف البشري هو من الخوف المذموم ـ فإنَّ الإدِّعاء المذكور يكون من الأمر الباطل المُفترى على شيخ الأنبياء (عليهم السلام).
ليس كلُّ خوف مذموماً:
ولو قال قائل: بأنَّ الخوف الناشئ عن الغريزة البشرية ليس أمراً مذموماً.
فنجيب: إلا أنَّ ذلك لا يعني إمكان التمسك بهذا كدليل على أنَّ خوف إبراهيم (عليه السلام) ناشئٌ من موقع الغريزة.
بل لو سلَّمنا فرضاً أنْ الخوف الحاصل من إبراهيم (عليه السلام) كان ناشئاً من موقع الغريزة، فإنه يمكن أنْ يكون أيضاً ممَّا يأمر به
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 52/
الشرع تارة، وممَّا يُرجِّحه العقل تارة أخرى، وعليه فحَصْرُ كون مرجعه إلى الغريزة أمرٌ غيرُ مقبول، وغيرُ مبرَّر بأيّ وجه.
ونحن نعرف بأنَّ الخوف قد يكون ممَّا يأمر به الله تعالى فيما يتطلب الموقع شيئاً من الحذر، وقد يكون الخوف من أهم العبادات كالخوف الحق من الحق تعالى أو كالخوف من مَكره سبحانه، وقد يكون الخوف من أعظم الفضائل، كالخوف على الخلق من الضلال أو العذاب.
القرآن شاهدُ صدقٍ:
ويكفي لنا دليلاً ـ على أنْ ننفي بنحو قاطع أنَّ الخوف من إبراهيم (عليه السلام) لم يكن من موقع الغريزة البشرية ـ ما في القرآن الكريم من الحديث عن مواقف إبراهيم (عليه السلام)، والتي واجه فيها الظالمين في أصعب الظروف والحالات، ومع ذلك لم يتحدث القرآن عن خوفه(عليه السلام).
فقد حكى القرآن الكريم عن مجاهرة إبراهيم (عليه السلام) قومه بالحق، وقد توعَّدوه بالحرق والقتل {قَالُوا حَرِّقُوهُ}(1)، فما
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء الآية 68.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 53/
خاف وما استكان.
وأيضاً قد حكى القرآن الكريم وهو الأمين في النقل عن محاججة إبراهيم لعمِّه آزر، وقد توعَّده بالرجم والتعذيب، فما كان من إبراهيم (عليه السلام) خوفٌ، وإنما وعده بأنْ يستغفر له ربَّه، {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}(1).
وقد ذكر القرآن الكريم في سورة الصافات موقفاً لإبراهيم الخليل ولإبنه إسماعيل (عليهما السلام)، فلم تتحرك غريزة أحدهما خوفاً أو عاطفة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأنَّ الأمر بالذبح كان للولد الوحيد بعد طول انتظار، فإنَّ عدمَ تحرك الغريزة البشريِّة من الأبِّ الذابح بيده ومِن الإبن المذبوح بيد والده، دليلٌ قاطع على أنه ليس للغريزة عندهما في غير الحق من وجود أو تأثير.
قال سبحانه {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى
ـــــــــــــــ
(1) سورة إبراهيم الآية 46 ـ 47.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 54/
قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(1).
أَوَ ليس الأحرى بالغريزة البشرية أنْ تتحرك في موقف كهذا؟
فإذا لم تكن متحرِّكةً في مثل تلك المواقف، فكيف تتحرك في المواقع الأقل خطورة، بل في المواقع التي لا تتحرك فيه الغريزة من كثير من الناس قطعاً؟!
إذن، ليس للغريزة التأثير المطلق بعيداً عن الحق. وإذا ما كان كذلك، فإنَّ هذه الآيات تُمثِّل دليلاً قطعياً على أنَّ الغريزة البشريَّة المزعومة ليس لها شأنُ وحظُّ التأثير على النفوس المطمئنة بالحقِّ تعالى.
وإذا ما عطفنا النظر إلى ما ورد في سورة الأنعام، وقد جنَّ الليل على إبراهيم (عليه السلام) وحاجَّه قومُهُ، إلى أنْ أعطى (عليه السلام) الحُجَّةَ الساطعة على أنَّ مثله لا يخاف إلا الحقَّ سبحانه وفي الحقِّ، {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَ أَنْ يَشَاء رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ
ـــــــــــــــ
(1) سورة الصافات الآية 101 ـ 102 ـ 103.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 55/
عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(1).
فإنَّ هذه الآيات دليلٌ آخر على ما ذكرناه، وكلُّ متأمِّل فيها يخلص بنتيجة حاصلها: أنَّ خليلَ الله تعالى شيخَ الأنبياء (عليهم السلام)، ما كان في أعماق ذاته إلا التأثُّرُ بالحق، وما كان إلا الإنسانَ الكاملَ الذي صفا ظاهراً وباطناً، وحديثُ الغرائز المزعوم يناسب ضعافَ الإيمان والعقول ليس إلا.
دخول الملائكة على خليل الله (عليه السلام):
نعم قد دخل على إبراهيم (عليه السلام) ملائكة الرحمن (عليهم السلام)، دخلوا عليه بالسلام، ولإعلامه بما قد أُمروا به من إنزال العذاب بقوم لوط.
ولكنه (عليه السلام) لمَّا أنْ دخلوا عليه ولم يأكلوا الطعام أوجس منهم خيفةً، لا من موقع الغريزة البشرية، وإنما وبعد أنْ عرفهم ملائكة ربِّه، عرف بأنهم جاؤوا لأمر ما، فهم إما قاصدين قبْض
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام الآية 80 ـ 81.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 56/
روحه، ومن الطبيعي جداً أنْ يُوجِس مثلُ خليل الله تعالى خيفةً، حيث إنه سيُقدِم على جبار السماوات والأرضين، ومَنْ ذاك الذي يعرف الله تعالى ولا يهابه، ومَنْ ذا الذي لا يهاب الحضور والقيام بين يديه تعالى؟!
أَوَ ليس كلما ازداد الإنسانُ إيماناً بالمولى سبحانه وكلما ازداد معرفةً به، ازداد خوفاً وخشيةً ورهبة منه تعالى؟
ولكنَّ الملائكة عندما أخبروا إبراهيم (عليه السلام ) بمهمتهم حيث {قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}(1)، ذهب عنه الروع، فعمد إلى الطلب من ربِّه أنْ لا يُعذِّب قوم لوط {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}(2).
والآيات المباركة هذه تدل بوضوح على أنَّ خليلَ الله تعالى إنما أوجس منهم خيفةً بعد أنْ عرف بأنَّ أضيافه من الملائكة، وهو يعلم جيداً بأنَّ الملائكة ليسوا إلا رُسُلَ الله تعالى، ويعلم أيضاً بأنه هو صفي الله تعالى وخليله، وأنه ليس عند ربِّه تعالى
ـــــــــــــــ
(1) سورة هود الآية 70.
(2) سورة هود الآية 74 ـ 75.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 57/
إلا الخير له، فهل يُعقِل أن يخاف ـ مِن موقع الغريزة البشرية ـ مَنْ يتيقَّن بأنَّ أضيافه هم مِن عباد الله تعالى؟!!
الدفاع عن سيدنا إبراهيم (عليه السلام):
ولو أنَّ الخوفَ الذي حصل لإبراهيم ( عليه السلام ) كان مِن موقع الغريزة البشرية ـ والعياذ بالله تعالى ـ، لاستحقّ(عليه السلام) أن يُذَمُّ على ذلك.
ذلك أنَّ العالِم بأنَّ الحقَّ تعالى ليس عنده إلا الحقُّ الخالص، لا يمكن أنْ تُؤثِّر فيه الغريزة الموهومة، لأنَّ علمه اليقيني ـ من ذي قبل، بالله تعالى وبما يمكن أنْ تأتي به رسل ربه، وليس ما يمكن أن يأتوا به إلا الحق ـ مانعٌ عن أنْ يحصل في نفسه التأثرُ غرائزياً. هذا مع أننا نُنكِر غاية الإنكار أنَّ للغريزة تأثيراً في مثل نفوس الكاملين مِن الأنبياء والأولياء (عليهم السلام).
وبعبارة أخرى: لنفترض أنَّ إنساناً ما تُؤثِّرُ فيه الغريزة البشرية، لكنما إنما تُؤثِّر فيه من خلال الأمور التي يجهل بها أو يغفل عنها. ولذلك لا نجد أحداً يتأثر تأثراً غرائزيا ًبشيء ما، وهو يعرف أنه خالٍ عن كل شرّ أو أذى.
فهل أنَّ خليل الله تعالى كان ناسياً عن أنَّ الملائكة لا يمكن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 58/
أنْ تقصده بأذىً أو بشرٍّ، أو أنه كان غافلاً؟!!
أو أنه بِفِعْل الصدمة الشديدة، غفل عن أنْ يلتفت إلى ما يعلم به يقيناً، مِن أنَّ الملائكة ليسوا إلا رسلَ ربِّه الذين اصطفاهم سبحانه وقرَّبهم؟!
فلم يبقَ إلا أنه خاف من الحقِّ تعالى في الحق، وحقيقٌ مِنْ مثله حينئذ أنْ يُوجِس خيفةً، فإنه العالم بحقٍّ بالمولى تعالى شأنه.
دعوة إلى التأمل:
وأخيراً، فيكفي لك أنْ تتأمل في الآيات القرآنية التي تحكي قول الملائكة المبشِّرين لإبراهيم (عليه السلام) ولامرأته بإسحاق (عليه السلام)، فإن الآيات الشريفة تفيد جداً وتدل أكيداً على أنَّ الملائكة كانوا في مقام تأكيد نفي ما احتمله إبراهيم (عليه السلام)، من أنهم جاؤوا إليه لقبض روحه، فتأمل في الآيات الكريمة الواردة في سورة هود، قال تعالى {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ءأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 59/
لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}(1).
وأما فيما يتعلق بخوف موسى (عليه السلام)، فالأمر في كونه مِن الخوف الممدوح والراجح واضح جداً.
ذلك أنَّ الأنبياء (عليهم السلام) لا يعرفون إلا الخوفَ منه تعالى، لأنه ليس للباطل هيمنةٌ أو غلبةٌ في الواقع، وإنما يتوهم الظالمون والجاهلون ذلك، فيدعوهم الوهمُ إلى الخوف والحذر منه.
والإنسان الكامل يعرف الأشياء على واقعها وبحقيقتها، ولهذا فمن غير المعقول أنْ يخاف العالِمُ بِضَعْفِ زيد من زيد، وبما أنَّ الباطلَ (يُمثِّل وهو عبارة عن) لا شيء، فكيف يكون اللاشيءُ سبباً لحدوث خوفٍ في نفوس الكاملين مِن الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)؟
تأثير الغريزة وتأثّرها:
والغريزةُ ليس لها أنْ تتأثّر بما لا حقيقة له ولا وجود، وإنما
ـــــــــــــــ
(1) سورة هود الآية 70 إلى 74.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 60/
تتأثّر بما تشعر به وتحسُّه، والأنبياء (عليهم السلام) لا يشعرون إلا بالله تعالى، ولا يلحظون إلا عظمته تعالى، بل لا يرون إلا الحقَّ سبحانه، ومن هنا فأبداً لا تحصلُ منهم الغفلةُ عن لَحْظِ عظمته، ولا تسكنُ نفوسهم إلا لذكره وبذكره سبحانه.
ومَنْ لا تحسُّ نفسه بشيء، كيف يُعقَل أنْ تتأثر غريزتُهُ به وتحنو إليه؟!
ولا زال العقلاء يمدحون الكثيرين من الأشخاص الذين لم تُرهِبهم شدة بطش أعدائهم، معتبرين تولُّد الخوف عند بعضهم من بعض الظالمين من الأمور القبيحة المذمومة.
ومن الاستحالة بمكان أنْ تتحرك الغريزة من إنسان نحو شيء لا يلحظه ولا يحسُّ به، ومن الاستحالة أنْ تتأثر بشيء حال الغفلة عنه، ومن المستحيل أنْ يتولَّد عنها خوف من شيء، فيما إذا كان يُدرِك العقل بحقٍّ أنَّ ذلك الشيء في غاية الضعف والوهن.
نعم، مع التوجُّه إلى ما مِنْ شانه أنْ يكون مُخوِّفاً، يحصل للإنسان الضعيف تأثرٌ وخوفٌ، ولكن أنْ يحصل خوفٌ مِن الإنسان الكامل المعتصم بالحقِّ سبحانه ذي القدرة التامة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 61/
المطلقة، فإنَّ هذا من الاستحالة بمكان.
ووجه الاستحالة: أنَّ ما مِنْ شأنه أنْ يكون مُخوِّفاً، لا يحصل الخوفُ منه فعلاً، إلا مع توفر أسباب وشروط.
ومن الشروط: أنْ يكون الإنسان مدرِكاً لضعفه أمام مواجهته لذاك المَخوف، أو أنْ يجهل من نفسه أنه أقوى منه أو أضعف. وإلا فمع إدراك الإنسان وبنحو اليقين، بأنَّ ذاك الشيء هو أضعف منه ذاتاً، أو أضعف منه لجهة ارتباط الإنسان بمسبِّب الأسباب تعالى، فإنَّ أية قدرة في الوجود، لا يُمكن أنْ تُرهِب مَنْ يعلم بأنَّ القادر المطلق سبحانه هو مَنْ يتكفَّل برعايته وحفظه.
وهذا أمر لا يجهل به أحدٌ من أبناء البشر على الإطلاق، وكلٌّ منا يلحظه ويلاحظه في عشرات التقلُّبات والأوضاع التي تمرُّ عليه هنا وهناك.
ومَنْ يعتصمُ بالله تعالى، كيف يخشى الضعيف، أو كيف يخاف من الضعيف؟!
ثم إننا رأينا ـ وكل التاريخ شاهد ـ أنَّ سفراء الملوك الأشداء، ونواب الزعماء العظماء، ورسل الدول المهابة، رأيناهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 62/
في غاية الصلابة والقوة في مواجهتهم لخصومهم الضعفاء، بل إنَّ الخصم الضعيف مهما توعَّد، فلا نرى من أولئك الواقفين على حدود ضعفهم أدنى خوفٍ.
موسى (عليه السلام) سفير الله تعالى:
وجئنا إلى نبي الله موسى (عليه السلام) وقد بعثه الله تعالى لإقامة الحُجَّة على قومه، بعثه سبحانه لدحض زعمهم الباطل، ولتبيين فساد معتقدهم الفاسد.
فهل أنَّ موسى (عليه السلام) كان يجهل، بأنَّ الله تعالى بعثه بالحق لدحض الباطل؟!
وهل أنَّ موسى (عليه السلام) كان يجهل، بأنَّ ما عند فرعون وزبانيته ليس إلا الباطلَ السراب؟!
وهل أنَّ موسى (عليه السلام) لم يكن ملتفِتاً إلى أنَّ المولى سبحانه اختاره لمهمة هداية الخلق إلى الحق، وأنه تعالى يستحيل أنْ ينقُضَ غرضه، وأنه من القبيح أنْ لا يُزوِّده بما يُبطِل سحر فرعون ومَلَئه؟!
فإذا كان موسى (عليه السلام) يعلم جيداً، بأنَّ ما عند فرعون ليس إلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 63/
السحر الباطل الذي أوهم به قومه واستعبدهم، وأنه تعالى بعثه بالحق وهو تعالى الحقُّ القادر المطلق، فكيف يُمكن أنْ يتأثَّر موسى (عليه السلام)؟!
أَوَ هل كان موسى (عليه السلام) يظنُّ بالله تعالى أنه بعثه لاهياً لاعباً؟!
وهل كان عند الله تعالى حساسيَّةٌ معيَّنةٌ مِنْ موسى (عليه السلام)، لذا أراد سبحانه أنْ ينتقم وأنْ يأخذ ثأراً مِن موسى، فبعثه بما لا يملك سلطاناً به لقهر ولغلبة فرعون وجنده؟!
وهل أنَّ موسى (عليه السلام) كان قد ارتكب ذنباً وعصى ربَّه فيما مضى، فلمَّا أنْ ألقى السحرةُ حبالَهم، خاف مِنْ أنْ يمكر به الربُّ العزيز، فيجعل الغلبةَ لفرعون وجنده، ليكونَ ذلك عقوبةً لموسى (عليه السلام)؟!
وهل عندما أمر الله تعالى موسى وأخاه هارون (عليهما السلام) مخاطباً إياهما {قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}(1)، كان هازلاً معهما، فلما أنْ ذهبا إلى فرعون، احتمل موسى أنْ يكون المولى تعالى قد تركهما وأنه ليس معهما، فكان مِنْ موسى أنْ خاف، وأرهبه السحر الباطل؟!
ـــــــــــــــ
(1) سورة طه (صلى الله عليه وآله) الآية 46.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 64/
وهل تعرف عاقلاً متَّزِناً يخاف مِن سحر باطل، وهو يُدرِكُ أنه محضُ نسج المخيَّلة الواهمة؟!
الرجوع إلى القرآن الكريم:
ولكننا رجعنا إلى القرآن، فوجدنا فرعون يقول لموسى (عليه السلام) {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَاناً سُوًى}، ووجدنا موسى (عليه السلام) ردَّ عليه وأجابه لِمَا تحدَّاه به ودعاه إليه، ومن دون أدنى تردد أو خوف {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}(1)، فهل أنَّ موسى (عليه السلام) كان واثقاً ممَّا يُقدِم عليه، ثم لمَّا أنْ جاء الموعد غاب عنه ما كان واثقاً به مِن قبل؟!!
ثم إنَّ موسى (عليه السلام) كان في مقام إبطال باطل فرعون، فكيف يدخله الخوف من شيء، وهو يعلمُ بأنه سيُبطِلُهُ بإذن الله تعالى؟!
ورجعنا إلى القرآن، فوجدنا أنَّ السحرة والذين تربُّوا في عمرهم على الباطل، وبعد أنْ آمنوا بالحق الذي جاء به موسى (عليه السلام)،
ـــــــــــــــ
(1) سورة طه (صلى الله عليه وآله) الآية 58 ـ 59.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 65/
وجدناهم لم يخافوا ممَّا توعَّدهم به فرعون من العذاب، {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى}، بل واجهوه بكل صلابة ورباطة جأش، {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}(1)، ولم يخافوا وما مضى على إيمانهم بالحق إلا لحظات، فكيف يكون موسى (عليه السلام) وهو الصادعُ بالحق والداعي إليه وهو الأساس والقائد، ممَّنْ يخاف؟!
أيها القارئ الكريم: لا أراك تجهل بأنَّ كثيراً من الأشخاص القياديين الذين تحدَّوا خصومهم، ما دخل قلوبَهم خوفٌ في مقام محاججتهم لهم ومخاصمتهم إياهم، بعد أنْ كانوا يعتقدون بأنفسهم، أنهم مالكون للدليل القاطع على صحة مدّعاهم، فكيف بالأنبياء عموماً، وبأولي العزم منهم خصوصاً؟!
وهل بلغ الجهلُ أو الغفلةُ أو السهو ـ والعياذ بالله تعالى ـ
ـــــــــــــــ
(1) سورة طه (صلى الله عليه وآله) الآية 71 ـ 72.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 66/
بنبي الله تعالى موسى (عليه السلام) مبلَغاً، حمله على أنْ يشكَّ في باطلِ سحر فرعون وحزبه، وفساد طريقتهم؟!
وهل بلغ به الجهلُ مبلَغاً يحتمل معه بربِّه الحكيم اللطيف، أنْ لا يكون لطيفاً حكيماً، فيبعث به لغرض إحقاق الحق، ويكون عنده في ما بعثه به قُصوراً وضعفاً؟!
أ]ّ ربٍّ كان ربُّ موسى (عليه السلام)؟! وأيُّ مُنذِرٍ بالحق ومُبشِّرٍ به وداعٍ إليه كان موسى؟ حتى يكونَ منه الخوفُ والاضطراب في الموقع الذي يجب أنْ يكون فيه في غاية الوثوق والطمأنينة، وفي الموقع الذي يتعيَّن أنْ يتوفَّر فيه الشجاعة والثقة بالله تعالى واليقين بالحق الآتي به كعنصر بارز، بل أنْ يكون هو العنصر البارز في ذاك الموضع؟!!
وواللهِ إنَّ تأملك قليلاً في ما ألمحنا إليه ودللنا عليه، وإنَّ التفاتك إلى ما يُمثِّلُه موسى كليم الله تعالى (عليه السلام)، وإن تنبُّهك إلى ما كان موسى (عليه السلام) بصدد إثباته وإحقاقه، إنَّ ذلك كله يقودك إلى اليقين بفساد ما ذكره صاحب الندوة، في ما فسَّر به حقيقة ومنشأ الخوف الذي كان من موسى (عليه السلام).
مما خاف موسى (عليه السلام)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 67/
نعم، أنت تعرف أنَّ ما يخشاه الأولياء وأصحاب الحق هو أنْ تشتبه الأمور على عوام الناس وضعافهم.. إنَّ ما يخشاه أهل الحق أنْ يُضلَّل بسواد الناس.
وفعلاً؛ فكما قال مولى المتقين أمير المؤمنين (صلوات الله ربي وسلامه عليه): "لم يُوجِس موسى خيفةً على نفسه، أشفق من غلبة الجُهَّال، ودول الضَّلال"(1).
نعم؛ خاف موسى (عليه السلام) على الناس من الضلال، لا أنه خاف هو نفسه أوعلى نفسه.
ويحسن بنا أخيراً أنْ نرجع إلى كلام "صاحب من وحي القرآن" حيث قال: "حتى كاد موسى أنْ يتأثر بها كبشري، طاف به خيال الإنسان الذي يتأثر بسرعة بما يحيط به، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} حين راوده الضعف البشري، خاصة وأنَّ موسى لم يطَّلع على التدبير الإلهي بكافة تفاصيله وجزئياته فتسرّب إلى نفسه الخوف، ولذا فإنه كان ينتظر نداء الله وتعليماته حتى يطمئن قلبه للفوز" (2).
ـــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة الخطبة الرابعة من القسم الأول.
(2) من وحي القرآن ج15 ـ السيد محمد حسين فضل لله ـ ص 132؛ طبع دار الملاك الطبعة الثانية 1419هـ ـ 1998م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 68/
أقول: قد تبيَّن لك أكيداً:
أولاً: أنَّ هذا الجواب لا يُناسب مقام الأنبياء (عليهم السلام)، بل لا يناسب مقام الكثيرين من الناس الرساليين العاديين.
ثانياً: أنَّ هذا الجواب يُعدُّ من الإفتراء الصريح على أولياء الله تعالى.
ثالثاً: يحقُّ لنا أنْ نسأل "صاحب من وحي القرآن"، فنقول له: كيف علمتَ بأنه طاف بموسى (عليه السلام) خيال الإنسان الذي يتأثر بسرعة بما يُحيط به؟!
وكيف يكون موسى وهو صفيُّ الله تعالى، ممَّنْ يتأثر بسرعة بما يُحيط به؟!
ومَنْ ذا الذي أوحى لك يا "صاحب الندوة" بأنَّ موسى لم يطَّلع على التدبير الإلهي بكافة تفاصيله وجزئياته؟!
ومَنْ ذاك الذي أطلعك على أنَّ موسى (عليه السلام) كان ينتظر نداء الله وتعليماته، حتى يطمئن قلبه للفوز؟!!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 69/
اقتراب آدم (عليه السلام) من الشجرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 70/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 71/
قد يسأل سائل: ما معنى قوله تعالى {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}(1)، إذ أنه بعد ثبوت عصمة آدم (عليه السلام)، فكيف يتحدث القرآن عن صدور معصية منه؟
وقد يقال في الجواب: "إنَّ آدم إنسان بريء وطيّب ولا تجربة له، والله يعرف أنَّ إبليس سيعيش مع آدم وهكذا ذريته الذين لهم غرائزهم، فحسب استنتاجي، فإنَّ الله أراد أنْ يُدخِل آدم في دورة تدريبية، حتى يُعرِّفه أنَّ هناك مَنْ يغشُّ، وأنَّ هناك مَنْ يحلـف بالله كاذباً، وهي دورة ثقافية" (2).
وقد يقال في الجواب أيضاً: "ويعود القرآن إلى حديث الإنسان الأول آدم في كل مورد للإيحاء بالضعف الإنساني الذي قد يسقط أمام تجربة الإغراء، حتى يُخيَّل إليه أنه يُمثِّل الفرصة السانحة السريعة، التي إذا لم يستفد منها وينتهزها، فإنه يتعرض للحرمان الأبدي، ولذلك فإنه يبادر إلى انتهازها مدفوعاً بهذا
ـــــــــــــــ
(1) سورة طه(صلى الله عليه وآله) الآية 121.
(2) الندوة ج 4 ـ السيد محمد حسين فضل الله ـ ص 422 ط دار الملاك الطبعة الثانية 1421هـ ـ 2000م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 72/
التصور الوهمي، ثم يكتشف بعد الوقوع في المشكلة بأنَّ المسألة ليست بهذه السرعـة، وأنَّ النتائـج الإيجابية الموعودة ليست بهذا الحجم، فقد كان بإمكانه أنْ يصبر قليلاً ويحصل على نتائج جيدة أفضل… {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ} وأوصيناه وحذَّرناه مما قد يواجهه من تجربة الإنحراف بتسويل إبليس الذي يحمل له أكثر من عقدة… ولكن آدم لم يتعمَّق في وعي الموضوع، ولم يأخذ مأخذ الجِديَّة والاهتمام، وبقي مستمراً على خط العفوية والبساطة الصافية في مواجهته للأشياء، {فَنَسِيَ} ما ذكرناه به، فترك الإمتثال للنصيحة الإلهيَّة التي لم تكن أمراً تشريعياً يستتبع عقاباً جزائياً، بل كان أمراً إرشادياً يتحرك من المنطق الطبيعي للأمور فيما ترتبط النتائج بمقدماتها، {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} بما يعنيه العزم من التصميم على التنفيذ، وتحريك الإرادة في حسم الموقف بقوة، لأنه كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان، والتجربة الضيقة أمام الآفاق الحية للمستقبل القريب أو البعيد... وهذا ما يجب أنْ يتنبَّه إليه الإنسان في مواقفه العمليَّة، فيما قد يوسوس إليه الشيطان من التأكيد على حركة الحلم الوردي في مشاعره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 73/
بطريقة غير واقعية، مستغِلاً حالة الاسترخاء الروحي، والغفلة الفكرية التي يخضع لها في وجدانه، مما يجعله مشدوداً إلى الجانب الخيالي من أفكاره، من دون مناقشة لها في قليل أو كثير، فينحرف من موقع الغفلة لا من موقع الوعي، ومن أجواء الحلم لا من أجواء الواقع، كما حدث تماما لآدم وحواء... ولعل الله سبحانه أراد أنْ يجعل له من تجربة العصيان في الجنة فترةً تدريبية، يُمارس فيها حركة الوعي للجو الشيطاني..." (1).
وقفة وإلماحة:
أقول: لا بُدَّ قبل الشروع في أصل البحث، من إبداء بعض الملاحظات:
أولاً: إنَّ المجيب قد أعطى صورةً عن نبي الله آدم (عليه السلام)، تتنافى مع موقعه كنبيٍّ ورسولٍ وصفيٍّ.
ثانياً: قد نسب إليه ما يُجَلُّ عنه الكثيرون من الأشخاص المؤمنين الرساليين، فكيف بالأنبياء وهم الصفوة من الخلق؟!
ـــــــــــــــ
(1) من وحي القرآن ج 15 ـ السيد محمد حسين فضل الله ـ ص 162 إلى 168؛ طبع دار الملاك الطبعة الثانية 1419هـ ـ 1998م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 74/
ثالثاً: فإنه حكى ما جرى وما حصل وما صدر من نبي الله آدم (عليه السلام) في تلك الواقعة لا بوصفه أحد الشهود فحسب، بل من موقع الواقف والمُطَّلِع على مكنونات السرائر أيضاً.
رابعاً: فإننا رأيناه يتكلم عن الحكمة الباعثة للمولى سبحانه للحديث عن آدم (عليه السلام) وما كان منه.
والمطالعُ لِمَا نقلناه من كلامِه يخلص بنتيجة حاصلها: أنَّ نبي الله آدم (عليه السلام):
هو: الإنسانُ الساقطُ أمام تجربة الإغراء.
هو: الإنسانُ الذي كان قد دفعه الوهم.
هو: الإنسان الذي لم يعرف الصبر، ولم يهتم للنصيحة الإلهيَّة، ولم يأخذها بجدِّية.
وإذا ما كانت الحكمةُ الإلهيَّة من وراء الحديث عن نبي الله آدم (عليه السلام) بالطريقة التي صوَّرها لنا صاحبُ الندوة، وأنها للإيحاء بضعف الإنسان الأول آدم، فللعصاة من الناس، ولِضعاف الإرادة، ولِمَنْ لا يأخذون الأوامر الإلهيَّة والنصائح المولويَّة بجِدِّية، نقول: لكم بآدم أُسوة حسنة.
اللهم إلا أنْ يكون مقصود المجيب من مثل قوله "ويعود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 75/
القرآن إلى الحديث..." أنَّ مراد المولى سبحانه، هو تحذير الناس عن أنْ يسلِكوا مسلك أبيهم آدم (عليه السلام)، فلا يبادروا إلى انتهاز ما يتوهَّمون أنه فرصة سانحة، فَلْيَدعوا الوهم، وَلْيَصبروا، وَلْيَتعمَّقوا في وعي الموضوع، وهذا أدهى وأمرُّ.
آيات القرآن الكريم ليست على وزان واحد:
ولنشرع بإذنه سبحانه في مناقشة أصل الفكرة فنقول: إنَّ في القرآن الكريم آياتٍ كثيرةً مفادها ـ حسب معناها الظاهر ـ يتنافى تارة مع نصٍّ قرآني آخر، أو مع حكمٍ عقليٍّ قطعي تارة أخرى.
وفي هذا المجال إمَّا أنْ يُلتَزم:
أ: بوقوع التهافت والتناقض في كلام المولى سبحانه، فيما يكون هناك نحواً من التنافي بين الآيات القرآنية بحسب النظرة البدوية السريعة والخالية من التأمل.
ب: أو يُلتزَم برفع اليد عن الحكم العقلي البديهي القطعي، والذي وردت الآيةُ مخالفةً بمعناها الظاهر له، وأنَّه تعالى يتكلم ويلتزم بِمَا يُبطِلُهُ العقلُ.
ج: أو يُلتزم برفع اليد عن الظاهرِ القرآني المخالِفِ، وأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 76/
يتعيَّنُ تأويلُهُ بصرفه إلى ما يتوافق مع النص القرآني الآخر، أو مع الحكم العقلي القطعي.
ولا شبهة بأنَّ المتعيِّنَ هو الوجهُ الأخير، ومواردُهُ في الكتاب الكريم كثيرةٌ، كقوله تعالى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(1) بالنسبة إلى النصوص الصريحة بعدم وقوع الرؤية، فضلاً عن الأدلة العقليَّة البديهيَّة القطعيَّة.
وهكذا الحال في ما ورد من مجيء الله سبحانه يوم القيامة {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(2)، ومن استوائه سبحانه على العرش {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(3) ، مع أنه سبحانه ليس بجسم، ولا يُوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال، فلا بُدَّ من تأويلِ مثل هذا، وإرادةِ معنى مجيء أمر الله من الآية الأولى، وإرادة أنه تعالى على الملك احتوى، وأنه استوى على كل شيء فليس شيء أقربَ إليه من شيءٍ من الآية الثانية ، كما دلت على هذا المعنى أخبار العترة الطاهرة (عليهم السلام).
ـــــــــــــــ
(1) سورة القيامة الآية 23.
(2) سورة الفجر آية 22.
(3) سورة طه (صلى الله عليه وآله) آية 5.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 77/
وحيث قد ثبت في محله أنَّ الأنبياءَ معصومون، وأنهم مُحصَّنون بما حصَّلوه مِنْ مقتضيات العصمة عن إغواء إبليس اللعين، فإنَّ اللازمَ حَمْلُ الآيات ـ والتي تفيد بظاهرها صدور ما لا يتوافق مع كونهم مخلِصين مخلَصين معصومين مطهَّرين ـ على ما ينسجم مع كونهم معصومين مطهَّرين.
تعليم الله تعالى لآدم (عليه السلام):
ثمَّ إنَّ الله سبحانه كان قد علَّم آدم (عليه السلام) الأسماء كلها، وذلك قبل أنْ ينهاه عن الإقتراب من الشجرة، وقد تعلَّقت المشيئة الإلهيَّة بجَعْلِهِ الخليفةَ في الأرض، فهل يصح بعد كل هذا وذاك أن نقول عن آدم (عليه السلام) بأنه إنسانٌ جاهلٌ، كما عبَّر بذلك صاحب الندوة، ولكن بتعبير ملطَّف شيئاً ما حيث عبَّر عنه بالإنسان الطيب البريء، والذي لا تجربة له؟!!
نعم لا ندّعي بأنَّ آدم (عليه السلام) قد أحاط علماً بكل شيء، وأنه مُنـزَّهٌ عما هو منـزَّه عنه مَنْ هو أعلى منه شأناً وأعظم قدراً، ولكن هذا لا يعني صحة إطلاق وصْفِ الجاهل عليه، وسيأتي إنْ شاء الله تفصيلٌ في هذا المعنى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 78/
أسئلة تطرح نفسها:
وإذا كان المولى سبحانه أراد أنْ يُدخِل آدم في دورة تدريبية حتى يُعرِّفه أنَّ هناك مَنْ يغش، فهل أنَّ الشأن كذلك في مقام إعلامه وتعريفه حقيقة أمر باقي الأمور المحرَّمة والمبغوضة؟!
أوَ لا يتأتَّى لله سبحانه أنْ يُعرِّفه وأن يُطلِعه ويعلمه إلا من خلال التوسل بمثل تلك الدورات والحركات المشبوهة، والتي لا يكاد يخفى ما قد يلزم عنها؟!
ثم لا أدري هل أنَّ آدم وحده كان المحتاج إلى الدورة الثقافية، أو أنَّ غيره من الأنبياء أيضاً كان قد خضع لمثلها، ولكنَّ القرآن لم يكشف النقاب عن ذلك اكتفاءً منه بما ذكره في قصة آدم (عليه السلام)؟!!
ومهما يكن، فإنَّ معالجة بعض ما يُطرح من أسئلة على المبلِّغ، أو ما قد يُواجهه هو نفسه، لا يكون بإبداء وجهة نظر معيَّنة لا تنسجم مع المسلَّمات المفروغ عنها في تلك المسائل، ولا تكون باستخدام تلك الكلمات التي لا تُقال إلا في حقِّ الناس العاديين.
ويعجبني هنا أنْ أنقل كلاماً لنملة سليمان (عليه السلام) تخاطب بها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 79/
جماعات النمل في مقام تحذيرها من جنوده؛ قالت {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}(1).
تأملْ بقولها حيث لم تنسب إليهم تعمُّدَ الفعل ـ إذ قالت "وهم لا يشعرون" ، فللَّه درُّها كم كانت مراعيةً لشأن وليِّ الله، وكم كانت حافظةً لمقامه.
وفي رواية عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) ـ في حديث ـ قال سليمان: يا أيتها النملة أما علمتِ أني نبيٌّ وأني لا أظلم أحداً؟ قالت النملة: بلى، قال سليمان (عليه السلام) فلِمَ حذَّرتهم ظلمي، فقلتِ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم؟ قالت النملة: خشيتُ أنْ ينظروا إلى زينتك، فيفتتنوا بها، فيبعُدوا عن ذكر الله تعالى... الحديث(2).
فتباً لنا أبناء البشر لجهلنا بأنبياء الله سبحانه، وقد علمتْ النملة أنَّ ولي الله لا يظلم ولو عن غير شعور وقصد.. والخروجُ
ـــــــــــــــ
(1) سورة النمل آية 18.
(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج1 ص 84 مؤسسة الأعلمي بيروت 1404هـ ؛ علل الشرائع ج1 ص 72 طبع المكتبة الحيدرية النجف الأشرف 1966م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 80/
عن رسم العبودية ـ بعدم الاهتمام بالنصائح الإلهية، وبعدم الأخذ بجِديَّة أوامره تعالى ـ من أعظمِ أنحاء الظلم، ومقامُ أولياء الله ليس كمقام مَنْ دونهم، وما به يتحقق خروجهم لا يكون خروجاً إذا ما صدر عن رعيَّتهم، فإنَّ حسناتِ المحسنين سيئاتُ الأبرار.
إنصافُ العلم:
وعلى أي حال، فإنه إنْ تأتَّى لأحد الإطّلاعُ والتعرُّفُ على تفسير الأمر المشتبَه الصادر عن المعصوم أو المنسوب إليه، بما لا يتنافى مع مقامه من جهة، وبما لا يتجافى مع المسلَّمات من جهة ثانية فهو، وإلا فإنَّ المتعين حينئذ السكوتُ وإرجاعُ العلم بالأمر المشتبَه إلى أهله.
نعم وحيث كان الإنسان ـ باستثناء المعصوم ـ ومهما أُوتيَ من حظٍّ وافر في العلم والمعرفة، قاصراً عن الإحاطة إلا بشيء قليلٍ، عاجزاً عن إدراك حقيقة ما لا يُحصى مما يواجهه ويُعرَض عليه، فإنه إنْ تحقَّق عنده ـ ولو بتوسط تعليم المعصوم ـ العلمُ بحقيقة أمر مجهول لديه فهو، وإلا فلا بُدَّ من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 81/
إرجاع العلم بالأمر المشتَبه إلى أهله.
وأما ما قد يعمد إليه بعضٌ من الخوض في التأويل والتفسير، بما لا يتناسب في بعض الموارد مع مقام الأنبياء والأوصياء، فهو أمرٌ غيرُ مبرر، مهما كان العذر له في ذلك.
بل اللازم على الإنسان المُنصِف، أنْ لا يت