ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

القول الصائب
في إثبات الربائب
السيد جعفر مرتضى العاملي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1423هـ./2002م
بيروت ـ لبنان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد وآله الطيبين الطاهرين..

وبعد..

فقد صدر لنا قبل أكثر من عشر سنوات، كتاب باسم: «بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، أم ربائبه».

ولم نسمع أن أحداً من شيعة أهل البيت [عليهم السلام] قد أزعجه ذلك، أو اعتبره مشتملاً على مخالفة للحق، أو للدين، أو مسيئاً لرسول الله [صلى الله عليه وآله]..

ولكن.. وبعد مرور كل هذه السنوات الطوال، وبعد أن كان لنا شرف المشاركة في كشف الخلل في اعتقادات وآراء «البعض» والسعي إلى تحصين أتباع مدرسة أهل البيت [عليهم السلام] من الوقوع فيها.. نجد أن هناك من قد أفاق من غفوته!! ليعلن للناس: «أن المشهور المتسالم عليه بين محققي الفريقين ومؤرخيهم: أنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

كان للنبي [صلى الله عليه وآله] من البنات: زينب، وأم كلثوم، ورقية، وأنهن عشن، وتزوجن.

وإن ذهب شاذ من المعاصرين، تبعاً لشاذ من المتقدمين إلى نفي كون هؤلاء من بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، مدعياً أنهن ربائب له. وهذا من أغرب الآراء، وأعجبها، كونه مخالفاً لصريح القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب الآية 59](1).

ثم تابعه على ذلك كتاب صدر مؤخراً باسم: «فاطمة الزهراء [عليها السلام]، دراسة في محاضرات»..

وقد كنت آمل أن أجد في هذا الكتاب دراسة وافية، وموضوعية، ومنصفة عن حقيقة ما جرى على الزهراء [عليها السلام]، من قبل ظالميها.. حيث إن حجمه الظاهري الكبير!! قد أوحى بالتوسع والاستقصاء، وليس من المعقول إهمال التعرض لأعظم نقطة وأشدها حساسية في حياة الزهراء [عليها السلام]، ولا سيما بعد أن ضجت الساحة بمطالبة ذلك المشكك، الذي نشير إليه عادة بكلمة «البعض»، بتصحيح المسار الذي اتخذه لنفسه، ولم يزل يرفض ذلك حتى الآن..

ـــــــــــــــ

(1) الزهراء القدوة ص60 و61 و350 وراجع: الندوة ج5 ص481 والزهراء المعصومة ص39 و40.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

ولكنني حين سرحت نظري في الكتاب فوجئت بأنه قد تجاهل الكثير مما ارتكبه الظالمون في حقها فور وفاة أبيها صلوات الله عليه وعليها، ولم يعبأ بكل ما يجري في الساحة، ولا اهتم بكل ما قاله علماء الأمة ومراجعها ضد من شكك في ذلك، وسعى إلى تبرئة الظالمين، من الاشتراك في دمها، ودم ولدها المحسن..

غير أنني مع هذا وذاك، قد تصفحت الكتاب، فرأيت أن سياقه قد جاء منسجماً إلى حد كبير، مع توجهات ذلك «البعض» الذي أثار تلك العاصفة التشكيكية، وصدرت فتاوى مراجع الأمة في حقه من أجل ذلك.

وفكرت في الأمر، فرأيت أن الطريقة المعتمدة في الكتاب لم تأت صدفة، ولا ساق إليها البحث الموضوعي بطريقة طبيعية، وعفوية، لأن ذلك، بالإضافة إلى أهمية الحدث الظالم ضدها صلوات الله عليها، لا بد أن يفرض، التعرض لهذا الأمر، خصوصاً بعد أن فرضت الأمور نفسها في ساحة البحث العلمي، وبعد أن جمعت تلك النصوص الحساسة، والهامة والكثيرة جداً في العديد من المؤلفات ذات الشهرة الواسعة، ليتداولها كل باحث أريب، وعارف لبيب، فكيف بأرباب المنبر، وقراء العزاء..

وقلت في نفسي: إن من يتجاهل كل هذه النصوص وما تضمنته من أمور هامة جداً، على كثرتها الكاثرة، ولا يلتفت إلى كل

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

تلكم الدلائل الواضحة.. فلا مجال للحديث معه، والاستدلال عليه.. فالأصوب هو إهمال أمره، وعدم التعرض لذكره.

ولكن.. بما أن كتابه قد أورد فصلاً ردّ فيه على كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه».. وقد ساق الحديث في هذا الفصل بطريقة تحمل معها احتمالات إقناع القارئ بما هو خلاف الحق والواقع..

وبما أنه قد اتخذ منهجاً خطيراً جداً، من شأنه ـ لو مورس في مواضيع أخرى ـ أن يوقع القارئ في الوهم، وأن يبعده عن الحق.. وبما أن ذلك يحمل معه أخطار الإستفادة من أسلوب كهذا في أمور أكثر حساسية وخطراً، وفي قضايا أساسية ومفصلية تمس أساس الإيمان والإسلام..

فقد رأينا أن من واجبنا التعرض لخصوص ما ورد في هذا الفصل، بهدف تحصين القارئ الكريم من الوقوع في أي شبهة، أو القبول بما يورده عليه في أي قضية، من دون تثبت، أو تأمل فيه.

وقد لاحظنا أن ما أورده هذا التابع في مناقشته هذه، قد جاء منسجماً تماماً مع الدليل الذي ساقه ذلك «البعض» المتبوع في كتاب: «الزهراء القدوة» حسبما نقلناه عنه آنفاً.. فهو يستدل بالإجماع الذي أشار إليه ذلك «البعض». وسيتضح: أن هذا مجرد دعوى باطلة، ولا أساس لها.. ويستدل أيضاً بالقرآن.. لكن الآية التي استدل بها التابع في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

هذا الكتاب تختلف عن الآية التي استدل بها ذلك «البعض» المتبوع..

لأن الآية التي استدل بها التابع في كتاب «فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات»، هي قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ). وسيأتي أنه استدلال غير صحيح أيضاً.. بلا شك وبلا ريب.

أما الآية التي استدل بها ذلك «البعض» المتبوع في كتاب: «الزهراء القدوة» فهي قوله تعالى: (قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ). وكنا قد بينا فساد استدلاله بهذه الآية في كتابنا: «خلفيات كتاب مأساة الزهراء» ج1 ص504 الطبعة الخامسة..

فالظاهر: أن هذا التابع قد اطلع على ذلك الرد، وعرف أنه لن يتمكن من تمرير الاستدلال بالآية من خلاله، فآثر أن يتشبث بدليل جديد غير ظاهر الفساد للوهلة الأولى، ولم يتعرض أحد له، لا تفنيداً ولا تأييداً..

وعلى كل حال، فإننا قد بينا في ذلك الكتاب: أن الاستدلال بآية سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ) لا يمكن أن يصح.. لأن الله حين يخاطب نبيه، فإنما يخاطبه على طريقة: إياك أعني واسمعي يا جارة، وعلى طريقة إعطاء القاعدة العامة في غالب الأحيان، فقد قال تعالى لنبيه [صلى الله عليه وآله]: (لَئِنْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..) مع أن النبي [صلى الله عليه وآله]، لا يمكن أن يميل إلى الشرك..

وقال: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [سورة المائدة الآية 55].

فهل كل من تصدق وهو راكع يكون ولياً للأمة؟!..

أم أن الآية خاصة بأمير المؤمنين [عليه السلام]، ولا تتعداه؟! حتى لو تصدق غيره بسبعين خاتماً، كما ينقل عن الخليفة الثاني أنه قال: إنه فعل ذلك!!..

وقال تعالى في قضية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [سورة آل عمران61].

مع أن المقصود بها خصوص الزهراء، والحسنين، وعلي  .

وقال: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [سورة الشورى الآية 23]، والمقصود بهم خصوص المعصومين [عليهم السلام] . وكذا الحال في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً..).

وبعد أن دلت الدلائل، وأقيمت البراهين على أنه لم يكن للنبي [صلى الله عليه وآله] بنات غير الزهراء [عليها السلام]، فإننا نعلم أن المراد بقوله: (وَبَنَاتِكَ..)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

هو خصوص الزهراء [عليها السلام]، كآية المباهلة تماماً.. وكغيرها من الآيات التي ذكرناها، وما لم نذكره، مما لا مجال لتتبعه لكثرته..

وفي الختام نقول: إن ما ذكره هذا «البعض» في كتاب «الزهراء القدوة»، ثم ما نسجه له غيره على نوله، وما حاول أن يخيطه بإبرته، ويستفيد من خيوطه وخطوطه، لا يمكن أن يصح..

وما ذكرناه في كتاب «بنات النبي أم ربائبه»، ثم ما ذكرناه في هذا الكتاب: «القول الصائب في إثبات الربائب». وكذلك ما أوردناه في كتاب: «خلفيات كتاب مأساة الزهراء [عليها السلام]»، وكتاب «مختصر مفيد» المجموعة الأولى، إن ذلك كله.. لا يبقي عذراً لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.. (فَمَنْ شَاء فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاء فَلْيَكْفُرْ)..

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

11 جمادى الأولى 1423هـ . ق الموافق 21/7/2002م.

عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)

جعفر مرتضى العاملي

عامله الله بلطفه وإحسانه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

التمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

فإن «البعض» قد يتخيل: أن النقد يضر بصلابة الفكرة، ويوهن من تماسكها في ذهن الناس، بما يثيره من احتمالات وتساؤلات حول مدى صحتها، وأصالتها، واستجماعها لشرائط القبول..

أو قد يتخيل: أنها تشير إلى عدم قدرة صاحب الفكرة على بلورتها بالمستوى المطلوب، وعجزه عن اختيار ما هو خالٍ من الشوائب، بريء من المعايب.

وربما يتجاوز هذا الأمر إلى حدود  الاتهام  للكاتب بالقصد إلى إثارة الشبهة، وترويج ما هو ضعيف أو سخيف.. لأكثر من غاية، وأكثر من سبب..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

وقد يجد الباحث نفسه أمام هذا وذاك، مدفوعاً للرد على النقد لإبطال مفاعيله، وإزالة آثاره..

ولكن الأمر فيما يرتبط بموضوع «بنات النبي أم ربائبه»، ليس فيه أي من السمات أو الأهداف المشار إليها، ولا غيرها، سوى أمر واحد، وسبب فارد، هو أن ردَّنا على النقد المطروح في كتاب «فاطمة الزهراء [عليها السلام]: دراسة في  محاضرات» قد أريد منه التدليل على قوة وصلابة، ما ورد في كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه».. واغتنام الفرصة للإعلان بأن هذا النقد الموجه إليه قد كان مفيداً للغاية، ولكن لا في تفنيد ما فيه من حقائق ودقائق، بل في تأكيدها، لأنه هيأ لنا الفرصة لإزاحة الشبهات التي كنا نحسب أن أحداً لن يخضع لها، بل سوف يبعدها عن خياله، بمجرد ظهور أشباحها.. وذلك لشدة سطوع نور الحق..

ومهما يكن من أمر، فلا بد لنا من أن نتقدم بجزيل الشكر إلى الأخ الكريم!! الذي وجه هذا النقد إلى كتابنا، ومنحنا هذه الفرصة للعودة إلى رحاب هذا الموضوع ونسأل الله سبحانه أن يجعل ثواب هذا الجهد، لشهداء الإسلام الأبرار، في كل مكان وزمان، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولن يكون الاستشهاد بقول الشاعر:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

على المرء أن يسعى بمقدار جهده               وليس عليه أن يـكون موفقاً

لن يكون هذا الاستشهاد موفقاً ولا صحيحاً في حق ذلك الناقد!! لأن الأخ الكريم!! قد وفق في أنه قد منحنا الفرصة لمعاودة التأكيد بصورة علمية وحاسمة على صحة الأدلة التي قدمناها، وعلى صوابية ما انتهينا إليه في بحثنا..

كما أنه قد كان سبباً في ظهور، حقائق، ونوايا، لم تكن لتظهر، لولا أنه هو قد أثار هذا الموضوع بطريقته الخاصة.. التي لا بد لنا من أن نتحاشى توصيفها.. لكي لا يساء فهم ما نرمي إليه..

وإذا جاز لي أن ألتمس من ذلك الناقد!! شيئاً ما، فإن رجائي الأكيد هو أن لا يثيره ردَّنا هذا، فإننا لم نرد عليه هو، بل رددنا الفكرة، وبيّنّا خطأها وبوارها، وأظهرنا من مغازيها ومراميها ما أدهشنا نحن، قبل أن يدهش أياً كان من الناس..

مفارقة ذات مغزى:

وبعد.. فإننا لم نكن نحب أن نشير إلى المفارقة الظاهرة في سياق بحث هذا الناقد!! وفي الفقرات المختلفة، التي تربط بين مفاصل ما كتبه من أوله إلى آخره.. ولكننا خشينا أن ننسب إلى التغفيل، والسذاجة الشديدة.. أو أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

نتَّهم بعدم الفهم المفرط، والبالغ حداً عجزنا معه حتى عن إدراك أبده البديهيات، وأوضح الواضحات..

وهذه المفارقة هي أن هذا الناقد!! قد أعلن أكثر من مرة عن تقديره لجهود جعفر مرتضى العاملي في نصرة المذهب والدين. ووصفه بالسيد الفاضل، والعالم الجليل، ذي الخدمات الثقافية الموفقة في مذهب أهل البيت [عليهم السلام]، ووصفه أيضاً.. بالغيور على المذهب، والموثوق به فيما يرويه ويقوله من تاريخنا. كما أنه قد تحدث عن فضله وعلمه، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق..

وقال: «وسيدنا العاملي ـ والحمد لله ـ من خيرة رجالات الشيعة في هذا المضمار، وطالما جلّى ـ والحمد لله ـ في ميادين السبق، ونال الغاية».

ولكن نفس جعفر مرتضى هذا ـ هو الذي ـ كما يقول هذا الناقد!! أيضاً ـ يصدر أحكاماً تعسفية في حق العلماء. وأنه رغم معرفته بالحق يحاول ـ لأسباب غامضة ـ نصرة مقالة الكوفي الباطلة حول بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، ويتجاهل اللبس الموجود في كتاب البدء والتاريخ، ويلبّس على قارئه، كما أن سيرته في بحثه المقطوع عن بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، أن يأخذ من الشاهد ما يريد، ويحذف ما عداه، رغم أنه متصل به، وله تأثير في المعنى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

كما أنه ـ أعني جعفر مرتضى ـ يتلاعب بالألفاظ، ويعتمد على استحسانات وذوقيات.. ويحكم على شيء واحد بحكمين متغايرين، لمجرد التشهي..

أضف إلى ذلك: أنه يعتمد على اضطراب روايات رويت عن العامة، وهو على علم تام بأنها لا يمكن التعويل عليها.. ولم ينظر إلى المسألة نظرة جدية. إلى غير ذلك من عبارات نورد شطراً وافياً منها في ما يلي:

الإجلال والإحترام الفائق في نماذج:

وهذه باقة من كلمات هذا الأخ الكريم!! المعبرة عن مدى الإجلال والاحترام الذي يكنه لجعفر مرتضى!!

1 ـ فقد قال في [صفحة 265] (1) «.. فلقد رأيت السيد حفظه الله في بحثه المستعجل انساق وراء أبي القاسم العلوي الكوفي، فأيده على ما ذهب إليه، تأييداً غير ناظر إلى مسائل هامة في البحث، لم يناقشها السيد، وهي ذات دخل جوهري بالموضوع»..

2 ـ وقال في [صفحة 265] أيضاً: «والظاهر: أن سيدنا كان على جناح السرعة، ولذلك لم يستند إلا إلى اضطراب الروايات العامية عنهن، وهو على علم تام بأن المروي من ذلك الطريق لا يمكن

ـــــــــــــــ

(1) أي من كتاب: «فاطمة الزهراء [عليها السلام]: دراسة في  محاضرات».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

التعويل عليه سلباً ولا إيجاباً إلخ..».

3 ـ وقال في [صفحة 266]: «ولما رأيت السيد الفاضل لم يعن بالمسألة عناية تامة، بل لم ينظر إليها نظرة جدية، وإلا لتجرد لها ببحث موضوعي، جدير بالقبول والاحترام».

4 ـ وقال في [صفحة 269]: «ويمكن أن يقال: إن أبا القاسم الكوفي لم يتابعه أحد على مذهبه الشاذ هذا، وانفرد به أمس، حتى قيض الله له في هذا العصر السيد جعفر مرتضى العاملي، فشدّ أزره، وسقى بذرته، ولكنها لم تخضر، لأنها في أرض سبخة.

وأحب أن أقول: إن نسب أهل البيت [عليهم السلام] مؤيد من الله سبحانه، فما لأحد القدرة، وإن أوتي الحول والطول على نفي الثابت منه، لمجرد شبهة عرضت.. نعوذ بالله من الخذلان..».

5 ـ ويقول في [صفحة 276]: «إن كان يرجع هذا الكوفي إلى عقل، يحجزه عن الإفتراء على رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وابنته زينب [عليها السلام].. وإن تعجب فعجب أمر من اتبعه، وراح يؤيد أقواله الباطلة بكتابة الكتب، وتحرير المقالات».

وقال الأخ الكريم!!

6 ـ في [صفحة 277]: «ولا تعجب من مؤلف الاستغاثة، ولكن اعجب من سيدنا العاملي، وهو الغيور على المذهب، والموثوق به فيما يرويه ويقوله من تاريخنا، كيف انساق وراءه. وإني بقدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

اعتزازي بسيدي جعفر مرتضى العاملي، أربأ بجنابه أن يميل مع هذا الغالي الموتور».

7 ـ وقال: «وأحار حيرة تكاد تخنقني ممن قلده في رأيه، واتبعه على مذهبه الباطل، وأخص بالذكر منهم الفاضل السيد جعفر مرتضى العاملي حفظه الله، مع فضله، وعلمه، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، ولا غرو فالجواد يكبو، والحسام ينبو»..

8 ـ وقال في [صفحة 287]: «نقول لسيدنا العاملي: بأية حجة مال إلى هذا القول الشاذ، وترك الإجماع وراءه ظهرياً؟!.. حتى الشيخ المفيد [رحمه الله] لم يسلم من هذه الفتنة، وإن بعد زمنه، فقد رماه السيد بثالثة الأثافي».

9 ـ ويقول في [صفحة 288]: «على أن السيد والحمد لله شمل بحكمه التعسفي هذا جملة العلماء حين قال إلخ..».

10 ـ وقال في [صفحة 289]: «وهو يتحدث عن لزوم الالتزام بالمسلمات: «وليس من الأمانة في شيء أن يحيد الإنسان عنها لما اكتنفها من القرائن المتنافرة..». إلى أن قال: «وهذا بالضبط يصدق على ما نحن فيه..».

وقال الأخ الكريم!!

11 ـ في [صفحة 289] أيضاً: «ليس من الإنصاف في شيء أن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

ننفي نسبهن الثابت القطعي من أجل هذا الاختلاف».

12 ـ وقال في [صفحة 293]: «وهذا هو مورد الاتفاق الذي تحدثنا عنه. ولا ريب أن سيدنا العاملي اطلع عليه، وعرفه حق المعرفة، ولكنه لسبب غامض أخذ على نفسه تحقيق مقالة الكوفي وتأييدها».

13 ـ وقال في [صفحة 295]: «وفي عبارة البدء والتاريخ لبس واضح، ولكن العاملي تجاهله».

14 ـ وقال في [صفحة 297]: «أترى السيد حفظه الله جهل هذا؟ أم تراه لبّس على قارئه، أم تراه بحث المسألة على عجل، ومن غير جدية».

15 ـ وقال في [صفحة 298]: «وغريبة أخرى من غرائب سيدنا في بحثه المقطوع عن بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، أن سيرته في نقل الشاهد الاقتصار على ما يريد، وحذفه ما عداه، وإن كان متصلاً به، ولا يخلو هذا المحذوف، إما أن يكون تتمة لما اقتطع منه، أو مؤكداً، أو منافياً، أو غريباً. وكان عليه نقل العبارة برمتها. ليكون القارئ على بصيرة من أمره إلخ..».

وقال الأخ الكريم!!

16 ـ في [صفحة 299]: «ثم رجح السيد الأول، والدليل الذي ساقه استئناسي، فقد لا يقتنع به غير صاحبه، والظاهر أنه استأنسه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

ليكون شاهداً على إثبات المدعى، أي لمجرد التشبث به لدعم المطلوب..».

17 ـ وقال في [صفحة 301]: «وهذا مجرد استبعاد ذوقي».

18 ـ وقال في [صفحة 302]: «ولكنني احترت في تفسير انحيازه إلى رواية جاءت في مختصر تاريخ دمشق».

19 ـ وقال في [صفحة 305]: «وتوجيه السيد العاملي بكون المراد بها البنوة بالتربية، ما هو إلا التلاعب بالألفاظ. والحكم على شيء واحد بحكمين متغايرين لمجرد التشهي».

20 ـ وقال في [صفحة 306]: «لأن القوم خافوا من شر، فوقعوا في أدهى منه وأعظم بلية، من دفع نسب بنات النبي [صلى الله عليه وآله]».

وقال الأخ الكريم!!

21 ـ في [صفحة 310]: «والسيد يعلم هذا، ولكنه أراد بحسن نيته المعهودة شد أزر أبي القاسم الكوفي، أثابه الله، وعفا عنه على حسن نيته».

22 ـ وقال في [صفحة 311]: «بعد ذكر آيتين قرآنيتين: هاتان الآيتان لم تتركا لمتقول على بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله] عذراً، وأماطا اللثام عن وجه الحق، فبدا واضحاً لأهل البصائر. واستمع إلى ما ذكره شيخ الطائفة في التبيان، ثم رده إلى العقل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

الذي خلص من أسار الهوى، يتجلى لك الحق مثل فلق الصبح».

23 ـ وقال في [صفحة 311] أيضاً: «.. وهنا يتجلى الحق لمن تعمد العمى».

24 ـ وقال في [صفحة 312] بعد أن سألنا هل نفتي بجواز زواج النبي [صلى الله عليه وآله]، بهؤلاء البنات، إن كنا جادين فيما نقول:

«اللهم إني أعوذ بك من هذا القول، وأبرأ إليك ممن قاله، أو يقوله. وأستغفر الله لي، وللسيد جعفر مرتضى العاملي، وإلى الله المشتكى من حكاية الجهال».

25 ـ وقال في [صفحة 312] أيضاً: «لا غرو، فليست أول مصيبة تدخل على أهل بيت النبي [صلى الله عليه وآله]، وإن كانت أقساها، وأمضها إيلاماً تلك التي تنفي الولد من أبيه، وتنسبه إلى من هو دونه قدراً ومنزلة.

ولقد ذاق أهل البيت جراء هذا وأمثاله من استهانة الأمة بهم، حتى أبعدتهم عن مشرفهم رسول الله [صلى الله عليه وآله] إلخ..».

موقفنا من الناقد!! المحترم!!

ولكننا رغم ذلك كله، سوف نعتبر كل هذه التعابير التي تهدف إلى إثارة جوٍ لا يجهل القارئ الكريم طبيعة الروائح التي تتفاوح منه ـ سوف نعتبره وساماً أكرمنا به هذا الأخ!! الناقد!! وسوف نحمله باعتزاز كوسامٍ على صدرنا، لندلل به على طبيعة المكافأة التي يكافأ بها من يسعى لنصرة الحق والدين، ويدفع الأباطيل والترهات عن ساحة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

الأئمة الطاهرين [عليهم السلام]..

ونحن سنذكر أقوال هذا الناقد!! وسنختار للإشارة إليه كلمة: «الأخ الكريم»!! تعبيراً منا عن الامتنان الذي نكنه له، لما حبانا به من لطف!! ونجعل جزاءه على الله سبحانه..

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

القسم الأول
رؤية.. ونقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

بداية:

إن النقد الذي أورده هذا الأخ الكريم!! ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: تعرض فيه للموضوع بصورة عامة.. تحدث فيه عن إجماع الأمة..

وتعرض لأدلة وأقوال الكوفي في كتاب الاستغاثة.. وسجل انتقادات له عليه.. متهماً إياه بأنه هو المبتدع الأول لهذا الرأي.. وأنه قد خالف إجماع الأمة.. وأنه.. وأنه..

الثاني: تعرض فيه لما ذكرناه نحن في كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه».. حيث سعى إلى إبطال الأدلة الواردة فيه..

ونحن نتحدث عن هذين القسمين معاً.. ونبدأ بالحديث هنا عما يدخل في القسم الأول، فنقول:

أين هو رأي الشيعة وروايات أهل البيت [عليهم السلام]؟!

قد اتهمنا الأخ الكريم!!: بأننا في بحثنا «المستعجل» انسقنا وراء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

أبي القاسم الكوفي، وأننا لم نعرض إلا لرأي الشيخ المفيد من علماء الشيعة، مع العلم بأن الكليني قد أقر بنسب السيدات من النبي، وروى فيهن أحاديث من الكافي، تؤكد نسبتهن إلى النبي [صلى الله عليه وآله]. وكذلك لم يعرض لما قاله الطبرسي في إعلام الورى ، ولا لابن طاووس في ربيع الشيعة، ومثله فعل الحميري في قرب الإسناد. وإنه قد كان عليه: أن ينظر في الروايات الواردة من طريق أهل البيت [عليهم السلام] سنداً و متناً، ثم يرى هل تؤيده على ما ذهب إليه من النفي، أو أنها على طرفي نقيض مع صاحب هذه المقولة؟!(1).

ونقول:

 أولاً: بالنسبة لما ذكره من أن بحثنا قد جاء مستعجلاً، نقول:

إن المهم هو الشواهد والأدلة الواردة فيه، وتوصيفه بالمستعجل لا يجدي في رد تلك الأدلة، وإسقاطها.. وربما يكون لإثارة أجواء كهذه، بعض التأثير على القارئ غير الملتفت، الذي لا يحق لأحد استغلال غفلته، وصفاء نيته بهذه الطريقة الإيحائية، التي لا يرضى أهل التحقيق والالتزام بأن تدخل في وسائلهم، وهم يحاورون الآخرين..

ثانياً: لا معنى للإعتراض علينا بأننا لم نعرض لرأي الكليني،

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص265.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

والطبرسي، وابن طاووس، والحميري.. إذ لم تكن طريقتنا، ولا كان من خطتنا في ذلك البحث، تجميع آراء الناس: سواء في ذلك.. المخالف والمؤالف.. بل كانت همتنا مصروفة إلى إيراد الأدلة والشواهد.. وإنما أوردنا كلام الشيخ المفيد، لأنه يفيد في بيان أمرين..

أحدهما: بيان أن الناس كانوا مختلفين في هذا الأمر منذ ذلك العصر، فلا تصح دعوى الإجماع على هذا الأمر..

والآخر: هو تسجيل تحفظ على كلامه [رحمه الله] حول أن عثمان قد تزوج زينب، التي كانت تحت أبي العاص بن الربيع..

ثـالثاً: إن الكليني الذي يطالبنا الأخ بإيراد ما ذهب إليه.. هو نفسه الكليني الذي خالف إجماع الشيعة في نفس الصفحة التي تحدث فيها عن هؤلاء البنات، حيث وافق أهل السنة في دعواهم أن ولادة الرسول [صلى الله عليه وآله] كانت في الثاني عشر من ربيع الأول.. مع أن الشيعة قائلون بأن ولادته [صلى الله عليه وآله] قد كانت في السابع عشر..

فلماذا لا يقيم هذا الأخ الكريم!! الدنيا ثم لايقعدها ضد الشيخ الكليني المخالف للإجماع؛ حسب تعابيره؟

رابعاً: إن الأحاديث التي أوردها في الكافي، حول بنوتهن للرسول إنما وردت بلفظ «بنت»، التي تستعمل في الربيبة كما تستعمل في البنت الحقيقية، فإذا جاءت القرينة الصارفة عن إرادة البنت الحقيقية، وهي الأدلة التي ذكرناها.. فلا مجال بعد للاستدلال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

بتلك الروايات لاثبات ذلك، بل لابد من حملها على ارادة البنت بمعنى الربيبة..

خامساً: إننا لا نخالف الكليني [رحمه الله]، ولا ابن طاووس، ولا الحميري، ولا الطبرسي في أن للنبي [صلى الله عليه وآله] بنات باسم زينب، ورقية، وأم كلثوم.. ولكننا نقول: إنهن قد متن وهن صغار، تماماً كالقاسم، وعبد الله..

وأما الكبار، وهن زوجة أبي العاص، وزوجتا عثمان، فهن غير أولئك، وهؤلاء هنَّ الربيبات للرسول [صلى الله عليه وآله]..

وبذلك يتضح: أننا لم نخالف الإجماع [الذي يدعيه الأخ الكريم]، بل نحن منسجمون معه، وقد أخذنا بالمتفق عليه، وتركنا المختلف فيه..

ويدل على ذلك كل تلك الأدلة التي أوردناها في ذلك الكتاب، ومن ذلك قولهم: إن عبد الله وحتى القاسم قد مات في الإسلام وعمره سنتان أو أربع سنوات، وأن البنات كلهن قد ولدن بعد القاسم، فكيف يكون عثمان وأبو العاص قد تزوجا بتلك البنات؟! وفي الجاهلية؟!..

المستند فقط هو اضطراب روايات السنة:

وقال الأخ الكريم!!: «والظاهر أن سيدنا كان على جناح السرعة، ولذلك لم يستند إلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

إلى اضطراب الروايات العامية عنهن. وهو على علم تام بأن المروي من ذلك الطريق لا يمكن التعويل عليه سلباً ولا إيجاباً ما لم تقم القرائن على صحته، لأن أيدي القوم لعبت في التاريخ والسنة حتى شوهتهما إلخ..»(1).

ونقول:

أولاً: إنه عاد فكرر مقولة: إننا قد كتبنا ما كتبناه على جناح السرعة، لكي يوحي للقارئ الكريم بأن التحقيق الوارد في الكتاب قد جاء ضعيفاً، أو غير دقيق..

وقد قلنا: إن هذا الأسلوب غير منصف للطرف الذي يراد مناقشة أدلته.. إذ الحق الذي لا محيد عنه هو التزام حقيقة أن الميزان هو الدليل.. فلا لزوم لطرح ما يوحي بأمور هي في غير هذا السياق، وليس لها أي مستندٍ سوى الحدس والتخمين، لو كان ثمة حدس بهذا الأمر فعلاً!!

ثانياً: قوله: إننا لم نستند إلا إلى اضطراب الروايات العامية، غير سديد.. لأن الأدلة التي أوردناها عديدة ومتنوعة، وليس دليلنا هو فقط اضطراب الروايات..

ثالثاً: إن من يراجع كتابنا يجد أننا لم نستدل باضطراب الروايات

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص265.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

على نفي بنوتهن لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، أبداً.. فلماذا ينسب لنا ما لم نقله تارة، وما لم نفعله أخرى؟!

رابعاً: إنه قد اعتبر أن المروي من طريق العامة «لا يمكن التعويل عليه، لا سلباً ولا إيجاباً، ما لم تقم القرائن على صحته، لأن أيدي القوم لعبت في التاريخ والسنة حتى شوهتهما».

مع أنه هو نفسه حين قرر الإجماع الذي ادعاه لم يشر أيضاً إلى أي نص عن الشيعة سوى ما أورده عن ابن شهر آشوب، مع أنه حسب ترقيمه قد استوعب أربعة وعشرين نصاً.

فكيف أصبحت باؤه تجر، وتثبت وجود الإجماع الذي يدعيه، وباء غيره لا تجر فلا تثبت حتى وجود خلاف بين العلماء، أشار إليه المفيد [رحمه الله] صراحة في المسائل الحاجبية والجزائري [رحمه الله] في الأنوار النعمانية، واعترف به نفس هذا الأخ الكريم!!، حيث ذكر جماعة تابعوا الكوفي على مقولته، كما سيأتي؟!.

خامساً: إن كلام أهل السنة أو غيرهم إذا كان وارداً في سياق الإعتراف بما يضرهم الإعتراف به.. أو إذا كان من الأمور التي لا داعي للكذب والتحريف فيها.. أو كان رواته من الثقات الذين لا يكذبون.. فإن روايتهم تكون مقبولة،  ويصح الإستدلال بها.

هذا بالإضافة إلى وجود حيثيات أخرى تصحح الإستدلال ببعض رواياتهم ، يعرفها المعنيون بالبحث العلمي الرصين..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

حرمة نسبة الربائب لغير الأب الحقيقي:

وذكر الأخ الكريم!! أنه «لو كان السيدات عليهن الصلاة والسلام لغير النبي، سواء كن لتيمي، أو لقرشي، لما جاز للمسلمين، بل ولا للنبي تسميتهن ببنات النبي [صلى الله عليه وآله]، ولوجبت نسبتهن إلى أبيهن الحقيقي، كما كانت الحال مع زيد بن محمد [صلى الله عليه وآله]، قبل نزول الآية، ثم ردوه إلى الحارثة»(1).

ونقول: سيأتي الحديث عن هذه النقطة بالذات، وسنورد الأدلة والشواهد على عدم صحة هذا الكلام، غير أننا نكتفي هنا بالقول:

أولاً: إن المحرم هو نسبة الولد إلى غير أبيه نسبة حقيقية.. ولا يحرم النسبة المجازية الناشئة عن التربية والاهتمام بشأنه، مع وجود القرينة الدالة على هذا المجاز، وهي الأدلة التي أوردناها على عدم بنوتهن للرسول [صلى الله عليه وآله]، وفيها تصريحات لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، نفسه بذلك، كما يعلم بالمراجعة..

ثانياً: سيأتي أن الله سبحانه قد نسب إبراهيم إلى عمه آزر بعنوان الأبوة، فقال: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ). مع أن أبا إبراهيم هو تارخ..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص265.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

ثالثاً: إن الآيات القرآنية قد عبرت عن إسماعيل بأنه من آباء يعقوب، مع أن يعقوب هو من ذرية إسحاق، لا من ذرية إسماعيل، وسيأتي توضيح ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى..

رابعاً: وأخيراً.. إنه يظهر من الأخ الكريم!!: أن آية ادعوهم لآبائهم ناسخة لحكم مخالف لها كان ثابتاً، وقد عمل النبي [صلى الله عليه وآله] به قبل أن ينسخ.. مع أن الأمر ليس كذلك.. كما أوضحناه، وسيأتي أن المراد بالآية هو النسبة الحقيقية، أما المجازية فلا مانع منها. ومدعي النسخ والناسخية يحتاج إلى إثبات ذلك.

الرسم الساخر:

وقد أشار الأخ الكريم!! إلى الرسم الموضوع على ظهر كتاب «بنات النبي أم ربائبه» فقال: «لما رأيت بحث السيد في هذا الموضوع يرجع في أكثره إلى قول صاحب الاستغاثة، وضممت إلى ذلك صغر حجم الكتاب، وإلى الرسم الساخر على غلافه، فليس من اللائق أن يرمز إلى أشرف سلالة عرفتها البشرية برسوم ثلاث، توحي بالضحك للناظر.

وكان على السيد أن يأخذ روح عصرنا بنظر الاعتبار.. وأنا على يقين من أن المسؤولية تقع على الناشر قبل وقوعها عليه»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

ونقول:

أولاً: بالنسبة للرسم الموضوع على الغلاف ـ رغم أننا لم يكن لنا يد فيه ـ نقول:

ليس فيه أي توهين، وليس هو بالرسم الساخر.. ولم يزل ولا يزال الرسامون يرسمون لنا صوراً ترمز لزينب، وللزهراء [عليهما السلام]، ولحوادث كربلاء، بنفس هذه الطريقة، ولم يعترض أحد بأنها رسوم ساخرة، أو موهنة، أو غير لائقة، بمقام الزهراء وزينب، أو الحسين [عليهم السلام].

ثانياً: إنه يقول: ليس من اللائق أن يرمز إلى أشرف سلالة عرفتها البشرية برسوم ثلاث توحي بالضحك للناظر..

وجوابه:

أ ـ إنها لا توحي بالضحك، بل توحي بالحشمة..

ب ـ إننا نقول للأخ الكريم!!: «العرش ثم النقش» فقد أثبتنا: أن هؤلاء البنات لا ينتسبن لرسول الله [صلى الله عليه وآله].

ثالثاً: هل الاتفاق في رأي علمي تذكر شواهده وأدلته مع أي كان من الناس يعتبر سبَّةً عليه؟ إن الموافقة للكوفي إذا كانت عيباً، فإن القائل بأنهن بنات للرسول [صلى الله عليه وآله] موافق للنواصب أيضاً، فلماذا لا يكون هذا من أعظم العيب عليه أيضاً؟!

رابعاً: وأما بالنسبة لصغر حجم الكتاب، نقول: هل صغر حجم

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص266.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

الكتاب حول موضوع، يعتبر ثغرة في ذلك الموضوع المبحوث عنه؟ إننا لا ندري لماذا يعالج هذا الأخ الكريم!! الموضوع بهذه الطريقة.. ولعل الفطن الذكي يدري!! خصوصاً بعد أن تظهر له حقيقة الأسلوب والنهج الذي اتبعه، والذي أراد أن يوحي للقارئ الكريم بالقيمة العلمية لهذه المعالجة!!!.

لا، للبحث في زواج خديجة [عليها السلام]:

ويقول الأخ الكريم!! إنه سيركز في بحثه على موضوع بنات النبي فقط، وقال:

«ونتقهقر عن موضوع زواج سيدتنا خديجة الكبرى قبل النبي [صلى الله عليه وآله] لما فيه من اختراق ذلك الحرم القدسي الممنّع، ولما فيه من مجافاة الأدب، ولا يترتب أثر يعتد به على هذه المسألة..».

ونقول:

أولاً: إن إثبات عدم زواج خديجة بأحد قبل رسول الله [صلى الله عليه وآله]، ليس فقط لا مجافاة فيه للأدب، بل هو عين الأدب، لأنه يحفظ تلك السيدة الطاهرة التي حملت في رحمها الطاهر نور الزهراء والأئمة الأطهار [عليهم السلام]، من أن يتصور في حقها أنها تزوجت بعض الأعراب من بني تميم، أو من غيرهم.. بعد أن رفضت الزواج بعظماء قريش..

ثانياً: إنه حتى لو لم يكن هناك أي أثر لهذا البحث، فلماذا يكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

في التصدي لإحقاق الحق فيه؛ مجافاة للأدب، أو اقتحام لذلك الحرم القدسي الممنّع على حد تعبيره؟! فهل يوجب ذلك نسبة أمر شنيع لها صلوات الله وسلامه عليها؟!.. أو أنه حديث عن أمر مستورٍ يكون إظهاره مخجلاً أو محرجاً من بعض الجهات؟!..

إننا قد نسمح لأنفسنا بأن نتخيل أن الهدف من إلقاء الكلام بهذه الطريقة هو الإيحاء بأننا قد أسأنا الأدب حين بحثنا موضوع زواجها بغير رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وأثبتنا بالدليل القاطع أن رسول الله [صلى الله عليه وآله]، قد تزوجها بكراً.. والله هو العالم بحقيقة النوايا، وبطهارة السرائر من مثل هذه الشوائب..

الاستدلال بالإجماع:

قـد استدل الأخ الكريم!! على بنوة الثلاثة: زينب، وأم كلثوم، ورقية لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، بالإجماع، فقال: «إتفقت كلمة الأمة على أن بنات النبي [صلى الله عليه وآله] أربع، أكبرهن زينب، ومن بعدها رقية، ثم أم كلثوم، وصغراهن سيدتنا فاطمة [عليها السلام]، ولم يشذ أحد عن ذلك، لا في عددهن، ولا في أسمائهن، اللهم إلا اختلافاً يسيراً في سن بعضهن، وفي المتقدم والمتأخر منهن.»(1).

وقال: «ولم أجد لإجماع المؤرخين على عدد بنات النبي [صلى الله عليه وآله]

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص266.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

وأسمائهن وتاريخهن نظيراً»(1).

وقال: «ولم أعثر فيما عندي من المصادر على مؤرخ واحد من القدماء زعم أنهن ربائب النبي، والإجماع حاصل على أنهن بناته، حقاً وصدقاً، اللهم إلا ثلاثة، متقدم مبتدع، ومتأخر متبع، ومتوسط غافل»(2).

ونقول:

أولاً: إنه يقول: «لم يشذ أحد عن ذلك» ثم إنه هو نفسه قد نقض كلامه..

فقال: «الكوفي أول من ابتدع هذا المذهب الشاذ، وتابعه عليه جماعة»(3).

وهو نفسه قد استثنى ثلاثة يخالفون في ذلك: متقدم مبتدع، ومتوسط، ومتأخر. بالإضافة إلى تصريحات عديدة أخرى له تدخل في هذا السياق..

ثانياً: إن هذا «البعض» نفسه قد نقل: أن الشيخ المفيد [رحمه الله] سُئِلَ عن هذا الأمر، فقيل له:

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص267.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق ص305 وراجع: ص268 و269.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

«الناس مختلفون في رقية وزينب، هل كانتا ابنتي رسول الله [صلى الله عليه وآله]؟! أم ربيبتيه؟!»

أجاب الشيخ المفيد [رحمه الله] على ذلك معتبراً المخالف شاذاً بخلافه، لا أنه شاذ من حيث قلته وندرته..

كما أنه قد نقل: أن السيد نعمة الله الجزائري [رحمه الله] قال: «قد اختلف العلماء لاختلاف الروايات في أنهما هل هما من بنات النبي [صلى الله عليه وآله] من خديجة، أو أنهما ربيبتاه، من أحد زوجيها الأولين الخ..» (1).

إلى أن قال: وهذا الاختلاف لا أثر له. وسيأتي توضيح ذلك في العنوان التالي..

الكوفي هو المبتدع الأول:

لقد أصر الأخ الكريم!! في مواضع عديدة على أن نفي بنوة زوجتي عثمان وزينب لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، قد بدأه أبو القاسم الكوفي..(2).

وقد هاجمه في مختلف الموارد في مقالته هجوماً مراً، إلى حد حاول التأكيد على نفي انتسابه لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، رغم أنه لم يرض بالتشكيك المستند إلى الأدلة بالنسبة لانتساب زوجتي عثمان لرسول الله [صلى الله عليه وآله]..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص306 والأنوار النعمانية ج1 ص80 و81..

(2) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص305.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

وتقدم قوله: إن الكوفي أول من ابتدع هذا المذهب الشاذ..(1).

وقال: «وهو الذي ابتدع القول بحق السيدات، ولم يسبق به، وإلا لأشار إليه اعتضاداً به، كما لم يتابعه عليه أحد»(2).

وقال أيضاً: «قد تحمل وحده كبر هذه البدعة، ولم تؤثر عن أحد قبله»(3) وتصريحاته حول هذا الموضوع كثيرة..(4).

ونقول:

أولاً: كيف عرف هذا الأخ الكريم!! أن الكوفي هو أول من ابتدع هذا المذهب الشاذ؟!

ثانياً: إن أحمد بن يحيى البلاذري قد ذُكِرَ في من قال هذا القول، والبلاذري أقدم من الكوفي، لأنه توفي سنة 279 للهجرة، أما أبو القاسم الكوفي فقد توفي سنة 352 للهجرة، فلا يصح القول بأن هذا القول لم يؤثر عن أحد قبله.. هذا بالإضافة إلى أنه قد أثر عن الأنوار، والكشف واللمع إلخ..

ثالثاً: أما ما نسبه إلى الشيخ المفيد [رحمه الله]، المتوفى سنة 413

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص267.

(2) المصدر السابق ص268.

(3) المصدر السابق ص289.

(4) المصدر السابق ص286.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

للهجرة فيدل ما نقله عنه على أن الخلاف كان بين جماعتين من الناس فكيف يكون الكوفي هو المبتدع الأول. فقد سئل فقال:

«الناس مختلفون في رقية وزينب، هل كانتا ابنتي رسول الله [صلى الله عليه وآله]؟ أم ربيبتيه؟ فإن كانتا ابنتيه»..

إلى أن قال [رحمه الله]: «والجواب: أن زينب ورقية كانتا ابنتي رسول الله [صلى الله عليه وآله]، والمخالف لذلك شاذ بخلافه»(1).

فالسائل يقول: إن الناس مختلفون في بنوة زينب ورقية لرسول الله [صلى الله عليه وآله].. ولكن الشيخ المفيد [رحمه الله] بين أن رأيه هو مع الطائفة المثبتة، وليس مع الفريق الثاني كما ظهر من عبارته الأخيرة.. بل اعتبر من يخالفه في ذلك شاذاً بخلافه..

فعبارة الناس مختلفون، تشعر أن الاختلاف بين جماعتين.. وكلام المفيد [رحمه الله] لا يدل على حجم المخالفين من حيث القلة والكثرة، بل هو يعتبر في نفس قولهم شذوذاً، ولذا قال: شاذ بخلافه.. ولم يقل: إن القائل شاذ، ليفهم منه أنه قليل..

ولو سلمنا أن المقصود بالشاذ شخص واحد، فإنه لا دليل على أن هؤلاء يقصدون أبا القاسم الكوفي، فكيف يصح التأكيد على أنه

ـــــــــــــــ

(1) المسائل الحاجبية ص71 و72.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

هو مبتدع ذلك الرأي؟!..

المقريزي ينكر بنوتهن لرسول الله [صلى الله عليه وآله]:

وقال الأخ الكريم!! عن المقريزي: إنه «أشار إشارة عابرة، تدل على أنها هفوة غير مقصودة إلى سيدتنا زينب بأنها ربيبة النبي [صلى الله عليه وآله]، وإليك نص عبارته تحت عنوان: «فصل في ذكر من كان في حجر رسول الله [صلى الله عليه وآله] من أولاد نسائه».

يقول في مطلع الفصل:

«واعلم أن الربيبة بنت الرجل من غيره، وتجمع على ربائب، سميت بذلك لأنها يربيها في حجره، فهي مربوبة، فعيلة بمعنى مفعولة»(1).

ثم يبدأ بعدِّهم إلى أن يقول: «فزينب بنت رسول الله من قبل خديجة [رضي الله عنها]». وهذه هفوة واضحة لا يرتاب فيها، لأن المؤلف سبق أن ذكرها في بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، فقال: «زينب بنت رسول الله [صلى الله عليه وآله]»(2).

ـــــــــــــــ

(1) إمتاع الأسماع ج6 ص295.

(2) إمتاع الأسماع ج5 ص343.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

إلى أن قال: «والذي أظنه ـ والله العالم ـ أنه يريد زينب ابنة أبي سلمة، ربيبة رسول الله [صلى الله عليه وآله]، من قبل أم سلمة [عليها السلام]، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله [صلى الله عليه وآله] زينب، فسبق القلم منه، أو من الناسخ إلى زينب ابنة النبي [صلى الله عليه وآله]..»(1).

ونقول:

أولاً: كيف تكون الإشارة العابرة دالة على أن القول هفوة، غير مقصودة؟!

ثانياً: كيف يمكننا معرفة أن هذه إشارة عابرة، وتلك إشارة غير عابرة؟!

ثالثاً: لماذا لا نقول: إن الذين ذكروا أن البنات ـ هن بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله] ـ قد أشار كثير منهم أو أكثرهم إلى ذلك إشارة عابرة؟!، وهي غير مقصودة..

رابعاً: لم لا يقال: إن ذكر كونهن بناته في مورد متقدم، ثم النص على أنهن ربائبه بعد ذلك هو من باب تعارض الظاهر مع النص.. فيحمل الظاهر على البنت بمعنى الربيبة لأن هذه الكلمة تستعمل في هذا المعنى أيضاً؟!..

بل لِمَ لا يقال: إن المقريزي قد عدل عن رأيه. بعد أن توفرت

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص267 و268.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

لديه مبررات هذا العدول عن رأي شائع؟!..

خامساً: وأما ظنه: أن المراد بها زينب بنت أبي سلمة، فهو لا يغني من الحق شيئاً، بل يحتاج إلى شاهد ودليل، فكيف إذا كانت الشواهد قائمة على خلافه، وهي الأدلة الكثيرة التي ذكرناها في كتاب «بنات النبي أم ربائبه»..

ونلاحظ أخيراً: أن هذا الأخ الكريم!!، ينكر على من ينسب الربيبة إلى أبيها الحقيقي، فكيف يرضى من المقريزي أن يقول: «فزينب بنت رسول الله [صلى الله عليه وآله] من قبل خديجة [رضي الله عنها]» حيث نسب ربيبة رسول الله [صلى الله عليه وآله] إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله] ، فهل فعل حراماً؟!

موقف المفيد [رحمه الله] من الكوفي:

وقد صور الأخ الكريم!! موقف الشيخ المفيد [رحمه الله]، الذي تقدمت عبارته، على النحو التالي: «أشار إليه المفيد إشارة عابرة، ولم يصرح باسمه لضعف قوله، واكتفى عن عناء رده بنسبته إلى الشذوذ»(1).

ونقول:

أولاً: قد تقدمت عبارة المفيد [رحمه الله] في الفقرة التي بعنوان: الكوفي هو المبتدع الأول..

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص268.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

وقد صرحت بأن السائل يقول: إن الناس مختلفون في هذا الأمر..

وخلاف أبي القاسم الكوفي.. وحده ـ خصوصاً إذا أخذت بنظر الاعتبار محاولات الأخ الكريم!! الكثيرة لتصغير شأنه ـ لا يبرر القول: إن الناس مختلفون.. والمفيد [رحمه الله] لم ينكر اختلاف الناس، وإنما اعتبر خلاف المخالفين شذوذاً.

ثانياً: إذا كانت الإشارة العابرة تدل على الغفلة، وعلى وجود هفوة غير مقصودة، كما ذكره الأخ الكريم!! بالنسبة للمقريزي، فلنا أن نأخذه هنا بنفس ما فعله هناك.. ونقول له نفس ما قاله، أي أن الشيخ المفيد [رحمه الله] قد أشار إلى بنوتهن للرسول إشارة عابرة، مما يدل على أنها هفوة غير مقصودة..

ثالثاً: قوله: إن المفيد [رحمه الله] لم يصرح باسم الكوفي لضعف قوله. غريب وعجيب، وذلك لما يلي:

1 ـ قد قلنا: إن السائل قال: إن الناس مختلفون. ولم يرفض المفيد [رحمه الله] ذلك.. بل اعتبر نفس المخالفة لما هو شائع شذوذاً..

2 ـ من أين عرف أن المفيد [رحمه الله] يتحدث عن شخص الكوفي، فلعله يقصد شخصاً آخر أو أشخاصاً آخرين.. غيره.. ولعله لم يعرف بأقوال الكوفي، ولا وصل إليه كتابه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

ولعله ـ حتى لو وصل إليه ذلك الكتاب ـ لم يقرأه..

3 ـ من أين عرف أن عدم التصريح بالاسم مسبب عن ضعف الرأي، فلعل له أسباباً أخرى، فإن الأسباب لا تنحصر بذاك..

ما ذكره ابن شهر آشوب [رحمه الله]:

ويقول الأخ الكريم!!، حول ما نسبه ابن شهر آشوب للمرتضى والبلاذري: بقوله: «وفي الأنوار، والكشف، واللمع، وكتاب البلاذري: أن زينب ورقية كانتا ربيبتيه من جحش»(1).

«أما سيدنا المرتضى، فقد تصفحت كتاب الشافي، فلم أعثر فيه على عين ولا أثر من ذلك.. والبلاذري نص على أولاد النبي في أنساب الأشراف واحداً بعد الآخر فقال..»

ثم ذكر عبارة السيد المرتضى [رحمه الله] الصريحة في أن زينب ورقية وأم كلثوم هن بنات لرسول الله [صلى الله عليه وآله] من خديجة، ثم قال: «فأين ما قاله شيخنا ابن شهر آشوب؟! ولعل البلاذري شخص آخر غيره. أو أن الكتاب تصرف به النسَّاخ»(2).

وقال أيضاً: «.. وأنت ترى أن ابن شهر آشوب لم يهتم بهذا القول، وذكره استطراداً. ولو كان معتبراً عنده لأبان عن معنى عبارته:

ـــــــــــــــ

(1) المناقب، المطبعة العلمية ج1 ص161 و162.

(2) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص268.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

ربيبتيه من جحش» فمن جحش هذا؟(1).

وبعد أن ذكر احتمالات ذكرناها حول هذه الكلمة وقلنا: إن ترجيح أي احتمال يحتاج إلى شاهد ودليل.. أعلن أننا لن نصيب هذا الشاهد حتى لو نخلنا الكتب، كما تنخل الطحينة..

ونقول:

أولاً: إنه كما يصح أن يتصرف الناسخ في كتاب البلاذري في إدخال ما ليس منه فيه، كذلك يمكن أن يتصرفوا فيه بإسقاط ما هو منه!..

ثانياً: إذا جاز ذلك في حق كتاب البلاذري فلماذا لا يجوز في حق كتاب الشافي.

ثالثاً: إن الأخ الكريم!! قد تحدث عن خصوص الشافي وأنساب الأشراف، ولم يشر بشيء إلى كتاب: الأنوار.. حيث يوجد عدة كتب بهذا الاسم، قد عاش مؤلفوها قبل زمن ابن شهر آشوب أيضاً، كالصاحب ابن عباد، وإسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي، وابن الرائقة الموصلي، والشلمغاني، ومحمد بن همام بن سهيل الكاتب الإسكافي..

ولا أشار إلى كتاب: البدع.. إذ ليس بالضرورة أن يكون المقصود به كتاب الاستغاثة، فلعل المقصود به كتاب البدع لمحمد بن بحر الرهني..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص269.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

ولا أشار إلى كتاب الكشف لأحمد بن محمد الآملي الطبري، أو كتاب الكشف لعيسى بن مهران المستعطف. أو الذي لأبي عبد الله الحسين [عليه السلام]..

ولا أشار إلى كتاب اللمع الذي ربما يكون مؤلفه هو محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن فوقة التميمي النحوي شيخ النجاشي.. فلماذا تجاهل هؤلاء جميعاً يا ترى؟!

رابعاً: إن للبلاذري عدة مؤلفات، فمن أين علم أن ابن شهر آشوب قد نقل ذلك عن كتاب أنسابه، الذي لم يطبع حتى الآن بتمامه.. فلعله نقله عن كتاب آخر للبلاذري، ككتاب البلدان الكبير مثلاً..

ولنفترض: صحة احتمال: أن يكون المقصود هو بلاذري آخر، فما المانع من ذلك يا ترى؟!

وهل يصح القول بعد هذا أو ذاك، بأن الكوفي هو المبتدع الأول لهذا الأمر؟!

خامساً: إننا إذا لم نستطع فهم كلمة «من جحش» إما لأنها مصحفة عن كلمة أخرى أو لأن في العبارة سقطاً، أو لأن هناك بعض الأمور التاريخية التي نجهلها في هذا السياق.. إن عدم فهمنا لذلك، لا يجعل جميع ما ذكر في هذا المقام مشكوكاً فيه، أو مكذوباً.

سادساً: إن هذا الأخ الكريم!! قد ذكر أنه تصفح كتاب الشافي للسيد المرتضى [رحمه الله]، فلم يعثر على عين ولا أثر من ذلك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

ونقول:

أ ـ إن ابن شهر آشوب ثقة فيما ينقله بلا ريب، وقد صرح نفس الأخ الكريم!! بهذا الأمر في نفس ما ذكره هنا مما اعتبره نقداً لأدلتنا. وكلام هذا الثقة صريح في نسبة هذا القول إلى المرتضى [رحمه الله] في الشافي، وإلى الشيخ الطوسي [رحمه الله] في تلخيص الشافي..

فإذا لم يوجد في هذين الكتابين، فلا بد لذلك من سبب، فقد يكون هو اشتباه ابن شهر آشوب في النقل.. وقد يكون أمراً آخر.. ولكن ذلك يشير إلى وجود قول للمرتضى والطوسي بهذا على أي حال..

ب ـ إن الأخ الكريم قد خلط بين مطلبين:

أحدهما: أن النبي [صلى الله عليه وآله] قد تزوج من خديجة وهي عذراء.. وقد نسب ذلك ابن شهر آشوب إلى البلاذري والمرتضى [رحمه الله]، وأبي القاسم الكوفي، والطوسي [رحمه الله]..

الآخر: أن هناك حديثاً عن أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة.. وقد اعتبر هذا ابن شهر آشوب من المؤكدات. ونقله عن الكتب الخمسة التالية: الأنوار، والبدع، والكشف، واللمع، وكتاب البلاذري..

وإنما يكون هذا مؤكداً لأنهم إنما تحدثوا عن خصوص زينب ورقية، ولم يشيروا إلى أم كلثوم في شيء.. الأمر الذي يفسح المجال لاحتمال أن تكون أم كلثوم بنتاً لرسول الله [صلى الله عليه وآله] دونهما..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

وإن كان هذا التفصيل لم يلفت أحد النظر إليه، أو لم يلتفت أحد إليه فيما نعلم..

لكن الأخ الكريم!! قد تحدث عن البلاذري الذي ذكر الأمرين معاً.. وعن الشافي للمرتضى الذي تحدث عن الأمر الأول فقط.. وأهمل سائر من أشار إليهم ابن شهر آشوب، ولم يلفت النظر أيضاً إلى التفصيل الذي أراده ابن شهر آشوب..

سابعاً: قد ذكر أن ابن شهر آشوب لم يهتم بالقول بأن زينب ورقية كانتا ربيبتيه [صلى الله عليه وآله]، بل ذكره استطراداً..

ونقول له: إن الاستطراد هو الإتيان بكلام لا ربط له بالموضوع، لأجل مناسبة ما.. وما ذكره ابن شهر آشوب هو من صميم الموضوع الذي هو بصدد الحديث عنه، فكيف يكون استطراداً؟!

ثامناً: سلمنا أنه قد ذكره استطراداً، لكن ذلك يدل على اهتمامه به، لا على العكس، لأن الاستطراد هو الخروج عن الموضوع إلى موضوع آخر يرى أن من المفيد الإلفات إليه لأهميته..

تاسعاً: بالنسبة لقول الأخ الكريم!!: لو كان معتبراً عنده لأبان عن معنى عبارته: «ربيبتيه من جحش» نقول: إنه غير مقبول.. لأكثر من سبب فيها.. إذ لم يثبت ان ابن شهر آشوب قد تعمد إبهام هذه الكلمة، والتعمية فيها.. فلعل هناك سقطاً في الكلام، أو لعل ثمة تصحيفاً!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

وحتى لو ثبت أن ابن شهر آشوب قد تعمد التعمية في هذه العبارة فذلك لا يعني: أنه يريد أن يفهم الناس أنه غير مهتم بهذا القول. فلعل له مقاصد أخرى من ذلك..

عاشراً، وأخيراً: قوله: إننا لن نصيب الشاهد على أي من الاحتمالات التي ذكرناها حول كلمة «من جحش»، حتى لو نخلنا الكتب، كما تنخل الطحينة.

نقول له فيه:

1 ـ هل سبر وقرأ هو جميع الكتب التي ألفها العلماء طيلة ألف وثلاث مئة سنة؟! وعرف أن هذا الشاهد غير موجود وذاك موجود؟!..

2 ـ إذا لم يكن قد سبرها وقرأها أو قرأ ما هو موجود الآن في جميع أنحاء العالم منها، فهل علم بطريق الغيب أن هذا الشاهد غير موجود؟! أوأخبره المعصوم [عليه السلام] بذلك؟!

مناقشاته لصاحب الاستغاثة:

وبعد أن ذكر أن الكوفي قد انفرد بهذا القول، حتى قيض الله جعفر مرتضى في هذا العصر.. قال: جعفر مرتضى في هذا العصر.. قال:«ليت صاحب الاستغاثة أرشدنا إلى الوجه الصحيح، من آية أو رواية، أو قول قطعي استند إليه في نفي السيدات عليهن السلام، من بنوة النبي [صلى الله عليه وآله]..».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

ثم ذكر أنه يمكن أن يكون سبب صدور ذلك من الكوفي هو عقدة نفسية، أو حسد الأرحام، ولا يبعد أن يكون بسبب طعن أحفاد خديجة بنسبه. وقد استشهد للطعن في نسب أبي القاسم الكوفي بقول النجاشي وغيره(1)، وذكر أموراً أخرى ستأتي.

ونقول:

أولاً: ليس في هذا القول أعني أنهن ربائب للرسول [صلى الله عليه وآله]، أي تنقص لخديجة [عليها السلام]، ليصح القول بأن الكوفي أراد الرد على طعن بعض أحفاد خديجة بنسبه إليها..

ثانياً: إن جعفر مرتضى ليس متفرداً في هذا الأمر، وقد ظهر ذلك من نفس كلام هذا الأخ الكريم!!، ومن كلام الشيخ المفيد، وابن شهر آشوب، والمقريزي، والجزائري و...

ثالثاً: إن الكوفي قد أرشده إلى وجود روايات صحيحة عنده تدل على ذلك، فقال: «.. وصح لنا فيهما ما رواه مشايخنا من أهل العلم عن الأئمة من أهل البيت [عليهم السلام]، وذلك أن الرواية صحت عندنا عنهم: أنه كانت لخديجة بنت خويلد من أمها أخت اسمها هالة قد تزوجها رجل من بني مخزوم إلخ..».

ـــــــــــــــ

(1) الإستغاثة ص80 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

وقد أيد هذه الروايات بشواهد ووجوه، رأى أنها تكفي لتأكيد صحتها..

رابعاً: لماذا يطالب الأخ الكريم!! أبا القاسم الكوفي بأن يكون لديه القول القطعي، وهل جميع ما لدينا من معارف تاريخية قد بلغنا بطريق القطع؟!.. وهلاّ يطالب الأخ الكريم!! ابن هشام والطبري، وابن إسحاق حين ينقلون له أحداث التاريخ، بالآية، والرواية، وبالقول القطعي؟!

ألم يكفه ما قدمه له من روايات صحيحة أيدها بها مدَّعاه، ثم ذكر وجوهاً رأى أنها تكفي للتأكيد على صحة مضمون ما بلغه من الروايات؟!

خامساً: لا ندري كيف يكون ما ذهب إليه الكوفي إنما جاء تنفيساً عن تلك العقدة النفسية الناشئة عن الطعن بنسب الكوفي؟!

سادساً: إن الذين طعنوا بنسب الكوفي إنما عاشوا وكتبوا ذلك في مؤلفاتهم بعد وفاة الكوفي.

سابعاً: حتى لو كان بعضهم قد عاش في زمن الكوفي، فكيف ثبت للأخ الكريم!!: أن الذين طعنوا بنسبه قد عرف بهم الكوفي؟! ولو أنه عرف أنه قد تولدت لديه عقدة نفسية بسبب ذلك؟!..

ثامناً: من الذي قال: إن طعن هؤلاء في نسب الكوفي قد جاء على سبيل الانتقاص له.. فلعله لأجل عدم معرفتهم بحقيقة ذلك النسب، فتضاربت آراؤهم فيه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

تاسعاً: إن عبارة النجاشي ليس فيها دلالة واضحة على الطعن في نسب الكوفي (1) بل هو قد نقل عن الكوفي أنه كان ينسب نفسه إلى الطالبيين، ولم يزد على ذلك. وكلام ابن الغضايري، والأردبيلي لا يدل على أن ما ادعاه الكوفي من النسب كان غير صحيح.

كما أن الاختلاف في أن نسبه ينتهي إلى موسى ابن الإمام الجواد [عليه السلام]، أو إلى هارون ابن الإمام الكاظم [عليه السلام]،(2) إنما يدل فقط على جهل ناسبيه بالأمر، لا على أنه هو قد دلس وكذب في نسبه، فلماذا التعدي على هذا الرجل بهذه الطريقة؟!..

عاشراً: إنه قد استبعد أن يكون بين الكوفي وبين الإمام الجواد [عليه السلام] واسطتين، لأن الفاصل بين وفاة الكوفي ووفاة الإمام الجواد [عليه السلام] هو مئة واثنان وثلاثون سنة، فكيف يكون أبو أحمد حفيداً للإمام الجواد [عليه السلام](3).

ونقول:

هو استبعاد في غير محله.. إذ لنا أن نفرض أن الكوفي قد توفي وعمره سبعون إلى ثمانين سنة، فما المانع من أن يكون بينه

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات ومحاضرات ص269 و270.

(2) المصدر السابق ص279.

(3) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

وبين الإمام [عليه السلام] واسطتان، إذ أن ما يبقى بعد إسقاط عمر الكوفي هو خمسون إلى ستين سنة، وهي مدة يعيش فيها جيلان أب وجد، بصورة طبيعية..

هجرة أم كلثوم:

وحول ما ذكرناه من عدم ذكر المؤرخين لهجرة أم كلثوم، قال: «إن غياب فصل هجرتها عن بقية فصول حياتها لا يضر شيئاً، فما كل من هاجر بعد النبي [صلى الله عليه وآله] من أهله أو من غيرهم له حكاية في السيرة. وإنما أثبت المؤرخون هجرة زينب فلأجل ما نالها من شر هبار بن الأسود إلخ..».

ونقول: إن الأخ الكريم!! لم يلتفت إلى ما أردناه من كلامنا الذي نقله عنا، ولعل العيب كان في كلامنا من جهة عدم وضوحه..

وعلى كل حال، فإن ما نرمي إليه هو: أنه إذا كانت حتى أم أيمن قد ذكرت في جملة من جاء بهن علي [عليه السلام] بالإضافة إلى الفواطم، فهل كانت أم أيمن أهم في نظر المؤرخين من بنت النبي [صلى الله عليه وآله]؟!.. فعدم ذكرها مع من جاء بهم علي [عليه السلام] رغم ذكر أم أيمن والفواطم.. يشير إلى أحد أمرين..

إما أن علياًً [عليه السلام] لم يأت بها، فيرد سؤال: كيف يبقي النبي [صلى الله عليه وآله]، ابنته في مكة؟! وعند من؟! ولماذا لم يأت بها كما أتى بأختها، أو كما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

أتى بأم أيمن؟!.. وكيف أبقاها علي [عليه السلام] أيضاً، حتى لو لم يطلب منه النبي [صلى الله عليه وآله] الإتيان بها؟!

وإما أنه [عليه السلام] قد أتى بها، لكن لم يكن لها أي شأن يذكر، بل هي مما يقفل عنه الرواة والمؤرخون، حتى إن أم أيمن تذكر. وهي لا تذكر!!..

وهذا بعيد في الغاية.. فإنها حتى لو لم يكن لها أي دور، فإن بنوتها لرسول الله [صلى الله عليه وآله].. تفرض الاهتمام بشأنها. وذكر ما يجري لها.. وذلك إكراماً لرسول الله [صلى الله عليه وآله] وإعزازاً له، واهتماماً بشأنه.

وقد رأيناهم يتحدثون عن أدق ما بلغهم من تفاصيل عن ولده إبراهيم، الذي مات طفلاً، ويذكرون حال، وقضايا، وهجرة أي إنسان له أدنى ارتباط برسول الله [صلى الله عليه وآله].. فهل يهملون ذكر ابنته [صلى الله عليه وآله]، التي كانت كبيرة السن، وفي معرض الخطر الأكيد من قبل قريش، أكثر من أية امرأة أخرى، خصوصاً في تلك الظروف الحرجة؟!!..

أدلة الكوفي وتأييداته:

وقد جاء الأخ الكريم!! بمختلف الوجوه التي أوردها الكوفي مستدلاً، أو مؤيداً بها ما ذهب إليه..

ولكننا نحب الإلماح إلى أن الأخ الكريم!! قد قال: «إننا قد اعتمدنا فيما ذهبنا إليه على دليل الكوفي الذي يقول: إن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

النبي [صلى الله عليه وآله]، كان قبل البعثة على دين يرتضيه الله، فيستحيل أن يزوج ابنتيه من كافرين.. فزواج البنات من ابني أبي لهب، وأبي العاص بن الربيع، يدل على أنهن لسن بناته [صلى الله عليه وآله]»(1).

ثم شرع في تفنيد هذا القول..

ونقول: إن مناقشات الأخ الكريم!! للكوفي ليست كافية، بل فيها الكثير من مواضع الإشكال، ولا يعنينا التعرض لذلك، ما دام أننا لم نعتمد على أكثر ما ذكره، لا في التأييد ولا في التفنيد..

ولكننا نحب أن نقول له بكل وضوح: إن أقوال الكوفي هذه واستدلاله المذكور باطل لأكثر من سبب، وإن كانت ليست هي الأسباب التي ذكرها الأخ الكريم!! والذي اعتمدنا عليه قد ذكرناه في كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه»، فلا حاجة إلى أن يقوّلنا هذا الأخ الكريم!! ما لم نقله..

النبي يملك أمر من يتبناها:

وقال: «لو افترضنا جدلاً: أن زينب ورقية ليستا بنتي رسول الله [صلى الله عليه وآله]، فإن المحذور من زواج المؤمنة بالمشرك ما يزال قائماً، ولم ينتقص منه شيء بنفيهن من النسب الشريف، فإن النبي [صلى الله عليه وآله] إن لم

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص271 و272.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

يكن أباهن، فإنه يملك أمرهن بالتبني، وحينئذ كيف ساغ له بما له من الولاية عليهن، أن يزوجهن من مشرك إلخ..».

ونقول:

أولاً: إن هؤلاء البنات كن ربائب عند رسول الله [صلى الله عليه وآله]، لا بمعنى أنهن بنات زوجته، بل بمعنى التربية بمفهومها العام.. وهذه التربية لا تعطي ولاية للمربي، كما أنه لا ولاية للمربي على الربيبة أيضاً.. وإن كان مقصوده بالتبني، هو ما يشبه ما جرى له [صلى الله عليه وآله] مع زيد بن حارثة، فإننا نقول له أيضاً: إن قضية البنات ليست من نوع التبني.. الذي كان معروفاً، وله أصوله المرعية عند عرب الجاهلية.. فلا يصح قياس هذه على تلك.. بل البنات أنفسهن بعد أن كبرن، وبلغن مبلغ النساء أصبحن يتصرفن بأنفسهن كما يحلو لهن وحسب قناعتهن.. وليس للرسول عليهن سلطة.. خصوصاً قبل الإعلان بالبعثة، وقبل ظهور نبوته [صلى الله عليه وآله]، حيث كن قد تزوجن بأبناء أبي لهب، وبأبي العاص بن الربيع في تلك الفترة، كما هو واضح..

ثانياً: إنه بعد قتل عثمان لرقية.. كيف يزوجه الرسول [صلى الله عليه وآله] أختها، مع علمه [صلى الله عليه وآله]، بما كان منه في حق تلك المظلومة المقتولة، حتى حرمه من حضور جنازتها؟!..

فهل يعقل أن يكون عالماً بجرائمه الكبيرة تلك، التي تصل إلى درجة القتل والزنى بجاريتها في ليلة قتلها، ثم يمكنه من أختها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

فيزوجه إياها؟!..

شروط خرق الإجماع:

وقد علق الأخ الكريم!! على قول الكوفي: «صح لنا فيهما ما رواه مشايخنا من أهل العلم عن الأئمة من أهل البيت [عليهم السلام]، وذلك أن الرواية صحت عندنا، عنهم: أنه كانت لخديجة بنت خويلد أخت يقال لها هالة، من أمها، قد تزوجها رجل من بني مخزوم إلخ..».

علق عليه بقوله: «الرجل هنا في مقام خرق إجماع الأمة، وكان عليه أن يشير إلى مشايخه من أهل العلم.. هؤلاء، من هم؟ وأين توجد رواياتهم عن الأئمة؟ ومَن مِن الأئمة الاثني عشر رويت عنه هذه الروايات؟

وعليه لإثبات مدعاه: أن يسمي واحداً من المشايخ، أو من الأئمة، أو الروايات على أقل تقدير؟

ولما عز عليه أن يذكر ذلك، علمنا أنه مدعٍ لا غير، كسائر ادعاءاته..»(1).

ونقول: إن هذا الأخ الكريم!! يريد أن يؤلف له الكوفي كتاباً على مزاجه

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص275.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

وبشروطه هو ووفق مواصفات ذكرها له هنا.. ولا ندري إن كان ذلك يحقق شروط الإنصاف للكوفي؟! أم أنه يقصر عن ذلك؟.. ولكننا نشير إلى ما يلي:

1 ـ قد عرفنا حقيقة الإجماع الذي يتحدث عنه هذا الأخ الكريم!!، وأن المفيد [رحمه الله] يصرح في المسائل الحاجبية: بأن الناس قد اختلفوا في هذه المسألة، وكذلك قال الجزائري [رحمه الله] في الأنوار النعمانية، بالإضافة إلى أنه إجماع يخالف فيه المقريزي، والكوفي، والبلاذري.. وكما أن في كتب: الأنوار، والكشف، واللمع، والبدع، ويُنْسَبُ إلى المرتضى [رحمه الله]، والطوسي [رحمه الله] أيضاً ما يخالفه وينقضه..

2 ـ إنه يدعي الإجماع على أمر، لا يستطيع هو أن يدعي وجود تصريح بمقتضاه إلا عند القليل. الذين بلغته كتبهم، واطلع على أقوالهم.. أما من عداهم، فلا يعرف عنهم شيئاً.. بل نعرف ويعرف هو وجود اختلاف فيما بين الناس حول هذا الأمر..

فكيف يفرض على الكوفي هذه الشروط، مع أن الكوفي قد لا يكون على علم بوجود هذا الإجماع الذي يفرض عليه بل هو يرى الخلاف والاختلاف في المورد المذكور؟!

3 ـ إنه إجماع يستند إلى ظهور كلمات يحتمل أن يكون المقصود منها خلاف ما فُهِمَ منها، ولا سيما بملاحظة صحة استعمال كلمة بنت في الربيبة، ووقوع ذلك بصورة مكثفة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

4 ـ ولماذا يفرض على أبي القاسم الكوفي أن يشير إلى مشايخه؟! فهل كل من روى مسألة عن مشايخه يجب عليه أن يسميهم بأسمائهم؟! أم أن الأمر يخضع للحالات التي يواجهها.. وهو الذي يقدر ويقرر إن كان ثمة حاجة إلى ذلك أم لا.

5 ـ وإذا كان كتابه كتاب استدلال، بما يرى أن الآخرين مطلعون عليه، فما هو وجه الحاجة إلى ذكر الأسماء والأسانيد لهم، ولم يكن الكوفي يعلم الغيب، ليعرف أنه سيأتي زمان، لا يعرف فيه أهله اشتهار تلك الروايات التي يستدل بها على معاصريه، ولا تصل إليهم مفردات الخلاف فيه..

6 ـ ثم إنه قد سأل الكوفي: أين توجد روايات أهل العلم عن الأئمة.. والحقيقة أن هذا السؤال، لا بد أن يوجه للكليني، والطوسي [رحمه الله]، والطبرسي، والصدوق، وغيرهم ممن رووا الروايات، فإن عليهم أن يذكروا كل كتاب نقلوا عنه، وهذا الطلب لم يسبق أن وجهه أحد إليهم قبل هذا الأخ الكريم!!..

7 ـ إن النقل كان في تلك الفترة يعتمد على الرواية والسماع للحديث، فقد يسجل بعضهم ما سمعه في كتاب، وقد لا يسجله، بل ينقله للآخرين مشافهة.. وقد يسجله بسنده، وقد يكتبه مرسلاً، وقد يكون إرساله لاشتهاره، أو للثقة بمضمونه. أو لأي داع آخر..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

والكوفي قد عزا ما جاء به إلى الرواية عن العلماء، ووصف الرواية بالصحة.. وليس لأحد أن يفرض عليه أسلوباً خاصاً في طرح القضايا، بل هو يختار الأسلوب الذي يراه مناسباً لإقناع محاوريه.. وهذا يتوقف على معرفته بحالهم.. ولم يكن الكوفي يعلم بأن الأخ الكريم!! سيحاوره، وسيفرض عليه هذه المطالب والشروط!!..

8 ـ وأخيراً.. لابد لنا من أن نستوضح من الأخ الكريم!!، كيف ثبت له من عدم ذكر الكوفي لواحد من مشايخه أنه مدعٍ لا غير؟! وكيف استطاع أن يحصر الأمر في طرف واحد لا غير!! ولماذا لم يعلنوا باتهامه بمثل هذا؟! فهل هو كاذب في دعواه؟!..

هالة أم زينب وأم أبي العاص:

وبعد أن ذكر الأخ الكريم!! كلام الكوفي حول أن الرواية قد صحت عن الأئمة: أنه كانت لخديجة بنت خويلد، من أمها أخت يقال لها: هالة.. وأنها هي أم زينب ورقية..

قال: «إذا كانت زينب ورقية ابنتي هالة، فكيف تزوجت زينب أبا العاص وهو ابن هالة أيضاً؟! فيكون أخاها من أمها..»(1).

ونقول: إن أبا القاسم الكوفي، قد صرح بأن أم زينب ورقية هي هالة

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص275 و276.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

أخت خديجة من أمها.. وذلك يعني: أن هالة هذه ليست هي بنت خويلد، بل هي بنت زوجة خويلد فقط.. أما أبو العاص فهو ابن هالة بنت خويلد بالذات كما ذكره هو نفسه..

فلا مانع من أن يتزوج أبو العاص بن هالة بنت خويلد ببنت هالة، أخت خديجة من أمها، وليكن أبو زينب رجل من تميم، أو من غيرها..

الخيال الجموح:

وبعد أن وصف، ما ذكره الكوفي من تفاصيل تاريخية حول فقر هالة أخت خديجة، وحول أن هند بن أبي هند لحق بقومه بالبادية، وذكر ضم خديجة أختها وطفلتيها إليها. وتكلم أيضاً حول سبب نسبة هند إلى خديجة وغير ذلك ـ نعم بعد أن وصف ذلك كله ـ بأنه مما جرى به الخيال الجموح للكوفي، قال: «أقل ما يقال بحق هذا الكلام أنه من دون مستند، وهو أوهى من بيت العنكبوت، فليس الكوفي ثقة في نفسه حتى يعول عليه فيما يقول، ولا هو أشار إلى من أخرجه عنه.. إلى أن قال: بل الراوي، والمروي عنه، والمخرج والمخرج عنه واحد، وهو الكوفي»(1).

ونقول:

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص276.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

إننا نلاحظ هنا ما يلي:

أولاً: إن عدم ذكر السند ومن أخرج الحديث لا يعني أن الحديث مكذوب وأنه من آثار جريان الخيال الجموح بناقله..

ثانياً: لنفترض أن الحديث مكذوب، فمن أين علم أن الذي كذبه هو الكوفي نفسه؟! أو لنفترض أن الكوفي يكذب فليس بالضرورة أن تكون جميع أقواله كاذبة فلعله صدق في هذه أو تلك، فمن أين علم أن هذه الحادثة أيضاً من أكاذيبه؟!

هذا كله.. مع أنه هو نفسه يصرح بأن كتاب الكوفي [مفيد جداً] ومدحه وأطراه كثيراً..

ثالثاً: قد ذكرنا فيما سبق أن الخطة التي يتبعها كل مؤلف، إنما تتبع حالات وجهات يلحظها المؤلف نفسه، ولا يجب أن يلاحظ في تأليفه حالة ستأتي بعد آلاف السنين، ربما لا تخطر له ولا لغيره على بال، فلماذا نفرض على المؤلف طريقة لم يكن يرى ضرورة لها بحسب ما واجهه من جهات وحالات دفعته إلى تأليف كتابه..

ضآلة شأن الكوفي:

وقد استدل الأخ الكريم!! على ضآلة شأن الكوفي، بأن الصدوق لم يشر إليه في كتبه، ولا روى عنه.. قال: «ومثله فعل الشيخ المفيد، فلم يشر إليه حين ذكر زينب ورقية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

في المسائل الحاجبية إلا بالمخالف، وجعله شاذاً بخلافه، وهذا غاية في عدم الاهتمام..

وشاهد آخر على أنه مطرح من الإسناد، مبعد عن الوثاقة، أن له مشايخ، ولكن ليس له رواة عنه».

ثم ذكر أن الحسين بن عبد الوهاب روى عنه بوسائط، وكذلك أبو عمران الكرماني، قال: «وقلة الرواة عن الكوفي دليل صارخ على تفاهة شأنه إلخ..»(1).

ونقول: إننا لا نريد أن ندافع عن أبي القاسم الكوفي، ولكننا نحب فقط أن نلمح إلى أن ما استدل به هذا الأخ الكريم!! لا يصلح للاستدلال به..

فأولاً: إن عدم ذكر الصدوق والمفيد [رحمه الله] له، لا يعني عدم ذكر غيرهما له، فلابد من إثبات عموم هذا الموقف منه، ولا يكفي الاستشهاد بعالمين أو أكثر..

ثانياً: لا بد أن يثبت أن عدم ذكرهما له إنما هو لتفاهة وضآلة موقعه وشأنه..

ثالثاً: لا بد أن يثبت أن اختصاصه ومؤلفاته مناسبة لاختصاصاتهم، ويحتاجونها في مؤلفاتهم، ولكنهم تجاهلوها، بعد

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص282.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

التفاتهم إليها، كونها في حوزتهم، وفي متناول يدهم.. أما إذا كان هو مختصاً بعلم الكلام مثلاً، أو بعلم الطب، وقد تجاهله الفقهاء، أو المحدثون، فإن ذلك لا يثبت ضآلته، ولا تفاهة شأنه..

رابعاً: إن عدم الرواية عنه قد يكون بسبب ما ظهر منه في آخر عمره من غلو وتخليط، فإن ذلك قد يدفع حتى تلامذته للتبرؤ منه، والابتعاد عنه، وإهماله.. ولم ينس الشيعة بعد تجربتهم مع علي بن أبي حمزة وغيره من الواقفة..

خامساً: أما أن الشيخ المفيد [رحمه الله] في المسائل الحاجبية لم يذكر اسمه، وذلك غاية في عدم الاهتمام بشأنه.. فقد ذكرنا أن الحديث قد كان فيها عن جماعة، وليس عن شخص بعينه، وقد ظهر ذلك من كلام السائل.. الذي قال له: إن الناس مختلفون في أمر هؤلاء البنات، فجاء كلام المفيد [رحمه الله] مطابقاً للسؤال، فقال: إن المخالف [أي سواء كان واحداً أو جماعة] شاذ بخلافه.. فليس الحديث عن الكوفي، ولا عن غيره، بل الحديث عن نفس موضوع بنوتهن للرسول وعدمه.. ولم تذكر أسماء لأي من الجماعتين المختلفتين..

سادساً: إنه قد زعم أن العلماء قد طعنوا فيه وأسقطوه.. والذي يراجع كلمات العلماء يجد أنهم إنما اعترضوا عليه بسبب ما عرض له من غلو وارتفاع وتخليط، وذلك في آخر عمره، أما ما ألفه قبل ذلك، وهو ما ألفه قبل تخليطه وقبل غلوه، فلم يطعنوا فيه، وكتاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح65/

الاستغاثة من هذا الفصيل..(1).

وقد مدحه الأخ الكريم!! نفسه وأطراه بصورة لافتة.. ولكنه سجل عليه تحفظاً في موارد يسيرة.. ولا يخلو كتاب من تحفظات. حتى كتاب الكافي الشريف، فإنه لم يخل من ذلك أيضاً.

سابعاً: إنه تارة يقول: ليس له رواة عنه.. وأخرى يتحدث عن قلة الرواة عنه، بعد أن يعترف ببعضهم ويسمّيهم..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص284.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

القسم الثاني
من فمك أدينك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

بداية:

إن هذا القسم مخصص للنظر فيما سجله الأخ الكريم!! من نقاط اعْتَقَدَ أنها نقود وردود على كتاب «بنات النبي أم ربائبه».

وسوف نحاول أن لا نتوقف عند موارد الحدة في التعابير، والمبالغات في التصوير، فإن سوق الكلام بهذه الطريقة، لن يكون مجدياً ولا محبباً بل نترك الأمر للقارئ الكريم ليقول في ذلك كلمة الفصل، ويحكم بالحق والعدل..

ثم إننا سوف لا نتوقف عند تلك النقاط التي كرر الحديث عنها.. خصوصاً فيما يرتبط بطريقة تعاطيه مع الكوفي.. لأننا ليس في نيتنا الدفاع عن هذا الرجل الذي اختلط وغلا في آخر عمره. وإن كان كتابه الاستغاثة قد ألفه في أيام استقامته كما ذكره العلماء.. غير أننا نحب التنويه بأمر آخر، وهو أننا سوف لا نهمل أي شيء، يدخل في موضوع البحث إن شاء الله، ولكننا ربما نغض النظر عن بعض الأمور الجانبية، مما لا تدخل في موضوع البحث، ولا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

ارتباط لها فيه، رغم أننا نتحفظ عليها أيضاً، لأننا ندرك أن الدخول في مثل تلك الأمور سيصرف الحديث والبحث عن مساره الطبيعي.. وسيدخلنا في متاهات تضيع معها الفائدة المتوخاة..

فإلى ما يلي من مطالب وصفحات..

الأصل في الأنساب الصحة:

تحدثنا في مقدمة كتاب «بنات النبي أم ربائبه» عن عزوف الباحثين عن البحث في موضوعات كثيرة، وتساءلنا عن سبب ذلك.. وذكرنا بعض ما رأيناه مناسباً في هذا المجال.. فسجل علينا الأخ الكريم!! ملاحظات تقول: إن البحث عن الأنساب الثابتة لا يدخل في نطاق هم الباحثين لسببين:

الأول: أنه لا موجب له، لأن الأصل في كل نسب الصحة. ما لم يكن صارف يصرف عن هذا الأصل..

الثاني: أنه لا يلزم البحث في نسبة كل ولد إلى والده. ولو فعلوا ذلك لسرى الشك في الأنساب جميعاً.. إذ توجد في أكثر الأنساب ثغرات يصعب ردمها.. وإذا اتخذنا اختلاف الأقوال ذريعة إلى الشك، فما من مسألة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

تاريخية أو اعتقادية إلا وفيها أكثر من قول واحد إلخ..(1).

ونقول:

أولاً: إن البحث حول كون فلان من الناس ابناً لفلان أو ابن فلان الآخر، إن كان بهدف إثبات أنه ابن زنى، أو كان يلزم منه إثارة احتمالات كونه كذلك، فهو محرم شرعاً..

وأما إذا كنا نحن، بسبب تقادم الزمن ـ مثلاً ـ لا نعرف فلاناً من الناس من هو، وأردنا أن نتعرف عليه، لأجل التمييز بينه وبين غيره، ولأجل معرفة إن كان هو العالم أو التاجر.. أو لأي سبب آخر.. فإن ذلك لا يعتبر قدحاً في نسبه، بل هذا البحث يشير إلى وجود نقص في علومنا ومعارفنا نحن..

ثانياً: إن القول بأنه لا موجب للبحث في الأنساب غير سديد.. إذ قد قلنا: إنه لاشك في أن البحث في الأنساب قد يكون ضرورياً، لأجل تمييز الرواة مثلاً، أو لأجل معرفة بعض الوقائع، أو لأجل التأكد من ثبوت فضيلة لفلان أو عدم ثبوتها له.. إذا كان ثبوتها أو نفيها يستدل به على أمر مرتبط بالعقيدة، كالإمامة مثلاً..

أو كان مما يحتاج إليه في تصحيح بعض المعارف والمفاهيم أو لترتيب بعض الأحكام أو غير ذلك.

ـــــــــــــــ

(1) راجع: فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص286 و287.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

والحاصل: أن نفس وجود الأقوال المختلفة في أمر، يحتم البحث والتقصي فيه، مع الحاجة إليه ، وليس لنا أن نأخذ بالمشهور والشائع لمجرد شهرته وشيوعه؟

ثالثاً: إن وجود ثغرات صعبة الردم في الأنساب، لا يحتم الإعراض عن البحث في الموارد التي تحتاج إلى البحث فيها.. خصوصاً مع وجود الأقوال المختلفة.. وموارد الحاجة إلى ذلك كثيرة ومتنوعة تختلف باختلاف الأشخاص، والحالات، والحاجات.. فلا داعي لسد هذا الباب على من يحتاج إلى الدخول فيه.. وهل الدعوى بالمنع إلا نفس الدليل عليه؟‍..

ترك الإجماع بلا حجة:

وذكر الأخ الكريم!!: أن هذه المسألة «ذات شقين، شق أجمعت الأمة على صحته ولم يخالجها ريب في أصله، وشق خالفها به واحد من الناس، ولم يفصح عن مصدره الذي رجع إليه في هذا الخلاف، بل ألقاه إليها إلقاء المسلمات.. مع احتمال أن تكون الدوافع إليه خاصة، وقد أفصح عنها هذا الواحد في عرضه للمسألة، حين اعترف بما دار بينه وبين من يهمه الأمر من جدال ومشادة.. زائداً أن هذا الواحد مجروح عند علمائنا. وقد مر ذلك بصورة وافية..

فنقول لسيدنا العاملي: بأية حجة مال إلى هذا القول الشاذ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

وترك الإجماع وراءه ظهرياً..»(1).

ونقول:

أولاً: ليت الأخ الكريم!! سمّى لنا هذين الشقين، وحددهما، لنعرف الفرق ونميز فيما بينهما.. فهل الخلاف بين السابقين واللاحقين إلا في نفس هذا الشق الذي يريد أن يقنعنا بأنه قد أجمعت عليه الأمة؟!..

ولعل الأخ الكريم!! توهم أن الشق الأول هو انتساب البنات الثلاث للنبي [صلى الله عليه وآله]، والشق الثاني هو القول بأنهن ربائب..

وواضح: أنه تقسيم لا يصح.. فإن المسألة واحدة قال فيها جماعة بقول، وقال فيها آخرون بخلافه..

ثانياً: قد تقدم أن المخالفين هم جماعة كما صرح الجزائري في الأنوار النعمانية، وكما ظهر من المسائل الحاجبية للشيخ المفيد، وقد اعترف هذا الأخ الكريم!! نفسه بمخالفة المقريزي، ونقل الخلاف أيضاً عن البلاذري وعن عدة مؤلفات أخرى هي الكشف، واللمع، والأنوار، والبدع، وعن المرتضى، وعن الشيخ الطوسي أيضاً، فضلاً عن أبي القاسم الكوفي..

فما معنى قوله: إن المخالف للأمة واحد من الناس؟‍‍!

ثالثاً: قد قدمنا: أنه لا مستند له في حصر الأمر بالكوفي، وكيف

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص287.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

يستطيع أن يثبت لنا أن المقريزي، والبلاذري وكل من تقدمت الإشارة إليهم قد أخذوا من الكوفي..

رابعـاً: إن البلاذري كان أسبق من أبي القاسم الكوفي، فضلاً عن غيره من مؤلفي الكتب التي أشرنا إليها في قولنا «ثانياً».

خامساً: لقد أفصح الكوفي عن المصدر الذي اعتمد عليه.. وهو الروايات الصحيحة التي رواها عن مشايخه، والواردة عن أئمة أهل البيت [عليهم السلام].. فكيف يقول: إنه لم يذكر له المصدر الذي اعتمد عليه؟ إلا إذا كان يطالبه بذكر اسم الكتاب، ورقم الجزء والصفحة؟! فهل لنا أن نتوقع في هذه الحالة أن يطلب ذلك أيضاً من الشيخ الطوسي، والفضل بن شاذان، وزرارة والخ..

سادساً: إن ما زعم أنه دوافع خاصة دفعت الكوفي إلى هذا الافتراء والابتداع.. فإنما يشير به إلى الخلاف بين أبي القاسم الكوفي مع بعض من ينتسب إلى خديجة، من خلال [هند] المنسوب إليها..

حيث أنكر عليهم الكوفي صحة هذا الانتساب، لأن خديجة لم تتزوج بغير رسول الله [صلى الله عليه وآله].. وقد أسند كلامه إلى الروايات الصحيحة المتوفرة لديه.. وما نقله عن مشايخه..

وقد اتهمه هذا الأخ الكريم!!، بأن الداعي لهذا الموقف من الكوفي هو الشك في نسب الكوفي نفسه، فأراد أن ينتقم لنفسه بهذه الطريقة، وأن ينفس عن عقدته النفسية بتوجيه سهامه إلى السيدة خديجة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

ونقول:

إنه رغم أن كل ذلك قد تحدثنا عنه في القسم الأول، ولكننا نعود فنذكر القارئ بهذه النقاط اليسيرة:

1 ـ قد تقدم: أننا لم نجد ما يدل على وجود طعن في نسب الكوفي من قبل معاصريه..

2 ـ ولو ثبت ذلك، فلم نجد أيضاً ما يدل على أنه قد بلغه ذلك..

3 ـ ولو بلغه ذلك، فلا دليل على أنه قد ابتلي بعقدة نفسية بسبب هذا الذي بلغه..

4 ـ ولو بلغه ذلك، وابتلى بالعقدة المدّعاة، فليس ثمة ما يدل على أنه إنما اختلق قصة الربائب للتنفيس عن عقدته..

5 ـ وفوق ذلك كله، نقول: لم يثبت أن حديث الربائب مختلق، بل الثابت بالأدلة خلافه..

6 ـ ولو كان مختلقاً فلا دليل على أن الكوفي هو الذي اختلقه.. لا سيما مع رواية غيره له.. قبله وبعده.. ومع وجود الاختلاف في المسألة حسبما ذكر الشيخ المفيد [رحمه الله] عمن سبقه، أو عاصره..

7 ـ إنه لا مناسبة بين عقدته تلك، وبين موضوع الربائب، ولا ارتباط، فلماذا يكون التنفيس بأمر لاربط له بالعقدة..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

8 ـ إن إثبات كونهن ربائب ليس فيه إساءة لخديجة [عليها السلام] بل فيه تعظيم لها وتكريم، وإجلال لقدرها.

9 ـ إن ما جرى بينه وبين المنتسبين لخديجة لا يوجب له هو أية مشكلة، بل المشكلة لهم..

سابعاً: إن الجرح في الكوفي.. إنما توجه إليه بسبب ما ظهر منه من غلو وتخليط في آخر عمره.. ولم نعلم لهم عليه اعتراضاً فيما قبل ذلك..

ثامناً: إن هذا الأخ الكريم!! نفسه قد مدح كتاب الاستغاثة بما يفوق التصور ويتجاوز كل التوقعات. وقد حصر اعتراضه عليه بمسائل يسيرة، لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة.. ومنها قصة الربائب التي لم يوفق للرأي الصواب فيها..

ولو فرضنا صحة كل ما اعترض به، فإن أمثال هذه الاعتراضات اليسيرة لا يخلو منها كتاب..

تاسعاً: أما سؤاله الموجه لنا: «بأية حجة ملنا إلى هذا القول الشاذ، وتركنا الإجماع..».

فجوابه: أن حجتنا مسجلة في كتاب: «بنات النبي [صلى الله عليه وآله] أم ربائبه».. والأخ الكريم!! يجهد نفسه في رد هذه الحجة فزادتها محاولاته تألقاً وصفاءً وقوة.. وأما وصفه لهذا القول بمخالفة الإجماع، فقد عرفنا ما فيه أكثر من مرة، فلا يفيد..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

حتى المفيد [رحمه الله] لم يسلم:

ويقول: «حتى الشيخ المفيد [رحمه الله] لم يسلم من هذه الفتنة، وإن بعد زمنه، فقد رماه السيد بثالثة الأثافي. وأعني به الانسياق بدون تبصر وراء ما شاع واشتهر، وإن كان خطأ. ورماه أيضاً بالغفلة والإتباع. واعتذر عنه بعذر غريب، لا أراه ينسجم مع ما عليه الشيخ المفيد [رحمه الله] في تبحره وفي دائرة اختصاصه، ودقته في تعيين الحق من مسائل الخلاف بين الشيعة وخصومهم، أو الشيعة والشيعة، فقد قال عنه:

«على أننا لا نملك الدليل القاطع على أنه قد أخطأ الصواب، حتى في الموارد التي هي من الأخطاء الشائعة، إذ كان من الممكن أن يكون قد ساق الكلام فيها على سبيل التسليم الفرضي، والمجاراة في البحث، لا من منطق القناعة والقول بمضمونها واقعاً «بنات النبي [صلى الله عليه وآله] أم ربائبه» ص19.

وهذا غريب عن مثل الشيخ المفيد [رحمه الله]، أتراه يعلم شيئاً ويظهر خلافه، أم تراه لا يعلم شيئاً، ولكنه يخبط خبط عشواء وراء آراء الرجال إلخ..»(1).

إلى أن قال: «إن السيد ـ والحمد لله ـ شمل بحكمه التعسفي

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص287.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

هذا، جملة العلماء، حين قال: وهذا النوع من التعامل مع القضايا المطروحة شائع ومعروف.. وتجده لدى معظم العلماء في محاوراتهم ومناظراتهم..».

ونقول:

أولاً: إن الشيخ المفيد [رحمه الله] على ما هو عليه من العظمة والجدارة ليس بمعصوم في المسائل العلمية، فقد يخطئ فيها وقد يصيب، حتى في المسائل التي تصدى لبحثها..

ثانياً: بالنسبة لتوصيفاته، نقول: ما معنى توصيف القول: بأن هؤلاء البنات ربيبات للنبي بـ «الفتنة»؟!

وهل إذا بعُد زمن الشيخ المفيد [رحمه الله] لا يصح نسبة الخطأ إليه في الأمور العلمية؟ وهل الشيخ المفيد لا تجوز عليه الغفلة؟! وهل الشيخ المفيد لا يجوز عليه الإتباع لغيره في بعض المسائل؟!

وهل حقق الشيخ المفيد [رحمه الله] جميع المسائل، وعرف الحق فيها، بحيث تكون مخالفته في أية مسألة مخالفة للحق الصُّراح؟!.. وهل يجب على الأمة بأسرها تقليد الشيخ المفيد [رحمه الله] في مختلف المسائل التي تعرض لها؟!..

ثالثاً: هل الشيخ المفيد [رحمه الله] مختص بعلم الأنساب، أو بعلم التاريخ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

ليقول: إن الإعتذار الذي أوردناه عنه لا ينسجم مع اختصاصه؟!..

رابعاً: وماذا يمنع أن يكون الشيخ المفيد [رحمه الله] يسوق بعض القضايا على سبيل التسليم الفرضي في بعض المسائل التي هي من الأخطاء الشائعة؟..

أليس هذا هو دأب جميع العلماء والعقلاء في مناظراتهم مع خصومهم، وفي محاوراتهم حيث يوردون بعض القضايا على سبيل الإلزام للخصم!!

وهل إيراد الكلام على سبيل المجاراة والتسليم الافتراضي يكون من قبيل الاعتقاد بشيء وإظهار خلافه؟! أو يكون من قبيل خبط عشواء؟!

خامساً: إنه زعم أننا رمينا الشيخ المفيد [رحمه الله] بثالثة الأثافي، وهو انسياقه بدون تبصر وراء ما شاع وذاع.. وأننا رميناه بالغفلة والإتباع، ونحن نطلب من القارئ الكريم أن يبادر لمراجعة كلامنا ليجد إن كنا قد قلنا ذلك في حق المفيد [رحمه الله] أم لا.. وبعد كل ما قدمناه، فإننا لا نريد توصيف هذا النوع من التصرف للأخ الكريم!! بل نكل أمر الحكم عليه وتوصيفه بما يناسبه للقارئ الكريم نفسه.

وبعدما تقدم نقول لهذا الأخ الكريم!!: نعم، إن هذا النوع من التعامل مع القضايا المطروحة شائع ومعروف ونجده لدى جميع العلماء في طروحاتهم ومحاوراتهم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

وذلك دليل مرونتهم الحوارية، وقد ورد له نظائر في القرآن الكريم، وفي كلمات المعصومين [عليهم السلام]، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

هل يشير المفيد [رحمه الله] إلى الكوفي:

ويقول الأخ الكريم!! حول ما ذكره الشيخ المفيد [رحمه الله] في المسائل الحاجبية: «الناس مختلفون، فأثبت الشيخ بنوتهن للنبي [صلى الله عليه وآله] وجعل المخالف لذلك شاذاً بخلافه..

ولعله يشير إلى صاحب الاستغاثة، ولو كان ذا شأن علمي في زمنه لصرح باسمه، وناقشه الحساب، ولكنه لم يعبأ به..»(1).

ونقول:

أولاً: هل كل من لم يذكر اسمه في سياق الحديث العلمي، وفي الأسئلة والأجوبة للعلماء، يكون ممن لا يعبأ به؟

إننا نرى أن العلماء يعبرون في كلماتهم وكتبهم عن أعاظم العلماء، حتى المفيد، والمرتضى، وابن إدريس، والشيخ، وابن زهرة، و..و.. إلخ.. يعبرون بكلمة: وقال بعضهم، أو ذهب «البعض»، ولا يفهم أحد ذلك على أنه استهانة بشأنهم..

ثانياً: قد عرفت أنه قد جزم فيما سبق بأن الكوفي هو المقصود

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص288.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

بكلام المفيد [رحمه الله]، وأنه قد جعله شاذاً، وقال: إن هذا غاية في عدم الاهتمام.. ولكنه هنا يظهر شكه في ذلك الذي جزم به في السابق، فيقول: لعله يشير إلى صاحب الاستغاثة(!!)..

ثالثاً: إنه ليس لديه دليل على أن مقصود المفيد [رحمه الله] هو صاحب الاستغاثة..

رابعاً: إن المفيد [رحمه الله] إنما تحدث عن جماعة لا عن فرد..

خامساً: إنه [رحمه الله] قد نسب الشذوذ إلى الرأي والقول. ولم ينسب الشذوذ إلى الأشخاص، حيث قال عن المخالف:  إنه شاذ بخلافه..

اشتباه المفيد [رحمه الله]:

قد ذكرنا في كتاب «بنات النبي أم ربائبه»: أن المفيد [رحمه الله] قال: إن إحدى زوجتي عثمان هي زينب التي كانت زوجة لأبي العاص بن الربيع..

وقد أوضحنا: أن هذا اشتباه منه [رحمه الله] ، فإن زينب لم تكن زوجة لعثمان أصلاً.. وأن هذا الاشتباه الذي وقع فيه المفيد [رحمه الله]، قد وقع فيه صاحب كتاب المجدي في أنساب الطالبيين أيضاً.. وزاد في الطين بلة حين زعم أن زوجة أبي العاص بن الربيع هي أم كلثوم، وليست زينب..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

ولكن الأخ الكريم!! قد أعطى للبحث وجهة أخرى، حيث قال: «ركز السيد في بحثه على اضطراب الروايات، واختلافها اختلافاً لا يكاد يجمعها جامع.. واستدل السيد في إثبات مدعاه على هذا الاختلاف، حيث يصعب الجمع بين رواية وأخرى..

خذ على سبيل المثال: أن الرواة والمؤرخين قول واحد على أن زينب زوج أبي العاص، كما أن أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، ولكن صاحب المجدي في أنساب الطالبيين عكس الأمر».

وبعد أن ذكر كلامه قال: «.. وهذا اشتباه لا ريب فيه ومثله هفوات كثيرة، وقع بها الرواة والمؤرخون حتى صار تاريخنا كالبحر المائج، الذي لا يستقر السابح فيه على حالة..

ومهما كانت الحال، فإن ذلك لا يجعل ذريعة لإنكار المسلمات، أو الشك فيها.. حيث توجد من خلال هذه الروايات المضطربة نقاط ثابتة، التقت عليها الأفكار، واطمأنت إليها العقول، واتفقت الكلمة عليها. ويمكن للباحث أن يرسو عليها بأمان واطمئنان، وليس من الأمانة في شيء أن يحيد الإنسان عنها، لما اكتنفها من القرائن المتنافرة، وإلا صار تاريخنا من أقصاه إلى أقصاه في مهب الشكوك، وأعاصير الظنون، إذ ليس حقيقة فيه إلا وهي عرضة للأقوال الكثيرة، خاصة الولادات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

والوفيات إلخ..(1).

ونقول: قد نقلنا كلامه بطوله كي تتضح الصورة للقارئ الكريم، فيما يرتبط بما نريد أن نقوله هنا:

فأولاً: إن من يراجع ما ذكرناه يجد أننا كنا نتحدث عن الخطأ الذي وقع فيه الشيخ المفيد [رحمه الله]، والخطأ الآخر الذي وقع فيه صاحب كتاب المجدي.. ولم نجعل اضطراب الروايات واختلافها دليلاً على أن البنات ربائب.. بل كنا نناقش المفيد [رحمه الله] فيما وقع فيه.. فلماذا تصوير القضية بهذا النحو للقارئ الكريم؟!

ثانياً: إذا كان تاريخنا قد أصبح كالبحر المائج من كثرة الاختلافات، بحيث لا يستقر السابح فيه على حالٍ، فهل يلام من شمر عن ساعد الجد، وتلمس الأدلة والشواهد، التي تهديه إلى القول الأصوب؟! وإلى الساحل الآمن الأرحب!!

ثالثاً: صحيح أن النقاط الثابتة التي التقت عليها العقول.. تصلح للاعتماد عليها.. ولكن هل يمكن الإكتفاء بها، وصرف النظر عما عداها؟! وهل يبقى دين وتاريخ، وانساب وتراجم و.. والخ..

رابعاً: إنه ليس صحيحاً أن موضوع البنات الثلاث هو من هذه

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص288 و289.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

الثوابت التي التقت عليها الأفكار واطمأنت إليها العقول.. لا سيما بعد أن وقفنا على وجود اختلاف وخلاف حول بنوتهن لرسول الله [صلى الله عليه وآله]..

وقد نسب هذا الخلاف إلى البلاذري، والمقريزي، وغيرهما، ممن ذكرنا أسماءهم وكتبهم أكثر من مرة!! وذكر الجزائري [رحمه الله] أن العلماء مختلفون في هذا الأمر، وكذلك الشيخ المفيد [رحمه الله].

وهل هذه الدعوى ـ أعني دعوى أن نسبهن ثابت قطعي ـ كما يقول الأخ الكريم!!(1)، إلا مصادرة على المطلوب، وهي النقطة المتنازع فيها، وعليها..

خامساً: إنه يقول: إنه ما من حقيقة تاريخية إلا وهي عرضة للأقوال الكثيرة، ولن تجد علماً من أعلامنا إلا وللمؤرخين في ولادته ووفاته وتفاصيل حياته.. أكثر من قول واحد، وحينئذٍ ليس من المعقول أن ننقض وجوده من الأساس..

واعتبر أن مسألة بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، من هذا القبيل..

ولكننا نقول له: إن هذه مغالطة ظاهرة، إذ صحيح: أن الأقوال في الولادة والوفاة وتفاصيل الحياة لا تسمح بإنكار أصل وجود الشخص.. ولكن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، بل هو من قبيل ما كانت الأقوال متناقضة في أصل وجوده. وفي مثل هذه الحال لا بد

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص289.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

من وقوع الشك في أصل الوجود، ثم معالجة ذلك الشك..

وبالنسبة لبنوة البنات لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، قد اختلفت الأقوال في نفس هذا الأمر، ثم تضافرت الأدلة على نفي بنوتهن له [صلى الله عليه وآله]، فاختلاف الأقوال أوجب الشك في نفس مورد الاختلاف، ثم جاءت الأدلة، فأزالت هذا الشك، وأثبتت قول من يقول: إنهن ربائب..

وقد اعترف نفس الأخ الكريم!!، بوجود الأقوال المثبتة والنافية.. ولكنه حاول حصر النافي بأبي القاسم الكوفي، ولم يستطع ذلك.. وحتى لو حصره فيه فإن ذلك يدفع إلى البحث لمعرفة الحق.. وقد بحثنا وعرفتنا الأدلة أن الحق مع النافي لا مع المثبت..

سادساً: أما قوله: وليس من الإنصاف في شيء أن ننفي نسبهن الثابت القطعي، من أجل هذا الاختلاف المذكور..

ففيه: أن الاختلاف إنما هو في نفس انتسابهن لرسول الله [صلى الله عليه وآله].. وذلك يزيل القطع بالانتساب له، ويجعله مشكوكاً، فما معنى ادعاء القطع بالانتساب مع أنه هو مورد النزاع، وهو الذي اختلفت فيه الأقوال؟..

فهل هذا إلا مصادرة على المطلوب؟!

مورد الإتفاق عند المؤرخين:

وقد أورد أقوالاً لعدد من المؤرخين، أراد من خلالها أن يظهر: أن هذا هو الثابت الذي وقف عنده علماء التاريخ فلم يردوه ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

يشكك به أحد، فليس ثمة من خلاف بين المؤرخين في بنوة البنات الثلاث لرسول الله [صلى الله عليه وآله]..

وشاهده على ذلك ما أورده من أقوال للطبري، وابن الأثير، والواقدي، والمسعودي، وابن هشام، والدياربكري، وابن إسحاق، والزبير بن بكار، والبيهقي، وابن الوردي، وأبي الفداء، والذهبي، ومصعب الزبيري، وياقوت، وابن قتيبة، وابن سعد، وابن شهرآشوب، والعاصمي، والمقريزي، والصالحي، والمحب الطبري، والقسطلاني، والزرقاني، والبلاذري، وابن منظور، وابن كثير، وابن العماد، وابن دريد، وابن حزم، وابن سلام، والنووي، وابن الجوزي..

ثم إنه قال عن كونهن أربع بنات، وكلهن أدركن الإسلام، وهاجرن: «وهذا هو مورد الإتفاق الذي تحدثنا عنه، ولا ريب أن سيدنا العاملي، اطلع عليه، وعرفه حق المعرفة، ولكنه لسبب غامض أخذ على نفسه تحقيق مقالة الكوفي وتأييدها، ودعم ما عجز الكوفي نفسه عن دعمه بالأدلة والشواهد»(1).

وقال أيضاً: إن «في هذه الأقوال المتضاربة أقوالاً ثابتة, أكدها جميع المؤرخين، واعتبروها قطعية، لا يجوز فيها النقاش.

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص293 والأقوال التي نقلها هي من ص289 إلى 294

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

والحق يقال: إن جل الاختلاف وقع في البنين، فإذا ما اتخذ ذريعة للنفي، فينبغي نفي الذكور من بنوته [صلى الله عليه وآله]، وحينئذٍ يكون في المسألة قول واحد، وهو أن خديجة لم تلد للنبي إلا فاطمة [عليها السلام]، وإنما قلنا هذا لأن نتيجة بحث السيد جعفر مرتضى العاملي تؤدي إلى ذلك..»(1).

ونقول:

أولاً: لا بد أن نطلب من الأخ الكريم!! أن يبين لنا: كيف أدت نتيجة بحثنا إلى نفي ولادة الذكور لرسول الله [صلى الله عليه وآله] من خديجة.. مع أننا قد قلنا: إن ثمة أقوالاً تصرح بأن جميع أولاده [صلى الله عليه وآله] قد ولدوا بعد البعثة؟!

ثانياً: إننا لم ننكر أن غالب المؤرخين يقولون: إن البنات هن بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله]، فلا فائدة من تعداد الأسماء، ولكننا نقول: إن هناك أقوالاً لآخرين تقول: إنهن ربيبات له [صلى الله عليه وآله].. وأن ثمة أدلة قوية تؤكد صحة أقوال هؤلاء دون أولئك، وأن العبرة ليست بالكثرة، بل العبرة بالدليل القاطع للعذر..

ثالثاً: إننا نعجب من هذا الأخ الكريم!! كيف ذكر المقريزي والبلاذري في جملة المثبتين للبنوة، ولم يشر إلى تصريح المقريزي

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص291 و292.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

اللاحق بما يخالف قوله السابق، مع أنه هو نفسه قد نقل ذلك عنه..

كما أنه هو نفسه قد نقل عن ابن شهرآشوب: أنه ينسب إلى كتاب البلاذري ما يخالف هذا القول الذي أثبته في أنساب الأشراف.. وذكر الخلاف من بنوتهن للرسول [صلى الله عليه وآله]، وذكر أسماء من يخالف في ذلك، فلماذا لم يشر إلى ذلك بشيء.

رابعاً: لماذا سطر لنا الأخ أقوال الموافقين؟!، وكيف يقول: إن هذا من الثابت الذي لم يشكك به أحد؟! ولماذا لم يشر إلى قول الآخرين الذين خالفوا.. وأوجب خلافهم الإخلال بالإجماع المدعى.. مثل الكوفي، والمقريزي، والبلاذري، واللمع، والكشف، والأنوار، والبدع، وحتى المرتضى، والطوسي رحمهم الله تعالى؟!..

ومجرد الطعن في نية الكوفي، أو الطعن في وثاقته، لا يؤثر في حقيقة: أن أقوالهم قد أسقطت الاتفاق المدعى..

خامساً: إنه إذا كان الطعن في الأشخاص يوجب إسقاط أقوالهم التاريخية عن الاعتبار وعن صلاحية إسقاط الإجماع بها، فإن نفس الذين عدد أقوالهم وأسماءهم قد وردت فيهم طعون أشد، وهي كثيرة وخطيرة، فلماذا يتغاضى عنها؟!..

وعدد منهم متهم بالكذب، وبالنصب. وهم مخالفون لأهل البيت [عليهم السلام]، رافضون لإمامتهم..

سادساً: من أين علم الأخ الكريم!! أن لدينا سبباً غامضاً يدعونا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

لخرق الإجماع؟! وأي سبب هذا الذي يصر الأخ الكريم!! على أنه موجود؟!..

ولماذا لا يكون من يصر على إثبات بنوتهن للرسول [صلى الله عليه وآله]، رغم قيام الأدلة على خلافه.. ورغم أن ما أتى به لنقضها، قد جاء على غاية من عدم السداد، لماذا لا يكون هذا الشخص هو الذي يحمل بين جنبيه سراً غامضاً، يدعوه إلى الإصرار على هذا الأمر؟! خصوصاً، وأنه يعطي أهل السنة مجالاً للمكابرة، وإلقاء الشبهة فيما يرتبط بخلافة عثمان..

سابعاً: إن هذا الأخ الكريم!! نفسه قد قرر أن العامة، ونقولاتهم لا تصلح للإثبات ولا للنفي.. لأنهم قد شوهوا التراث، وخربوه. وتلاعبوا به، فراجع كلامه في أول صفحة بدأ بها كلامه حول هذا الموضوع!!

اعتراضه على البدء والتاريخ:

وقد سجل الأخ الكريم!! اعتراضه على كتاب البدء والتاريخ، على اعتبار أن ثمة كلاماً في مؤلفه الحقيقي، هل هو البلخي، أو المقدسي..

قال: «وإذا كان الكتاب مجهول المؤلف، فكيف يوثق بنقله، أو يعتمد عليه في مسألة مهمة، كالتي نحن فيها؟».

على أن الرجل نسب القول الذي اعتمد عليه العاملي إلى قتادة في معرض ذكره الأقوال في المسألة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

صحيح: أنه بدأ به، ولكن الصحيح أيضاً: أنه ثنى بقول آخر هو مورد إجماع المؤرخين والعلماء، فقد قال بعد ذكر قول قتادة: وفي كتاب ابن إسحاق: أكبر بنيه القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. وأكبر بناته: رقية، وزينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال: فأما أبناؤه فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فأدركن الإسلام وهاجرن.. وفي عبارة البدء والتاريخ لبس واضح، ولكن العاملي تجاهله..

والذي أدخل اللبس عليها ذكره لبنات النبي بعد الغلامين المولودين في الإسلام.

ويمكن أن تكون العبارة بعده مستأنفة.. بل هي معطوفة على عبد مناف، لا الغلامين. وحينئذ تستقيم العبارة وفقاً للرأي السائد..

وفي الكلام قرينة تعين على ذلك، وهي في قوله بعد كلام قليل: فأما بناته فأدركن الإسلام وهاجرن. ففي قوله: «أدركن» قرينة على أنهن ولدن في الحقبة الجاهلية، إذ لا يقال للمولود في الإسلام: إنه أدرك الإسلام، إلا أن يكون موجوداً في عصرين. وهكذا الحال مع بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله].. فكيف اتخذ سيدنا العاملي من العبارة المدخولة شاهداً على مدعاه؟!

على أنه بصفته باحثاً في مسألة مهمة أن لا يلجأ إلى كتاب مجهول الكاتب، ويترك وراءه المصادر المهمة التي عليها معول العلماء..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

إذ ليس من المعقول أن يغفل هؤلاء جميعاً قول علي بن أحمد الكوفي، فلا يتعرض له واحد ولو برده وتفنيده، لو كان معروضاً على ساحة البحث في عصر من العصور، وإلا اعتبر ذلك تواطؤاً منهم.. وحينئذ لا يبقى لأي قول من أقوالهم أية قيمة تذكر»(1).

ونقول: إن في هذا الكلام مواضع كثيرة للنظر، نقتصر منها على ما يلي:

أولاً: إن علينا أن ننظر في مطالب الكتاب المجهول المؤلف ونتأكد من سلامة سياقه العام، وموافقته لغيره من المؤلفات المتداولة.. فالمؤلف المجهول إما أن يكون من الخاصة ومؤلف كتاب البدء والتاريخ ليس كذلك.. وإما أن يكون من العامة.. ويكون معتدلاً، أو يظهر من كتابه: أنه منحرف عن أهل البيت، معلن بالعداء لشيعتهم. ظاهر التجني عليهم..

فيكون حاله من هذه الجهة لا يزيد عن حال الذهبي، الذي ذكره الأخ الكريم!! في جملة القائلين بما يدعي الإجماع عليه!!

وعلى جميع التقادير، فإن مؤلف كتاب البدء والتاريخ هو من العامة، فإن كان في الواقع ونفس الأمر ثقة، فهو المطلوب. وإن لم يكن كذلك، بل ظهر الكذب في بعض مواد كتابه فيكون حاله حال

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص295 و296.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

الزبير بن بكار.. وكذا لو ظهر منه التعصب الذي يوجب الريب في بعض ما يقول.. وإن لم يكن ذلك كافياً لاتهامه هو شخصياً بالوضع والكذب، لاحتمال أن يكون قد نقل عن غيره..

وقد قلنا: إن حاله يكون حال الزبير بن بكار، لأن الأخ الكريم!! قد صرح بأنه كان يضع الحديث حسب تصريحه..(1).

ثم عاد فذكره في جملة من أجمع على أن البنات هن بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله]..

وعلى كل حال.. فإن الأخ الكريم!! قد أورد في كلماته المنقولة: نصوصاً عن من اتهم بالكذب وبما يزيل صفة الوثاقة عنه، مثل  الواقدي، وحتى ابن إسحاق، والزبيري.. وغيرهم ممن ذكرهم..

ثانياً: إنه قد سأل عن السبب في إعراضنا عن كل المؤرخين، الذين أثبتوا بنوتهن للنبي [صلى الله عليه وآله]، وقد قلنا له أكثر من مرة: إن السبب هو الأدلة الكثيرة التي أوردناها في كتابنا «بنات النبي أم ربائبه». ولم نعتمد على خصوص كتاب البدء والتاريخ في ذلك، وإنما ذكرناه كواحد في جملة آخرين قد صرحوا بولادة بناته جميعاً بعد البعثة.. وهذا يدل على عدم صحة تزويجهن في الجاهلية بأبي العاص وبأبناء أبي لهب..

ثالثاً: إنه قد تساءل عن السبب في إعراضنا عن جميع من

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص297.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

ذكرهم هو من المؤرخين الموافقين له في الرأي، وأخذنا ـ فقط ـ بما في كتاب: البدء والتاريخ..

ونحن لنفس السبب نسأل الأخ الكريم!! عن السبب في إعراضه عن جميع الأدلة التي سقناها له، وتشبثه بأقوال هؤلاء المؤرخين، المنحرفين عن أهل البيت، وفيهم الكذاب، والوضاع، والناصبي، والراوي للترهات، والأباطيل، والمكذب بفضائل أهل بيت العصمة، والساعي لنقضها وإبطالها؟!.. رغم أنه هو نفسه قد شنع علينا في بداية مقالته بالأخذ من العامة، لأنهم غير مأمونين، ولأنهم تلاعبوا وحرفوا وغيروا الحقائق..

رابعاً: إن هذا الأخ الكريم!! نفسه يعرف أن ثمة مؤلفات قد شكك «البعض» في نسبتها إلى من تنسب إليه، ولكنها لم يعرض العلماء عنها، بل هي لم تزل موضع اهتمام منهم، ونذكر على سبيل المثال:

1 ـ روضة الكافي، الذي شك المولى خليل القزويني في انتسابه للكليني.

2 ـ كتاب الرجال المنسوب لابن الغضائري.

3 ـ الإمامة والسياسة.

4 ـ فقه الرضا..

5 ـ عيون المعجزات المنسوب للسيد المرتضى [رحمه الله].

6 ـ التفسير المنسوب للإمام العسكري [عليه السلام].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

7 ـ روضة الواعظين.

8 ـ مكارم الأخلاق.

9 ـ الإحتجاج.

10 ـ قرب الإسناد.

11 ـ قصص الأنبياء للراوندي.

12 ـ كنز جامع الفرايد.

13 ـ جامع الأخبار.

14 ـ الروضة في المعجزات.

15 ـ مصباح الشريعة.

16 ـ التمحيص.

17 ـ الجنة الواقية.

18 ـ مصباح الأنوار.

ولو أردنا الاسترسال في هذا لسردنا أسماء مئات الكتب المعروفة والمتداولة.. وإنما اخترنا أن نورد هذه القائمة من كتب الشيعة لتكون أكثر وقعاً، وأعظم نفعاً في إقناع هذا الأخ الكريم!!.. إذ أن الأمر حين يصل إلى مؤلفات غير الشيعة، فإن الأمر لا بد أن يخضع للضابطة التي ذكرناها في الإيراد الأول المتقدم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

خامساً: وقد زعم أن القول الذي اعتمدناه، قد نسبه في البدء والتاريخ إلى قتادة، ولكنه ذكر بعده قولاً آخر هو مورد إجماع المؤرخين والعلماء، وهو قول ابن إسحاق، وليس من حقنا أن نترك ذاك، ونأخذ بهذا، وذلك لما يلي:

1ً ـ إنه مع وجود قول مخالف لقتادة ولغيره من الرواة، والمؤرخين والعلماء ممن أشرنا إليهم غير مرة، كيف يمكن ادعاء إجماع المؤرخين والعلماء.

2ً ـ إنه إذا دلّ الدليل على صحة هذا القول، فلا عبرة بإجماع ينتهي إلى ابن إسحاق أو ابن عقبة، أو غيرهما.

3 ً ـ إن المجمعين متهمون فيما أجمعوا عليه، لأنه يفيدهم في تأكيد موقع خليفتهم عثمان..

4ً ـ إن المجمعين هم من العامة الذين لم يرض هو بالأخذ منهم، أو بالنقل عنهم.

سادساً: إن الحديث عن سكوتنا عن اللبس في كلام المقدسي، لا يضر لما يلي:

1 ـ لأنه لا حاجة إلى التعرض له.. بعد أن كان ما يدفع هذا اللبس موجوداً، وهو قوله: «أما بناته، فأدركن الإسلام».

2 ـ إن ما ذكره من لبس غير ضائر، ولا حاجة إلى البحث عما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

يرجع كلامه إلى الرأي السائد ـ على حد تعبير الأخ الكريم!! ـ لأنه كان هناك من يقول: إن جميع أولاده [صلى الله عليه وآله]، قد ولدوا بعد الإسلام سوى واحد منهم.. وقيل: بل الجميع ولد بعد الإسلام، وقد نقل هذا الأخ الكريم نفسه هذا القول: فراجع..(1).

سابعاً: إن المصادر التي وصفها بالمهمة، وعليها معول العلماء مملوءة بالافتراءات والأكاذيب، والأساطير، وليس ما فيها بأفضل حالاً مما ورد في ذلك الكتاب الذي زعم أنه مجهول المؤلف، وهو كتاب البدء والتاريخ..

والمقارنة فيما بينها تعطي أنها جميعاً قد جاءت على نسق واحد، وفي سياق متجانس في توجهاته العامة..

ثامناً: وأما قوله: إن هذه الكتب مهمة، وعليها معول العلماء، فيرد عليه: أنها إنما يعتمدها ويعول عليها أهل نحلتهم، والملتزمون بمذهبهم.. أما نحن، فإنما نأخذ منها، ما يفيد في إلزامهم الحجة، أو ما لا نرى داعياً للكذب فيه. وليست قضية بنات النبي من هذا القبيل، لأن دواعي كذبهم فيها قائمة. وذلك للحفاظ على بعض ماء الوجه لخليفتهم عثمان بن عفان..

وقد ذكر نفس هذا الأخ الكريم!! في بداية مقالته: أنه لا يصح الاعتماد على كتب أهل السنة، لأنهم غيروا وبدلوا وحرفوا، فراجع كلامه..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص296.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

تاسعاً: إننا لا نجد داعياً ولا مبرراً للاختلاق والكذب في كلام المقدسي، بل من مصلحة المقدسي في البدء والتاريخ.. ومن مصلحة قتادة والبلاذري والمقريزي.. وجميع أهل السنة، نعم، من مصلحتهم إثبات أن البنات هن بنات الرسول، ليكون عثمان قد نال شرف المصاهرة له [صلى الله عليه وآله]..

فسواء أكان مؤلف كتاب البدء والتاريخ مجهولاً، أم معلوماً، فإنك ستجده ساعياً في تأكيد هذا الأمر، وتثبيته، ولن يكون من السهل عليه إيراد معلومات تضرّ به.. إلا إن كانت من مثل قتادة الذي لا يمكنهم تجاهل قوله..

عاشراً: قال الأخ الكريم!!: لا يعقل أن يُغْفِلَ هؤلاء جميعاً قول الكوفي، فلا يتعرض ولو واحد منهم لرده، لو كان معروضاً للبحث.. وإلا اعتبر ذلك تواطؤاً منهم، ولم يبق لأقوالهم قيمة.

ونقول:

1 ـ إن قول الكوفي قد أورده المقريزي وغيره، ونسب إلى البلاذري وغيره كما مرّ أكثر من مرة.. وهو مسجل وموجود في كتاب الكوفي منذ مئات السنين. ولكنهم أهملوه بالفعل.. فلماذا أهملوه؟!.. مع أنهم يذكرون أقوال من هم أقل شأناً منه..

فإذا أجرينا قاعدة هذا الأخ الكريم!!، فلا بد من الحكم بسقوط أقوالهم عن أن تكون لها أية قيمة.. وعلى الأخ الكريم أن يتهمهم

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

بالتواطؤ، وليس له بعد هذا أن يستشهد بأقوالهم أو يعتمد على نقولهم..

2 ـ لقد أغفل هؤلاء الناس الكثير من القضايا، ولم يتعرضوا لها، فهل تعرضوا لقصة التآمر على قتل علي بواسطة خالد، ثم وضع الإمام علي [عليه السلام] الطوق في عنق خالد؟! وهل ذكر أحد منهم أن عائشة وحفصة قد دست السم لرسول الله [صلى الله عليه وآله]؟!.. وهل تعرضوا لما جرى على الزهراء [عليها السلام]، من ضرب وإسقاط جنين؟!

وهل تعرضوا لتآمر المتآمرين على غصب الخلافة وكتابتهم الصحيفة؟! وهل؟!.. وهل؟!.. إلخ..

إننا نطلب من الأخ الكريم!! أن يراجع جميع الكتب في هذه اللائحة التي سجلها في كتابه، وليقل لنا: إن كان أحد منهم قد ذكر هذه القضية أو تلك، ولو للرد عليها بالدليل والبرهان لا بالاتهام والشتائم..

وإذا كان واحد من هؤلاء قد ذكر ذلك، فلماذا لم يذكرها الباقون.. ألا يعد ذلك استهانة بالقمي، وبالعياشي، وغيرهما..

3 ـ إن هؤلاء ليسوا بمعتمدين عندنا إلا فيما يعترفون به من حقائق، لأغراض لهم في تأييد مذهبهم. وليست هذه القضية التي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

نحن بصددها من هذا القبيل، لأنهم يحبون تسجيل فضيلة لعثمان من خلالها وهذا الأخ الكريم!! قد أعلن وأكد هذه الحقيقة في بداية مقالته، فكيف بنى كل جهده على العمل بما يناقضها؟!..

القسطلاني والدياربكري:

وقد ذكر: أننا جعلنا قول القسطلاني قولاً للديار بكري. والواقع أنه إنما ذكر قول ابن الجوزي في صفة الصفوة، كالمتعجب منه، حيث قال:

وقيل: كان له [صلى الله عليه وآله]، الطيب والمطيب ولدا في بطن. ذكره صاحب الصفوة، فيكونون على هذا أحد عشر.

وقيل: ولد له [صلى الله عليه وآله] قبل المبعث، ولد يقال له عبد مناف، فيكونون على هذا اثني عشر. وهذا القائل يقول: أولاده كلهم سوى هذا ولدوا في الإسلام بعد المبعث.

فالديار بكري ذكر الأقوال كلها بصيغة التمريض، إيذاناً منه بضعفها. فكيف تنسب إليه والحال هذه؟!(1) انتهى..

ونقول:

أولاً: ليس في كلام الديار بكري أية إشارة للتعجب من ابن الجوزي، بل هو قد ذكر قوله كما ذكر سائر الأقوال.. فمن أين استفاد ذلك يا ترى؟! حتى قال: «كالمتعجب منه!!»؟!

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص296.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

ثانياً: إن شاهدنا هو العبارة الأخيرة التي تقول: «وهذا القائل يقول: أولاده كلهم سوى هذا ولدوا في الإسلام بعد المبعث». وليست هذه العبارة راجعة إلى كلام ابن الجوزي، بل هي مرتبطة بالقيل الذي بعده..

ثالثاً: إن ما قصدنا إليه هو الإشارة إلى وجود هذا القول في كتابي القسطلاني، والديار بكري، ولم نقل: إن القسطلاني والديار بكري يقولان به، ويذهبان إليه، فما معنى نسبة ذلك إلينا؟!.

رابعاً: بالنسبة لتمريض الدياربكري لهذا القول. فإن ذلك لا يعنينا، بل الذي يهمنا هو نفس وجود قول من هذا القبيل.

على أن مجرد استعراض الأقوال من دون بحث حول ما هو صحيح منها، لا يدل على تمريض أي منها. وذلك ظاهر..

عبارة القسطلاني تختص بالذكور:

وقد ذكر الأخ الكريم!! أنه دهش لأننا فهمنا من عبارة القسطلاني: «.. وهذا القائل يقول: أولاده كلهم سوى هذا ولدوا في الإسلام بعد المبعث: أنها تشمل الذكور والإناث، بسبب كلمة كلهم».

مع أن الواقع: أنها خاصة بالأولاد الذكور، لأن إرادة الإناث أيضاً توجب التهافت في كلام القسطلاني.. لأنه هو نفسه قد ذكر أن زينب قد ولدت سنة ثلاثين من ولادته [صلى الله عليه وآله]، ورقية ولدت سنة ثلاث وثلاثين..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

والشاهد على ذلك أن الزرقاني في شرحه للمواهب لم يعترض عليه بلزوم التهافت في كلامه، مما يدل على أنه قد فهم منه أنه يريد بكلامه هذا خصوص الذكور..

وقال: «أترى السيد حفظه الله جهل هذا؟ أم لبّس على قارئه، أم تراه بحث المسألة على عجل، ومن غير جدية؟!»(1).

ونقول:

أولاً: إن هذا يناقض قول الأخ الكريم!!: إن الديار بكري، وكذلك القسطلاني إنما نقل قولاً للغير على سبيل التمريض له.. فما معنى: أن يجعله الآن قولاً لنفس القسطلاني، ثم يبحث هل أصبح قول القسطلاني متهافتاً، أو غير متهافت؟!

ثانياً: إن السبب في سكوت الزرقاني ليس هو ما ذكره هذا الأخ الكريم، من أنه قد فهم إرادة الذكور من العبارة دون الإناث، لأن إرادة الإناث توجب التهافت. بل السبب هو أنه عرف أن هذه العبارة هي قول للغير.. وأما قول المؤلف فهو خلاف ذلك.. فإنه يزعم أنها ولدت قبل المبعث في سنة ثلاثين من ولادته [صلى الله عليه وآله]..

وأخيراً، نقول: لا ندري هل أن الأخ الكريم جهل هذا؟! أم(!!)..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص296 و297.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

الزبير بن بكار لا يقبل قوله:

وقال: ثم الزبير بن بكار الذي جعله من شواهده لا يوثق به، فقد كان ممن يضع الحديث إلخ..(1).

ونقول:

أولاً: إن الطعن موجود في كثير ممن سبق له أن استشهد بكلامهم، وادعى الإجماع من خلالهم، فراجع ما ذكروه في حق ابن إسحاق والواقدي، والزبيري، وغيرهم.. وراجع أيضاً ما يقال عن تحامل الذهبي وغيره على كل من هو من شيعة علي، وعلى كل من يروي، وما يروى في فضائل علي وأهل البيت [عليهم السلام].

ثانياً: إن المستند ليس هو كلام الزبير بن بكار، ليقال: كيف يركن إلى قوله، أو يوثق بنقله؟! وحده، بل المستند هو قوله وقول غيره معاً، بحيث إن هذا يقوي ذاك ويؤكده.

ثالثاً: إنه ليس كل ما يقوله المجروحون يكون باطلاً.. فمجرد كونه مجروحاً لا يجعل كلامه كذباً، بل هو يجعل القضية المطروحة مورد الاحتمال، ولا يبقى القول الآخر على درجته من الوثوق بمضمونه، بل سوف تتضاءل درجة الوثوق به..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص297.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح103/

سيرتنا: اقتطاع النصوص!!

وقد ذكر الأخ الكريم!!: إن سيرتنا في نقل الشاهد الاقتصار على ما نريد، وحذف ما عداه، وإن كان متصلاً به، ولا يخلو هذا المحذوف، إما أن يكون تتمة لما اقتطع منه، أو مؤكداً، أو منافياً، أو غريباً.. ثم استشهد على ذلك بما نقلناه عن السهيلي: «.. كلهم ولدوا بعد النبوة».

وقال: إن هذه العبارة مأخوذة من السيرة الحلبية. وقال: إن المذكور في الحلبية هو كما يلي: «إنه بعد أن ذكر الإناث من أولاده [صلى الله عليه وآله]، وبيّن المتأخر والمتقدم منهن قال: وبعد البعثة ولد له [صلى الله عليه وآله]، عبد الله، ويسمى الطيب والطاهر.

وقيل: الطيب والطاهر غير عبد الله المذكور ولدا في بطن واحد قبل البعثة.

وقيل: اللذان ولدا في بطن واحد قبل البعثة، الطاهر والمطهر.

وقيل: ولد له أيضاً قبل البعثة في بطن واحد: الطيب والمطيب.

وقيل: ولد له قبل البعثة عبد مناف.

مات هؤلاء قبل البعثة وهم يرضعون. وأما عبد الله الذي ولد له بعد بعثته [صلى الله عليه وآله]، فكان آخر الأولاد من خديجة [رضي الله تعالى عنها].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

وبهذا يظهر التوقف في قول السهيلي: كلهم ولدوا بعد النبوة.

والملاحظ: أن المقصود بقوله: «كلهم» الذكور دون الإناث(1).

ونقول:

أولاً: إنه ذكر أن مراد صاحب السيرة الحلبية، من قوله: إن الكل ولدوا بعد النبوة، هو خصوص الذكور من أولاده [صلى الله عليه وآله]..

ونقول: إن كلام السهيلي المذكور في الروض الأنف ربما يكون مؤداه هو ما قاله الأخ الكريم!!، وهو الحديث عن خصوص الذكور من أبناء النبي [صلى الله عليه وآله].

ولكن العبارة التي نقلناها عنه ليست موجودة في الروض الأنف، وإنما أوردها في السيرة الحلبية، فما دام أنه يحتمل أن يكون قد أخذه من مورد آخر لم يصل إلينا، فإننا نقول: إن كلام الحلبية الذي جاء كلام السهيلي في نهايته، لا يدل على التخصيص بالذكور، لأنه بدأ أولاً بذكر القاسم، وقال: إنه ولد في الجاهلية، ثم ذكر البنات، ثم ذكر أنه قد ولد له [صلى الله عليه وآله] بعد البعثة عبد الله و و إلخ.. وهذا يدل على أنه يتحدث عن تسلسل ولادة أبنائه الذكور والإناث معاً..

ـــــــــــــــ

(1) راجع: المصدر السابق ص298.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

ولم يتحدث عن الإناث أولاً، ثم لما انتهى منهن بدأ بذكر الذكور، كما قاله هذا الأخ الكريم..

وفي جميع الأحوال فإن كلامنا واستدلالنا لا يتوقف على كلام السهيلي هذا، فيمكن الاستغناء عنه بحذفه، ولا إشكال في ذلك..

ثانياً: قد قلنا: إن القول بولادة بناته [صلى الله عليه وآله] في الإسلام قد كان موجوداً. وقد نقله المقدسي عن قتادة، ونقله أيضاً القسطلاني والديار بكري، وكذلك الزبير بن بكار.. وكلام الحلبية ظاهر في ذلك أيضاً، وفقاً لما بيناه. ولا أقل من أنه لا يأبى هذا المعنى..

نزول سورة المسد:

وقد ذكر الأخ الكريم!!: أن ترجيحنا للرواية التي تقول: إن سورة المسد قد نزلت، حين كان المسلمون محصورين في شعب أبي طالب، قد استند إلى دليل «استئناسي» قد لا يقنع إلا صاحبه. قال «والظاهر أنه استأنسه ليكون شاهداً على إثبات المدعى، أي لمجرد التشبث به لدعم المطلوب».

والمراد بالدليل الاستئناسي هو قولنا: إن الأذى القرشي قد كان بعد نزول آية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، أي حينما بدأ النبي [صلى الله عليه وآله]، يذكر آلهتهم، ويسفه أحلامهم.

ثم قال: «إن هذا الأذى القرشي كما يصح وقوعه من قريش بعد الإنذار بمدة طويلة، يصح كذلك وقوعه بمدة قصيرة، فما المانع من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

حدوث توتر العلاقة بين النبي [صلى الله عليه وآله] وبين قريش بعد نزول آية الإنذار مباشرة؟!».

إلى أن قال: «أضف إلى ذلك: هل من اللازم أن تكون الآية في السورة محاكاة لقول الخبيث أبي لهب: «تباً له»؟ لم لا يكون هو الذي حاكاها بعد أن نزلت فيه، وسمعها تتلى على الأسماع إلخ..»(1).

ونقول:

أولاً: إن الروايات الثلاث هي التي تضمنت تحديد التاريخ للحادثة، إما صراحة كما في رواية الشعب، أو من خلال المضمون الوارد فيها، كما في الرواية الأخرى التي تذكر الوفود.. وكذلك الرواية التي ربطت القضية بحادثة إنذار العشيرة.. وحتى لو أنها سكتت عن التحديد، فليس لنا نحن أن نحدد للرواية تاريخاً من عند أنفسنا..

ثانياً: وحول إمكانية أن يكون الأذى قد بدأ بمجرد حدوث إنذار العشيرة، نقول: بل هو قد بدأ بعد أن بادأ النبي [صلى الله عليه وآله]، قريشاً بهذا الأمر، فكان منه الإصرار، وكان منهم الرفض.. وجرت بينهم وبين أبي طالب محاورات، ومفاوضات، ومجادلات. وحين فشلت جهودهم، بدأوا يتعرضون للرسول [صلى الله عليه وآله] وللمسلمين بالأذى.. وذلك يوضح: أن السورة

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص299.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

لم تكن قد نزلت للرد على قول أبي لهب في إنذار العشيرة..

فلم يبق إلا الرواية الأخرى التي تحدد الواقعة بالشعب.. وليس لنا أن نحدد لها تاريخاً وسطاً من عند أنفسنا ـ سواء أطال هذا الزمان الذي نريد التحديد به، أم قصر..

ثالثاً: إن حديث إنذار العشيرة كان أول بادرة دعوة من قبل رسول الله [صلى الله عليه وآله]، لعشيرته. فمجرد حصول الرفض للدعوة من قِبَلِ أبي لهب، لا يبرر هذا الهجوم عليه وعلى زوجته. خصوصاً قبل أن يصدر من زوجته أي موقف تجاه الرسول.. بل الحكمة تقضي بالصبر عليهم، ومعاودة دعوتهم مرة بعد أخرى. فإذا أصروا على الرفض والعناد والأذى، فنزول السورة في مهاجمة رأس الكفر والعناد فيهم يصبح طبيعياً، ولا بد منه..

رابعاً: أما بالنسبة للدليل الذي سقناه، فهو ليس للاستئناس، بل هو لتأكيد مضمون الرواية.. وبيان أن ذلك هو ما تقتضيه طبيعة الأمور..

وأما الحديث عن التشبث بهذا الدليل لدعم المطلوب، فنقول للأخ الكريم: أي ضير في ذلك؟! إذ أن هذا هو ما يفرضه البحث العملي والموضوعي!

خامساً: أما ما ذكره من أنه ما المانع  من أن يكون أبو لهب هو الذي جعل يحاكي السورة بعدما سمع بنزولها فيه..

فهو غير سديد، لأن هذا معناه فتح الباب أمام اختراع تاريخ، وتزوير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

أحداث من عند أنفسنا، مع وجود النصوص التي تناقضها وتنفيها..

ولم نكن لنسمح لأنفسنا بارتكاب مثل هذه الجريمة، ونحن نتمنى على غيرنا أن ينأى بنفسه عن أمر من هذا القبيل، يصل في خطورته إلى مستوى طمس كثير من الحقائق الدينية والإيمانية..

الطبرسي ورواية: يا صباحاه:

ثم ذكر: أن «شيخ التفسير الشيعي، العلامة الطبرسي» قد رجح الرواية التي رواها سعيد بن جبير عن ابن عباس : والتي تقول: إن السورة قد نزلت حين صعد [صلى الله عليه وآله] على الصفا، وقال: يا صباحاه ، فأقبلت إليه قريش، فقالوا له: ما لك؟! فقال لهم [صلى الله عليه وآله] إني  نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا؟! فأنزل الله السورة  «مجمع البيان المجلد الخامس ص559»(1).

ونقول:

أولاً: إن الطبرسي [رحمه الله] الذي أورد هذه الرواية ذاكراً مصدرها، وهو صحيح البخاري.. يعلم: أنه إذا اختلفت الروايات في شأن النزول وتعارضت، فرجح هو أو غيره إحداها ـ فلا بد من مطالبته بسبب هذا الترجيح، فإذا لم يأت بشيء، فلا بد من أن يرد ذلك عليه. ونحن قد تجاوزنا موضوع تعارض الروايات، حين قدمنا المرجح

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص299.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

القوي لإحداها.. ولم يكن ترجيحنا لها اعتباطياً ومن عند أنفسنا..

ثانياً: إن رواية سعيد بن جبير ـ لو صحت ـ فإنها لم تحدد لنا متى فعل النبي [صلى الله عليه وآله] ذلك، ومتى واجهه أبو لهب بذلك القول..  فهي إذن لا تنافي رواية الشعب، بل تكون رواية الشعب، والرواية الأخرى المؤيدة لها. قرينة على أن ما رواه سعيد بن جبير إنما حصل في هذه الفترة.

ثالثاً: إننا نقول: إن رواية سعيد بن جبير مشبوهة جداً، بل مكذوبة، ولا يصح الاعتماد عليها، لأن هذه الرواية تريد أن تبطل الرواية التي رواها السنة والشيعة، عن دعوة العشيرة للطعام، وقول النبي [صلى الله عليه وآله] لعلي [عليه السلام]: إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، «أو من بعدي». وهناك قرينة صريحة في بيان هذا الهدف التزويري البغيض.. لأن البخاري قد رواها قبل ذلك مباشرة لبيان شأن نزول تلك الآية المباركة حيث قال: «عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) ، [ورهطك منهم المخلصين]»(1)، خرج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حتى صعد الصفا إلخ..»(2).

ـــــــــــــــ

(1) كما وردت في كتاب صحيح البخاري.

(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير ـ سورة تبت يدا أبي لهب وتب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

مع أن نفس آية، (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) تبطل هذه الرواية أيضاً، لأن قريشاً ليسوا هم العشيرة الأقربون، بل عشيرته الأقربون هم بنو هاشم، كما هو ظاهر..

والصحيح هو أن هذه القضية قد حصلت حين نزول قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)(1). كما ذكرنا في كتابنا: «الصحيح من سيرة النبي الأعظم» [صلى الله عليه وآله] ج3 ص81 و82 فراجع..

طلاق البنات قبل الدخول:

وذكر الأخ الكريم!! أننا استظهرنا من الأقوال الثلاثة في نزول سورة المسد أموراً ثلاثة، هي:

أولاً: إن طلاق ابنتي الرسول من ابني أبي لهب كان بعد مرور زمان طويل على الزواج بهن.. فكيف لم يجر الدخول بهن، طيلة هذه المدة. كما فعل عثمان؟!

ثم أجاب عن هذا بقوله: «وهذا مجرد استبعاد ذوقي، فإن علمه بعدم الدخول من عدم حملهما من ابني أبي لهب، وإلا فمن أين علم ذلك؟ وهذه أمور تتم في الخفاء، ولا يتعرض لنقلها الرواة إلا في القليل النادر.

 ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجر: 94 و95.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

والعادة لا تحيل تأخر الحمل بعد الدخول مدة قد لا تقتصر عن العقد من الزمان..

هذا إذا كان عدم الحمل دليل السيد على عدم الدخول. اللهم إلا إذا علم ذلك من وجه آخر لم يفصح به»(1).

ونقول: إن حكمنا بعدم الدخول لم يكن نتيجة الاستبعاد الذوقي.. ولا كان لأجل عدم ظهور حملهن بعد مرور سنوات على زواجهن. بل إنما حكما بذلك لتصريح المؤرخين به، فقد قالوا: «ففارقاهما، ولم يكونا دخلا بهما»(2).

ولو أن هذا الأخ الكريم!! راجع الكتب التي تحدثت عن أمر زواجهن وطلاقهن، لكفي مؤونة التفكير في الرد على ما قلناه بهذه الطريقة التي تظهر الحرص على تسجيل أية نقطة تزيد في حجم وعدد الإشكالات التي يرغب في تسطيرها أمام أعين القراء..

الخلط بين المباحث:

وقد قلنا: إن هذا الأخ الكريم!! قد ذكر أننا استظهرنا من الأقوال الثلاثة في تاريخ نزول سورة المسد أموراً ثلاثة: أحدها ما تقدم آنفاً:

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص 301.

(2) تاريخ الخميس ج1 ص275 وإعلام الورى ص140.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

من السؤال عن السبب في عدم دخول ابني أبي لهب بزوجتيهما رغم مرور هذه السنوات العديدة على الاقتران بهما.

ثم ذكر: أن الأمر الثاني الذي استظهرناه من تلك الأقوال الثلاثة هو صغر سن هاتين البنتين رقية وأم كلثوم..

وقبل أن نذكر كلامه نشير إلى أن هذا الأمر لم نستظهره من الأقوال في أسباب نزول سورة المسد، ويظهر ذلك من مراجعة كلامنا ص32 / 34 بل أخذناه من أقوال أخرى لا ربط لها بنزول سورة المسد أصلاً..

فلماذا، وكيف خلط بين هذا وذاك يا ترى؟!

كما أنه لم يذكر الأمر الثالث الذي ادعى أنّنا استظهرناه من الأقوال في تاريخ وسبب نزول سورة المسد.. والسبب في ذلك: أنه لا يوجد أمر ثالث من الأساس!!

صغر سن البنات عن الزواج، والطلاق:

وحين واجه الأخ الكريم!!: الأقوال في عمر رقية وأم كلثوم، وأن هناك مشكلة حقيقية فيما يرتبط بمقدار عمرهما، الأمر الذي يجعل من زواج ابني أبي لهب منهما في الجاهلية غير منطقي، أو فقل موضع ريب كبير.. قال:

«ثانياً: صغر سنهما عن الزواج، فإذا كانت رقية قد ولدت عام ثلاث وثلاثين، وأم كلثوم بعدها بسنة أو أكثر، فكيف بلغا سناً تؤهلهما للزواج..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

وهذا أمر مقبول من أول وهلة.. ولكننا حين نرجح الرأي بأن النبي [صلى الله عليه وآله] بنى على السيدة خديجة الكبرى [عليها السلام]، وهو في سن العشرين، نكون بعدها في فسحة زمنية مقدارها عشرون عاماً.

وحينئذٍ يكون الإشكال في تاريخ ولادة السيدتين؛ فمن غير المستبعد أن يكون ضبطه بثلاث وثلاثين، أو أربع وثلاثين غير دقيق.. ويلزم أن يكون أبعد من ذلك، بحيث يكونان صالحين للزواج في تلك الفترة المؤرخة.

مضافاً إلى ما تقدم، فإن على السيد أن يلاحظ بدقة صرف كلمة «طلق» إلى أي وجه، فإنها تؤثر على مجرى الحوادث آنذاك، فقد يكون لها معنى آخر، وهو فسخ الخطبة، كما هو فسخ النكاح، فقد قيل عن السيدة عائشة بأنها طلقت قبل أن تزف إلى النبي [صلى الله عليه وآله] من ابن المطعم، ومما لا شك فيه أن الرواية هنا لا تقصد من الطلاق الحقيقة الشرعية، بل فسخ الخطبة»(1).

ونقول:

أولاً: إننا قد تحدثنا في كتابنا: «الصحيح من سيرة النبي الأعظم [صلى الله عليه وآله]»(2) بصورة مفصلة عن أن عائشة كانت متزوجة بجبير بن

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام]: دراسة في محاضرات ص301.

(2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم [صلى الله عليه وآله] ج12 ص106 ـ 123.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

مطعم بن عدي، وأنه قد ولد لها منه ولد اسمه عبد الله.. فراجع ذلك البحث هناك..

إذن، فلا مجال للقول بأن الرواية التي تقول: «طلقت» قد قصد بها فسخ الخطبة..

ثانياً: إن حمل كلمة طلق على معنى فسخ الخطبة فقط يتوقف على أن يكون هناك خطبة في ذلك الزمان على النحو المتعارف في هذه الأيام، وكيف يمكنه أن يثبت لنا ذلك؟!

ثالثاً: إن روايات عائشة قد ورد فيها التعبير بكلمة: «زوجها»، وطلقها، وخلعها، ولم يقل: خطبها ثم طلقها..

يضاف إلى ذلك الروايات التي تقول: إن رسول الله [صلى الله عليه وآله]، قد قال لها: اكتني بولدك عبد الله.. وتفاصيل ذلك كله قد ذكرناه في كتاب الصحيح من السيرة ج12، فراجع..

رابعاً: إنه إذا كان يحتج علينا بما يقوله أولئك المؤرخون الذين ذكر نصوص كلماتهم، أو أشار إليهم من ص289 حتى294 ويعتبر أن كلامهم هو الحجة، ويترك كلام الكوفي والمقريزي، وكلام أصحاب الكتب: البدع، والأنوار، والكشف، واللمع، وما نسب للمرتضى، والطوسي [رحمه الله] لأجل إجماع أولئك..

إنه إذا كان يريد ذلك، فإننا نقول له: إنهم هم الذين ذكروا لنا تاريخ ولادة أم كلثوم، ورقية، كما أنهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 115/

هم الذين يقولون، أو المعظم منهم: إن خديجة قد تزوجت برسول الله [صلى الله عليه وآله]، قبل خمسة عشر سنة من البعثة، أما القول.. بأنه قد تزوجها قبل عشرين سنة من البعثة، فهو شاذ بحسب معايير الأخ الكريم!!، فكيف يأخذ هنا بالقول الشاذ، ويترك ما عداه؟!.

خامساً: إنه يريد أن يرجح الرأي الذي يقول: إن خديجة قد تزوجت قبل عشرين سنة من البعثة، ونحن ليس لدينا مانع من قبول ذلك، إذا كان لديه شاهد ودليل على هذا الترجيح.

سادساً: أما ما ذكره من أننا لا بد أن نحكم بخطأ تاريخ ولادة البنات، فلا يمكن أن يسمع منه، إذ لماذا لا نقول بصحة ذلك التاريخ، وخطأ القول بأنهن بنات للرسول [صلى الله عليه وآله].. بل بنات الرسول غير هؤلاء، واسمهن ايضاً زينب، وأم كلثوم، ورقية. وأنهن قد متن صغاراً. وليس لأحد أن يصنع تاريخ ولادات ووفيات على خاطره، بل لا بد له من شواهد على ما يريد أن يدعيه..

ونحن حين قلنا: إنهن لسن بنات للرسول [صلى الله عليه وآله]، بل هن ربيبات له، قد جئنا بأدلة وشواهد لإثبات ما ندعيه..

إن شانئك هو الأبتر:

وحين تعرض الأخ الكريم!! لاستدلالنا بسورة الكوثر، لم يجد ما يتمسك به سوى القول بأن الاضطراب في الروايات موجود، فلا بد من البحث لتمييز الصحيح من السقيم، والأخذ بما يصح الاعتماد عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 116/

أو طرح الموضوع من أساسه، لئلا يختلط بالثابت القطعي..

وأما الاهتمام برواية من أجل راو أو كتاب وردت فيه، فلا يظن بالسيد أن يصير إليه، ثم قال عنا:

«ولكنني احترت في تفسير انحيازه إلى رواية جاءت في مختصر تاريخ دمشق، وترك أخوات لها رويت بنفس السياق، فإلى جانب الرواية التي صدَّر بها الفصل الثالث من كتابه رواية أخرى عن ابن عباس تقول: إن القاسم ولد بعد زينب»..

إلى أن قال: «وفيه رواية أخرى عن الزهري تجعل الصديقة هي صغراهن..»(1).

ونقول:

أولاً: إن ما ذكرناه من نزول سورة الكوثر لا يتوقف الإستدلال به على رواية ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق، لأن ملخص الدليل هو أن القاسم مات، وقد نزلت سورة الكوثر في مناسبة موته، سواء أكان قد ولد قبل البعثة أو بعدها..

فإذا كان عمره حين وفاته سنتان، أو أربع، أو غير ذلك من الأقوال، والمفروض أنه هو أكبر أولاده [صلى الله عليه وآله]، وكانت وفاته بعد البعثة، فمع كون عمر البنات أقل من عمر القاسم، كيف يكنَّ قد

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص302.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 117/

ولدن في الجاهلية، وتزوجن في الجاهلية أيضاً؟!!

ثانياً: قوله: إن هناك رواية عن ابن عباس تقول: إن زينب قد ولدت قبل القاسم.. غير مقبول، وذلك لما يلي:

أ ـ إنه وفقاً لموازين هذا الأخ الكريم!!، لا بد من رفض هذه الرواية، لأنها رواية شاذة ـ حسب تعابيره ـ فلماذا يأخذ بالشاذ؟!، وما هو المرجح الذي اعتمد عليه في ذلك؟! وما هو الشاهد له؟!

أما نحن، فإننا حين أخذنا بالرواية المقابلة، فقد كان شاهدنا الموجب لترجيحها هو سائر الأدلة التي أوردناها في كتابنا والتي دلت على أن البنات لسن بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله]، بل هن ربائبه.. وهذا هو ما يفسر انحيازنا إلى الرواية التي ذكرناها..

ب ـ إنه حتى لو كانت زينب قد ولدت قبل القاسم، فإن ذلك لا يحل مشكلة رقية وأم كلثوم.. اللتين تزوجتا بابني أبي لهب في الجاهلية..

بل إنه إذا صح الكلام في هاتين، فلا بد أن يصح في زينب أيضاً، إذ هناك إجماع ـ وفق تعابير الأخ الكريم!! ـ على أن حكم البنات الثلاث واحد، ولا يوجد فصل في ذلك بين زينب وبين أخواتها..

ثالثاً: أما بالنسبة للقاعدة التي أسسها من أنه لا بد من طرح الموضوع مورد الخلاف، لكي لا يختلط بالثابت القطعي..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 118/

فقد ذكرنا أكثر من مرة: أنه لا يوجد ثابت قطعي في مسألة.. البنات، وأن الإجماع الذي ادعاه الأخ الكريم !! لا يصح، وذلك لما يلي:

أ ـ إن الإجماع غير موجود من أصله، وذلك لخلاف الكوفي وجماعة، على حد تعبير الأخ الكريم!! نفسه..

ب ـ إن الذين ذكرهم ليظهر الإجماع من خلالهم هم من العامة الذين ذكر في بداية كلامه أنهم قد شوهوا الدين، وأنه لا حجية لأقوالهم، ولا عبرة بإجماعهم..

ج ـ إن إثبات هذا الإجماع يتوقف على تصريح الجميع بمورد الإجماع، وإعطاء رأيهم فيه بصراحة.. وليس الأمر في مورد البنات كذلك.. نعم هو مشهور بينهم. ورب مشهور لا أصل له.. وقد قام الدليل على خلافه..

د ـ لو صحت هذه القاعدة لم يبق شيء من الحقائق.. ولو جرت في الدبن والإسلام، فسوف لن يبقى من الدين إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه. وذلك واضح لا يحتاج إلى بيان.

الكيل بمكيالين:

وقال الأخ الكريم!!، حول الأقوال المختلفة في ولادات البنات الثلاث: «والمسألة اكتنفتها أقوال كثيرة مختلفة، وصارت تضطرب في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 119/

الاختلاف والتضاد، وسيدنا المرتضى العاملي وفق لحشد شواهد مهمة، وبنى عليها مذهبه في رد نسب بنات النبي الثلاث، وقد استطاع أن يستأنس بقول صاحب الاستغاثة الشاذ، كما يستأنس الوحش النافر..

وهو والحق يقال: قد أحسن في رد المسلمة التاريخية من كون السيدتين ، تزوج بهما ابنا أبي لهب، ومن بعده عثمان، لما وضع من الشواهد المانعة من ذلك..

وهو إن كان قصد من البحث هذه النتيجة، فحياه الله وبياه، أما إذا كان الهدف نفي بنوتهن من النبي [صلى الله عليه وآله]، فإن ذلك لا يتم له، لأنه يؤدي إلى الشك في وجودهن من رأس.. بل يؤدي إلى الشك في وجود أبناء النبي مطلقاً، ذكوراً وإناثاً، ما عدا سيدة النساء [عليها السلام]، حتى إبراهيم. فقد كثرت فيه أقوال الرواة في سنة وفاته، وولادته، بل من الشانئين من نفي كونه ابن رسول الله..

ومن الممكن أن يسري الأسلوب الذي اتخذه السيد في كتابه في أكثر قضايانا التاريخية، فما من قضية إلا وفيها غير قول واحد..».

ثم ذكر اختلاف الأقوال في ولادات الأئمة والسيدة الزهراء، ووفياتهم، وتفاصيل حياتهم، ثم قال: «.. وحينئذ لا بد من موقف وسط يحفظ لنا عقولنا من أن تكون في رجرجة الزليق. وذلك أن نعمد إلى المسألة المجمع عليها، أو مورد الاتفاق من الأكثر، فنأخذ بها، ونترك ما عدا ذلك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 120/

ولم يتعبدنا الله في غير أصول الدين بأكثر من هذا»(1).

ونقول:

أولاً: إن هذا الأخ الكريم!! قد أعلن عن الرضا، وجهر بالثناء على ردنا للمسلمة التاريخية من أن ابني أبي لهب قد تزوجا برقية وأم كلثوم، وذلك لما أوردناه من شواهد مانعة من ذلك..

وهذا أمر عجيب من إنسان لم يزل يهاجمنا بدعوى أننا قد رددنا المسلمة التاريخية، واعتبر ذلك عظيمة من العظائم، وجريمة من الجرائم.. رغم أنه هو أيضاً قد اعترف بأننا قد استطعنا «أن نستأنس قول الاستغاثة الشاذ (على حد تعبيره) كما يستأنس الوحش النافر».

فكيف يستبشع الشاذ، ويستفظع رد المسلمة التاريخية هناك، ولا يستبشع أو يستفظع ردها هنا؟!.. ولماذا جرّت الباء هنا، ولم تجرّ هناك؟!..

علماً بأن التسالم على هذا المورد أوسع، وأظهر، وأبين في كلمات الرواة والمؤرخين هنا منه في موضوع كون البنات بنات لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، أم ربائب له.. وذلك لوجود مخالفين في موضوع الربائب.. ولم نجد في موضوع الزواج بابني أبي لهب مخالفاً.

ثانياً: إن هذا الأخ الكريم!! قال: إن كنا نقصد من رد المسلمة التاريخية نفي زواج ابني أبي لهب بالبنات، فحيانا الله وبيانا، وإن كان

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص302 و303.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 121/

هدفنا نفي بنوة البنات للرسول [صلى الله عليه وآله]، فذلك لا يتم لنا، لأنه يؤدي إلى الشك في وجود أصل البنات للرسول [صلى الله عليه وآله]، بل والشك في وجود أصل الأبناء له [صلى الله عليه وآله]، حتى إبراهيم!!..

ونقول:

أ ـ لا ندري، كيف يكون نفي بنوتهن له [صلى الله عليه وآله]، يوجب نفي أصل وجودهن!! وقد قلنا مراراً وتكراراً: إن الاختلاف في الروايات ليس هو السبب في نفي البنوة، بل السبب هو الأدلة العديدة التي أقمناها على ذلك..

ب ـ لماذا لا يكون نفي زواجهن بابني أبي لهب أيضاً، وفقاً لمنطق هذا الأخ الكريم!! موجباً لنفي وجودهن أيضاً، أو لنفي وجود ابني أبي لهب كذلك؟!

ج ـ لماذا يكون الاختلاف في بنوتهن سبباً في نفي وجودهن؟! فإن وجودهن لم يختلف فيه أحد.. كما أن أحداً لم يشك في وجود إبراهيم، ولم ينفه. ولا اختلاف في أصل وجود القاسم..

فمن أين جاءت هذه الملازمة، وهي أن الشك في تاريخ الولادة والوفاة، وفي البنوة لرجل، أو لآخر تكون سبباً للشك في أصل الوجود؟!..

ثالثاً: إذا كان القرار هو الأخذ بالمجمع عليه فقط، وترك ما فيه أقوال مختلفة، وأن الله لم يتعبدنا في غير أصول ديننا بأكثر من هذا..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 122/

وذلك لكي لا تقع عقولنا في رجرجة الزليق.. فإن معنى ذلك أن لا يبقى من الدين والتاريخ، وكل شيء إلا صبابة كصبابة الكأس.. مما لا يسمن ولا يغني من جوع.

رابعاً: إنه قد استثنى من قاعدته هذه أصول الدين.. وسؤالنا هو: لماذا جاء هذا الاستثناء؟! فإنه حتى التوحيد أيضاً قد اختلفوا فيه، واختلفوا في صفات الله تعالى.. فهل نترك الاعتقاد بصفاته سبحانه.. ونقول يكفي الاعتقاد بوجود الله سبحانه فقط؟! ونقول يكفي الاعتقاد بوجود الله سبحانه فقط؟! بل هم قد اختلفوا في أصل وجود الله، فهل نترك ذلك، ونأخذ بالمجمع عليه؟!

واختلف الناس كذلك في نبوة نبينا [صلى الله عليه وآله]، وفي القرآن والإسلام، والآخرة و.. و.. فهل نترك ذلك، حتى لا تقع عقولنا في رجرجة الزليق؟!

إن القاعدة التي أطلقها هذه الأخ الكريم!! لا بد من الأخذ بها في جميع موارد صدقها.. ولا يصح تطبيقها انتقائياً.. فإن ذلك ينقض حقيقة كونها قاعدة..

وذلك ظاهر لا يخفى.

خامساً: إن الأخ الكريم!! قد خاف من أن يسري الأسلوب الذي اتبعناه إلى أكثر قضايانا التاريخية..

ونقول له:

أ ـ إنه إذا كان هذا هو الأسلوب الذي لا بد منه في تحقيق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 123/

القضايا، فأي مانع يمنع من سريانه؟!

وهل معنى ذلك لزوم سد باب البحث العلمي، والاكتفاء بتتبُّع الأقوال، وتمييز المسلمات عن غيرها، فيؤخذ بها، ويطرح ما عداها؟!! فلماذا إذن نحتاج إلى العلماء، وإلى الباحثين؟! ولماذا نحتاج إلى الحوزات، وإلى الدراسات، وإلى مراكز البحوث؟!

ب ـ إنه ليس بالضرورة أن يأتي البحث العلمي بالنتيجة السلبية دائماً.. فلكل قضية وجوهها، ومقوماتها، وعناصرها، وأدواتها التي تناسبها وقد تكون النتيجة سلباً تارة، وإيجاباً أخرى.

وأخيراً.. نقول: إننا عبيد الدليل، كيفما مال نميل.. وليس لدينا أي خشية من الأخذ بما تسوقنا إليه الشواهد، وهذا هو ما تعبدنا الله به، وليس لنا أن نحيد عنه قيد شعرة.. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله..

اعتماد الروايات الشاذة:

وقال الأخ الكريم!!: «وأرى السيد يعمد إلى الرواية الشاذة، فيدعم بها رأيه، من قبيل زواج سيدتنا خديجة [عليها السلام]، فإنها رواية شاذة، مردودة من العلماء، تقول: إن النبي بنى عليها قبل البعثة بعشر سنين، أو خمس سنين، أو ثلاث سنين.

وهذه أقوال لا شك في ضعفها، بل تفاهتها. ذكرها السيد ليوحي إلى القارئ باستحالة ولادة بنت النبي في هذه المدة القصيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 124/

وجعل السيد إمكان ولادتهن فيما إذا كان زواج النبي [صلى الله عليه وآله]، من خديجة بزمن مبكر.. وقد روى المؤرخون هذا الزمن المبكر، من قبيل قولهم: إن زواج النبي منها كان قبل البعثة بعشرين سنة. ولكنه سماه شاذاً، ليسلم له ما يريد»(1).

ونقول:

أولاً: إن القول بولادتها قبل البعثة بعشرين سنة ليس هو المشهور، بل هو وفقاً للقاعدة التي أسسها الأخ الكريم!!، رواية شاذة، فلماذا لجأ إليه؟! هل ليتمكن من دعوى ولادة البنات في تاريخ متقدم على التاريخ المشهور؟! مع أنه هو الآخر تاريخ مخترع لهذا الأخ الكريم!!، ومما أجمعت الأمة على خلافه، لأن أحداً منها لم يقل به، بل الكل قائلون بسواه؟! فإذا كانت قاعدته التي يصول ويجول معتمداً عليها، ومستنداً إليها صحيحة، فكيف خالفها هنا؟! وأعلن هذه النتائج الغريبة عنها بالفم الملآن!!

ثانياً: إن هناك مؤيدات وشواهد، وأدلة قوية تدعم وتؤكد صغر سن أولئك البنات في وقت الزواج المدعى بهن في الجاهلية, لو صح أنهن ولدن قبل البعثة.. أما هذا التاريخ المخترع الذي جاء به هذا الأخ الكريم!! فلا شاهد له، ولا دليل عليه..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص303.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 125/

ثالثاً: من الذي تصدى لرد الرواية التي تقول: إن خديجة [عليها السلام] قد تزوجت بالنبي [صلى الله عليه وآله]، قبل البعثة بثلاث، أو بخمس، أو بعشر سنين؟! وما هو الدليل الذي استدلوا له على بطلان هذه الرواية؟!

إن غاية ما فعلوه هو أنهم رجحوا الرواية الأخرى، إما متابعة لابن إسحاق.. أو لغير ذلك من أمور، يصفها الأخ الكريم!! عادة بالاستنسابية، ولا يرضاها هو شاهداً ولا دليلاً.. وقد تقدم ذلك منه في نفس هذا البحث..

رابعاً: إننا نأمل أن يدلنا الأخ الكريم!! على المعيار الذي يستند عليه في الحكم على رواية مّا بالتفاهة والسقوط!!

خامساً: إن حكمنا على رواية زواجها بالنبي [صلى الله عليه وآله]، قبل البعثة بالشذوذ إنما هو استناداً إلى قاعدة هذا الأخ الكريم!! نفسه.. فإن أحداً ممن ذكرهم من ص289 إلى ص294 لم يقل بهذا القول ولم يذهب إليه..

سادساً: وأخيراً.. نقول: إننا لا نريد أن نوحي للقارئ الكريم باستحالة ولادة بنات النبي في هذه المدة القصيرة.. كما ذكره الأخ الكريم!!.

بل نريد أن نقول إن هذه الأقوال تجعل من الزواج بمن ولدت في هذه المدة القصيرة، ثم طلاقها، حتى تزوَّج رجل آخر بها، وحملت منه وأسقطت.. مما لا مجال للمساعدة عليه، إذا أخذنا هذه الأقوال بنظر الإعتبار..

ولم نتحدث عن استحالة الولادة، ولم نشر إلى ذلك..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 126/

هجرة أم كلثوم:

وحول ما قلناه: عن أن النبي [صلى الله عليه وآله]، لم يكن ليكلف علياً [عليه السلام] بالإتيان بالفواطم، وعلى رأسهم ابنته فاطمة، ثم يترك ابنته الأخرى في مكة، بلا كافل ولا ناصر..

قال الأخ الكريم!!: «ربما كان السكوت عن ذكر هجرتها لعدم اقترانه بحادثة مهمة، كما جرى لأختها زينب..».

إلى أن قال: «وهناك كثير من النساء لم تذكر لهن هجرة، وإن كن هاجرن فعلاً، لأن هجرتهن لم تصحب بحوادث..

ثم ما الذي يمنع أن تكون من الفواطم، ولكنها لم تفرد بالذكر، لأن لفظ الفواطم يشملها، وهو من باب التغليب، وإفراد أم أيمن بالذكر، لأن لفظ الفواطم لا يستوعبها، من حيث كونها أجنبية عنهن.

وسواء قلنا ببنوتها للنبي [صلى الله عليه وآله]، أم نفينا ذلك، كما فعل الكوفي ومن تابعه، فإن وجودها بالمدينة، وموتها، ووقوف النبي [صلى الله عليه وآله]، على قبرها لا يكاد ينكر، فلا بد من كونها قد هاجرت..

اللهم إلا أن نقول بولادتها في المدينة. وهذا لا يقول به أحد من الناس، أو بنفي وجودها أصلاً كما صار إليه الكوفي..

وأحسب السيد تابعه على ذلك، كما سبقت الإشارة إليه»(1).

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص303 و304.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 127/

ونقول:

أولاً: إن ما ذكرناه ليس هو أن هجرة أم كلثوم لم تذكر في الكتب التاريخية، بل قلنا: إنها لو كانت بنتاً لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، لكان اللازم هو أن يطلب من علي [عليه السلام] أن يأتي بها من مكة، ولا يقتصر على الإتيان بأختها فاطمة وحسب.

ثانياً: بل لقد ذكرت النصوص: أن أبا بكر قد حاول أن يقنع النبي بترك قباء، ودخول المدينة، فقال: «ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي، وأخي، وابنتي، يعني علياً وفاطمة [عليهما السلام]»(1). فهو [صلى الله عليه وآله] لم يشر إلى ابنته الأخرى، فلماذا سكت عنها يا ترى؟!

ثالثاً: إن هجرة أم كلثوم قد ذكرت.. ولكن لا مع علي [عليه السلام]، بل مع زيد بن حارثة(2) الذي كان النبي [صلى الله عليه وآله]، قد أرسله من المدينة إلى

ـــــــــــــــ

(1) راجع في هذا النص، وفي هجرة الفواطم المصادر التالية: أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص83 و84 والفصول المهمة لابن الصباغ ص35 وأعلام الورى ص66 والبحار ج19 ص64 و106 و115 و116 و75 و76 وراجع ج22 ص266 وشجرة طوبى ج1 ص65 و66 والمناقب لابن شهر آشوب ج1 ص159 وروضة الكافي ص340 والخرائج والجرايح، وكشف الغمة للأربلي ج2 ص33 والأنوار العلية ص49 والسيرة الحلبية ج2 ص53 وثمة مصادر كثيرة أخرى لا مجال لاستقصائها..

(2) تاريخ الخميس ج1 ص354 والإمتاع ج1 ص49 وأنساب الأشراف ج1 ص269.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 128/

مكة، فجاء بها وبغيرها، مثل سودة بنت زمعة، وأسامة بن زيد.. بل وأضاف أولئك أم أيمن، وفاطمة أيضاً.. وذلك للتشويش على هجرة علي [عليه السلام] بالفواطم.. أو لأجل دفع الإشكال الذي سجلناه..

رابعاً: أما كون السكوت عن ذكر هجرتها بسبب عدم اقترانه بحادثة مهمة.. فهو كلام عجيب، فهل اقترنت هجرة فاطمة بحادثة

مهمة؟! وهل اقترنت هجرة أم أيمن بحادثة مهمة؟! وهل اقترنت هجرة سودة بنت زمعة، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأبي واقد وغيرهم، بحوادث مهمة؟!

خامساً: أما قوله: إن لفظ الفواطم يشملها، ولا يشمل أم أيمن.. فهو غريب أيضاً، فإن كان الميزان بالشمول كونها من أهل بيته [صلى الله عليه وآله]، فإن فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ليست من بناته [صلى الله عليه وآله]، وكذا فاطمة بنت أسد.

وإن كان ذلك لأجل التشابه في الأسماء ثم غلب اسم «البعض» على جميع من حضر لأجل حضورهن، فإن أم أيمن كانت حاضرة أيضاً..

والقول بأن أم أيمن كانت أجنبية عنهن، غير مفهوم، لأن أم كلثوم أيضاً أجنبية عن فاطمة بنت أسد، وبنت الزبير.. وهي أجنبية من ناحية تشابه الأسماء: «فواطم»، فلا فرق بينها وبين أم أيمن من هذه الجهة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 129/

سادساً: إننا حين تحدثنا عن عدم ذكرها بين الفواطم اللواتي جاء بهن علي [عليه السلام] لم نقصد بذلك أن نثبت أنها لم تهاجر أصلاً، أو أنها لم تخلق في هذا العالم، بل قصدنا: أنها لو كانت بنت النبي [صلى الله عليه وآله]، لطلب من علي أن يأتي بها، بل كان علي قد أتى بها من دون طلب..

فما معنى قوله: «إن وجودها بالمدينة وموتها، ووقوف النبي [صلى الله عليه وآله]، على قبرها لا يكاد ينكر، فلا بد من كونها قد هاجرت».

وأخيراً، فإن هذا الأخ الكريم!! تارة يقول: إننا قد تابعنا الكوفي على نفي بنوتهن للرسول [صلى الله عليه وآله]..

وأخرى يقول: وأحسب السيد تابعه على ذلك!! فما هذا اليقين تارة، والشك أخرى؟!

زينب بنت النباش:

وعلق هذا الأخ الكريم!! على كلامنا: بأن «البعض» يقول: إن خديجة قد ولدت للنباش بنتاً اسمها زينب.. قال: «لو صحت هذه الرواية، فماذا يمنع من كونهما زينبين. وقد سمت خديجة ابنتها من النبي بتلك التي ولدتها من غيره إحياء لذكراها، لأننا نحسبها توفيت، لانقطاع ذكرها بعد زواج خديجة من النبي [صلى الله عليه وآله]..».

إلى أن قال: «ينبغي على السيد أن لا يعتد بهذه الرواية، لأنها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 130/

تخالف مذهبه في رد زواج سيدتنا خديجة بغير النبي [صلى الله عليه وآله].

فهو وإن كان أشار إلى هذا المعنى، ولكنه لم يردّ الرواية، بل قبل بعضها، ورد البعض الآخر..»(1).

ونقول:

أولاً: إننا بنفس المنطق الذي نحا إليه هذا الأخ الكريم!! هنا، نقول له: لماذا لا يكون هناك زينبان؟!

إحداهما: بنت الرسول، وقد ماتت وهي صغيرة.

والأخرى: بنت ربتها خديجة، حفظاً ووفاء لأختها.. وتكون تسمية زينب هذه الصغيرة تعبيراً منهم لتلك الكبيرة عن محبتهم وإعزازهم لها.

ثانياً: لماذا يفرض أن زينب بنت النباش قد توفيت؟ ولا يفرض أنها هي نفس هذه التي تزوجها عثمان؟.. وهي ربيبته [صلى الله عليه وآله]، وتنسب إليه بهذا الاعتبار، فإن ذاك الاحتمال إذا كان وارداً وجائزاً فما هو المبرر لأن يرفض الاحتمال الآخر الذي يقابله..

مع أن الاحتمال الذي قبله متوقف على إثبات حقيقة لا يملك عليها دليلاً ولا شاهداً، وهي أن تكون زينب الأولى قد ماتت..

ثالثاً: لماذا يفرض أن خديجة هي التي أطلقت اسم زينب على هذه، تخليداً لذكرى تلك؟!.. ما هو شاهده على ذلك؟!

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص304.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 131/

رابعاً: إذا كان قد فرض: أن عدم ذكر هجرة أم كلثوم، إنما هو لعدم اقترانها بحدث بارز كما تقدم، فلماذا لا يفترض: أن زينب بنت النباش بقيت حية، ولم يتحدث عنها المؤرخون لعدم وجود حدث بارز في حياتها يدعوهم لذكرها..

خامساً: أما قوله: إنه يجب أن لا نعتد بهذه الرواية لأنها تخالف مذهبنا في أن خديجة لم تتزوج بأحد قبل الرسول.. فهو غير سديد، إذ أن للباحث أن يلزم الطرف الآخر بالأمور التي لا ينكرها، وإن كان الباحث نفسه يرفضها لأدلة قامت عنده.. فنحن لم نقبل الرواية، لا من حيث الكل ولا من حيث البعض.. وإنما أوردناها لنلزم بها من يرى أن خديجة قد تزوجت برجل آخر غير رسول الله [صلى الله عليه وآله]..

رواية الصنعاني:

وحول رواية الصنعاني التي يقول فيها عن أبي العاص: «وكان زوجاً لبنت خديجة»، ثم نسبت الرواية زينب إلى النبي [صلى الله عليه وآله]، حيث قلنا: لعل المراد بها البنوة بالتربية..

قال: «إن هذه إحدى العجائب، حين تكون نسبة الولد إلى أمه إيذاناً بنفيه من أبيه. وعليه يكون الفاطميون الذين حكموا نصف العالم الإسلامي زهاء القرنين والنصف، ليسوا من علي [عليه السلام]، لأن المؤرخين نسبوهم إلى أمهم فاطمة..».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 132/

وقال: «وتوجيه السيد العاملي بكون المراد منها البنوة بالتربية ما هو إلا التلاعب بالألفاظ، والحكم على شيء واحد بحكمين متغايرين، لمجرد التشهي»(1).

ونقول:

أولاً: إذا كان الزوج هو الأعظم والأشرف، ويتشرف كل الناس بالنسبة إليه، فما معنى نسبة الولد إلى الأم في حديث مبتدأ، وحيث لم يكن هناك أي داع لنسبته إلى الأم؟!..

ثانياً: إن الفاطميين إنما نسبوا أنفسهم إلى فاطمة، ليؤكدوا صلتهم بالرسول [صلى الله عليه وآله]، فلهم غرض من هذه النسبة هام جداً ومصيري، لأن ادعاءهم للخلافة إنما هو مـن خلال فاطمة الزهراء [عليها السلام]، وذلك في مقابل العباسيين الذين كانوا يصرون على نفي انتساب الفاطميين للرسول [صلى الله عليه وآله]، وذلك لنفي صلاحيتهم لمقام الخلافة..

ثالثاً: أما دعوى التلاعب بالألفاظ، لو كان المراد بذيل الرواية هو البنوة بالتربية، فهو مجرد اتهام، لأن صدر الرواية يكون هو القرينة على المراد من ذيلها.. فكيف إذا كان ثمة قرائن وأدلة أخرى تؤكد إرادة البنوة بالتربية دون سواها؟!..

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص305.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 133/

التجني على الجزائري [رحمه الله]:

قال الجزائري [رحمه الله]، وهو يجيب على قول الرازي: «أما عثمان فهو وإن شاركه في كونه ختناً. انتهى».

أقول: الأختان اللتان أخذهما عثمان، هما رقية وأم كلثوم، تزوجهما عتبة بن أبي لهب، قبل أن يدخل بهما، ولحقهما منه أذى، فقال النبي [صلى الله عليه وآله]، اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، فتناوله الأسد من بين أصحابه. وتزوجها بعده بالمدينة عثمان بن عفان، فولدت له عبد الله، ومات صغيراً، نقره ديك على عينيه، فمرض ومات. وتوفيت بالمدينة زمن بدر، فتخلف عثمان على دفنها، ومنعه ذلك أن يشهد بدراً. وقد كان عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه رقية.

والأخرى: أم كلثوم، تزوجها أيضاً عثمان بعد أختها رقية، وتوفيت عنده. وقد اختلف العلماء لاختلاف الروايات في أنهما هل هما من بنات النبي [صلى الله عليه وآله]، من خديجة، أو أنهما ربيبتاه من أحد زوجيها الأولين، فإنه أولاً قد تزوجها عتيق بن عائذ المخزومي، فولدت له جارية، ثم تزوجها أبو هالة الأسدي، فولدت له هنداً بنت هالة، ثم تزوجها رسول الله [صلى الله عليه وآله].. وهذا الاختلاف لا أثر له، لأن عثمان في زمن النبي [صلى الله عليه وآله]، قد كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 134/

ممن أظهر الإسلام، وأبطن النفاق، وهو [صلى الله عليه وآله]، قد كان مكلفاً بظواهر الأوامر، كحالنا نحن أيضاً، وكان يميل إلى مواصلة المنافقين رجاء الإيمان الباطني منهم، مع أنه [صلى الله عليه وآله]، لو أراد الإيمان الواقعي، لكان أقل بقليل، فإن أغلب الصحابة كانوا على النفاق إلخ..»(1). إنتهى كلام الجزائري [رحمه الله].

وقد علق الأخ الكريم!! على كلام الجزائري [رحمه الله] بما لا يمكن قبوله.. فقد قال: «الجزائري [رحمه الله] قاطع ببنوة بنات النبي الثلاث. وقد ذكر ذلك مقدماً على كلامه اللاحق عن عثمان. وأنه عالم بالقول المخالف الشاذ. ومما لا ريب فيه أنه مطلع على حجج أصحابه، فما غيرته من مذهبه، لضعفها..».

إلى أن قال: «وقد ظهر للسيد من أقوال المخالفين: أنهم اضطروا إلى هذا المذهب، تنزيهاً للنبي من تزويجه بناته إلى المشركين، والمنافقين. فأرجعهم إلى الصواب بأن ذلك لا يقدح في عمل النبي، لأنه عامل عثمان على الظاهر..».

ونقول: إن جميع ما نسبه إلى السيد الجزائري [رحمه الله] لا يمكن نسبته إليه..

ـــــــــــــــ

(1) الأنوار النعمانية ج1 ص80 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 135/

وذلك لما يلي:

أولاً: إن الجزائري [رحمه الله] لم يعط رأيه أبداً في موضوع البنات، فلم يؤيد كونهن بنات للرسول [صلى الله عليه وآله]، ولا أيد كونهن ربائب له.. بل لم يشر إلا إلى وجود الخلاف فيهن بين العلماء في ذلك.

ثانياً: إنه لم يشر إلى حجج المخالف الشاذ، على حد تعبير الأخ الكريم!! فضلاً عن أن يظهر أنه مطلع على تلك الحجج، بل تحدث فقط عن الرواية التي ذكرت زواج خديجة برجلين قبل رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وأنه قد ولد لها من أحدهما جارية، ومن الآخر مثلها.. وقال: إن الاختلاف في بنوة البنات وفي عدمها لا يؤثر في موضوع زواج البنات بكافر أو منافق، لأن عثمان كان ممن أظهر الإسلام، وكان الحكم هو التعامل مع مظهر الإسلام وفق ما هو ظاهر منه..

فأين الحديث عن الحجج، ومن أين علم أن الجزائري [رحمه الله] عالم بحجج المخالفين، وأنه خالفها لضعفها؟!..

ابن شهر آشوب ماذا يقول:

وقد ذكر الأخ الكريم!!: أن عبارتنا التي نقلناها عن ابن شهر آشوب توهم أننا ننسب إليه القول بأن رقية وزينب هما ابنتا أختها هالة. ثم ذكر أن هذا تهافت لا يقع فيه ابن شهر آشوب. ومن كان في وزنه لا يصير إلى هذا.. ثم قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 136/

«والظاهر: أن السيد العاملي لم يعثر على هذا القول في الكتب التي ذكرها ابن شهر آشوب، وإلا لسارع إلى إثباتها. وليس من الغريب أن يكون مرجعهم ـ ما عدا البلاذري ـ أبا القاسم الكوفي، فإنه الأصل الأصيل في هذه المسألة»(1).

ونقول:

أولاً: إن ابن شهر آشوب قد ذكر هذه الأقوال وتلك، ولم يصرح بما يتبناه هو، ويذهب إليه..

ثانياً: إن من كان في وزن ابن شهر آشوب ـ على حد تعبير الأخ الكريم!! ـ لا يكذب على العلماء، فينقل عنهم ما لم يقولوه.. فما معنى قول الأخ الكريم!!: «إن العاملي لم يعثر على هذا القول في الكتب التي ذكرها ابن شهر آشوب، وإلا لسارع إلى إثباتها»..

فهل يريد أن يقول: إن ابن شهر آشوب قد كذب في نقله؟!.. وهو بهذا الوزن!!

مع العلم أنه هو نفسه قد مدح ابن شهر آشوب بصورة مميزة ولافتة، وفي هذا البحث بالذات!!.

فإن لم يكن كاذباً أيضاً فمعنى ذلك: أن القول لا ينحصر بأبي القاسم الكوفي، كما يقوله هذا الأخ الكريم!!.. ولا يكون هو الأصل

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص306 و307.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 137/

الأصيل لهذا القول..

ثالثاً: لا ندري لماذا استثنى البلاذري، ولم يستثن غيره من تلك الكتب التي ذكرها ابن شهر آشوب!!..

رابعاً: لماذا كان الكوفي هو الأصل الأصيل في هذه المسألة، ولم يكن البلاذري هو ذلك الأصل الأصيل، فإنه أسبق من الكوفي؟.

الاضطراب في نقل المعلومات:

وقد ذكر: أننا ذكرنا: أن اختلاف المعلومات حول زواج خديجة قبل النبي [صلى الله عليه وآله] دليل على عدم صحة هذا الزواج. كالاختلاف في اسم زوجها: هل هو النباش بن زرارة، أم زرارة ابن النباش؟

ثم ناقش في ذلك، بأن هذا لا يصح دليلاً على نفي وجود أبي هالة، فإن الناس قد اختلفوا في اسم أبي هريرة، وكنيته، واسم أبيه.. فهل لم يكن لأبي هريرة وجود؟(1).

ونقول:

أولاً: إننا لم ندع أن الاختلاف في اسم أبي هالة دليل على عدم وجود نفس أبي هالة، بل قلنا: إن وجود التناقض في المعلومات، يوجب اليقين بعدم صحة أحد النقيضين، ويبقى الآخر محتملاً، لا

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص307.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 138/

مجال لليقين به إلا بدليل.. وذلك يضعف من درجة الاعتماد على تلك الروايات.

ثانياً: إننا لم ندع أن ذلك جعلنا نتيقن بالنفي، بل قلنا: إن ذلك أوجب شكنا في صحة المنقول.. وأنه يدعونا إلى البحث حوله للتأكد من صحته.. فلماذا يقوّلنا ما لم نقله؟!

هجر نساء قريش لخديجة لا يصح:

وقد ذكر الأخ الكريم!! أيضاً: أن حديث الكوفي عن هجر نساء قريش لخديجة، بسبب زواجها من النبي يتيم أبي طالب.. لا يصح، لأنه يصور النبي منبوذاً في قومه لا يرغب فيه أحد..

ونقول:

أولاً: إن كتابنا ليس موضوعاً لمناقشة هذا الأمر، وعلينا أن نقتصر في بحوثنا فيه على موضع الحاجة مما نرى أن له فائدة في البحث.

ثانياً: إننا قد تحدثنا عن عدم صحة وصف النبي باليتيم في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم [صلى الله عليه وآله] فراجع..

ثالثاً: إن أهل الفضل والاستقامة كانوا مكروهين دائماً من أهل الانحراف، فغضب نساء قريش منها، لأنها تزوجت ممن يعادي انحرافهم، يصبح أمراً ممكن الحصول. فلا معنى لنفيه بهذه الطريقة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 139/

هالة.. وخديجة بمنزلة واحدة:

وقد ذكر الأخ الكريم!! أنه «إذا ما تملك أبا القاسم الكوفي وصاحبه العاملي العجب من زواج امرأة من قريش في وزن خديجة من أعرابي، بوال على عقبيه، لا قيمة له ولا شأن كما نعته.. فإننا نعجب من زواج أختها به!! وهل هما إلا بمنزلة واحدة؟! وإنما زادت خديجة رفعة على بنات قومها بما حباها الله من فضل اقترانها بسيد الأنبياء، فكيف سمحت قريش بزواج هذا الأعرابي من هالة؟!»(1).

ونقول:

أولاً: إننا لم نقل: إنه يجب على قريش أن تمنع من زواج خديجة أو أختها بأعرابي؛ فإن النساء هن من يقرر الزواج أو عدمه، بأي كان من الناس.. فلماذا يسوق الحديث بهذه الطريقة؟!

ثانياً: هناك فرق بين البنات، حتى الأخوات، فتجد هذه تقبل بالزواج من أعرابي، بوال على عقبيه، وتلك ترفض الزواج من عظماء قريش. وحينئذ لا بد من مطالبة كل واحدة منهما ومحاسبتها وفق هذا التوجه السلوكي العام منها..

وبذلك يصح زواج هالة من أعرابي بوال على عقبيه، ولا يصح زواج خديجة منه، بعد أن رفضت عظماء قريش.. وهي التي لم تفكر

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ص308

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 140/

إلا بمن هو مثل رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وذلك ظاهر لا يخفى..

أوتيت صهراً مثلي:

وحول حديث: «أوتيت ثلاثاً لم يؤتهن أحد ولا أنا، أوتيت صهراً مثلي، ولم أوت أنا مثلي إلخ..»

قال الأخ الكريم!!: «الذي نفاه هو أن يكون أحد مثله صهراً، وإن كان له أصهار ليسوا مثله، فلم ينف مطلق الصهرية، بل الموصوفة بصفات النبي [صلى الله عليه وآله]، وهذا صحيح»(1).

ونقول: إن هذا الأخ الكريم!! لم يلتفت إلى المراد بالرواية، ففسرها بعكس المقصود منها..

فالمقصود بالرواية هو: أن لعلي [عليه السلام] فضيلة ليست لغيره، وهو أن له صهر [أي أبو زوجة] هو رسول الله [صلى الله عليه وآله].. وليس لأحد أبو زوجة هو رسول الله [صلى الله عليه وآله]..

فهذه الرواية تنفي أن يكون النبي أباً لزوجة عثمان، وصهراً لعثمان، أو لأبي العاص، بل هو صهر لعلي [عليه السلام] دون سواه. وقد صرح اللغويون بأن الصهر هو الختن. وكأن الأخ الكريم!! قد فهم من كلمة [صهر] هو زوج البنت،

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص308.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 141/

وأن المراد بهذه الكلمة هو علي، وليس الأمر كذلك..

وحتى لو فرضنا صحة ما فهمه. فإنه لا يصح من النبي [صلى الله عليه وآله] أن يقول: إن هذا الشرف من مختصات علي [عليه السلام]: «أوتيت ثلاثاً لم يؤتهن أحد ولا أنا» إذ أن عثمان وأبا العاص حسبما يقوله هذا الأخ الكريم!! كانا شريكين لعلي [عليه السلام] في ذلك..

ابن عم الرسول وختنه:

وحول الاستدلال برواية ابن عمر التي يقول فيها: «وأما علي، فابن عم رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وختنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون».

قال الأخ الكريم!! ما ملخصه: إن الزهراء ليست كسائر بناته [صلى الله عليه وآله]، فالزواج مدعاة للفخر والاعتزاز، وابن عمر يقصد هذا طبعاً، بل صرح بذلك في أحاديث أخرى رويت عنه.. وقوله: هذا بيته حيث ترون، يشار به إلى موضوع سد الأبواب، إلاّ باب علي [عليه السلام](1).

وأقول:

أولاً: إن الأخ الكريم!!: قد حذف كلمة «وختنه» من الرواية.. فهل سقطت سهواً من القلم؟!.. ولماذا لم يسقط سواها يا ترى؟!!

ثانياً: إن ابن عمر قد استدل بكون علي [عليه السلام] ختناً لرسول الله [صلى الله عليه وآله]، أي صهراً له، لا بكونه زوجاً للزهراء روحي فداها..

ـــــــــــــــ

(1) راجع: فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسات في محاضرات ص309.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 142/

ثالثاً: إن الاستدلال إنما هو بهذا الحديث المنقول، لا بما في القلوب، مما لم يدل عليه دليل، أو دل هذا الحديث على غيره..

رابعاً: من أين علم الأخ الكريم!! بأن ابن عمر يقصد هذا؟! فإن كان قد علم ذلك من نفس هذا الحديث، فدلالة الحديث قاصرة عن إفادة ذلك، وإن كان قد علمه من الأحاديث الأخرى.. فإن تلك الأحاديث لا تحصر قصود ابن عمر في مضامينها، خصوصاً إذا كان هناك ما يدل على وجود مقصود آخر له، كهذا الحديث.. فلكل مقام مقال..

وأما الفقرة الأخيرة من كلام ابن عمر، فليست هي موضع الاستدلال.. على أننا لا نوافق الأخ الكريم!! على ما فهمه منها.. بل القصد هو الإشارة إلى أنه [صلى الله عليه وآله] قد خلط علياً [عليه السلام] بنفسه.. وجعل بيته في جملة بيوته إيثاراً له [عليه السلام] على كل أحد، فلا يقاس به سواه صلوات الله وسلامه عليه..

مصاهرته [صلى الله عليه وآله] أبا العاص:

وقد استدل بما روي عن رسول الله [صلى الله عليه وآله] عن أبي العاص: فلقد صاهرنا وحمدنا مصاهرته حسبما ذكره أبو القاسم الكوفي..(1).

ونقول:

أولاً: إن هذا الأخ الكريم!! لم يزل يهاجمنا لأننا استشهدنا بكلام

ـــــــــــــــ

(1) الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص109 عن الإستغاثة ص78.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 143/

صاحب الاستغاثة في هذا الموضوع.. مع أن استشهادنا به قد ورد في جملة شواهد كثيرة أوردناها في كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه»..

وهو لم يزل يصر على أن مؤلف هذا الكتاب هو الذي وضع [أكذوبة]!! أن هؤلاء البنات لسن بنات رسول الله [صلى الله عليه وآله].. وقد اتهمه بالكذب وبمختلف التهم القاسية، وأوسعه تجريحاً وتنقصاً، فكيف يستشهد هنا بكلامه؟! ولِمَ لا تكون هذه الرواية أيضاً مما اختلقه الكوفي كما اختلق ـ حسبما يقول هذا الأخ!! ـ قصة نفي بنوتهن لرسول الله [صلى الله عليه وآله]؟!.. وهل يصح الكيل بمكيالين؟!

ثانياً: إن كلمة صهر ليست نصاً في الزواج بالبنت، بل إن من معانيها القرابة، وأهل بيت المرأة، وأبو العاص بن الربيع هو ابن أخت خديجة [عليها السلام] لأن أمه هي هالة بنت خويلد..

إذن، فليس استعمال كلمة صهر في القرابة.. أو في قرابة المرأة من المجاز، ولا هي على سبيل الهزل كما يقول الأخ الكريم!!(1) بل هو على نحو الحقيقة..

قد نلت من صهره ما لم ينالا:

وقد استدل الأخ الكريم!! بما نقل عن علي [عليه السلام]: أنه قال لعثمان: «وقد نلت من صهره ما لم ينالا».

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 144/

فذكر: أن التجوز في إطلاق الصهر على الربيبة لو صح، فإنما كان ذلك قبل نزول آية: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) وأما بعد نزول هذه الآية التي نسخت أعراف الجاهلية في التبني فلا يجوز أن يقال: لمن تبناه أنه ابن النبي، ولا لمن صاهره أنه صهره بالتبني. وينفي أن يكون أبو العاص، وعثمان صهري أبي هالة، لا صهري النبي إلخ..(1).

ونقول:

أولاً: إن آية: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) إنما تحرم نسبتهم إلى غير آبائهم على سبيل الحقيقة. ولا تحرم النسبة المجازية.. وإلا فهل يرى الأخ الكريم!! حرمة قول الإنسان الطاعن في السن للشاب اليافع: يا بني؟!.. أو نحو ذلك؟!..

ثانياً: قد قلنا: إن كلمة صهر ليست نصاً في الزواج ببنت الرجل، لأن من معانيها القرابة.. وأهل بيت المرأة، وغير ذلك..

فإذا ثبت أن عثمان لم يتزوج ببنتي الرسول [صلى الله عليه وآله]، فلا بد من حمله على معنى يتلاءم مع هذه الحقيقة..

نعم.. وقد نال عثمان مصاهرة النبي [صلى الله عليه وآله] على ربيبتيه، ولم ينل ذلك أبو بكر، ولا عمر.. فصدق كلام أمير المؤمنين [عليه السلام]..

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص31.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 145/

أدعوهم لآبائهم:

وقد استدل بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ) وقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ)..

فقال: «لو لم يكن رسول الله [صلى الله عليه وآله]، أباً حقيقياً للسيدات الطاهرات: زينب، ورقية، وأم كلثوم عليهن السلام، لما جاز لأحد من المسلمين، حتى للنبي: أن ينسبهن بالبنوة إليه.. فيحرم أن يقال لزينب، ومثلها أختاها: بنت رسول الله، بل تجب نسبتهن إلى أبيهن الحقيقي أبي هالة، أو غيره»(1).

وأقول:

أولاً: إن الله سبحانه قد نسب إبراهيم إلى آذر، فقال: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً)(2) وقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ..)(3).

مع أنهم يقولون: إن هناك إجماعاً على أن آزر لم يكن أباً لإبراهيم، وإنما هو عمه، واسم أبيه : تارخ.

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص311 و312.

(2) سورة الأنعام الآية 74.

(3) سورة التوبة الآية 114.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 146/

والقول: بأنه كان جده لأمه لا يصح، لأن آباء النبي [صلى الله عليه وآله]، إلى آدم [عليه السلام] مؤمنون موحدون، وعلى هذا إجماع الإمامية(1).

أضف إلى ذلك: ما روي في تفسير قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ).

قال الإمام الباقر[عليه السلام]: «يرى تقلبه في أصلاب النبيين، من نبي إلى نبي، حتى أخرجه من صلب أبيه»(2).

ثانياً: قال تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ). فعد من آباء يعقوب [عليه السلام]، إسماعيل وإسحاق [عليهما السلام]، مع أن إسماعيل كان أخاً لإسحاق جد يعقوب..

القنبلة الموقوتة:

وأما حديثه عن القنبلة الموقوتة، التي هي عبارة عن سؤاله لنا: «هل يفتي بإباحة زواج النبي منهن؟! أو يرى ذلك حوباً وإثماً كبيراً،

ـــــــــــــــ

(1) راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج2 ص185 و186.

(2) راجع: المصدر السابق ج2 ص188 وكتاب: خلفيات كتاب مأساة الزهراء [عليها السلام] ج1 ص451 ـ 456 الطبعة الخامسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 147/

إن لم يكن كفراً وفسوقاً؟!»(1).

فنقول فيه:

إن حرمة الزواج وحليته تابع للبنوة، فإن كنَّ بنات له [صلى الله عليه وآله]، فإنه يحرم عليه الزواج منهن.. وإن لم يكنَّ بنات له، فإنه يجوز له الزواج منهن.. وليست هذه القنبلة الموقوتة إلا من القنابل الصوتية!!.. كما هو واضح.

أقسى المصائب:

وقد اعتبر هذا الأخ الكريم!!: أن أقسى المصائب، وأمضها إيلاماً تلك التي تنفي الولد عن أبيه، وتنسبه إلى من هو دونه قدراً ومنزلة(2).

وأقول: إن المصيبة الأعظم هي نسبة إنسان إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وهو أشرف الخلق، من دون حجة قاطعة، ودليل قوي، بل مع وجود شك كبير في صحة ذلك..

مع ما يترتب على ذلك من تمكين المغرضين من ترتيب آثار ونتائج واستدلالات على خلافة الغاصبين ممن شارك في الهجوم على بيت الزهراء [عليها السلام]..

ـــــــــــــــ

(1) فاطمة الزهراء [عليها السلام] دراسة في محاضرات ص312.

(2) المصدر السابق ص312.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 148/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 149/

كلمة أخيرة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله الطاهرين.

وبعد..

فإن ما ذكرناه في هذا الكتاب هو بعض ما يجب أن يقال وليس كله.. وأحسب أن هذا يكفي لإعطاء تصور عام عن طبيعة تعاطي هذا الأخ الكريم!!! مع القضايا، فيما يعتبره هو بحثاً أو نقداً علمياً وموضوعياً!!

ولعل بإمكان القارئ بعد الآن أن يتصور طبيعة النتائج التي سينتهي إليها من يسلك مثل هذا السبيل، ويرتضي هذا النهج.. خصوصاً إذا كان ذلك يستهدف أموراً حساسة وهامة، ولها ارتباط بقضايا الاعتقاد والإيمان، والدين والحياة..

وباستطاعة القارئ الكريم أيضاً أن يستل إحصائيات متعددة، ومتنوعة، تبين مواضع الخلل في منهج وطريقة ممارسات هذا الرجل، في مختلف المفردات التي أشير إليها في هذا الكتاب، وذلك بعد أن حددنا له طبيعة المفارقات المتنوعة فيها.. وذلك لكي يمتلك القارئ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 150/

الكريم القدرة على رصدها في مختلف المواقع والمواضع الأخرى، وليصبح على درجة عالية من الحصانة والحفظ منها، ومن تأثيراتها.. ولم نحب نحن أن نتصدى لهذا الأمر، لكي لا يفهم ذلك على أنه محاولة للتشهير، ولكي لا يفسح المجال أمام أي احتمال ليدخل في دائرة تسجيل النقاط لصالح هذا الشخص، أو في صالح ذاك..

وفي الختام نقول:

إننا إذ نعتذر للقارئ الكريم، عن أي إرهاق قد نكون السبب في تعرضه له، فإننا نطلب منه أن يتحفنا بكل ما يفيد ويجدي في التأييد أو التفنيد، وسنكون له من الشاكرين..

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

جعفر مرتضى العاملي