السيد القمي

     

 س 6: ما هو رأيكم الشريف فيمن يردّ على الشيخ المفيد (رض) قوله باختيارية العصمة لينصر مقولته في أنّ العصمة جبرية فيقول ما نصّه: (إنّ هذا الأسلوب في الحديث عن اختيارية العصمة مع الالتزام بأنّها ناشئة من فعل الله التكويني بنبيّه أو وليّه لا يمثّل إلا مفهوماً ينطلق من الجمع في الدليل بين وجوب العصمة ولزوم الاختيار، لا من دراسة دقيقة لنوعية الصورة الواقعيّة للجمع بين الأمرين.
ثمّ قال: إنّنا نتساءل ما هو المانع من اختيار الله بعض عباده ليكونوا معصومين باعتبار حاجة الناس إليهم في ذلك، وما هي المشكلة في ذلك انطلاقاً من مصلحة عباده، وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم، فإنّ الجواب عليه هو أنّ الثواب إذا كان بالتفضّل في جعل الحقّ للإنسان به على الطاعة لا بالاستحقاق الذاتي فلماذا لا يكون التفضّل مباشر إذا لا قبح في الثواب على ما لا يكون بالاختيار بل القبح في العقاب على غير المقدور.
ثمّ يقول إنّ الدراسات التفسيرية الحديثة وغيرها قد دأبت على تأويل الآيات الظاهرة في وقوع الذنوب من الأنبياء، بما لا يتنافى مع العصمة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه من السرّ الذي جعل الأسلوب القرآني في الحديث عن الأنبياء يوحي بهذا الجوّ المضاد للفكرة، وكيف يتحرّك التأويل مع المستوى البلاغي للآية، لأنّ المشكلة في كثير من أساليب التأويل الذي ينطلق من حمل اللفظ على خلاف ظاهره أنّه قد يصل إلى الدرجة التي يفقد فيها الكلام بلاغته الأمر الذي يتنافى مع الإعجاز القرآني..).
الجواب:
بسمه تعالى
أما بالنسبة لمقالة الشيخ المفيد (رض) فلابد من التفصيل بين الصفات التكوينية كعدم السهو والنسيان وأمثالهما، وبين الأفعال الخارجية، أمّا في القسم الأول فهي غير اختيارية بل تفضّلٌ من الله سبحانه وتعالى، وأما في القسم الثاني فلا إشكال في كون أفعالهم اختيارية، وعلى هذا يكون الثواب بإزاء الأمور الاختيارية، وإلا لزم أن يكون الثواب والعقاب أمرين جزافيين وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما قوله: (ما هو المانع...)، فنقول: لا تنافي بين كون أفعالهم اختيارية وكونهم صلوات الله وسلامه عليهم مراجعاً لقضاء حوائج المجتمع، والذي يدل على المدعى - أي كون أفعالهم اختيارية - قوله تعالى: [ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين...] حيث هدّد سبحانه وتعالى نبيه (ص) بهذا التهديد الشديد، ولو لم تكن أفعالهم اختيارية لم يكن لهذا التهديد مجال، كما هو ظاهر واضح لمن كان له أدنى خبرة بالكلام، فتحصل أن ما أفاده القائل غير صحيح، ويدل على المدعي بوضوح تكليف الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بسائر التكاليف.
وأما بالنسبة إلى قوله: (إن التأويل يضاد الأسلوب القرآني)، فلا يرجع إلى محصل صحيح؛ وذلك أنه قد صرح في جملة من الآيات الشريفة من إسناد بعض الأفعال إلى ساحته القدسية تبارك وتعالى كما ورد في سورة الفجر [وجاء ربك والملك صفاً صفاً] وفي آية أخرى [الرحمن على العرش استوى] إلى غير ذلك من الشواهد القرآنية، وهل يمكن الالتزام بظوهر هذه الآيات؟ بطبيعة الحال كلاّ ثم كلاّ؛ وذلك للزوم التجسيم وغيره على ذاته المقدسة، أعاذنا الله من الزلل.
وبناءً على هذا، فلابد من تأويلها بما يناسب ساحة قدسه وذاته جل وعلا، وكذلك الحال بالنسبة للأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لما عصمهم الله سبحانه وتعالى، ولابدّ أيضاً من التوفيق بين كلام الأئمة (عليهم السلام) وكلام الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لما تعلم أن الله جعلهم الثقل الثاني بعد القرآن الكريم على لسان نبيه (ص)، حيث قال: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي) وحيث إن أهل البيت (عليهم السلام) قد صرّحوا بعدم صدور المعاصي من الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) فلابدّ إذاً من التوفيق بين كلا الكلامين؛ وذلك لئلا يحصل تناقض، والنتيجة أنّ كلامهم مفسّر للقرآن الكريم.
وأمّا بالنسبة إلى ما ذكره في طيِّ كلامه من كون هذا الأسلوب مناف لبلاغة القرآن الكريم، فهذا إنّما يكشف عن جهل القائل بما هو المراد من البلاغة؛ إذ البلاغة والفصاحة وصفان عارضان على الكلام والألفاظ، ولذا يمكن أن يتكلم البعض ساعة بالأباطيل والأكاذيب ومع ذلك يكون بليغاً وفصيحاً، وهذا لا يختلف فيه اثنان.
فعلى هذا: لا ربط بين تأويل الآيات والبلاغة، ولا غرو فنّ الجهل ربما يوجب البعد عن الحقائق!
تقي الطباطبائي القمي

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت