ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

الولاية التشريعية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

الولاية التشريعية
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
1424هـ . ـ 2003م.
المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته، محمد وآله الطيبين الطاهرين. واللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

فإن هناك مسائل اعتقادية وردت بياناتها على لسان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وعلى لسان الأئمة الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وقد أكّدوا عليها في العديد من المناسبات.. وقد وصلنا من هذه البيانات والتأكيدات الشيء الكثير..

كما أن ما ورد عنهم (عليهم السلام) حولها لم يخْل من الإشارة إلى تفاصيل وإيضاحات تغني الفكر والعقيدة ، وتفتح آفاقاً واسعة من المعرفة بأسرار هذا الخلق والوجود، وتعطي المزيد من الوعي لشؤون العقيدة، وتفسح المجال للوقوف على بعض مناحي ومرامي السياسة الإلهية، في تربية البشر تربية تؤهلهم لحمل أمانة الله تعالى، المتمثلة بإيصال هذا الكون الى كماله، من خلال الهيمنة عليه بكمالاتهم، كلٌّ بحسبه، وفي نطاق قدراته الذاتية والمستفادة..

ولسنا بحاجة إلى التذكير هنا بأن هذا الكم الكبير من النصوص التي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

تتعرض لهذا النوع من المعارف، إنما فرضته الحاجة الملحة، ولو في نطاق محدود، وألجأت إليه حتمية الاستفادة منه في مراحل زمنية تتهيأ فيها الأحوال للاستفادة الصحيحة والتامة من هذا النوع من البيانات والتفاعل معها، بما يناسب واقع كل مرحلة، ومتطلباتها..

ولا نبعد إذا قلنا: إن اعطاء حق التشريع وجعل الأحكام للمعصوم في بعض الموارد أو الحالات، وهو ما يطلق عليه اسم «الولاية التشريعية»، هو مفردة من هذه المفردات الكثيرة والمتنوعة.

ولكن ما يؤسف له أن هذه المسألة، أعني مسألة الولاية التشريعية، شأنها شأن المسألة التي أطلق عليها اسم «الولاية التكوينية»، قد بقيت على درجة من الغموض والإبهام، وأثيرت حولها الشبهات ـ لدوافع مختلفة ـ حتى ظهر لدى الكثيرين التردد في ثبوتها، وسعى البعض إلى رفضها بكل جهده..

ولعل ما ساعد هؤلاء المترددين، والرافضين على ذلك: أنها لم تنل من اهتمام الباحثين ما تستحقه من وقت وجهد، وتأمل، ولم تجمع نصوصها، ولم يتصد الكثيرون من العلماء لبحثها وتمحيصها، ودفع الشبهات المثارة حولها.

وحتى بالنسبة لي شخصياً، أقول: إنه لا مناص لي من الإعتراف بأنه لولا أن سؤالاً طرح عليَّ من قِبَلَ بعض الإخوة، حول هذا الموضوع، لما تعرضت للبحث في أي من جهاته، ولا حاولت الكشف عن أيٍ من حالاته..

وحين كان لابد لي من الإجابة على ذلك السؤال، حاولت حصر إجابتي في دائرة بعينها، ولم أجرب حتى مجرد الاقتراب من طرح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

الموضوع بشمولية تستغرق جوانبه، وجهاته، وأبعاده المختلفة، وذلك لأكثر من سبب ومبرر، دعا إلى الإقتصار على هذا القدر من البيان ، ولا أريد أن أقلل من عامل الإنشغالات الكثيرة بالأمور الأخرى، فإنه ليس بإمكان أحد أن يتحاشى ما تفرضه عليه حركة الواقع في حاجاته وتقلباته.

والله أسأل: أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعل ثوابه لشهداء الإسلام الأبرار، في هذا العصر، وفي جميع الأعصار، بحق محمد وآله الميامين الأطهار..

وبعد.. فإنني أتقدم إلى القارئ الكريم بعذري، وله مني خالص حبي وشكري..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حرر في 12/2/1424 هـ . ق الموافق 15/4/2003 م.

جعفر مرتضى العاملي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة العلامة المحقق السيِّد جعفر مرتضى دام ظلّه.

الموضوع: سؤال حول إشكالات قوية على الولاية التشريعية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سيدنا الكريم، تحية طيبة وبعد..

لماذا تقولون أنتم وكثير من علماء الشيعة الإمامية بأن ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) التشريعية ـ التي لا شك في ثبوتها لهم ـ لا تقتصر على تبليغ الأحكام وبيانها وحفظها من الضياع فقط وإنما توسّعون دائرتها لتشمل التفويض في التشريع بحيث إن المعصوم يشرّع من عنده بعض الأحكام، ولو ضمن دائرة خاصة وموارد معينة، وإن كان ذلك بإذن من الله تعالى وإجازة منه عز وجل، وطبعاً من دون أن يكون ذلك على نحو التفويض الباطل الذي يقول به المعتزلة, علماً بأنه:

أولاً: إنَّ الروايات التي تنص على ما تذهبون إليه منافية لظهور بل لنص عدّة آيات قرآنية بأنَّ المشرِّع الحقيقي هو الله تعالى فقط, وأنَّ النبي ليس دوره سوى التبليغ والتبيين, لا التشريع من عندهِ ولو بإجازة وإذن الله تعالى. وذلك كقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

وَحْيٌ يُوحَى} و{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ} و{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} و{إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}. إلى غير ذلك من كثير من الآيات الدالة على ما ذكرناه. فإن الآية الأولى كما ترون, لسانُها آبٍ عن التخصيص والتقييد بالروايات التي تدّل على تفويض أمر التشريع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ضمن دائرة خاصة وموارد معينة(1).

وذلك أنَّ النطق الوارد في هذه الآية مطلق وردَ عليه النفي، ومقتضى ذلك نفي الهوى عن مطلق نطقِهِ (صلى الله عليه وآله)، والمراد بمتعلق النطق هنا ـ بقرينة المقام ـ هو أنَّ النبي ما ينطق عن الهوى فيما يقول من أمر الشريعة «القرآن والأحكام» بل هو وحي يوحى إليه من الله سبحانه. وبناءً عليه فإنَّ كل الروايات الناصّة على أنَّ للنبي أن يُشرع أو إنَّه قد شرع حكماً من الأحكام من عندِه فعلاً ـ مع غض النظر عن النقاش السندي في كثير منها ـ تكون مخالفة لنص بعض الآيات القرآنية النافية لذلك ، فيقع التعارض بين الطرفين والترجيح يكون لنص آيات القرآن «لأنَّ ما خالف قول ربنا لم نقله» مع الإشارة إلى أنَّ المعارضة هنا ليست على نحو العموم والخصوص المطلق أو من وجه، وإنما هي على نحو التباين كما لا يخفى على أهل العلم.

وأما بالنسبة للروايات الظاهرة في تفويض التشريع إلى النبي (صلى الله عليه وآله), فيمكن توجيهها بحملها على تبليغ وبيان الأحكام الموحى بها إليه، وبذلك لا نقع في محذور ضرب الروايات عرض الحائط من دون حجة ودليل.

ـــــــــــــــ

(1) وهذه الأحاديث موجودة في أصول الكافي كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة ج 4 ح 7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

ونفس ما أوردناه آنفاً من إشكالات بالنسبة لتفسيركم وتفسير غيركم من علمائنا للولاية التشريعية للنبي بأنها تشمل تفويض تشريع بعض الأحكام مِنْ عِنده من دون وحي أو تعليم من الله تعالى, يرد على تفسيركم ولاية الأئمة (عليهم السلام) التشريعية بالمعنى الذي أثبتنا وهنهُ وضعفه ومخالفته لنص القرآن الكريم، هذا أولاً.

ثانياً: مع غض النظر عن الإشكالات التي أوردناها عليكم بالنسبة لولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) التشريعية، لو سلمنا معكم من باب التنزل على أنَّ للنبي أن يُشرّع من عنده بعض الأحكام في بعض الموارد وأنَّ الله تعالى قد أجاز وأمضى له ذلك, فإنَّهُ لا يمكن إثبات ذلك بالنسبة للأئمة (عليهم السلام) لعدة أدلة سأوردها لكم تفصيلاً.

إنَّ روايات التفويض إلى الأئمة (عليهم السلام) الواردة عندنا ـ مع غض النظر عن النقاش السندي بالنسبة لمعظمها ـ معارضة لآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الناصّة على أنَّ الدين قد تمَّ في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا حاجة إلى مشرع بعدهُ ، وحينئذٍ يكون معنى روايات التفويض إلى الأئمة (عليهم السلام) ناظرة إلى الولاية والحكومة، والى تبليغ الأحكام وحفظها وبيانها فقط لا غير .

وأما الروايات التي تقول إنَّ النبي قد أعطى ما فوضه الله إليه أو إلى الأئمة أو إلى علي (عليهم السلام) فنقول: إنها عبارة عن خمس روايات؛ أربع منها غير حجة [لأنها بين مرسل، أو مسند في بعض رجال سنده ضعف أو جهالة](1).

ـــــــــــــــ

(1) راجع الروايات في أصول الكافي ج1 ص 265 كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

فيبقى عندنا روايةٌ واحدةٌ لها سند معتبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو الحديث الأول من المصدر الذي أشرنا إليه في الأعلى.

وهذه الرواية ظاهرة في: إعطاء الولاية والحكومة إلى الأئمة حيثُ يقول فيها الإمام إلى بعض أصحابهِ «فسلّمتم وجحد الناس», ونحن نعلم أنَّ الذي جحده الناس هو الحكومة والولاية، وأمّا رواية الأئمة عن النبي فلم يجحدها الناس ولذلك كان أئمتنا يسندون كثيراً من أحاديثهم إلى النبي ليقبلها الناس وليعملوا بها.

ثم لو تنزلنا وقلنا بأنَّ هذه الرواية مطلقة شاملة لإعطاء الولاية وحق التشريع إلى الأئمة فلا بد من تخصيصها:

ألف: بطائفة من الروايات القائلة على لسان الأئمة «كل ما أحدّثك هو عن رسول الله».

باء: بالروايات القائلة إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أملى على علي وكتب لشركائهِ (عليه السلام) كل شيءٍ من حلالٍ أو حرامٍ حتى أرش الخدش.

وهذا معناه أنَّ كل أحكام الإسلام قد أملاها النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) وشركائه، فلا حاجة إلى تشريع من الأئمة وأنَّ دورهم ينحصر في تبليغ الأحكام عن النبي وفي حفظها وبيانها وتطبيقها, لا أكثر ولا أقل.

إنَّ مسألة الولاية التشريعية للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) هي من الأمور العقائدية التي لا يصح الاستناد فيها إلى الخبر الواحد لأنه ليس حجة في المسائل العقائدية إتفاقاً, وحينئذٍ فإننا بدورنا نسألكم أين هو التواتر المدعى على تفسير الولاية التشريعية للأئمة بالمعنى الذي تقولون به أنتم وغيركم من علماء الشيعة الإمامية؟

فالقدر المتيقن الثابت لهم (عليهم السلام) هو ما ذكرناه, وما سواه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

فليس سوى رجماً بالغيب وخروجاً عن مقتضى الأدلة .

ومما يؤيد ما ذكرناه: هو استبعاد أن يكون أمر عظيم الأهمية كحق التشريع للأئمة ـ بالمعنى الذي تذهبون إليه ـ في حياة المسلمين ومسيرتهم قد دلَّ عليه خبرُ واحد. بل لا بدّ أن يكون مبيَّناً بالدليل الواضح [كالدليل على حاكميتهم في الخلافة العامة مثلاً] الواصل إلينا بحيث لا يكون فيهِ غموض ولا إبهام فيكون من خالف فيه قد خالف عن بيِّنة.

إنَّ لازم كلامكم في نسبة التفويض في التشريع إلى الأئمة بالمعنى الذي تتبنونَه هو أنَّ أئمتنا إن كانوا مُشرِّعين من عندهم, فهذا يعني أنَّ النبي قد قصَّرَ ـ والعياذ بالله ـ في تأدية واجِبِهِ ولم يبلغ كل الأحكام, ولو بإعطاء القواعد العامة والكليات التي يمكن معرفة حكم الجُزئيات المستحدثة من خلالها عن طريق ردّ الفروع إلى الأصول، ونحن على يقين بأنكم لا ترضون بأن يقال إن النبي (عليه السلام) قد قصّر ـ والعياذ بالله ـ في تأدية واجبه التشريعي.

ملاحظة: للأمانة العلمية، إنَّ قسماً من هذه الإشكالات استفدناه من بعض الفضلاء المعاصرين دام حفظه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد..

فقد سألتم عن الولاية التشريعية للنبي (صلى الله عليه وآله)، وللأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم).. وناقشتم في أدلة ثبوتها.. بما عنَّ لكم، وبما استفدتموه من بعض الفضلاء المعاصرين على حد تعبيركم..

غير أن التأمل التام في المسألة يقضي بعدم قبول تلك الإشكالات.. وذلك لأسباب عديدة، نذكر لكم في هذه الإجابة بعضاً منها. ونعتذر عن كونها قد جاءت إجابة مطولة، فإن طبيعة المسألة، تقتضي ذلك.. فنقول:

توطئة وتمهيد:

إن ملاحظة أدلة النافين لحق المعصوم في جعل الأحكام في بعض الموارد، تنقسم إلى قسمين.

أحدهما: يقضي بنفي ذلك عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعن غيره..

والآخر: يقبل بجعل هذا الحق لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكنه ينفيه عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

الأئمة الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

ونحن بدورنا سنحاول قدر الإمكان تصنيف هذه الأدلة، ومناقشتها وفقاً للتقسيم المتقدم.

وإن كان مسار البحث قد يفرض علينا أحياناً الوقوع في مخالفة هذا الإلتزام، فإلى ما يلي من مطالب وفصول..

وعلى الله نتوكل، ونلتمس منه التسديد والتوفيق للصواب، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

الفصل الأول:
تفويض التشريع أدلة الرافضين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

إننا نذكر في هذا الفصل طائفة مما استدلوا به على نفي تفويض التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله)، ونذكر أيضاً بعض ما يرد على تلك الإستدلالات، ويدل على فسادها، فنقول:

1 ـ وما ينطق عن الهوى:

قد استدل السائل على نفي جعل حق التشريع للرسول بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى}.

ونقول:

أولاً: إن الضمير في قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى} يرجع إلى القرآن الكريم، كما هو ظاهر.

ثانياً: لو فرض أن هذه الآية، شاملة لكل ما يقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأنها لا تنفي أن يجعل الله تعالى لنبيه حق التشريع في بعض الموارد، وفقاً لضابطة يعطيه إياها عن طريق الوحي، مصحوبة بكشف الواقع له، وإطلاعه على الحقائق. وتعريفه بالمصالح والمفاسد، وإيقافه على الغايات والضوابط والمعايير.. فيقول له: المطلوب هو تحقيق هذه الغايات. وقد أطلعناك على الحقائق، فيمكنك أن تضع في الوقت المناسب ما يفيد في درء المفاسد، وجلب المصالح التي عرفناك إياها، ضمن هذه الحدود والضوابط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

وهذا الجعل بهذا المعنى لحق التشريع، إنما يكون منه سبحانه.. وليس في الآية الشريفة ما ينفيه.. لأنه ليس نطقاً عن الهوى. بل هو نطق يستند إلى التوجيه الإلهي، ويعتمد على الإذن الصادر إليه منه تعالى.

النفي في الآية آب عن التخصيص:

قد ورد في السؤال المتقدم أن النفي في قوله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} وارد على النطق، وهو مطلق يشمل كل ما ينطق به من أمر الشريعة والأحكام. وهو آب عن التخصيص..

ويرد على هذا:

أولاً: ما تقدم من أن هذا التعميم غير ظاهر، إذ إن الكلام في الآية إنما هو في رد مزاعم المشركين، واتهاماتهم للرسول (صلى الله عليه وآله)، فيما يتلوه عليهم من آيات القرآن، وهم يسعون إلى إنكارها، وإلى التشكيك فيها، بعد أن رأوا تأثيرها في الناس.. وليس النزاع معهم في إخباراته (صلى الله عليه وآله) عن الأحكام الفرعية التفصيلية..

ثانياً: قلنا: إن إعطاء حق التشريع في بعض الموارد للرسول، لا يعني أنه ينطق عن الهوى، إذ إن الله تعالى يطلعه على المصالح والمفاسد، وعلى الحقائق وعلى الأسرار والدقائق، ويعطيه الضوابط، ويعرفه الغايات والأهداف، ويقول له: ضع الحكم المناسب لهذه المفسدة أولتلك المصلحة.. وفقاً لهذا المعيار الذي أعطيتك إياه..

فكأنه يقول له: إن مفاسد هذه الجرائم هي من هذا السنخ وبهذا المستوى، ونريد منك أن تضع، تعزيرات، تحقق الردع النوعي عنها، وذلك بعد أن يعرفه بحقائق الأشياء، ويكشف له عن واقع الطبيعة البشرية، وعن أصناف الناس، وعن خصائصهم الجسدية والنفسية، وغير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

ذلك، مما له مدخلية في تحديد مقدار العقوبة الرادعة ونوعها..

فيضع لها هذه الروادع، فيتوافق ما يضعه مع حكم الله الواقعي.. تماماً كما وافق حكم سعد بن معاذ في بني قريظة لحكم الله تعالى من فوق سبعة ارقعة.

فظهر أنه لا يوجد تعارض بين الآيات القرآنية، وبين أن يعطي الله لنبيه الحق، في وضع أحكام يعطيه هو ضابطتها، ويعرفه بكل التفاصيل التي يحتاج إليها.. بحيث يؤدي ذلك إلى أن يضع الرسول نفس الحكم الذي رصده الله تعالى لتلك الواقعة..

ولعل في الآية الشريفة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِينٍ}(1)، اشارة إلى ذلك، فإذا انضمت الى الآية الدالة على أن جعل الأحكام يحتاج إلى الإذن الإلهي، وهي قوله تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}(2)، ثم جاءت الروايات لتدلنا على صدور هذا الأذن له من الله تعالى، فلا يبقى أي محذور في ذلك..

ولمزيد من التوضيح: إن آية سورة الجمعة المتقدمة تشير إلى أن الحكمة التي يعلمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس، هي وضع الأمور في مواضعها، وهي تحتاج إلى اطِّلاع دقيق على حقائق الأشياء ودقائقها، ومعرفة مواضع الخلل، أو النقص، بكل ما له من حالات وشؤون وتفاصيل، ومعرفة ما يلائم تلك الحالات، وتمييزه عن غيره..

ـــــــــــــــ

(1) سورة الجمعة، الآية 2.

(2) سورة يونس، الآية 59.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

ومعرفة كيفيات وحالات وطريقة سد الخلل، وتكميل النقص.

وكل ذلك يحتاج إلى تعليم وكشف إلهي. والتعليم والكشف قد يكون بطريقة الإطلاع المباشر على دقائق واسرار كل مفردة على حدة، وقد يكون بطريقة تعليم قواعد عامة، والتعريف بالضوابط، والمعايير في مختلف الشؤون. وهذا هو المقصود من تفويض التشريع للمعصوم..

وبذلك يتضح: أن الروايات الدالة على تفويض التشريع في بعض المجالات إلى الرسول (صلى الله عليه وآله).. لا تعارض نصوص القرآن، وليست مقيدة لإطلاقاته.. بل هي منسجمة معه تمام الإنسجام..

فلا حاجة إلى توجيه الروايات بحملها على تفويض التبليغ والبيان للأحكام.. بل لا يصح حملها على ذلك، كما سيتضح..

وقد ظهر أيضاً: أن الآيات ليست نصاً في ما ادُّعِي أنها نص فيه!!..

2ـ ليس لك من الأمر شيء:

قالوا: ومما ينفي جعل حق التشريع لرسول الله (صلى الله عليه وآله)  قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}(1).

ونقول:

أولاً: إنه تعالى يريد أن يعرِّفنا: أن الأمر بالقطع أو الكبت للمشركين، والتوبة عليهم، إنما هو قرار إلهي، فالنبي إذن لا يتحمل أية مسؤولية في ذلك..

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران، الآية 128.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

فليس في الآية حديث عن سلب أو إعطاء حق التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله)، أو عدم إعطائه..

ثانياً: لو سلمنا شمول الآية لما نحن فيه، فإننا نقول:

إن إعطاء حق التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله)، إنما هو تدبير إلهي أيضاً، وليس فيه أية استقلالية أو خروج على الإرادة الإلهية، ليخرج عن مورد الآية.. بل هو منسجم معها كل الإنسجام.. لأن الله هو الذي أعطاه هذا الحق.

3 ـ إنما أنا بشر مثلكم:

واستدلوا أيضاً على نفي حق التشريع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن الأئمة بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}(1). فقد دلت الآية على أن ما عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) مصدر الوحي، وليس ثمة شيء آخر..

ونقول:

أولاً: إنه تعالى يريد أن يرد على المشركين في ما يطلبونه من خوارق العادات، لكي يؤكدوا على أنه لا بد للرسول من أن يملك قدرات ذاتية خارقة، تخرجه عن صفة البشرية.. فأكد الله تعالى لهم في هذه الآية على بشريته، وأن الوحي له لا يخرجه عن هذه الصفة..

ثانياً: ان الآية قد أثبتت أن الوحي يصل إليه، ولم تنف أن يكون الله تعالى قد أعطاه حق التشريع.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الكهف، الآية 10.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

ثالثاً: إن إعطاءه حق التشريع للنبي، إنما هو في طول الوحي إليه ـ حسبما أوضحناه ـ لا في عرضه، أي أن الوحي هو الذي يقرر له هذا الحق، ويعطيه قواعده ويعرفه بأسرار الخلق والخليقة.

4 ـ سند روايات تفويض التشريع:

وحول قولهم: إنه لا شيء يثبت هذا التفويض وذلك لوجود النقاش السندي في كثير من الروايات التي تثبت التفويض الذي هو مورد البحث، نقول:

سيأتي أنها آبية عن هذا النقاش:

أولاً: لصحة سند كثير من رواياتها..

ثانياً: إنها قد بلغت حد التواتر، فلا حاجة للبحث السندي فيها.. وسنذكر طائفة، بل طوائف منها في أواخر هذا البحث في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى..

5 ـ لا يليق التشريع إلا بالله تعالى:

وقد استدلوا على عدم جواز إعطاء حق التشريع لغير الله تعالى، بأن ذلك لا يليق إلا به سبحانه، لأنه هو العالم بالمصالح، والمفاسد الواقعية، وبما يحتاج إليه الخلق في الحاضر والمستقبل، أما غيره، فلا إحاطة له بشيء من ذلك..

ونقول:

أولاً: إن هذا الدليل يفيد عدم جواز التشريع حتى للرسول (صلى الله عليه وآله).. مع أن نفس المستدل بهذا الدليل قد قرر: أن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حق التشريع. مع أنه ـ حسب رأي هذا المستدل ـ لا إحاطة له بالمصالح والمفاسد الواقعية، لأن هذه الإحاطة منحصرة بالله تعالى..

ـــــــــــــــ

(1) سورة فصلت، الآية 11.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

ثانياً: إن الله عالم بالمصالح والمفاسد في الحال وفي المستقبل بالذات، ولا مانع من أن يُعلِّم هو سبحانه نبيه أو وليه بهذه المصالح والمفاسد، فيؤهله بهذا التعليم لمعرفة الحكم المناسب لها، والمطابق للحكم الواقعي الثابت في اللوح المحفوظ، فإذا أذن له بإنشاء ذلك الحكم للناس، وأنشأه، فإنه يصبح تشريعاً يثيب الله على فعله، ويعاقب على تركه..

6 ـ إن دين الله لا يصاب بالعقول:

واستدلوا أيضاً على نفي الولاية التشريعية بما دل من طريق العقل والنقل على أن دين الله تعالى لا يصاب بالعقول..

ونقول:

إن ذلك إنما يصح بالنسبة لغير المعصوم، أما المعصوم المتصل بالله، فإن الله سبحانه يطلعه على الحقائق، ويوقفه على البينات، ويأذن له بوضع الأحكام ضمن ضوابط يحددها له، ويأذن له بإنشائها.. فالمعصوم لا يصيب الدين بعقله، بل بما عرفه الله تعالى إياه، وأوقفه عليه..

والمقصود بالعقول التي لا يصاب بها دين الله هو هذه العقول الناقصة، والمحجوبة، والخاضعة لسلطان الهوى، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى المعصوم.

7 ـ لا حاجة إلى الأنبياء:

قالوا: لو قلنا بجواز الحكم بالآراء، وتشريع الشرايع بواسطة عقول الرجال، لانتفت الحاجة إلى الكتب السماوية، وإلى الأنبياء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

ونقول:

أولاً: قد قلنا: إن الحكم والتشريع ليس مستنداً إلى الآراء، ولا إلى عقول الرجال. بل هو مستند إلى تعليم إلهي للضوابط، وكشف رباني عن الحقائق والأسرار، وإلى إذن إلهي بجعل الحكم وإنشائه.

ثانياً: إن الاستغناء عن الكتب، والرسل والأنبياء، إنما هو في صورة ما لو قلنا: بأن المعصوم يشرع جميع الأحكام. وهذا ما لم يقل به أحد.

8 ـ في القرآن تبيان كل شيء:

واستدل النافون أيضاً بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}(1), وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}..

فإن هذا يدل على: أن كل شيء موجود في كتاب الله تعالى.. فلا حاجة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ولا إلى الإمام (عليه السلام) لتشريع شيئٍ من الأحكام..

ونقول:

أولاً: بالنسبة للآية الثانية نلاحظ: أن هناك كلاماً في أن يكون المقصود بالكتاب القرآن، لاحتمال أن يكون المراد بها كتاب الأعمال للعبد.

ثانياً: إن هذه الآية لا تدل على مطلوبهم، إذ إن تفاصيل الأحكام غير مذكورة في القرآن، إذ لم يذكر فيه عدد ركعات الصلاة اليومية ولا كيفيتها ولا كثير من الحدود، والديات، والتعزيرات، ولا أنصبة الزكاة، وغير ذلك..

ـــــــــــــــ

(1) سورة النحل، الآية 89 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

فالمقصود بأن القرآن تبيان لكل شيء، هو تبيانه، ولو في ضمن القاعدة والضابطة، التي لو علمها الله للرسول، وللإمام، واطلعه على الحقائق والأسرار، فإنه يصبح قادراً على إنشاء الأحكام الموافقة للحكم الإلهي الواقعي..

ولعل من جملة ما في الكتاب جعل حق التشريع للإمام في الموارد التي تحتاج إلى ذلك، وذلك وفق الضابطة التي أشرنا إليها أكثر من مرة..

وقد أشار الله إلى لزوم أن يأذن الله بذلك في قوله تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}.. والنبي والإمام هو الذي يفهم أسرار القرآن ويعرف إشاراته ودلائله. وليس ثمة شيء يمكن أن ينفي احتمال أن يكون قد أشار الله تعالى فيه إلى هذا التفويض في ضمن بيان قرآني شاف وواف لهذا الأمر والذي يعرف ذلك هو من خوطب به، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

الفصل الثاني:
التفويض للأئمة (عليهم السلام)
أدلة النافين وأجوبتها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

بداية:

ذكرنا في الفصل السابق أدلة القائلين بعدم تفويض تشريع بعض الأحكام للنبي (صلى الله عليه وآله)..

ومن المعلوم: أن طائفة من تلك الأدلة جارٍ هنا أيضاً، ومن المعلوم أيضاً: أن الجواب عنها هو الجواب.

ونذكر في هذا الفصل أدلة القائلين بعدم تفويض تشريع بعض الأحكام للأئمة (عليهم السلام).. فنقول:

1ـ آية الإكمال:

استدلوا على نفي تفويض جعل التشريع للأئمة (عليهم السلام) بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(1) إذ إن ثبوت هذا التفويض متوقف على خلو بعض الوقائع من الأحكام.. وهذا معناه أن الدين لم يكن كاملاً..

وبعبارة أخرى: إن أحاديث تفويض التشريع للأئمة تعارض آية الإكمال، فلابد من رد تلك الأحاديث وضربها على الجدار.

ـــــــــــــــ

(1) سورة المائدة، الآية 3.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

ونقول:

إن هذه الآية المباركة لا تنفي إعطاء حق التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله)، فإن ذلك أيضاً من وسائل وموجبات كمال هذا الدين، وبه يكون إتمام النعمة. أي أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل دينه ببيان الإعتقادات والشرائع والأحكام و.. و.. إما صراحة وتفصيلاً، أو إجمالاً ببيان القواعد والضوابط. وحيث يطلع الله نبيه، والنبي أيضاً قد يطلع الولي من بعده على الحقائق، وعلى المصالح والمفاسد، ويعطيه الضابطة، ويجعل ما يقرره النبي (صلى الله عليه وآله)، نافذاً، ويصيره قانوناً.. تماماً كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}(1).

كما أنها لا تنفي إعطاء حق التشريع للأئمة (عليهم السلام)، وذلك لنفس ما قلناه آنفاً، فإن إكمال الدين إنما هو إما ببيان الأحكام مباشرة، أو بإعطاء الضوابط والإمداد بالمعارف للإمام الذي يتولى هو إنشاء الأحكام الموافقة لحكم الله الواقعي..

2ـ الدين يغني الإنسان:

واستدلوا أيضاً على ذلك بأنه كيف يكون الدين خاتماً، والشريعة عالمية مع عدم وجود ما يغني الإنسان إلى آخر الدهر، كما أشارت إليه رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام)؟!

أوردها البحراني في تفسير البرهان فراجعها(2)..

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب ، الآية 36.

(2) تفسير البرهان ج1 ص435.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

والجواب:

أولاً: إن التشريع إنما يُحتاج إليه في موارد الإبتلاء، ولعل الأمة قد احتاجت إلى ذلك في وقت ما، فبادر الأئمة (عليهم السلام) إلى جعل الأحكام المناسبة، ثم ارتفعت هذه الحاجة.

ثانياً: إنه ليس ثمة ما ينفي أن تكون ثمة حاجة إلى بعض التشريعات التي يقتضيها عصر الظهور أيضاً، بما له من خصوصيات قد لا توجد في سائر العصور.

ثالثاً: إن غنى الإنسان بالإسلام إنما هو بأخذ الأحكام من الأئمة (عليهم السلام) عند حاجتهم وبتفويض التشريع لهم وفق الضوابط التي قلناها أكثر من مرة.

لا يكفي خبر الواحد في العقائد:

وقد ورد في السؤال المتقدم في أول هذا الكتاب: أن الولاية التشريعية مسألة عقائدية، لا يكفي فيها الخبر الواحد..

ويرد عليه:

أولاً: إن الروايات الدالة على أن للنبي (صلى الله عليه وآله)، وللأئمة (عليهم السلام)، حق تشريع بعض الأحكام، متواترة، وليست أخبار آحاد.

كما أن جملة منها صحيح ومعتبر في حد نفسه، فضلاً عن كونه من مكونات التواتر المعنوي المفيد للقطع بالصدور.. وستأتي طائفة كبيرة من تلك الأحاديث، في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى..

ثانياً: من الذي قال: إن جميع الأمور الإعتقادية لا بد أن تثبت بالتواتر؟!..

وما هو الدليل على التعميم المذكور؟!..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

فإن كثيراً من التفاصيل الإعتقادية النقلية، كأحوال الآخرة، يكفي ثبوتها بما هو حجة شرعاً.. حتى لو كان خبراً واحداً..

فلا يجب التواتر، فيما دل على رجعة أبي لهب أو فرعون مثلاً، بعد ثبوت أصل الرجعة بالدليل القطعي. مما يكفي أن يدل الدليل المعتبر على حصوله، وإن لم يصل إلى حد التواتر. وكذلك الحال في كثير من التفاصيل عن أحوال القبر، وما يجري على الإنسان حين إنزاله فيه، ونحو ذلك..

ثالثاً: لنفترض: أنه يلزم التواتر لجهة الثبوت، لكن وجود الأخبار الصحيحة التي لم تصل إلى حد التواتر، يمنع من التكذيب والإنكار، ولا يجوز معه نفي ذلك عنهم.. (صلوات الله وسلامه عليهم) بصورة جازمة وقاطعة..

4ـ دعوى التفويض هنا: رجم بالغيب:

قد ورد في السؤال المتقدم، في أول هذا البحث: أن القول بالولاية التشريعية رجم بالغيب:

ونقول:

أولاً: كيف يكون رجماً بالغيب مع اعتراف السائل بوجود خمس روايات تدل على ذلك، وإحداها معتبرة عندكم في خصوص كتاب الكافي الشريف..

ثانياً: إن الروايات الدالة على ثبوت هذا التفويض تعد بالعشرات، ويكفي في تواترها الإجمالي، وفي إفادتها للقطع بصدور مضمونها، ما هو أقل بكثير مما سوف نورده لكم في آخر هذه الإجابة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

ثالثاً: بعد وجود خبر الواحد الصحيح الدال على تفويض التشريع، لا يصح من أحد أن ينكر هذا الأمر وينفيه بصورة قاطعة.. كما هو موقف النافين. وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً..

5ـ إثبات التفويض خروج عن مقتضى الأدلة:

وقد قال السائل في سؤاله الذي أثبتناه في أول الكتاب: إثبات تفويض التشريع خروج عن مقتضى الأدلة.

ونقول:

أولاً: إن هذا مصادرة على المطلوب، فإن الدعوى هي نفس الدليل.

ثانياً: قد ظهر مما ذكرناه في هذا البحث، أن ما يتخيل أنه أدلة لا يصلح للدليلية، وأن الأدلة القاطعة للعذر هي تلك التي دلت على ثبوت هذا الأمر للنبي (صلى الله عليه وآله)، وللأئمة (عليهم السلام)..

6ـ القضايا الهامة، لا تثبت بخبر الواحد:

وأما ما ذكر في السؤال المتقدم في أول هذه الدراسة، من استبعاد أن يكون أمر عظيم الأهمية، في حياة المسلمين ومسيرتهم ـ كحق التشريع للأئمة ـ قد دل عليه خبر واحد، فيرد عليه:

أولاً: إن هذا الأمر، وإن كان عظيم الأهمية في نفسه، من حيث ما فيه من التعريف بمقامهم (عليهم السلام)، ولكنه ليس من الأمور العقائدية التي يجب العلم بها على كل حال..

ولا هو من الأمور التي يضر جهلها بمسيرة المسلمين، ويؤثر سلباً على حياتهم وإن كان يحرم من يجهله من بعض منازل القرب من الله، ويحجزه عن معرفة مقاماتهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، فلا يصل في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

انسجامه مع كلامهم، وتفاعله مع توجيهاتهم وتعاليمهم إلى ما يحب الله له أن يصل إليه..

ثانياً: قد تقدم: أنه لا حاجة في مثل هذه الموارد إلى اكثر من ثبوتها بالحجة الشرعية، سواء أكان هذا الدليل والحجة خبراً واحداً، أم كان سيرة، أم إجماعاً، أم أي شيء آخر.

ثالثاً: إن امتلاك الأئمة (عليهم السلام) حق التشريع إنما هو من شؤونهم الخاصة، التي قد يجدون المصلحة والفرصة لبيانها للناس.. وقد لا يجدونها..

ولكن أمر الحاكمية والإمامة هو الأمر الخطير، الذي ـ كما يقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ـ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان..

فلا يصح قياس هذا على ذاك، لا في الأهمية، ولا في ما سوى ذلك من شؤون..

7ـ أئمتنا لا يشرِّعون من عند أنفسهم:

وأما ما ذكره السائل في رسالته المتقدمة، من أن لازم كلامنا في تفويض التشريع، هو أن يكون أئمتنا مشرعين من عند أنفسهم.. الخ..

فيرد عليه:

إننا قد ذكرنا فيما تقدم ما نقصده من تفويض التشريع للأئمة، وقد ظهر أنه لا يلزم منه أن يكونوا مشرعين من عند أنفسهم.. بل هم يشرعون بدلالة الله لهم، وبكشف الحقائق والأسرار لهم، ووفق ضوابط وقواعد محدودة، فإذا شرعوا فإنهم يصيبون حكم الله تعالى، من فوق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

سبعة أرقعة. تماماً كما أصابه سعد بن معاذ، حينما حكم في بني قريظة، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.. وقد دلت الروايات على هذا الأمر أيضاً، كما سيظهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى.. بصرف النظر عن الفارق بين مقام الأئمة (عليهم السلام) وبين مقام سعد بن معاذ..

8 ـ التفويض للأئمة لا يعني تقصير النبي (صلى الله عليه وآله):

واستدل النافون لهذا التفويض، بأن إعطاء حق التشريع لهم (عليهم السلام)، معناه: أن النبي (صلى الله عليه وآله)، قد قصر في تأدية واجبه، فلم يبلغ كل الأحكام..

ونقول:

إن هذا ليس بصحيح أيضاً.. فإن إعطاء هذا الحق للنبي (صلى الله عليه وآله) وللأئمة ليس عشوائياً، بل هو مضبوط ضمن توجيهات محددة، وفي نطاق ضوابط، ومعايير، ومع تزويدهم بمعرفة أسرار الخلق والخليقة، وإطلاعهم على المصالح والمفاسد، وتمكينهم من إصابة أحكام الله الواقعية.

وهذا تبليغ للأحكام، واجتهاد في حفظها، وإكمال للدين.. إذ لا فرق بين أن تحفظ أحكام الله في الجفر والجامعة، وفي كتاب الإمام علي (عليه السلام)، وبين أن تحفظ في صدر الإمام (عليه السلام) في دائرة الضابطة..

فالإشارة إلى الإمام وتفويض الأمر إليه فيها، تبليغ وبيان لها، ولكن بهذا النحو من الإجمال في البيان، ومن الاجتهاد في الحفظ..

9ـ العلماء لم يستدلوا!!

ومن أغرب ما رأيناه، ما استدل به بعضهم، من أن علماء الكلام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

وغيرهم لم يستدلوا على وجوب نصب الإمام، بأن الأحكام كانت ناقصة، فوجب نصب الإمام (عليه السلام) ليقوم بتكميلها..

ونقول:

أولاً: لم يدع أحد نقص الأحكام، بل المدعى: أن الله تعالى قد أكمل دينه، إما بالتصريح بأحكامه وشرائعه في كتابه، أو على لسان رسوله. وإما بإعطاء القاعدة والضابطة، وكشف الواقع لنبيه ووليه، لكي ينشئوا لها الأحكام الموافقة لما في اللوح المحفوظ..

ثانياً: لو جاز هذا النوع من الاستدلال لصح لنا أن نقول أيضاً:

إن هذا المستدل قد صرح بأن النبي (صلى الله عليه وآله)، كان يشرع بعض الأحكام، فنحن نقول له: لم يستدل أحد من علماء الكلام، ولا من غيرهم على لزوم بعثته (صلى الله عليه وآله)، بالحاجة إلى من يبلغ بعض الأحكام، وبالحاجة إلى من يشرع بعضها الآخر..

ثالثاً: إن عدم استدلال العلماء بأمر لا يصلح دليلاً على شيء.. إذ قد يكون ذلك منهم، إما لغفلتهم عنه، أو لأجل اعتقادهم بفساده ـ وإن كانوا مخطئين أحياناً في اعتقادهم هذا ـ وقد يكون لأجل اعتقادهم ببداهته ووضوحه.. وقد يكون لأسباب أخرى..

10ـ أقوال الأئمة مجرد روايات:

وقد استدلوا على نفي الولاية التشريعية للأئمة (عليهم السلام) بالأخبار الدالة على أن جميع ما ذكره الأئمة (عليهم السلام)، إنما هو رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يقولوا بآرائهم شيئاً. بل جميع ما قالوه وارد في سنة الرسول (صلى الله عليه وآله).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

وبعبارة أخرى: لو سلمنا اطلاق الروايات الدالة على التفويض بحيث تشمل تفويض التشريع أيضاً بالإضافة إلى تفويض الولاية، وتفويض بيان الأحكام، فإننا نقول: لابد من تخصيصها بالروايات الدالة على أن كل أقوالهم، هي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن هذه الأخبار:

ما روي عن جابر، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا حدثتني بحديث فأسنده لي..

فقال: حدثني أبي، عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن الله عز وجل. وكلما أحدثك بهذا الإسناد(1)..

عن حفص بن البختري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): نسمع الحديث منك، فلا أرى منك سماعه، أو من أبيك!!

فقال: ما سمعته مني، فاروه عن أبي، وما سمعته مني فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2)..

الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لو حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من قبلنا. ولكنا حدثنا ببيّنة من ربنا بيّنها لنبيه، فبيّنها لنا(1)..

عن عنبسة: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام)، عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: إن كان كذا وكذا ما كان القول فيها؟

ـــــــــــــــ

(1) جامع أحاديث الشيعة ج1 باب4 من أبواب المقدمات حديث3.

(2) جامع أحاديث الشيعة ج1 باب4 من أبواب المقدمات حديث4.

(3) جامع أحاديث الشيعة ج1 باب4 من أبواب المقدمات حديث9.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

فقال له (عليه السلام): مهما أجبت فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا نقول برأينا في شيء(1)..

عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يمكن القول فيها؟!

فقال له: مه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا من «أرأيت» بشيء(2).

ونقول:

إن هذا الدليل لا يمكن قبوله، لما يلي:

أولاً: بالنسبة لرواية جابر، وحفص بن البختري، بل وكذلك رواية الفضيل، فالجواب هو أنه:

إنما يقصد الإمام بكلامه، خصوص ما يرويه بعنوان أنه حديث وخبر، فإن سنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) هو أبوه عن جده.. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).. فلا يشمل قوله هذا ما يقرره من أحكام، أو ما يفعله من أمور يستفاد منها التشريع، أو غيره. فلا تدل هذه الروايات على نفي جعل حق التشريع للأئمة (عليهم السلام) في بعض الموارد، وفقاً للضابطة التي ذكرناها..

ثانياً: بالنسبة لروايتي قتيبة وعنبسة، نقول:

إنهما تدلان على أن الإجابة على السؤال في موردهما فقط قد كانت بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).. فلا تدلان على أن

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص321 و322.

(2) الكافي ج1 ص58.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

سائر الموارد التي يصدرون فيها أحكاماً لا بد أن يكون هذا حالها، إذ يمكن أن يكون الحكم في بعض تلك الموارد مستفاداً من آية قرآنية، لا من رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

ثالثاً: إن هاتين الروايتين قد حصرتا كلامهم (عليهم السلام) في أنه رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط، وقد ورد في كلامهم (عليهم السلام) تصريحات كثيرة جداً تفيد أنهم يستندون إلى القرآن أيضاً، فراجع ما روي حول أن المسح ببعض الرأس قد استفاده الإمام (عليه السلام) من الباء في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}.. وما روي من استفادة الإمام علي (عليه السلام)، مقدار أقل الحمل من الجمع بين قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}.. وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}..

رابعاً: قلنا: إن رواية الفضيل تقول: «حديثنا ببينة من ربنا، بينها لنبيه، فبينها لنا».. وفي هذا دلالة على نفس ذلك الذي قلناه من أن الحكم قد يكون مستفاداً من قواعد كلية، يمكّنهم (عليهم السلام) اطِّلاعهم عليها، على المناشيء والأهداف والغايات، والحقائق، والأسرار، والدقائق ـ يمكّنهم ـ من إنشاء وجعل الحكم القطعي اليقيني الإصابة لحكم الله الواقعي الثابت عند الله..

بحيث إن أي إمام يأتي بعده ـ لو أراد أن يجعل حكماً لتلك الواقعة، فإنه لا يمكن إلا أن يجعل نفس الحكم الذي وضعه الإمام الذي سبقه، فيصح أن يقال: إنه أخذه عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه أخذ منه قاعدته، وضوابطه، وعلمه الذي يجعل قولهم واحداً في جميع الوقائع.

ورواية الفضيل قد أشارت إلى هذه القاعدة بأنها بيّنة بيّنها الله لنبيه، وبيّنها النبي (صلى الله عليه وآله)، لهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

ويمكن تأييد مضمون هذه الرواية بالروايات التي أشارت إلى حقيقة علومهم (عليهم السلام)، وبروايات التفويض الآتية في الفصل الرابع..

كما أن بذلك تخرج الأحكام التي يصدرونها عن دائرة الظن، وعن دائرة الرأي الجزافي المرتجل، التابع للهوى الذي كان يعتمده غيرهم في إصداره للفتاوى والأحكام. إلى دائرة اليقين الناشيء عن الإراءة الإلهية للحقائق..

وبذلك يتضح: أن هذه الروايات الثلاث الأخرى التي ذكرت أنهم ليسوا من أهل الرأي، قد جاءت رداً على هؤلاء، وتخطئة لهم.. وليس لنفي تفويض جعل بعض الأحكام إليهم، (صلوات الله وسلامه عليهم) وفقاً لما ذكرناه..

11ـ جميع الأحكام في كتاب الإمام علي (عليه السلام):

وقد استدلوا أيضاً على نفي تفويض تشريع بعض الأحكام إلى الأئمة (عليهم السلام) بما روي من أن جميع الأحكام الشرعية كانت مدونة في كتاب الإمام علي (عليه السلام)، حتى أرش الخدش، ومهمة الأئمة هي بيان تلك الأحكام وتبليغها وحفظها..

وعلى حد تعبير بعضهم: لابد من تخصيص رواية التفويض بالروايات المشار إليها، التالية:

ما رواه عبد الله بن ميمون، عن الإمام الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: في كتاب علي كل شيء يحتاج إليه، حتى الخدش،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

والأرش، والهرش(1).

وفي حديث أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، جاء قوله: أين هو من الجامعة، أملى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخط علي (عليه السلام) بيده، فيها جميع الحلال والحرام، حتى أرش الخدش فيه(2).

عن رجل، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ما ترك علي (عليه السلام) شيئاً إلا كتبه(3).

الصيرفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا. وإن عندنا كتاباً أملاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخط علي (عليه السلام)، صحيفة فيها كل حلال وحرام(4).

ما رواه علي بن سعيد، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في تفسير الجفر، وذكر فيه: أنه كتاب فيه كل ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، من حلال وحرام، بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخط علي (عليه السلام)(5).

ـــــــــــــــ

(1) جامع أحاديث الشيعة ج1 أبواب المقدمات ج1 ص132 وبصائر الدرجات ص44 ط سنة 1385هـ .

(2) جامع أحاديث الشيعة ج1 ص133 عن بصائر الدرجات ص39.

(3) جامع أحاديث الشيعة ج1 ص133 عن بصائر الدرجات ص39.

(4) جامع أحاديث الشيعة ج1 ص136 الكافي ج1 ص241 وبصائر الدرجات ص41.

(5) جامع أحاديث الشيعة ج1 ص137 عن بصائر الدرجات ص43.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

ونقول:

إن الاستدلال بهذه الروايات لا يصح، وذلك لما يلي:

أولاً: إن الروايات المتقدمة، عدا الأخيرة منها، لا تنفي تفويض بعض الأحكام إلى الأئمة (عليهم السلام)، إذ إن ما كتبه علي (عليه السلام)، وأملاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إنما هو جميع الحلال والحرام الذي تم تشريعه، ويحتاج الناس إليه في ذلك الزمان. وأما ما عداه مما سوف يستجد، ويحدث من وقائع، يحتاج الناس إلى معرفة أحكامها ـ حتى لو كان أحكاماً يسيرة ـ فلا دليل على أن الروايات ناظرة إليه..

ثانياً: إن هذه الروايات، وحتى الرواية الأخيرة منها.. لا تأبى عن حملها على إرادة كتابة الأحكام مطلقاً، وهي ما تم تشريعه بصورة تفصيلية، أم بصورة إجمالية، من خلال بيان قاعدته العامة، وإطلاع الإمام على الحقائق والأسرار التي تعرّفه حكم الله الواقعي فينشئه في الوقت المناسب..

ويؤيد ذلك ما رواه الكليني بسند صحيح، من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد علَّم علياً ألف باب من العلم، يفتح له (عليه السلام)، من كل باب ألف باب.

ثم بيّنت تلك الرواية علمهم (عليهم السلام) بما في الجفر والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة(1)..

ثالثاً: إن الحديث الثالث، الذي يقول: ما ترك علي (عليه السلام) شيئاً إلا كتبه. معناه: أنه كتب الوقائع التي بيَّن النبي (صلى الله عليه وآله)، أحكامها.

ـــــــــــــــ

(1) راجع الرواية في الكافي ج1 ص239.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

رابعاً: لو سلمنا دلالة روايات أن في الجامعة، وكتاب الإمام علي (عليه السلام)، جميع الأحكام، على عدم التفويض، فإنها تتعارض مع أخبار التفويض الآتية، فلا بد من الجمع بينها، ولو بحمل ما ورد في روايات كتاب الإمام علي (عليه السلام)، على إرادة كتابة الأكثر، ويكون الباقي أحكاماً يسيرة جداً، لا ندري إن كانت تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة أو اليدين، فهي بحكم العدم بالنسبة لباقي الأحكام التي كتبت تفصيلاً أو إجمالاً في كتاب الإمام علي (عليه السلام)، وكتاب الجامعة. ومع عدم إمكان الجمع، فإن أحاديث التفويض أكثر وأوضح، وأصح وأصرح. فالأخذ بها يكون هو الأولى والأرجح..

خامساً: إن رواية الصيرفي، وعلي بن سعيد، وكذا رواية أبي بصير، قد ذكرت أن ما كتبه علي (عليه السلام)، والجفر، والجامعة، إنما يتضمن ما يحتاجه الناس من حلال وحرام.. والتشريع الإلهي لا ينحصر، بهذين الصنفين. ولعل طريقة البيان في رواية الصيرفي تؤيد هذه الإستفادة، حيث ذكرت أن عندهم ما يحتاج الناس إليهم فيه، وعندهم أيضاً الصحيفة التي فيها كل حلال وحرام. فلو كان المقصود بالشطر الأول، من الكلام. ما يشمل الحلال والحرام، لم يكن عطف الشطر الثاني عليه مستساغاً..

سادساً: إن حصر مهمة الأئمة (عليهم السلام) بالتبليغ، وبالحفظ والبيان، لا يمكن قبوله، ولا المساعدة عليه، كما أشرنا إليه في موارد عدة.

12ـ كفاية الكتاب والسنة:

وقد استدلوا على نفي تفويض التشريع للإمام (عليه السلام)، بالأخبار الدالة على أن كل ما نحتاج إليه قد بينته الشريعة حتى أرش الخدش.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

وقد عقد في الكافي لها باباً، أورد فيه عشر روايات، اختاروا منها ما يلي:

ما رواه مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى ـ والله ـ ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد. حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه(1)..

ما رواه المعلى بن خنيس، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ما من أمر يختلف فيه اثنان، إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل، ولكن لا تبلغه عقول الرجال(2)..

ما رواه حماد، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة(3).

عمرو بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله(4)..

روى سماعة عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، قال: قلت له: أَكُلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، أو تقولون فيه؟!

قال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)(5)..

ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في ذم أهل الرأي

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج1 ص59.

(2) الكافي ج1 ص59.

(3) الكافي ج1 ص60.

(4) الكافي ج1 ص59.

(5) الكافي ج1 ص62.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

والقياس، وفيه: «أم أنزل الله ديناً تاماً، فقصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.. وفيه تبيان لكل شيء»(1)..

ونقول:

أولاً: لقد راجعنا الباب الذي أشار إليه المستدل، والذي عقده الكليني في الكافي، فوجدنا أن ما تركه هذا المستشكل من روايات ذلك الباب ليست صالحة للاستدلال بها على ما نحن بصدده، مما يعني أن كلامه الظاهر في أن جميع ما في ذلك الباب يدل على ذلك، لا يخلو من إبهام وإيهام..

أما الروايات الخمس التي ذكرها منها، ففيه رواية واحدة صحيحة، وهي رواية حماد، وأخرى موثقة، وهي رواية سماعة. والروايات الثلاث الأخرى ضعيفة سنداً..

ثانياً: لو سلمنا بصحة سند ودلالة تلك الأحاديث، فإننا نقول: لا بد من حملها على التقية في هذا الأمر الخطير، الذي لا بد أن يرفضه مخالفو أهل البيت (عليهم السلام)، أشد الرفض..

بل قد يستفيدون منه في إثارة الشبهات والشكوك ضد أهل البيت (عليهم السلام)، في نفوس الناس الذين لا يعرفون الأئمة حق المعرفة، بل هم يرونهم مثلهم في جهات كثيرة..

ثالثاً: إن هذه الروايات الخمس أيضاً غير تامة الدلالة، وذلك بملاحظة ما يلي:

ـــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة الخطبة رقم 18.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

أ ـ بالنسبة لروايتي مرازم، وابن خنيس، فإنما تحدثتا عما أنزله الله في القرآن، وواضح: أن القرآن لم يُفَصِّل أحكام أكثر الأمور، بل هو قد ذكر أكثر الأمور في سياق قواعد عامة وشاملة. فهو لم يذكر مثلاً عدد ركعات الصلاة اليومية، ولا كيفيتها، ولا أحكامها، ولا تفاصيل الحدود والتعزيرات، والديات، ولا أرش الخدش ولا أنصبة الزكاة، ولا غير ذلك، إلا على النحو الذي ذكرناه..

ب ـ إن رواية عمرو بن قيس أيضاً: إنما ذكرت خصوص ما تحتاج إليه الأمة، مما ورد في القرآن، وأن الله قد علَّم ما أنزله في القرآن لرسوله.. والقرآن لم يتعرض ـ كما قلنا ـ للأمور بصورة تفصيلية، بل بطريقة ضرب القاعدة، وإعطاء الضابطة. فإذا جاءت الروايات، وقالت: إن الله تعالى قد علّم الرسول تلك الضوابط والقواعد، وأذن له بالعمل بمقتضاها، فلا ضير في الأخذ بها.

ج ـ بالنسبة لصحيحة حماد، نقول: إنها لم تحدد المراد بالسنة، فإن السنة كما تطلق على ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كذلك هي تطلق على ما ورد عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام). فإذا كان المقصود بها ما يعم ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام)، فإنها تصير من أدلة الإثبات لا من أدلة النفي..

د ـ إن رواية حماد، ورواية سماعة، بل ورواية عمرو بن قيس.. قد دلت على أن الله تعالى قد بيَّن جميع الأحكام في الكتاب، وبيَّنها الرسول (صلى الله عليه وآله) في السنة..

وبيان النبي لها يكون على نحو بيان القرآن لها.. فكما أن القرآن قد بيَّنها بصورة تفصيلية، كذلك هو قد بيَّن طائفة منها بطريقة ضرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

القاعدة وإعطاء الضابطة، فكذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله).. فيأخذ الإمام القاعدة منه، ويعرفه الله المصالح والمفاسد، فينشئ الأحكام، فيصيب حكم الله الواقعي.

ولعل الأبواب التي علَّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، للإمام علي (عليه السلام)، ليفتح له منها ألف باب من العلم قد تضمنت ذلك أيضاً..

وهذا هو الذي يفسر لنا أيضاً، ما دل على وجود الجفر والجامعة، وكتاب علي، وغير ذلك من العلوم الخاصة بهم، والتي تدل على أنه ليس بالضرورة، أن يكون النبي قد علَّم جميع العلوم لعامة الناس، فلعله علم تلك القواعد للأئمة (عليهم السلام) فقط..

رابعاً: بالنسبة لما روي عن الإمام علي (عليه السلام)، نقول:

إنه (عليه السلام) إنما يتحدث عن الذين يعملون بالرأي والقياس، وذلك لا يعني أن الأئمة (عليهم السلام)، لا يحق لهم جعل أحكام توافق أحكام الله الواقعية..

ثم إنه إنما يتكلم مع أناس لا يؤمنون بإمامته، ولا يعرفونه حق معرفته، وهو يريد أن يلزمهم بما يلزمون به أنفسهم..

13ـ تفويض التشريع لغو:

وقد حاول بعض الذين ينكرون الولاية التشريعية للأئمة (عليهم السلام) أن يقول: سلمنا ثبوت هذا الحق لهم (عليهم السلام)، لكنه في حقل العمل منتف بانتفاء موضوعه، إذ إن الله تعالى قد أكمل دينه، وأتم نعمته، فلم يبق مورد يحتاج فيه إلى التشريع..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

ونقول:

أولاً: إن فوائد جعل الحق لا تنحصر في ممارسته فعلاً، فإنه قد يكون من فوائد هذا التفويض:

إمتحان الخلق للوقوف على مقدار طاعتهم، وانقيادهم، وقبولهم، كما صرحت به عدة روايات، منها رواية زرارة المروية عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)(1)..

إن هذا التفويض يشير إلى سمو مقام الإمام، وعظيم منزلته، وفي ذلك فائدة عظيمة للناس، فيما يرتبط بعلاقتهم به، ونظرتهم إليه، واهتمامهم بما يصدر منه وعنه.

ثانياً: قلنا: إن إكمال الدين لا يتناقض مع هذا التفويض، فإن الله قد شرع أحكاماً كثيرة، وأبلغها للناس، وجعل أحكاماً أخرى في دائرة اختيار النبي (صلى الله عليه وآله)، لينشئها في الوقت المناسب، وعرفه المصالح والمفاسد، والضوابط والقواعد في ذلك ، وهكذا الحال بالنسبة إلى تفويض بعض الأحكام للإمام (عليه السلام) كما أوضحناه غير مرة.. فكمل بذلك الدين وتمت النعمة..

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج1 ص267 وبصائر الدرجات ص401 والبحار ج17 ص6 وج25 ص332 وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

الفصل الثالث:
إثبات التفويض:
أجواء ومناخات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

توطئة وتمهيد:

إننا نشير في هذا الفصل إلى بعض ما يرتبط بالإستدلال بالأخبار على تفويض التشريع للمعصوم.. وإلى أننا سوف نورد طائفة من هذه الأخبار في الفصل التالي إن شاء الله تعالى، ثم نذكر في الفصل الأخير مناقشات منكري التفويض في بضعة أخبار، رأوا: أن بإمكانهم من خلال مناقشاتهم هذه، إعطاء حكم عام على جميع الأخبار الأخرى، التي تعد بالعشرات، والتي هي بالإضافة إلى تواترها عدداً، تشتمل على الصحيح سنداً، والصريح دلالة، فنقول:

مما سبق:

قد عرفنا أنه قد بذلت محاولة التفصيل بين التفويض للنبي (صلى الله عليه وآله)، والقول بجوازه، بخلاف التفويض للأئمة (عليهم السلام)، فإنه غير جائز ..

وقد قلنا:

إنه لا معنى لهذا التفصيل، فإنه إذا جاز التفويض للنبي (صلى الله عليه وآله)، جاز التفويض للإمام (عليه السلام)، وفقاً للبيان الذي أسلفناه..

وقلنا أيضاً: إن الموانع التي ذكروها، لا تصلح للمانعية، كما رأينا..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

المناقشة بأسانيد روايات التفويض:

ثم بذلت محاولة أخرى تهدف إلى التشكيك بأسانيد أحاديث تفويض التشريع للمعصوم.

وقد قلنا أيضاً: وسيأتي أيضاً أنها محاولة فاشلة، لأن تلك الأحاديث متواترة، كما سنرى.. فلا حاجة إلى النظر في أسانيدها.

عدد روايات التفويض:

ثم زعموا: أن الروايات الدالة على إعطاء النبي (صلى الله عليه وآله)، ما فوضه الله إليه، إلى الإمام علي (عليه السلام)، أو إلى الأئمة، هي خمس روايات..

نقول:

سيظهر حين عرض الروايات أنها أضعاف ذلك، وأن الكليني لم يورد منها في الكافي إلا القليل..

المعتبر من روايات التفويض:

وقالوا: إن المعتبر من روايات الكافي هو رواية واحدة، وهي الرواية الأولى فقط، الآتية في فصل النصوص والآثار، برقم 27..

ونقول:

أولاً: إن أحاديث التفويض لا تنحصر بما في الكافي، بل هي روايات كثيرة ومتواترة موجودة في الكتب المعتبرة الأخرى.

ثانياً: كما أن الحديث الأول من أحاديث الباب الذي في الكافي معتبر، فإن الحديث الرابع من ذلك الباب معتبر أيضاً، فإنه مروي عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله..

كما أن الحديث السادس من ذلك الباب، وإن كان قد ضعفه فريق.. لكن فريقاً آخر يرى أنه معتبر، ولا يرتضي تضعيفه، فراجع كتب الرجال..

ولعله لأجل ذلك قال المجلسي عنه: «ضعيف على المشهور، معتبر عندي»(1).

الروايات معناها تفويض آخر:

وفي سياق آخر، اتجهوا إلى توجيه الروايات وحملها على معنى تفويض الولاية، والحكومة، والتبليغ، ولكن سيأتي:

إن ذلك لا يمكن قبوله، لأنه غير منسجم مع كثير منها، حتى على مستوى الإحتمال، وذلك بسبب صراحتها في تفويض التشريع، أو ظهورها فيها ظهوراً تاماً.

وتبقى بضعة روايات قليلة جداً، حاولوا: صرفها إلى ذلك المعنى، فناقشنا كلماتهم تلك، وأظهرنا بطلان هذا الزعم في الفصل الأخير من هذا الكتاب، وفي هذا الفصل أيضاً وفي غيره..

أضف إلى ذلك أن من الصعب جداً إيجاد قدر جامع بين تفويض التشريع، وتفويض الحكومة، وتفويض التبليغ، إذ أن تفويض الحكومة معناه جعل الولاية.. وتفويض التبليغ له معنى آخر، وهو جعل حق البيان لهم، وتفويض الحكومة معناه جعل السلطة والحاكمية, فكيف

ـــــــــــــــ

(1) مرآة العقول ج3 ص153.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

يمكن الجمع بين هذه المعاني في إنشاء واحد وفي سياق فارد..

ومع غض النظر عن هذا وذاك، فإننا لا يمكن أن نتعقل معنى معقولاً لتفويض البيان والتبليغ لهم (عليهم السلام)، بحيث ينحصر الأمر بهم، ولا يحق لسواهم التصدي له.

التواتر يختلف ويتفاوت:

وقد اتضح من جميع ما تقدم: أن ما استدل به النافون لتفويض المعصوم ، لا يصح الإستدلال به، ولا الإعتماد عليه .

وقد قلنا: إن أحاديث التفويض متواترة جزماً.. بل هي تفوق حدّ التواتر المطلوب في مثل هذه الأمور.. إذ إن ما يحتاج إليه في تحقيق التواتر المفيد للقطع، ليس على حد سواء في جميع المسائل، إذ هي تختلف في أهميتها، وفي طبيعتها، وفي سعي طلاب اللبانات للتشويش عليها، أو للاستفادة منها..

فرب مسألة يتحقق التواتر فيها بعشرة أحاديث، وتحتاج مسألة أخرى إلى عشرين، أو ثلاثين، والمسألة التي نحن بصددها لم تكن متداولة بشكل واسع، بل لعلها لم تكن معروفة، إلا لدى عدد قليل من أصحاب الأئمة وليست من المسائل التي يسعى الموالون لتأكيدها واشهارها، ولا هي من الموضوعات التي يتداولها المعادون للتشويش على الأئمة (عليهم السلام) والتشيع بها.

غير أن ما هو جدير بالملاحظة هنا أن الروايات التي تفيد في تأكيد هذا الأمر كثيرة جداً، وتعد بالعشرات، كما سيتضح.

المقصود بتفويض التشريع:

قلنا فيما سبق: إننا لا نقصد بتفويض الله للمعصومين (عليهم السلام)، تشريع بعض الأحكام: أن لهم أن يفعلوا ذلك انطلاقاً من هوى أنفسهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

واستناداً منهم إلى المعارف البشرية، وإلى الإدراكات السطحية للأمور..

كما لا نقصد: أن لهم أن يغيروا أحكام الله، وأن يبطلوا الوحي الإلهي..

بل نقول: هناك قسمان من الأحكام..

أحدهما: الأحكام التي فرضها الله سبحانه، وفرض على الأنبياء والأئمة أن يبلغوها للناس..

الثاني: الأحكام التي فوض الله تعالى إليهم (عليهم السلام) أمر وضعها وتشريعها، ضمن ضوابط حددها، وغايات أوضحها، وحدود وضعها، ومصالح ومفاسد أطلعهم عليها، ودقائق وحقائق بيَّنها.. حتى يصبحوا بحيث إذا أرادوا جعل الحكم، فإنهم يصيبون به حكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة..

وقد يكون هذا الحكم المجعول مطلقاً، كما هو الحال في إرث الجد، وغير ذلك.

وقد يكون مؤقتاً كما هو الحال في زكاة الخيل، وغيره..

وقد يطلق على الأحكام المفروضة من الله المبينة، عن طريق الوحي المباشر لها: أنها فريضة. ويطلق على ما أوكل أمر تشريعه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ وهو ما عدا ذلك: أنه سنة.

يضاف إلى ذلك: أن الروايات الكثيرة قد صرحت بأن ما فوضه الله للرسول (صلى الله عليه وآله)، قد فوضه للأئمة أيضاً من بعده.

سنن مجعولة بصورة مؤقتة:

وإذا كان لا بد لنا من أن نضمِّن هذه الدراسة، طوائف من الروايات التي تشير إلى هذا التفويض الذي ذكرناه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

فإننا رأينا أن نبدأ هنا بذكر بعض ما دل على جعل الأحكام المؤقتة، فنقول:

روى الكليني بسند صحيح، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن زرارة، عنهما جميعاً (عليهما السلام)، قالا: وضع أمير المؤمنين (عليه السلام)، على الخيل العتاق الراعية، في كل فرس، في كل عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً(1).

ورواه المفيد في المقنعة مرسلاً، إلا أنه قال: وجعل على البراذين السائمة الإناث في كل عام ديناراً(2).

وهذه الزيادة تشير إلى أن هذه رواية أخرى له..

وعلى كل حال، فقد أفتى الأصحاب بمضمون رواية زرارة المتقدمة، حتى لقد نقل الإجماع على استحباب مضمونها(3)..

محمد بن علي بن الحسين، في عيون الأخبار، عن محمد بن عمر بن سلم الجعابي، عن الحسن بن عبد الله بن محمد بن العباس التميمي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال:

ـــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ج9 ص78، والكافي ج3 ص530 وتهذيب الأحكام ج4 ص67 والاستبصار ج2 ص12.

(2) المقنعة ص40 . وفي الوسائل ج9 ص79 و80 ما يدل على أن هذا الحكم كان مؤقتاً. وأنه لا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم.

(3) راجع: كتاب مفتاح الكرامة، كتاب الزكاة ص124.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

عفوت لكم عن زكاة الخيل والرقيق(1).

فهو قد نسب العفو عن ذلك إلى نفسه، مما يعني: أنه هو الذي رفع الحكم..

وقد حاول البعض أن يقول:

إنه يمكن اندراج هذا المورد في الأحكام الجزئية الولوية، وأنه من باب تطبيق العناوين الثانوية على مواردها بسبب الحاجة إلى الأموال في ذلك الزمان..

وليس هو من قبيل الحكم العام في موارد الزكاة.. بشهادة عدم ذكر النصاب المعمول به في أصناف الزكاة.

كما إن المتعارف في مال الزكاة هو إعطاء شيء من نفس المال، لا إعطاء مقدار معين من الدنانير عنه. كما هو الحال في هذا المورد.

فكأن هذا من الضرائب التي جعلها الإمام مؤقتاً لبعض الضرورات.

وإلا، فإن الشريعة قد تم نزولها حتى أرش الخدش، فلا يوجد فراغ قانوني..

ونقول:

أولاً: ليس في الرواية أية إشارة إلى أن ما وضعه الإمام علي (عليه السلام)، على البراذين وسواها قد كان من قسم الزكاة..

ثانياً: إن كون المعمول به في الزكاة هو تحديد النصاب في مواردها، لا يصلح دليلاً على لزوم جعل النصاب حتى في هذا المورد.

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج9 ص80 عن عيون أخبار الرضا ج2 ص61.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

وكذا الحال بالنسبة لأخذ المقدار الواجب من نفس جنس المال المزكى. فإن ذلك لا يوجب سراية هذا الأمر إلى جميع موارد الزكاة.

ثالثاً: بالنسبة للفراغ القانوني..

نقول: إننا قد أجبنا عنه في موارد عديدة أخرى. فلا حاجة إلى الإعادة..

رابعاً: احتمال أن يكون (عليه السلام) قد وضع ذلك على سبيل وضع الضرائب بسبب الحاجة إلى المال.. لا يلتفت إليه، إذ إن الأمر لو كان كذلك لم يختص ذلك بالخيل العتاق، والبراذين.. بل كان قد وضع ذلك على أشياء أخرى مثل البساتين، والأراضي وبعض الحيوانات الأخرى.. وبعض المنتجات الزراعية، وعلى أصحاب التجارات، وما إلى ذلك..

خامساً: لو صح هذا الإحتمال لجرى في أحكام كثيرة شرعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في كثير من أبواب الفقه، وقد وردت منسوبة إليه، فلماذا لم يحتمل هذا المستدل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله)، قد أنشأها من موقع حاكميته، وأنها من الأحكام الجزئية التابعة للعناوين الثانوية؟!.. وكيف يعترف هذا المستدل بأن النبي (صلى الله عليه وآله)، قد شرعها، وأن له الحق في ذلك؟!..

ملاحظة:

إن مراجعة الأحاديث الواردة في كتاب الوسائل ج9 ص53 ـ 60 وفي الأبواب الأخر تظهر أن ثمة تعمداً واضحاً للتصريح بأن رسول الله قد وضع الزكاة على الأصناف، وأنه هو نفسه قد عفا عما سوى ذلك. وهذا الأمر له نظائر كثيرة في الأبواب المختلفة في كتب الحديث، فراجع على سبيل المثال: الوسائل ج26 ص136 باب 20 من أبواب الفرائض والمواريث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

كتاب الإمام الجواد (عليه السلام):

قد روي أن الإمام الجواد (عليه السلام)، قد جعل الخمس في بعض أصناف الزكاة لمدة معينة، فراجع ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، وعبد الله بن محمد جميعاً، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر، وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة:

إن الذي أوجبت في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين وماءتين، فقط، لمعنى من المعاني، أكره تفسير المعنى كله خوفاً من الانتشار، وسأفسر لك بعضه..

إلى أن قال: ولم أوجب ذلك عليهم في كل عام، ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم. وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة، التي قد حال عليهما الحول، الخ(1)..

فهذه الرواية تدل على أن الإمام (عليه السلام)، قد أوجب الخمس في الذهب والفضة، لمدة سنة واحدة. وقد نسب (عليه السلام)، هذا الإيجاب إلى نفسه..

مناقشات لا تصح:

وقد ناقش البعض في هذه الرواية بعدة مناقشات، نوجزها، ونجيب عنها على النحو التالي:

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج9 ص501 و502 وبهامشه عن تهذيب الأحكام ج4 ص141 والاستبصار ص60.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

1ـ المناقشة الأولى:

قالوا: إن الإمام خازن للعلم، حافظ للشرع، وليس مشرعاً، فلا بد من القول بأن المورد ليس من قبيل التشريع، بل هو من قبيل الحكم الجزئي الولائي الإجرائي، الذي يصدره الحاكم لأجل بعض الضرورات العارضة. وهذا أمر جائز للفقيه، فكيف بالإمام (عليه السلام)..

ونقول:

أولاً: لو صح ما ذكره هذا المستدل، فما الذي يؤمننا من أن تكون كثير من الأحكام التي وضعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمعمول بها في الشرع، وسنورد جانباً كبيراً منها في الفصل التالي ـ ما الذي يؤمننا ـ أن يكون ذلك كله قد جاء من موقع حاكميته (صلى الله عليه وآله)، فتكون أحكاماً جزئية إجرائية، ولائية؟!.. مع إن هذا المستدل نفسه يعترف بأنها مما وضعه الرسول كتشريع ثابت للبشر جميعاً.

ثانياً: قول هذا المستدل: إن الإمام ليس مشرعاً، بل هو مجرد حافظ للشرع، غريب، فإن هذا هو محل النزاع.. فكيف يصح جعل الدعوى هي الدليل.

ثالثاً: قد دلت الروايات المتواترة الآتية على أن التشريع في بعض الموارد مفوض إليه (صلى الله عليه وآله).. فلا تجدي هذه الإستحسانات في دفع النص، ما لم تصل إلى حد المحذور العقلي، أو الديني الشرعي..

خصوصاً مع ملاحظة: أن الآية القرآنية قد دلت على أنه إذا أذن الله لأحد بأن يحلل ويحرم، كان له ذلك. فقد قال تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}..

رابعاً: لقد قال (عليه السلام) في الرواية المتقدمة أخيراً:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

«ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية، ولا دواب، ولا خدم، ولا ربح ربحه في تجارة، ولا ضيعة، إلا في ضيعة سأفسر لك أمرها، تخفيفاً مني عن موالي، ومناً مني عليهم»..

فقوله هذا يدل على أن ما أوجبه (عليه السلام) لم يكن لأجل ضرورة عرضت، كما قاله هذا المستدل، إذ لو كانت الضرورة هي السبب في الجعل، لم يكن معنى لهذا العفو، ولا مجال للمنة به عليهم. وذلك ظاهر لا يخفى..

خامساً: قوله (عليه السلام): «وسأفسر لك بعضه، إن شاء الله، إن موالي ـ أسأل الله صلاحهم ـ أو بعضهم، قصروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك، فأحببت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا»..

إن قوله (عليه السلام) هذا يدل على أنه لا يفعل ذلك لأجل ضرورة عرضت، بل لمصحلة التزكية والتطهير..

إلا أن يقال: إن التزكية، والتطهير هي الضرورة العارضة التي عناها ذلك المستدل..

2ـ المناقشة الثانية:

قالوا: إنه لا وجه لاشتراط أن يحول الحول في الخمس، إذ إن حول الحول معتبر في الزكوات لا في الأخماس.. وهذا يعني: أن الحول قد اشترط في حكم ولائي، جزئي، إجرائي، لا في حكم شرعي كلي، مجعول من قبله (عليه السلام)..

ونقول:

إنه إذا كان هذا تشريعاً من قبل الإمام (عليه السلام)، فلماذا لا يكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

حكماً جديداً أنشأه الإمام (عليه السلام) مشترطاً فيه أن يحول الحول في خصوص هذا المورد، فإنه لا دليل على أنه يجب أن تتشابه الأحكام المنشأة، وليس في اشتراط ذلك محذور بعينه، بل هذا الاشتراط تابع لما يلاحظه الإمام في كل مورد بخصوصه..

فلا يصح جعل هذا الاشتراط دليلاً على أن الحكم جزئي، وإجرائي ولائي..

3ـ المناقشة الثالثة:

قالوا: إنه لا معنى لاستثناء المتاع، والآنية، والدواب، والخدم؛ لعدم تعلق الخمس في هذه الأمور في كل سنة.. إلا إذا كان الحكم جزئياً ولائياً إجرائياً، ويراد بيان أن هذه الأمور قد استثنيت منه.

أي أنه (عليه السلام) أراد أن يبين: أن هذه الأمور كما هي مستثناة من الخمس، كذلك هي مستثناة من هذا الحكم الخاص أيضاً..

ونقول:

أولاً: إن جوابنا المتقدم على المناقشة السابقة هو نفسه الجواب هنا. فإنه إذا كان الإمام يتصدى لوضع الحكم، فإنه قد يكون هناك خصوصيات اقتضت وضع الحكم في هذه الموارد، ولكن جاءت إرادة التخفيف، والمنة عليهم، لتجعله يعفو لهم عن ذلك، ويمن به عليهم..

ثانياً: إنه (عليه السلام)، لا يريد بكلامه هذا أن يعفو لهم عن خمس ثابت، بل هو يريد أن يمتن عليهم بعدم جعل الحكم في هذه الموارد، مع أن المقتضي للجعل فيها موجود..

ثالثاً: إن الاستثناء في هذا المورد لم يكن من الحكم الخاص

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح65/

الثابت، بل ليس في المقام استثناء أصلاً، بل هو (عليه السلام) يخبرهم بعدم الجعل لأصل الحكم، لا أنه قد جعل حكماً شاملاً لكل هذه الأمور، ثم استثني فيه الأكثر، وأبقي مورداً واحداً تحت ذلك العام دون سواه.

رابعاً: لو كان مقصود الآية هو الإستثناء لكان من قبيل استثناء وتخصيص الأكثر، وهذا مما لا مجال للالتزام به..

4ـ المناقشة الرابعة:

قالوا: إن الرواية قد ذكرت: أنه (عليه السلام) لم يوجب عليهم الخمس في متاع، ولا في آنية، ولا دواب، ولا خدم الخ.. في ذلك العام، وهذا ينافي إثبات وجوب الخمس في الغنائم والفوائد في كل عام!!..

ونقول: إنه (عليه السلام) قد نفى وجوب خمس آخر في تلك الأمور، بعد أن حال الحول عليها، على حد ما اشترطه في الذهب والفضة..

وهذا لا ينافي ثبوت الخمس فيها، وفقاً لشرائطه المقررة. أي أنه (عليه السلام) أراد أن ينفي أن يكون الواجب عليهم إخراج الخمس مرتين في تلك الأمور المذكورة..

تارة: بدون ملاحظة الحول.. وهو الخمس بشرائطه المتعارفة..

وأخرى: خمس آخر، بعد مضي حول على وجودها عنده..

5ـ المناقشة الخامسة:

قالوا: إنه (عليه السلام) قد حكم بوجوب دفع نصف السدس في الضياع والغلات.. إذا كانت تقوم بمؤونة صاحبها، مع أن المؤن إنما يجب فيها الخمس، وليس السدس ولا نصفه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

ويجاب عن ذلك، بأن هذا من باب إباحة الإمام لشيعته ما يتوجب عليهم من خمس أو غيره، إذا وجد مصلحة في ذلك، فإن ذلك جائز للإمام (عليه السلام).

ولعل سبب ذلك في هذا المورد هو أن السلطان الجائر كان يأخذ منهم العشر، فأراد (عليه السلام) أن لا يرهقهم بأخذ الخمس أيضاً..

6ـ المناقشة السادسة:

قالوا: إنه (عليه السلام) قد فسر الغنيمة بالفوائد التي تحصل عن طريق الجائزة، أو الميراث الذي لا يحتسب وشبهه، مع أن المعروف هو تفسيرها بكل ما يستفاد..

وجوابه: أن الرواية قد صرحت أولاً بالتعميم لكل ما يستفاد، ثم عادت لتنص على بعض المصاديق، لأنها تريد تخصيص هذه المصاديق بحكم بعينه، فقد ورد فيها قوله:

«فالغنائم والفوائد يرحمك الله، فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب، من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم، فيؤخذ ماله، ومثل ما يؤخذ ولا يعرف له صاحب..».

فالكلام ظاهر في التعميم.. مع إيراد بعض الأمثلة لذلك، ربما ليفهمنا: أن الغنيمة لا تنحصر بأرباح التجارات ونحوها، بل تشمل ما هو من قبيل الموارد المشار إليها..

7ـ المناقشة السابعة:

قالوا: إن الإمام (عليه السلام)، قد حكم بملكية مجهول المالك، مع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

إيجابه أداء خمسه، مع أن المعروف هو لزوم التصدق بمجهول المالك..

ويجاب:

أولاً: قد يقال: إن المقصود قد يكون هو الأموال التي تؤخذ من دار الحرب، وإن لم تكن هناك حرب ولا غنائم..

ولعل الشاهد على ذلك هو وقوع هذه الجملة، وهي قوله: «ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب» قد وقعت بين قوله: «ومثل عدو يصطلم، فيؤخذ ماله» وقوله: «وما صار إلى موالي من أموال الخرّمية الفسقة»..

ثانياً: إننا إذا استبعدنا هذه الإجابة، ولم نستطع حل الإشكال، في هذه الفقرة وظننا: أن الراوي لم يحفظ هذا المورد بصورة دقيقة، فإن صياغة الكلام هنا ليست على ما يرام، كما هو ظاهر لا يخفى ـ إنه إذا كان الأمر كذلك ـ فهو لا يوجب رد جميع فقرات الرواية. فإن العلماء لا يرفعون اليد عن جميع فقرات الرواية، إذا كانت تامة المعنى بدونها، لمجرد وجود إشكال في إحدى تلك الفقرات..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

الفصل الرابع:
نصوص التفويض في مصادرها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

لابد من التوضيح:

إن واقع النصوص التي ذكرت تفويض التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله) ، وللأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وخصوصيات التعابير منها، وتعاطي بعض من تصدى للنظر فيها، قد فرض علينا أمرين:

أحدهما: تقسيمها إلى ثلاثة أصناف هي:

1 ـ ما دل على التفويض للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يتعرض لسواه.

2 ـ ما دل على التفويض للنبي والإمام معاً.

3 ـ ما دل على التفويض للإمام (عليه السلام)، ولم يتحدث عن غيره..

الثاني: إن بعض من تصدى للشأن العلمي، والتزم جانب القول بنفي ثبوت حق التشريع، إما مطلقاً، أو لخصوص الأئمة (عليهم السلام)، قد حاول أن يثير حول بعض تلك الروايات شبهات، أو أن يصرف معناها، ويؤولها بتأويلات لا مجال لقبولها..

فكان لابد من التصدي لمعالجة تلك الشبهات، والنظر في تلك الإشكالات، الأمر الذي فرض علينا أن نعقد فصلاً مستقلاً أيضاً يُعنى بهذا الأمر، وهكذا كان..

أما هذا الفصل فقد خصصناه لذكر الروايات فقط، وخصصنا الذي بعده لمعالجة الشبهات المثارة، فليُعلم ذلك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

1ـ القرآن:

لقد ذكر الله سبحانه أن التحريم و التحليل للأشياء، لا يجوز إلا بإذن منه سبحانه، حيث قال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}(1)..

فقد دلت هذه الآية على أن التشريع وجعل الأحكام جائز إذا كان الله سبحانه قد أذن به.. والروايات التالية تدل على أن هذا الإذن موجود..

2ـ النبي (صلى الله عليه وآله)، يشرع الأحكام:

لقد كانت هناك سياسة، تهدف إلى الحط من شأن النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنكار مقاماته، والتأكيد على مقولة «حسبنا كتاب الله»، فكأن هذه الروايات قد جاءت لتأكيد هذا الحق له (صلى الله عليه وآله)، وللأئمة (عليهم السلام)، والرد على تلك القولة الظالمة.

ونذكر هنا: مما دل على أن النبي (صلى الله عليه وآله)، قد شرع فعلاً بعض الأحكام، الروايات التالية:

عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن محمد بن مروان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن النبيذ؟ فقال: حرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كل مسكر(2).

علي بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، جميعاً، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل، حرم الخمر بعينها، فقليلها وكثيرها حرام، كما حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الشراب من كل مسكر، وما حرمه

ـــــــــــــــ

(1) سورة يونس، الآية 59.

(2) الكافي ج6 ص408 والوسائل ج25 ص326.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد حرمه الله عز وجل(1).

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن إسماعيل، جميعاً، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): حرم الله الخمرة قليلها، وكثيرها، كما حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وحرم النبي (صلى الله عليه وآله)، من الأشربة المسكر، وما حرمه النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد حرمه الله عز وجل(2).

وقال: ورواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، نحوه(3).

روى الصدوق بسند صحيح، عن زرارة بن أعين، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): كان الذي فرض الله عز وجل، على العباد عشر ركعات، وفيهن القراءة، وليس فيهن وهم ـ يعني سهو ـ فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعاً، وفيهن السهو، وليس فيهن القراءة. فمن شك في الأوليين، أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم(4).

قال الحر العاملي: ورواه ابن إدريس في آخر السرائر، نقلاً من كتاب حريز بن عبد الله، عن زرارة، وزاد: وإنما فرض الله كل صلاة

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج6 ص408 والوسائل ج25 ص325 و326 عنه وعن التهذيب ج9 ص111.

(2) الكافي ج6 ص409 والوسائل ج25 ص338.

(3) وفي هامشه أشار إلى تهذيب الأحكام ج9 ص111 و499..

(4) من لا يحضره الفقيه ج1 ص128 والوسائل ج8 ص187 و188 عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

ركعتين، وزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعاً، وفيهن الوهم، وليس فيهن قراءة(1).

حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن البرقى، عن فضالة، عن ربعي، عن القاسم بن محمد، قال: إن الله أدَّب نبيه فأحسن تأديبه. فقال خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين. فلما كان ذلك أنزل الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وفوض إليه أمر دينه وقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، فحرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر، فأجاز الله ذلك. وكان يضمن على الله الجنة، فيجيز الله ذلك له. وذكر الفرايض فلم يذكر الجد، فأطعمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سهماً، فأجاز الله ذلك، ولم يفوض إلى أحد من الأنبياء غيره(2).

حدثنا محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن الله أدَّب نبيه، حتى إذا أقامه على ما أراد، قال له: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. فلما فعل ذلك له رسول الله (صلى الله عليه وآله)، زكاه الله فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} فلما زكاه، فوض إليه دينه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، فحرم الله الخمر، وحرم رسول الله

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج8 ص188 وفي هامشه عن مستطرفات السرائر ص74.

(2) بصائر الدرجات ص398 و399 والبحار ج17 ص7 و8 وج101 ص342 والوسائل ط مؤسسة آل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

(صلى الله عليه وآله) كل مسكر، فأجاز الله ذلك كله، وإن الله أنزل الصلوة، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقَّت أوقاتها، فأجاز الله ذلك له(1).

8 ـ حدثنا محمد بن الحسن، عن جعفر بن بشير، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن أشياء من الصلاة، والديات، والفرايض، وأشياء من أشباه هذا. فقال: إن الله فوَّض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله)(2).

أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن حمران، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن أشياء من الصلاة، والديات، والفرايض، وأشياء من أشباه هذا. فقال: إن الله فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله)(3).

10ـ عبد الله بن عامر، عن أبي عبد الله البرقي، عن الحسن بن عثمان، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قرأت هذه الآية على أبي جعفر (عليه السلام)، {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ}.. قول الله تعالى لنبيه وأنا أريد أن أسأله عنها.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): بل وشيء وشيء ـ مرتين ـ وكيف لا يكون له من الأمر شيء؟ فقد فوض الله إليه دينه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فما أحل رسول الله صلى الله

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص399 وبحار الأنوار ج17 ص8 وج63 ص485 وج76 ص171 وج109 ص254 والوسائل ج25 ص332.

(2) بصائر الدرجات ص399 والبحار ج17 ص9 عنه.

(3) بصائر الدرجات ص400 والبحار ج17 ص9 عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

عليه وآله، فهو حلال، وما حرم فهو حرام(1).

11ـ أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عذافر، عن عبد الله بن سنان، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إن الله تبارك وتعالى أدَّب محمداً (صلى الله عليه وآله)، فلما تأدب، فوض إليه، فقال تبارك وتعالى: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}.. فكان فيما فرض في القرآن فرايض الصلب، وفرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرايض الجد، فأجاز الله ذلك له. وأنزل الله في القرآن تحريم الخمر بعينها، فحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر، فأجاز الله له ذلك في أشياء كثيرة. فما حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو بمنزلة ما حرم الله.

ورواه الصفار أيضاً، عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر، عن رجل من إخواننا، عن محمد بن علي (عليه السلام)(2)..

12ـ أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ما أعطى الله نبياً شيئاً، إلا وقد أعطاه محمداً (صلى الله عليه وآله)، قال

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص402 والبحار ج17 ص10 وتفسير فرات الكوفي ص93.

(2) بصائر الدرجات ص402 و403 والوسائل ج25 ص333 وج17 ص265 وج26 ص142 و143 ط مؤسسة آل البيت، والبحار ج17 ص10 وج101 ص343.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

لسليمان بن داود (عليه السلام): {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.. وقال لمحمد (صلى الله عليه وآله): {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}»(1)..

13ـ محمد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عمن رواه، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إن الله أدَّب محمداً (صلى الله عليه وآله) تأديباً، ففوَّض إليه الأمر، وقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وكان مما أمره الله في كتابه، فرايض الصلب، وفرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) للجد، فأجاز الله ذلك له(2).

14ـ إبراهيم بن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله: إن الله فوض الأمر إلى محمد (صلى الله عليه وآله). فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. قال: إن الله خلق محمداً (صلى الله عليه وآله) طاهراً. ثم أدبه حتى قوَّمه على ما أراد، ثم فوض إليه الأمر، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

فحرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كل شراب، وفرض الله فرايض الصلب، وأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجد، فأجاز الله له ذلك، وأشياء ذكرها من هذا الباب(3).

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص402 والبحار ج17 ص11.

(2) بصائر الدرجات ص400 والبحار ج101 ص342 وج17 ص10 عنه والوسائل ج25 ص332.

(3) بصائر الدرجات ص403 والبحار ج17 ص11 والوسائل ج25 ص333.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

15ـ الطيالسي وابن أبي الخطاب، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل بن جميل، عن جابر بن يزيد، قال: تلوت على أبي جعفر (عليه السلام) هذه الآية من قول الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ} فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حرص أن يكون علي ولي الأمر من بعده، فذلك الذي عنى الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ}. وكيف لا يكون له من الأمر شيء، وقد فوض الله إليه فقال: ما أحل النبي (صلى الله عليه وآله) فهو حلال، وما حرم النبي (صلى الله عليه وآله) فهو حرام(1).

16ـ محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن الله تبارك وتعالى أدَّب نبيه (صلى الله عليه وآله)، فلما انتهى به إلى ما أراد، قال له: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ففوض إليه دينه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وإن الله عز وجل فرض الفرائض، ولم يقسم للجد شيئاً، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أطعمه السدس، فأجاز الله جل ذكره له ذلك، وذلك قول الله عز وجل: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

ورواه الصفار عن الحجال، عن الحسن اللؤلؤي، عن ابن سنان، مثله(2)..

ـــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج25 ص339 و340 عن الاختصاص ص322. وقريب منه رواه العياشي في تفسيره ج1 ص197 وعنه في البحار ج25 ص237 وج17 ص11 و12 ونور الثقلين ج5 ص284 وتفسير البرهان ج1 ص314.

(2) الكافي ج4 ص267 والوسائل ج26 ص137 و138 عنه، وج25 ص332 وبصائر الدرجات ص399 والبحار ج17 ص5 و6 وج101 ص342 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص324 و333 ونور الثقلين ج4 ص461 وج5 ص282.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

ونقول: إنه إنما أطعم الجد السدس في صورة كون الأب والأم وارثين..

17ـ الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، دية العين، ودية النفس، وحرم النبيذ، وكل مسكر.

فقال له رجل: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير أن يكون جاء فيه شيء؟

قال: نعم، ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه.

ورواه الصفار عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن زرارة(1).. وهذا السند صحيح.

18ـ حدثنا بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسن، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن عبد العزيز، قال: قال لي جعفر بن محمد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كان يفوض إليه، إن الله تبارك وتعالى فوض إلى سليمان ملكه، فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وإن الله فوض إلى محمد نبيه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فقال رجل: إنما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مفوضاً إليه في الزرع والضرع. فلوى جعفر (عليه السلام) عنه عنقه مغضباً، فقال: في كل شيء، والله في كل شيء(2).

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج 1 ص 267 وبصائر الدرجات ص 401 والبحار ج 25 ص 332 وج17 ص6.

(2) بصائر الدرجات ص400 والبحار ج17 ص9.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

19ـ علي بن الحسن، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبيه، عن ربعي بن عبد الله، أو عن عبد الله بن عمرو، وعن ربعي، عن القاسم بن الوليد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن الله أدَّب محمداً (صلى الله عليه وآله)، فأحسن تأديبه، فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال: فلما كان ذلك أنزل الله عليه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} فلما كان ذلك فوض إليه دينه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فحرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر، فأجاز الله له ذلك، وفرض الله الفرائض، فلم يذكر الجد، فجعل له رسول الله (صلى الله عليه وآله) سهماً، فأجاز الله ذلك له، وكان والله يعطي الجنة على الله، فيجوز الله ذلك له(1).

20ـ روى الحسن بن علي بن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أطعم الجدة السدس، ولم يفرض الله عز وجل لها شيئاً»(2).

21ـ وفي الصحيح عنه، وعن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: عشر ركعات: ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الآخرة، لا يجوز الوهم فيهن، من وهم في شيء منهن استقبل الصلاة استقبالاً، وهي الصلاة التي فرضها الله عز وجل على المؤمنين في

ـــــــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام ج9 ص397 ووسائل الشيعة ج26 ص140 و141.

(2) من لا يحضره الفقيه ج4 ص205.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

القرآن، وفوض إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، فزاد النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة سبع ركعات، هي سنَّة ليس فيهن قراءة، إنما هو تسبيح وتهليل، وتكبير، ودعاء، والوهم إنما يكون فيهن، فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلاة المقيم غير المسافر، ركعتين في الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر(1).

22ـ وعن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد المسلي، عن عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله)، نزل بالصلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين، فلما ولد الحسن والحسين (عليهما السلام)، زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، سبع ركعات شكراً لله، فأجاز الله له ذلك، وترك الفجر ولم يزد فيها لضيق وقتها، لأنه تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، فلما أمره الله بالتقصير في السفر وضع عن أمته ست ركعات، وترك المغرب لم ينقص منها شيئاً، وإنما يجب السهو فيما زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الأولتين، استقبل صلاته(2).

23ـ عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، وجعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، في حديث يذكر فيه العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) قال: إنما جعل أصل الصلاة ركعتين، وزيد على

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج4 ص49 عن الكافي ج3 ص273.

(2) الوسائل ج4 ص50 و82 و83 وج8 ص189والكافي ج3 ص487.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

بعضها ركعة، وعلى بعضها ركعتان، ولم يزد على بعضها شيء، لأن أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة، لأن أصل العدد واحد، فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة.

فعلم الله عز وجل، أن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة، التي لا صلاة أقل منها، بكمالها وتمامها، والإقبال عليها، فقرن إليها ركعة أخرى، ليتم بالثانية ما نقص من الأولى، ففرض الله عز وجل أصل الصلاة ركعتين.

ثم علم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أن العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به وكماله، فضم إلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة، ركعتين، ركعتين، ليكون فيها تمام الركعتين الأولتين، ثم علم أن صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للانصراف إلى الإفطار، والأكل، والوضوء، والتهيئة للبيت، فزاد فيها ركعة واحدة، ليكون أخف عليهم، ولأن تصير ركعات الصلوات في اليوم والليلة فرداً، ثم ترك الغداة على حالها، لأن الاشتغال في وقتها أكثر، والمبادرة إلى الحوائج فيها أعم، ولأن القلوب فيها أخلى من الفكر، لقلة معاملة الناس بالليل، وقلة الأخذ، والإعطاء، فالإنسان فيها أقبل على صلاته منه في غيره من الصلوات، لأن الفكرة أقل، لعدم العمل من الليل.

قال: وإنما جعلت السنة أربعاً وثلاثين ركعة، لأن الفريضة سبع عشرة، فجعلت السُنة مثلي الفريضة، كمالاً للفريضة، وإنما جعلت السنة في أوقات مختلفة، ولم تجعل في وقت واحد، لأن أفضل الأوقات ثلاثة: عند زوال الشمس، وبعد المغرب، وبالأسحار، فأحب أن يصلى له في كل هذه الأوقات الثلاثة، لأنها إذا فرقت السنة في أوقات شتى كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

أداؤها أيسر، وأخف من أن تجمع كلها في وقت واحد(1).

ويقول في الرواية المتقدمة نفسها أيضاً: «فإن قيل: لم جعلت للكسوف صلاة، قيل: لأنه آية من آيات الله، لا يدرى لرحمة ظهرت أم لعذاب، فأحب النبي (صلى الله عليه وآله)، أن يُفزع أمته لخالقها وراحمها  عند ذلك، ليصرف عنهم شرها الخ..» (2).

24ـ ما روي بسند صحيح، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدَّب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب قال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كان مسدداً، موفقاً، مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله.

ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة، ركعتين، ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين، ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة، لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب، فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عز وجل له ذلك

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج4 ص53 و54 وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1 ص114 ط سنة 1408 هـ . وعلل الشرائع ص304 الباب 182 ط مؤسسة الأعلمي سنة 1408هـ .

(2) علل الشرايع ص312 ط مؤسسة الأعلمي سنة 1408، وعيون أخبار الرضا ج1 ص121.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

كله، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

ثم سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل، أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك.

والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً، تعد بركعة مكان الوتر.

 وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان، وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوم شعبان، وثلاثة أيام في كل شهر، مثلي الفريضة. فأجاز الله عز وجل له ذلك.

وحرم الله عز وجل الخمر بعينها، وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كل شراب. فأجاز الله له ذلك كله.

وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء، وكرهها، ولم ينه عنها نهي حرام، إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها، فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد، كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه، ولم يرخص لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيما نهاهم عنه نهي حرام، ولا فيما أمر به أمر فرض لازم.

فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام، لم يرخص فيه لأحد، ولم يرخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك، إلا للمسافر. وليس لأحد أن يرخص [شيئاً] ما لم يرخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوافق أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الله عز وجل، ونهيه نهي الله عز وجل،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى(1).

تفويض التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله) وللإمام (عليه السلام):

25ـ يعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن زياد القندي، عن محمد بن عمارة، عن فضيل بن يسار، قال: سألته كيف كان يصنع أمير المؤمنين بشارب الخمر؟ قال: كان يحده. قلت: فإن كان عاد؟ قال: يحده ثلاث مرات، فإن عاد كان يقتله.

قلت: كيف كان يصنع بشارب المسكر؟ قال: مثل ذلك. قلت: فمن شرب شربة مسكر، كمن شرب شربة خمر؟ قال: سواء.. فاستعظمت ذلك، فقال لي: يا فضيل لا تستعظم ذلك، فإن الله إنما بعث محمداً رحمة للعالمين، والله أدَّب نبيه فأحسن تأديبه. فلما تأدب فوَّض إليه، فحرَّم الله الخمر، وحرَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر. فأجاز الله ذلك له، وحرَّم الله مكة، وحرَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، المدينة. فأجاز الله كله له. وفرض الله الفرايض من الصلب، فأطعم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجد. فأجاز ذلك كله له.

ثم قال له: يا فضيل، حرف وما حرف، من يطع الرسول فقد أطاع الله(2).

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج4 ص266 و267 والوسائل ج17 ص4 و5 وج4 ص45 و46 وراجع ج25 ص325 وراجع ج10 ص487 ونور الثقلين ج5 ص280/281.

(2) بصائر الدرجات ص400/401 والبحار ج76 ص158 وج17 ص8 و9 وفيه كلمة «كله» بدل كلمة «ذلك». والاختصاص ص309 و310 والوسائل ج25 ص332 و333.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

26ـ يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: كيف كان يصنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بشارب الخمر؟ قال: كان يحده. قلت: فإن عاد؟ قال: يحده ثلاث مرات، فإن عاد كان يقتله. قلت: فمن شرب الخمر كمن شرب المسكر؟ قال: سواء.. فاستعظمت ذلك. فقال: لا تستعظم ذلك، إن الله لما أدَّب نبيه، ائتدب ففوض إليه.

وإن الله حرم مكة، وإن رسول الله حرم المدينة، فأجاز الله له ذلك. وإن الله حرم الخمر، وإن رسول الله حرم المسكر. فأجاز الله ذلك كله. وإن الله فرض الفرايض من الصلب، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يطعم الجد، فأجاز الله ذلك له.

ثم قال: حرف وما حرف، من يطع الرسول فقد أطاع الله(1).

27ـ محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فسمعته يقول: إن الله عز وجل أدَّب نبيه على محبته فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. ثم فوض إليه، فقال عز وجل: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال عز وجل: {مَنْ يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}، قال: ثم قال: وإن نبي الله فوض إلى علي وأتمنه، فسلمتم وجحد الناس. فوالله، لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص401 والبحار ج25 ص340 وفيها زيادات ولعلها نسخة للمجلسي وراجع ج101 ص342 وج17 ص9.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

وبين الله عز وجل. ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا.

28ـ عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ـ ثم ذكر نحوه.

ورواه الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، والحسن بن علي بن فضال، عن عاصم، عن النحوي، عن أبي عبد الله إلى قوله: وأتمنه..(1).

29ـ محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: إن الله عز وجل أدَّب رسوله حتى قوَّمه على ما أراد، ثم فوض إليه، فقال عز ذكره: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فما فوض الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله)، فقد فوضه إلينا(2).

ـــــــــــــــ

(1) راجع: إكمال الدين وإتمام النعمة ص416 و417 والإمامة والتبصرة ص50 وعلل الشرائع ج1 ص205 والبحار ج25 ص260.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

30ـ عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الحسن، عن محمد بن زياد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، مثله.

لكن العبارة الأخيرة هكذا: «فما فوض إلى رسول الله فوض إلينا»(1).

31ـ أحمد بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن موسى بن أشيم، قال: دخلت على أبي عبد الله فسألته عن مسألة فأجابني. فبينا أنا جالس إذ جاءه رجل، فسأله عنها بعينها، فأجابه بخلاف ما أجابني. ثم جاء آخر فسأله عنها بعينها، فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي.

ففزعت من ذلك، وعظم عليّ، فلما خرج القوم، نظر إلي، فقال: يا بن أشيم، كأنك جزعت.

قلت: جعلني الله فداك، إنما جزعت من ثلاث أقاويل في مسألة واحدة.

فقال: يا بن أشيم، إن الله فوض إلى داود (عليه السلام) أمر ملكه.

فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وفوض إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أمر دينه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فإن الله تبارك وتعالى فوض إلى الأئمة (عليهم السلام) منا وإلينا ما فوض إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فلا تجزع.

وله أسانيد أخرى، تنتهي إلى موسى بن أشيم، فراجع(2)..

32ـ حدثنا عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن النضر بن

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص 405.

(2) الاختصاص ص330 وبصائر الدرجات ص403 و404 والبحار ج23 ص185 وج25 ص332 و333 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص138.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

سويد، عن علي بن صامت، عن أديم بن الحسن، قال أديم: سأله موسى بن أشيم ـ يعني أبا عبد الله (عليه السلام) ـ عن آية من كتاب الله، فخبره بها، فلم يبرح حتى دخل رجل فسأله عن تلك الآية بعينها، فأخبره بخلاف ما أخبره.

قال ابن أشيم: فدخلني من ذلك ما شاء الله، حتى كنت كاد قلبي يشرح بالسكاكين، وقلت: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطىء في الحرف الواحد، الواو وشبهها. وجئت إلى من يخطىء هذا الخطأ كله.

فبينا أنا كذلك، إذ دخل عليه رجل آخر، فسأله عن تلك الآية بعينها، فأخبره بخلاف ما أخبرني والذي سأله بعدي. فتجلى عني وعلمت أن ذلك تعمد منه، فحدثت بشيء في نفسي.

فالتفت إليّ أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال: يا بن أشيم لا تفعل كذا وكذا، فحدَّثَني عن الأمر الذي حدثت به نفسي، ثم قال: يا بن أشيم إن الله فوض إلى سليمان بن داود (عليه السلام)، فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وفوض إلى نبيه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فما فوض إلى نبيه، فقد فوض إلينا. يا ابن أشيم، من يرد الله أن يهديه، يشرح صدره للإيمان، ومن يرد أن يضله، يجعل صدره ضيقاً حرجاً، أتدري ما الحرج؟ قلت: لا. فقال بيده: وضم أصابعه كالشيء المصمت، الذي لا يخرج منه شيء، ولا يدخل فيه شيء(1).

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص406 وبسند آخر في ص405 والبحار ج25 ص332 و333 وراجع: ج47 ص51 وتفسير الميزان ج7 ص350 وراجع الكافي ج1 ص265.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

33ـ وجدت في نوادر محمد بن سنان، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا والله، ما فوض الله إلى أحد من خلقه، إلا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلى الأئمة عليه و(عليهم السلام)، فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} وهى جارية في الأوصياء(1).

34ـ ورواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عنه (عليه السلام)، مثله(2)..

35ـ قد روى الطبرسي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في حديث طويل يقول فيه لأبي حنيفة: «وتزعم أنك صاحب رأي. وكان الرأي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) صواباً، ومن دونه خطأً، لأن الله تعالى قال: {فاحكم بينهم بما أراك الله} ولم يقل ذلك لغيره»(3)..

وعند البياضي: «وتزعم أنك صاحب رأي، رخص الله نبيه بالرأي في قوله: {واحكم بينهم بما أراك الله}»(4)..

36ـ محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، قال: وجدت في

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص406 والكافي ج1 ص268 وفيه عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن سنان. وتفسير الصافي ج1 ص496 والبحار ج17 ص6 وج25 ص334 ونور الثقلين ج1 ص547.

(2) الاختصاص ص331.

(3) الاحتجاج ج2 ص270 والبحار ج2 ص288 وراجع: الوسائل ج18 ص31.

(4) الصراط المستقيم ج3 ص212 والظاهر: أنه (عليه السلام) قد أراد المستفاد من الآية الشريفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

نوادر محمد بن سنان، عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلى الأئمة، قال عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} وهي جارية في الأوصياء (عليهم السلام)»(1).

37ـ الحسن بن علي بن عبد الله، عن عبيس بن هشام، عن عبد الصمد بن بشير، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الإمام فوض الله إليه، كما فوض إلى سليمان، فقال: نعم، وذلك أن رجلاً سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة، فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر عن تلك المسألة، فأجابه بغير جواب الأولين، ثم قال: «هذا عطاؤنا فامسك أو أعط بغير حساب» وهكذا هي في قراءة علي(2).

قال: قلت: أصلحك الله، فحين أجابهم بهذا الجواب، يعرفهم الإمام؟ فقال: سبحان الله، أما تسمع الله يقول في كتابه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} وهم الأئمة و {إِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} لا يخرج منها أبداً، ثم قال: نعم، إن الإمام إذا نظر إلى الرجل عرفه، وعرف لونه، وإن سمع كلامه من خلف حايط، عرفه وعرف ما هو، إن الله يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} فهم العلماء، وليس يسمع شيئاً من الألسن

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج4 ص267.

(2) هي قراءة تفسيرية للمراد فقط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

تنطق، إلا عرفه، ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم به(1).

38ـ أبي، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عبد الله المسمعي، قال: حدثني أحمد بن الحسن الميثمي، أنه سأل الرضا (عليه السلام) يوماً، وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في الشيء الواحد؛ فقال (عليه السلام): إن الله عز وجل حرم حراماً، وأحل حلالاً، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو دفع فريضة في كتاب الله رَسْمُها بَيِّنٌ قائم، بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك مما لا يسع الأخذ به، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم يكن ليحرم ما أحل الله، ولا ليحلل ما حرم الله، ولا ليغير فرائض الله، وأحكامه، كان في ذلك كله متبعاً مسلماً، مؤدياً عن الله، وقول الله عز وجل: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَ مَا يُوحَى إِلَيَّ}، فكان (عليه السلام) متبعاً لله، مؤدياً عن الله ما أمره به، من تبليغ الرسالة.

قلت: فإنه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول (صلى الله عليه وآله) مما ليس في الكتاب، وهو في السنة، ثم يرد خلافه.

فقال: وكذلك قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أشياء نهي حرام، فوافق في ذلك نهيه نهي الله تعالى، وأمر بأشياء، فصار ذلك الأمر واجباً لازماً، كعدل فرائض الله تعالى، ووافق في ذلك أمره أمر الله تعالى.

فما جاء في النهي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نهي حرام، ثم

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص407 والكافي ج1 ص438 والاختصاص ص306 والبحار ج25 ص329 وتفسير نور الثقلين ج4 ص462.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، وكذلك فيما أمر به. لأنا لا نرخص فيما لم يرخص فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا نأمر بخلاف ما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا لعلة خوف ضرورة.

فأما أن نستحل ما حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو نحرم ما استحل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يكون ذلك أبداً، لأنا تابعون لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، مسلِّمون له، كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تابعاً لأمر ربه عز وجل مسلِّماً، وقال عز وجل: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نهى عن أشياء، ليس نهي حرام، بل إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس أمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان في الدين، رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول.

فما كان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نهي إعافة، أو أمر فضل، فذلك الذي يسع استعمال الرخص فيه، إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق، يرويه من يرويه، في النهي ولا ينكره. وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما، يجب الأخذ بأحدهما، أو بهما جميعاً، أو بأيهما شئت وأحببت، موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والرد إليه وإلينا.

وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول (صلى الله عليه وآله)، مشركاً بالله العظيم.

فما ورد عليكم من خبرين مختلفين، فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً، حلالاً أو حراماً، فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي (صلى الله عليه وآله)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام، أو مأموراً به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمره.

وما كان في السنة نهي إعافة وكراهة، ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً، أو بأيهما شئت، وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وما لم تجدوه في شيء من الوجوه فردوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك. ولا تقولوا فيه بآرائكم.

وعليكم بالكف، والتثبت، والوقوف، وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا(1)..

أخبار تفويض التشريع للأئمة (عليهم السلام):

39ـ الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أبي الفضل عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً، وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج2 ص233 وج17 ص5 ومسند الإمام الرضا ج2 ص492 والوسائل ج27 ص113 ـ 115 وج18 ص81 وعيون أخبار الرضا ج1 ص22 ط سنة 1404 هـ مؤسسة الأعلمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى.

ثم قال: يا محمد، هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد(1)..

40ـ يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن أيوب، عن علي بن إسماعيل، عن ربعي، عن خيثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: يكون شيء، لا يكون في الكتاب والسنة؟ قال: لا. قال: قلت: فإن جاء شيء؟ قال: لا. حتى أعدت عليه مراراً، فقال: لا يجئ، ثم قال بإصبعه بتوفيق وتسديد: ليس حيث تذهب، ليس حيث تذهب.

وروى الكليني أيضاً نحوه بسند آخر، قال: أحمد بن الحسين بن سعيد، عن الميثمي، عن ربعي، عن خيثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: الخ(2)..

41ـ محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله سورة وأنا شاهد، فقال: جعلت فداك، بما يفتي الإمام؟ قال: بالكتاب. قال: فما لم يكن في الكتاب؟ قال: بالسنة. قال: فما لم يكن في الكتاب والسنة؟ فقال: ليس من شيء إلا في الكتاب والسنة.

قال: ثم مكث ساعة، ثم قال: يوفق ويسدد، وليس كما تظن(3).

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج1 ص440 والبحار ج25 ص340 وج15 ص19.

(2) بصائر الدرجات ص408 والفصول المهمة ج1 ص508 والبحار ج2 ص175.

(3) بصائر الدرجات ص408 والبحار ج2 ص175/176.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

42ـ أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، والبرقي، عن النضر بن سويد، عن عيسى بن عمران الحلبي، [وعند الصفار عن يحيى الحلبي] عن عبد الله بن مسكان، عن عبد الرحيم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)، يقول: إن علياً (عليه السلام) كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب، ولم تجئ به سنة، رجم به ـ يعني ساهم فأصاب ـ ثم قال: يا عبد الرحيم، وتلك من المعضلات(1).

والظاهر أن قوله: «يعني ساهم»، من كلام الراوي، لا من كلام الإمام (عليه السلام)..

43ـ حدثنا العباس بن معروف، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: دخلت عليه بمنى، فقلت: جعلت فداك، الإمام بأي شيء يحكم؟ قال: بالكتاب. قلت: فما ليس في الكتاب؟ قال: بالسنة. قلت: فما ليس في السنة ولا في الكتاب؟ قال: فقال بيده: قد أعرف الذي تريد، يسدد ويوفق، وليس كما تظن.

وروى الصفار نحوه، عن العباس بن معروف، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن سورة بن كليب(2).

44ـ محمد بن موسى، عن موسى الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذا ورد عليه ما ليس في كتاب الله، ولا سنة نبيه، فيرجمه، فيصيب ذلك، وهي المعضلات(3).

ـــــــــــــــ

(1) الاختصاص ص310 وبصائر الدرجات ص409 والبحار ج2 ص177.

(2) بصائر الدرجات ص408 والبحار ج2 ص175 و176.

(3) البحار ج2 ص177 عن بصائر الدرجات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 97/

45ـ أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كان علي (عليه السلام) إذا ورد عليه أمر، ما نزل به كتاب ولا سنة، قال: رجم فأصاب. قال أبو جعفر (عليه السلام): وهي المعضلات(1).

وبمعناه: روى الصفار عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن يحيى، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)(2).

وبمعناه: روى الصفار أيضاً عن علي بن إسماعيل بن عيسى بن صفوان بن يحيى، عن عبد الله مسكان، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)(3)..

وبمعناه أيضاً: عن أحمد بن موسى، عن أبي يوسف، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)(4).

وروي ما يقرب من ذلك أيضاً: عن أحمد بن موسى، عن أيوب بن نوح عن صفوان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبد الرحيم، عن أبي جعفر(5).

ـــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص409 والاختصاص ص310 والبحار ج2 ص176.

(2) بصائر الدرجات ص409 والبحار ج2 ص177.

(3) بصائر الدرجات ص409 والبحار ج2 ص177.

(4) بصائر الدرجات ص409 والبحار ج2 ص177.

(5) بصائر الدرجات ص409 و410 والاختصاص ص310 والبحار ج2 ص177.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

الفصل الخامس:
شبهات وردود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

بداية:

وقد حان الآن موعد الوفاء بما وعدنا به القارئ الكريم في بداية الفصل السابق من أننا سوف نورد هنا ما ذكروه من شبهات وتأويلات، رأوا أنها تكفي في إبعاد أخبار التفويض عن دائرة الإعتبار، مع أن ما ذكروه قد كان مجرد شبهات وتأويلات غير مقبولة، ولا معقولة، ولا يصح الإستناد إليها ولا الإعتماد عليها في شيء.

وسوف نكتفي بالإشارة إلى رقم الرواية التي هي محل البحث، حسب التسلسل الوارد في الفصل السابق، فنقول:

1ـ مناقشة.. وردِّ:

قد أوردنا في الفصل السابق صحيحة الفضيل بن يسار بطولها برقم 24 فراجع.

وقد ناقش بعضهم هذه الرواية بأمور:

الأول: إن هذه الرواية وإن كانت تدل على أن للنبي (صلى الله عليه وآله)، حق التشريع، ولكن لا دلالة لها على أن الحق ثابت للأئمة الطاهرين، فلعل ذلك من خصائصه (صلى الله عليه وآله)..

ويشهد لذلك: أنه لم ينقل عن الأئمة (عليهم السلام) تشريع حكم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

كلي أبداً.. بل ورد في بعض كلماتهم تشريع أحكام جزئية اضطرارية مؤقتة، كما في جعل خمس آخر في رواية ابن مهزيار، وهو غير ما نحن بصدده.

ولعل الفرق بين النبي (صلى الله عليه وآله)، والوصي (عليه السلام) في ذلك، هو إتمام الدين وإكماله بعده النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلا مورد لجعل أي حكم بعده (صلى الله عليه وآله).

الثاني: إنه قد صرح في آخر ذلك الحديث بأنه ليس لأحد أن يرخص ما لم يرخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا ينافي حق التشريع لغير النبي (صلى الله عليه وآله)، والترخيص فيما لم يرخصه..

الثالث: إن هذا النوع من التشريع المحدود إنما يتصور قبل نزول الشريعة بكمالها وتمامها. وأما بعد كمال الدين وإتمام النعمة، وبيان ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، فلا يبقى مجال، ولو للتشريع الجزئي المحدود..

ونقول:

إن ذلك كله لا يمكن قبوله لأسباب عديدة، نذكر منها:

أولاً: إن الروايات المتقدمة في الفصل السابق، الدالة على أن كل ما فوضه الله للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقد فوضه للأئمة، تكفي في الدلالة على ذلك.. سواء مارسوا (عليهم السلام) هذا الحق، أم لم يمارسوه..

ثانياً: إن ما اعتبره مانعاً من تصدي غير النبي (صلى الله عليه وآله) لجعل الأحكام، لا يصلح للمانعية. ولا يصح التفريق في مسألة تفويض التشريع بين النبي والوصي، إذا كان الله قد أيد الأئمة أيضاً بروح القدس، وقد أطلعهم الله سبحانه ـ كما دلت عليه الروايات ـ ، على الكثير من الحقائق والأسرار، وعرفهم بالضوابط والمعايير التي تمكنهم من جعل الحكم الموافق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح103/

لحكم الله الواقعي، فما الذي يمنع من تفويض ذلك إليهم (عليهم السلام)، في بعض المواضع، تماماً، كما هو الحال بالنسبة للرسول (صلى الله عليه وآله).. وما هو الداعي لجعل هذا الأمر من خصائصه (صلى الله عليه وآله)؟!.. وألا تحتاج دعوى كونه من خصائصه إلى دليل يثبت تلك الخصوصية؟!.. فكيف إذا دل الدليل المطلق على أن كل ما جعله الله لنبيه وما فوضه إليه فقد جعله لوليه وفوضه إليه أيضاً.. وقد استثنى الله لنبيه بعض الأمور، كالزيادة في الزواج على أربع نساء، ولم يرد ما يدل على هذا الاستثناء في المورد الذي نحن بصدده..

ولسنا بعد هذا بحاجة إلى التذكير بأن هذا التفويض لا ينافي ما دل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدع شيئاً يقرب الناس من النار ويبعدهم عن الجنة إلا وقد نهاهم عنه، ولا شيئاً يبعدهم عن النار وبقربهم من الجنة إلا وقد أمرهم به فإن الأمر والنهي قد يكون بالنص التفصيلي، وقد يكون بإعطاء الضوابط للأئمة من بعده..

كما أن هذا التفويض لا ينافي أيضاً: ما دل على أنه تعالى قد بين للناس كل ما يحتاجون إليه، لعين ما ذكرناه آنفاً، لاسيما وأن بعض الأحكام قد لا يحتاج إليها إلا في ظهوره صلوات الله وسلامه عليه..

ثالثاً: إن عدم وجود ما يدل على أن الأئمة قد جعلوا حكماً كلياً.. لا يدل على عدم حصول ذلك منهم في واقع الأمر.. لا سيما.. وأن هذا الأمر مما يمارسونه هم بأنفسهم فيما بينهم وبين الله، من دون حاجة تدعوهم إلى التصريح به وإظهاره للناس..

رابعاً: إنهم حتى لو لم يمارسوا ذلك فعلاً، فإن نفس جعل هذا الحق وهذا المقام لهم، دون بني البشر كاف في المطلوب.. إذ ليس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

المطلوب هو إثبات صدور ذلك منهم، بل المطلوب هو إثبات أن هذا الحق والمقام لهم..

خامساً: إنه لا فرق في التشريع ـ إذا كان محرماً ـ بين أن يكون لحكم اضطراري أو اختياري، وبين أن يكون الحكم دائماً أو مؤقتاً، جزئياً أم كلياً، كما اعترف به ذلك المستدل في آخر كلامه حيث ذكر: أنه لا يصح التشريع حتى للحكم الجزئي، وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}(1)..

فإنها قد دلت على لزوم الإذن في تحليل وتحريم أي شيء، سواء أكان هذا التحليل كلياً أم جزئياً، اختيارياً أم اضطرارياً، مؤقتاً أم غير مؤقت، فإن نفس نسبة الحلية والحرمة للأشياء إلى الله لا تجوز، بدون إذن منه تعالى، بغض النظر عن طبيعة ذلك الحكم، وحدوده وحالاته..

فقول المستشكل إن رواية ابن مهزيار لكتاب الإمام الجواد (عليه السلام) التي تقدمت مع مناقشاتها في الفصل الثالث ـ إن قوله ـ عنها إنها غير ما نحن بصدده، لا يمكن قبوله..

سادساً: فيما يرتبط بما ورد في صحيحة الفضيل من أنه: «ليس لأحد أن يرخص شيئاً، ما لم يرخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله)».

فنقول فيه: إنه لا يدل على عدم تفويض التشريع، إذ إن التفويض لهم، قد أخذوه من رسول الله، ونحن أيضاً قد أخذناه عنهم (عليهم السلام)، ولم نقل به من عند أنفسنا، فنحن قد رخصنا شيئاً رخصه

ـــــــــــــــ

(1) سورة يونس، الآية 59.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

الرسول نفسه.. ودليلنا على ذلك هو الروايات المتقدمة في الفصلين السابقين..

وأما ما ذكره أخيراً من أنه لا مجال بعد إكمال الدين، حتى إلى التشريع بالجزئي المحدد فقد عرفت جوابه مما تقدم..

2ـ مناقشة.. ورد:

ثم إن البعض قد رد الاستدلال برواية عاصم النحوي المتقدمة برقم 27 بادعاء أنها مجملة، ثم استظهر كونها ناظرة إلى تفويض الحكومة وسياسة العباد، لأنه المناسب للخلُق العظيم الذي اشارت إليه الرواية، ولقوله: «فسلمتم وجحد الناس» لأن الذي جحده الناس هو الحكومة والولاية دون سواها.

ونقول:

أ ـ إن ظاهر الرواية ليس كذلك، فإن الرواية تتحدث عن التشريع، واستشهدت بالآية الشريفة: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وذلك باستعمال الفاء، التي تجعل الكلام ظاهراً في أن التفويض قد حصل بنفس هذه الآية..

وما يؤتينا رسول الله إياه، وما ينهانا عنه لا ينحصر بالأحكام التي بينها بصورة تفصيلية بل يشمل تفويض جميع الأمور، ومنها بيان الأحكام لعلي وللأئمة (عليهم السلام)، فيجب طاعته وطاعتهم في جميع ذلك؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}، فسلمنا نحن له ذلك، وجحده الناس..

فالجحد إنما هو عدم قبول ذلك منه (صلى الله عليه وآله)، ورده عليه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

وهناك قرينة أخرى في الرواية نفسها، وهي قوله (عليه السلام) في آخرها: «فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وتصمتوا إذا صمتنا».. وهذا لا يناسب الحكومة والسلطة، بل هو يناسب القبول لتعاليمهم، والاقتداء بهم.. واتباع أوامرهم ونواهيهم، والأخذ برخصهم..والتوقف والرجوع إليهم فيما لم يقولوا. وهو معنى التسليم إليهم.

ب ـ ومن جهة أخرى إن ما جحده الناس لا ينحصر بالحكومة والولاية، بل هم يجحدون إمامتهم أيضاً، وينكرون لزوم اتباعهم، وانحصار الأخذ للشريعة وللأحكام منهم، وينكرون تفويض أمور الشريعة إليهم، تبليغاً وحفظاً، وغير ذلك، وينكرون أيضاً الكثير من مقاماتهم، وكراماتهم، وعلومهم.. وهم لا يقولون إذا قالوا، ولا يصمتون إذا صمتوا.. بل يقولون بالرأي، والاستحسان والقياس، وما إلى ذلك.

ج ـ إن الآية ليست مجملة في أصل التفويض لهم (عليهم السلام)، وفي أن هذا التفويض يقع في دائرة الأمر والنهي، وأن عليهم أن يسلموا بما يأتيهم به، وأنه تفويض يناسب الائتمان، وأنه يقع في دائرة القول الذي يفرض متابعتهم فيه، فيقولون إذا قالوا، ويصمتون إذا صمتوا، فإن ذلك كله يشير إلى أن الأمر إنما هو فيما يقع في دائرة الأمر والنهي ولا يناسب أمور السياسة والحاكمية التي تفرض الطاعة والانقياد.. ولا تناسبها كل تلكم التعابير التي أشرنا إليها..

3ـ مناقشة.. ورد:

ألف: قد ادعى بعضهم: أن رواية محمد بن زياد، عن الإمام الصادق المتقدمة برقم 30 مجملة من حيث المراد بالتفويض، ولا قرينة فيها، بل ولا إطلاق، يشمل تفويض التشريع..

ونقول:

إن إطلاق الرواية وظهورها في أن كل ما فوضه الله لرسوله (صلى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

فقد فوضه إلى الأئمة (عليهم السلام)، لا يمكن دفعه..

فإذا ثبت أن الله قد فوض لنبيه التشريع في بعض المواضع، فإن الرواية تدل على تفويض ذلك إلى الأئمة أيضاً.. ودعوى الإجمال، وسقوط الإطلاق، غير مسموعة، لأنها دعوى اعتباطية وفيها تحكم وجبرية وخالية من أي شاهد أو دليل.

ب: وقال بعضهم أيضاً: إن هذه الرواية إنما تناسب التفويض في أمر الحكومة، لقوله (عليه السلام): «وقوَّمه على ما أراد»..

ونقول:

إن المراد بتقويمه على ما أراد هو أنه قد بلغ في كماله حداً وافق فيه إرادته تعالى، وبعد أن بلغ هذا الحد جعل أمره ونهيه وكل توجيهاته، وما يأتيهم به لازم الإجراء على الناس، سواء في أمر الحكومة أم في غيرها..

بل إن التقويم على ما أراد سبحانه يناسب تفويض التشريع أكثر مما يناسب تفويض الحكومة، خصوصاً مع ملاحظة قوله: {ما آتاكم}.. الظاهرة بأنه لا يأتيهم به من عند نفسه، بل من عند ربه، وهذا يناسب الأحكام التي يعرفه الله إياها، أو يطلعه على مقتضياتها التي تُلْزِمُ الناس باجرائها، فيما لو بادر إلى إنشائها وجعلها..

4ـ مناقشة.. ورد:

وقد علق البعض على رواية موسى بن أشيم المتقدمة برقم 31، بمثل ما علق به على الرواية السابقة..

وقال أيضاً: إن المناسب فيها هو تفويض الإعطاء والمنع للعلوم والمعارف، لا تفويض التشريع..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

والجواب هناك هو الجواب هنا..

بل هذه الرواية أوضح دلالة على المطلوب، لأنها قد ذكرت أن الإمام (عليه السلام)، قد استشهد بالنبي سليمان (عليه السلام)، حيث فوض الله إليه التصرف في الملك الذي أعطاه إياه، فجعل (عليه السلام) ذلك مرتكزاً لحكمه بلزوم التفويض إلى النبي وإلى الأئمة، ليبرر له (عليه السلام) أجوبته المختلفة في معنى آية واحدة.

وهذا يشير إلى أن التفويض لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عام، يشمل تفويض التصرف في الملك، ويشمل غيره، ويكون تطبيقه على مورد المعارف من باب أنه أحد المصاديق، لا لبيان الإنحصار به.. إذ مع الإنحصار لا يصح جعل التفويض للنبي سليمان (عليه السلام) دليلاً ومرتكزاً..

ويزيد الأمر وضوحاً في شمول التفويض للأمر والنهي، أنه (عليه السلام) قد اعتبر قوله تعالى: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} مرتكزاً آخر لهذا الأمر، مع أن الآية تتحدث عن الأمر والنهي، والإمام إنما كان بصدد بيان معاني الآية وأسرارها وليس في مقام الأمر والنهي..

وذلك يمثل قرينة أخرى على عموم التفويض للرسول، ثم لهم (صلوات الله وسلامه عليهم)..

5ـ مناقشة.. ورد:

وقد اعترضوا على الاستدلال بحديث الطبرسي، المتقدم برقم 35 وقالوا: إن ظاهره أنه وارد في أمر القضاء، بقرينة الآية الشريفة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}(1).

ونقول:

أولاً: إن رواية الطبرسي السابقة قد حسمت هذا الأمر، حيث دلت على أن النبي (صلى الله عليه وآله)، فقط هو الذي يصح له أن يقول برأيه، ويكون رأيه هو الصواب، ثم دلت رواية ابن سنان المتقدمة، وكذلك سائر الروايات على أن ما فوضه الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقد فوضه لأوصيائه..

ثم جاءت هذه الرواية لتدلنا أيضاً على أن الآية الكريمة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكتّابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}.. لا تختص بموضوع القضاء..

ثانياً: إن إراءة الله سبحانه لنبيه في قوله تعالى: {بِمَا أَرَاكَ اللهُ}، قد تكون بإراءته الحكم الخاص في كل مورد بخصوصه، وبصورة مباشرة وتفصيلية، وقد تكون بإطلاعه على الأسرار والحقائق، ثم إعطاء القواعد، والضوابط، ثم تفويض جعل الأحكام المناسبة في مواردها..

وهذا هو الذي يصح أن يُقْسِمَ الإمام: أنه قد أعطي لرسول الله والأئمة، ولم يعط لأحد من خلقه..

أما القضاء، فإنه قد أعطي لغير النبي (صلى الله عليه وآله)، ولغير الإمام، الحق في التصدي له.. ويحكم القاضي في الأمور التي تواجهه بما أراه الله تعالى.. ولا يحق له أن يحكم بالهوى..

غاية الأمر أن الفرق هو، أن القاضي يستمد شرعيته من نصب الإمام

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء الآية 105.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

العادل له.. ولكنه حين يحكم إنما يحكم وفق القواعد الشرعية المقررة في الشريعة المقدسة، التي بينها المعصوم. بما أراه الله هو، لا بما أراه الله تعالى للإمام (عليه السلام)، ولا يصح نسبة ما رآه القاضي وحكم به إلى الإمام الذي نصبه إلا بنحو من التجوز والعناية التي تحتاج إلى قرائن ودلالات..

6ـ مناقشة.. ورد:

وقالوا بالنسبة لرواية عبدالله بن سليمان المتقدمة برقم 37: إن المراد بها تفويض الإعطاء والمنع في العلوم والمعارف.

ونقول: إن ذلك لا يصح:

أولاً: لأن الإجابة بصور مختلفة ليست من قبيل إعطاء المعارف ومنعها إلا بنحو من التجوز والعناية..

ثانياً: إنه (عليه السلام) قد جعل تفويض أمر الملك للنبي سليمان (عليه السلام)، دليلاً على عموم التفويض لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم طبق هذا التفويض العام على مورد الرواية.. كما أوضحناه حين الرد على مناقشتهم لرواية ابن أشيم المتقدمة برقم 31.

7ـ مناقشة.. ورد:

وقد ذكر بعضهم:

أن الروايات المتقدمة في الفصل السابق برقم 39 ـ 40 ـ 41 ـ 42 ـ 43 لا تدل على تفويض التشريع، بل تدل على عدم وجود مورد لا يوجد حكمه في الكتاب والسنة، وعدم وجود تشريع للإمام، وإنما يوفقه الله ويسدده كي يستفيد من بطون الكتاب والسنة، ولا يعمل بالقياس والاستحسان، كما توهمه السائل..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

ونقول:

أولاً: إن الظاهر من روايات سورة بن كليب، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ورواية حماد بن عثمان، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ثم رواية ربعي بن خيثم، عنه (عليه السلام) أيضاً.. ـ أن الظاهر منها ـ إرادة خصوص الحاجات والأمور التي كان الناس في ذلك الزمان يحتاجون إلى معرفة أحكامها.

والدليل على ذلك: ما ورد في نفس تلك الروايات الثلاث التي استدل لها، قد قال (عليه السلام) لربعي، بعد تكراره السؤال مراراً: «بتوفيق وتسديد، ليس حيث تذهب».. وفي رواية سورة قال له: «يسدد ويوفق، فأما ما تظن فلا» ونحو ذلك في رواية حماد بن عثمان..

حيث نفى أن يكون (عليه السلام)، يعمل بالقياس وبالاستحسانات الظنية..

وأثبت وجود توفيق وتسديد إلهي يتمكن من خلاله إصابة حكم الله الواقعي..

وهذا هو المطلوب، إذ مفاد الحديث: أنه حين لا يوجد الحكم في الكتاب والسنة، فإنه (عليه السلام) يعطي الحكم بالاستناد إلى ذلك التسديد الإلهي..

وليس المقصود به الإصرار على نفي وجود التشريع للإمام ولا الإصرار على عدم وجود حكم لا يوجد في الكتاب والسنة..

ثانياً: ما ذكر المستدل من احتمال: أن يكون المراد أنه يوفق ويسدد ليستخرج الحكم من بطون الكتاب والسنة، مجرد رجم بالغيب، إذ لم يذكر ذلك في الروايات، ولا دليل على أنه هو المراد..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

بل إن ما ورد في الروايات الأخرى قد صرح بأنه إذا عرض للإمام ما ليس في الكتاب ولا السنة رجم، فأصاب.. وهو صريح في أمرين:

أحدهما: أن ثمة أحكاماً لا توجد في الكتاب والسنة..

الثاني: أنه يرجم فيصيب، مما يعني أنه لا يستخرج الحكم من بطون الكتاب والسنة، كما يقوله هذا البعض..

لنفترض جدلاً:

لنفترض جدلاً: أن كل ما أجبنا به في هذا الفصل، عن تلك الشبهات غير صحيح، وأن تلك الروايات الست لا تدل على تفويض التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام).. فإننا نقول: إن ما بقي من الروايات، وهو يناهز الخمس من ثلاثين رواية كاف في اثبات هذا المطلب..

وحتى لو نقصت الروايات إلى نصف هذا العدد، فإنها تبقى بعيدة عن امكانية التشكيك فيها من حيث السند والدلالة، وهي تكفي لازالة أية شبهة وريب في هذه المسألة التي نحن بصدد الحديث عنها.

التفويض لغير المعصوم:

وبعد.. فإن هذا كله بالنسبة إلى تفويض تشريع بعض الأحكام، مما لم يرد فيه نص بخصوصه لخصوص المعصوم، وهو النبي (صلى الله عليه وآله)، والأئمة (عليهم السلام).

وأما التفويض إلى الفقهاء، أو إلى غيرهم من سائر بني البشر، فلا ريب في بطلانه، ولأجل ذلك، فلا داعي لصرف العمر فيه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

إستطراد حول تفويض الخلق والرزق:

أما بالنسبة للتفويض في أمر الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، فنقول: إنه إن كان على سبيل التدبير بأمره سبحانه، وبإذنه، وبفيض منه، كما هو الحال في الملائكة التي تتوفى الأنفس حين موتها. وكذا الحال بالنسبة للمهمات الموكلة إلى ملك القَطر والسحاب، وملائكة العذاب، وما إلى ذلك.. فلا مانع هذا التفويض عقلاً؛ إذ إن هذا التدبير لا يعني التعطيل، وعدم تدخل الإرادة الإلهية، بل هو تدبير في دائرة الفيض الإلهي المستمر، بحيث يكون تعالى هو المحيي والمميت، وهو الذي ينزل الغيث، ويسوق السحاب إلى بلد ميت و.. و.. الخ.. ويبقى الأمر مرهوناً بإرادة الله، وخاضعاً لقدرته، ويتم كل شيء بإذنه..

فلا معنى لتخيل وجود أي إشكال في هذا الأمر من الناحية العقلية، والاعتقادية، وليس هو من الشرك في شيء..

لكن الحكم بحصول هذا التفويض الخالي من المحاذير، فعلاً وواقعاً، يحتاج إلى نصوص تثبته، وتكون قاطعة للعذر فيه..

وإنما ينفي علماؤنا التفويض الملازم لأمور فاسدة، عقلاً واعتقاداً.

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

كلمة أخيرة:

وفي خاتمة هذه الإطلالة الموجزة والمحدودة، على هذا الموضوع الهام، أرجو أن أكون قد وفقت لتقديم إجابة نافعة على بعض التساؤلات، التي ربما تراود بعض الأذهان..

وأسأل الله عز وجل أن يقيِّض من يهتم ببحث هذا النوع من القضايا بصورة أوفى وأشمل، وأتم وأكمل، ليستفيد من نتائج جهده الباحثون عن الحقيقة، أينما كانوا، وحيثما وجدوا..

وانني إذ أستميح القارئ الكريم العذر على ما يراه في هذه الإطلالة من قصور وتقصير، فإنني أرى أن من واجبي أن أزجي له بالغ الثناء، على صبره، وأن أعبر له عن أسفي لأي معانات ربما تكون قراءته لهذا البحث قد سببتها له.

ثم إن علي بعد هذا أن أتقدم إليه برجائي الأكيد، بأن لا يبخل علي بأية ملاحظة تؤدي إلى إصلاح ما يعثر عليه من أخطاء، أو إلى إضافة ربما تكون ضرورية، ومفيدة.

وله مني جزيل الشكر، وبالغ التقدير، وعظيم الإمتنان..

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

جعفر مرتضى العاملي