لماذا؟! كتاب مأساة الزهراء (ع)

السيد جعفر مرتضى العاملي


/ صفحة 7 /

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطاهرين.

بداية:

أود قبل أن ابدأ حديثي الواضح والصريح: أن ألفت نظر كل الأخوة القراء إلى ما يلي:

إنني آمل أن يقرأوا ما أقدمه لهم قراءة متأنية وناقدة، من دون أن تكون ثمة خليفة تحملهم على أن يحكموا - سلفا - على هذا الكتاب حكما سلبيا، ربما يكون فيه الكثير من الشطط والتجني.


/ صفحة 8 /

كما وأطلب منهم أن لا يتهيبوا صاحب أية فكرة تطرح عليهم إلى درجة تحجبهم عن محاكمة الفكرة نفسها. وأن يكونوا منصفين وواعين.

فليس ثمة ما يفرض عليهم، أن يأخذوا جميع ما يقرؤونه أخذ المسلمات، وإن كان الكاتب يحب ذلك..

كما لا ينبغي لهم أن يرفضوا كل ما يقرؤونه أو يسمعونه من منطلق العصبية لهذا أو الحد ضدة ذلك، بل المطلوب: أنه إذا كان ثمة صواب أو خطأ فليأخذوا هذا الصواب، وليدعوا الخطأ، عملا بقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}(1).

فلا يصح أن تكون الفكرة الصحيحة في كتاب ما سببا في قبول الفكرة الخاطئة فيه - إن كان ثمة خطأ - كما لا يصح أن تكون الفكرة الخاطئة سببا في رد الفكرة الصحيحة فيه.

والطلب الأهم والأكثر حساسية هو أن يطالبونا - ويطالبوا غيرنا أيضا - بما يقنعهم، ويرضي وجدانهم، وتستجيب له ضمائرهم، لينالوا بذلك رضا الله سبحانه ورضا وشفاعة أنبيائه وأوصيائهم(ع)، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإن الحق أحق أن يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

{هامش}

(1) سورة الزمر: آية 18. (*)


/ صفحة 9 /

مأساة الزهراء(ع):

لقد صدر كتابنا "مأساة الزهراء(ع).. شبهات وردود" قبل حوالي أربعة أشهر، فافتعلت حوله ضجة كان واضحا أنها ترمي إلى تحقيق أكثر من هدف، ولسنا في وارد الحديث عن ذلك هنا.

غير أننا لمسنا من خلال ذلك ضرورة توضيح دواعي إصدار هذا الكتاب، وسبب اختيارنا لخصوص هذه القضية، "قضية الزهراء(ع)" دون سواها، مع توخي الاختصار، والاقتصار على ما هو ضروري، دون الدخول - لغير ضرورة - في التفاصيل، ودون التعرض لكثير من القضايا التي قد تحرج البعض أو تخرجهم عن حالة الإتزان، وهو ما حصل بالفعل حين شعروا أن كتابنا الآنف الذكر يكاد يقترب إلى شئ من تلك القضايا، فكيف لو أردنا أن نتجاوز ذلك للتصريح، ثم التوضيح.

ولأجل ذلك فنحن نقتصر هنا على الإلماح إلى بعض القضايا، وعرضها الساذج، دون أن نحاول توضيحها، إلا فيما تفرضه الضرورة، ونترك الخيار بعد هذا للقارئ الكريم، فنقول:


/ صفحة 10 /

اختيار مأساة الزهراء(ع) لماذا!؟

والهدف من اختيار مأساة الزهراء(ع) لتكون الموضوع الذي نعالجه في سلسلة الموضوعات الكثيرة التي تصدينا لإحقاق الحق فيها مما يمس قضايا الدين والمذهب أمران، وهما:

الأول:

هو أن هذه المفردة " مأساة الزهراء(ع) " قد أصبحت بحاجة إلى توضيح وبيان من أجل إزالة ما ربما يكون قد علق في أذهان بعض الناس نتيجة للتشكيكات!! أو التساؤلات المنهجية!!

أو العلمية!! - على حد تعبير البعض - التي طرحت عليهم كرات ومرات، في عشرات المواقف الإذاعية، والمكتوبة، والعديد من المقابلات والمراسلات والمراجعات في ردح من الزمن طويل.

وقد طرحت أدلة كثيرة ومتنوعة في أكثر من اتجاه تهدف إلى نفي حصول أي عنف ضد الزهراء(ع) في بيتها، أو حتى ضد علي(ع) في بيت الزهراء(ع). وقد أعطيت تلك الشواهد والأدلة عناوين فكرية حضارية!! مثل "إثارات" أو "علامات استفهام" أو "شكوك في طريق البحث".. إلى آخر ما هنالك من تعابير أصبحت معروفة ومألوفة.


/ صفحة 11 /

فلذلك أردنا أن نقوم بدراسة الموضوع، من خلال معالجة تلك " الإثارات " بصورة تفصيلية، لنتمكن من استيعاب كل ما طرح من أمور تثير هذه الشكوك، ولنتمكن من ثم من تبديد "علامات الاستفهام" التي رسمت، علنا نستحق "الشكر"!! الذي وعد به هذا البعض عندما قال: "ونحن نشكر من يجيب على علامات الاستفهام التي رسمناها".(1) على أمل أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد، وينحل بذلك الإشكال.

وكان الشكر الذي وعد به هذا البعض مميزا في نوعه وفريدا في بابه!! كما سنلمح إليه إن شاء الله تعالى.

الثاني:

إن قضية الزهراء(ع) - وبسبب ظروف معينة - قد تجاوزت طابعها العلمي الخاص، لتصبح عنوانا يشير إلى منهج عام يتعدى مجال التاريخ، إلى نواح أخرى في مجال الإهتمامات الإسلامية، كشؤون العقيدة، وعلم الكلام، وعلم الأصول، والحديث والفقه والتفسير، وحتى اللغة، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى إيمانية وغيرها.

نعم: لقد أصبحت قضية الزهراء(ع) هي ذلك (الرمز)، أو قل: العنوان المشير الذي يختزل منهجا له مفرداته، وله طابعه الخاص، وله آفاقه وملامحه، وسوانحه وبوارحه.

{هامش}

(1) جريدة فكر وثقافة: العدد 18 بتاريخ 19 - 10 - 1996 م. (*)


/ صفحة 12 /

لذلك أردنا أن تكون معالجتنا لهذا الموضوع مشاركة في إنجاز الواجب الذي يشعر به كل مسلم مؤمن، لا يجد مبررا لأن يقف موقف اللامبالاة، حيال محاولات التعرض لهذا الدين في عقائده وأحكامه، وفي رسومه وأعلامه، لا على قاعدة "التمسك بالموروث المقدس"، باعتباره دين الآباء والأجداد، كما يحاول البعض أن يتهمنا، ويتهم كل أتباع مذهب أهل البيت وعلماء الشيعة الأبرار..(1) بل على قاعدة التمسك بما دل عليه الدليل العلمي القاطع للعذر، والمثبت للحقيقة..

وحين تنطلق تلك المقولات، لتثير الشبهات في قضايا الدين، وتزعزع ثباتها، فسيكون لكل أحد الحق والحرية في الرد العلمي المناسب عليها، أيا كان مصدرها، دون مجاراة أو ممالأة.

وتلك هي مسؤولية كل من يمتلك من أسباب العلم والمعرفة ما يخوله القيام بذلك. وهذا ما شهدناه فعلا حيث بادر مراجع الدين وكثيرون ما علماء الأمة إلى تسجيل استنكارهم لمقولات هذا البعض، وأعلنوا رفضهم لهما، ولا نتوقع إلا استمرارهم في العمل بواجبهم الشرعي في هذا المجال ونحن معهم على الطريق.

{هامش}

(1) بينات بتاريخ 25 - 10 - 1996 م. (*)


/ صفحة 13 /

هل أخطأنا التقدير؟:

وكنا نقدر: أن ذلك قد يغنينا عن التوسع في طرح سائر القضايا، التي قد تم ويتم التعرض لها من جانب هذا البعض عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهي قضايا تمتاز بكثير من الأهمية والحساسية، خصوصا ما يرتبط منها بقضايا العقيدة والإيمان فضلا عن غيرها من مسلمات الشريعة.

غير أن الوقائع أظهرت أن الأمور قد سارت على خلاف ما كنا نتوخاه.

فإن البعض قد صور للناس: "أن القضية الأساس التي تهمنا، - بل لا قضية تهمنا على الإطلاق - سوى قضية الزهراء(ع) وأنه ليس ثمة ما يثير اهتمامنا سوى حديث البعض: عن قضية كسر الضلع، وإثارته بطريقة سلبية".

وذلك في محاولة منهم للتمويه على الناس، وإبعادهم عن حقائق الأمور.

وقد ساعدهم على ذلك أننا التزمنا من طرفنا - عمليا - بعدم الابتداء بإثارة تلك القضايا، فأغراهم ذلك منا، وكانت هجماتهم الشرسة التي زادتنا - يوما بعد يوم - معرفة بحقيقة نواياهم، وبمدى إصرارهم على ما يقومون به.


/ صفحة 14 /

مما جعلنا أمام خيار وحيد، وهو مصارحة الناس بالحقيقة، وتعريفهم أن قضية الزهراء(ع)، إنما كانت مفردة واحدة إلى جانبها عشرات أمثالها، مما قد يكون أهم وأولى بالتصدي للبحث والتصويب.

ولعل من حق القارئ علينا أن لا نطيل انتظاره حين يصبح من الضروري تقديم مجموعة ( عينة ) من تلك الأقاويل، لتكون دليل وفاء بالوعد، وإشارة إلى أننا باقون مع هذا الإسلام العزيز على العهد. فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

أما فيما يرتبط بالاستقصاء لكل ما صدر عن البعض من أقاويل مكتوبة أو مسجلة. فذلك خارج فعلا عن حدود الوسع والطاقة لأنه يحتاج إلى عمر لنا جديد ومديد. على أننا لا نرى ضرورة لذلك، فإن القليل قد يعطي صورة أو يغني عن الكثير الذي جاء تعبيرا صريحا عن المشروع الكبير الذي يعمل له هذا البعض، والرامي إلى استبدال القديم الأصيل والثابت بالبرهان القاطع من تراثنا وعقائدنا المتوارثة ( على حد تعبيره )، بما يعتبره جديدا وفريدا.. ودون أن ينتصر لهذا الجديد بدليل علمي يثبت أمام النقد.

ولذلك تراه يطعم أدلته أو يطورها، باتجاه ما يدعيه حسب الظروف، في إصرار ظاهر منه على مدعاه، الذي لم يزل عاجزا عن الاستدلال العلمي الصحيح عليه، الأمر الذي يوحي بأنها أفكار جاهزة يبحث لها عن دليل يستنسبه لها، ربما لأنه


/ صفحة 15 /

يعتبرها جزءا من مشروعه التجديدي الذي انبهر به كثيرون، والذي يرمي إلى تصحيح الأخطاء التي يجدها - كما يقول - في عقائدنا المتوارثة، على قاعدة صدم الواقع - على حد تعبيره أيضا. في مناسبات كثيرة.(1).

والغريب في الأمر أن ذلك الذي يريد التجديد وصدم الواقع بمجرد أن أحسن ببعض الجدية في الموقف تجاه تلك الأقاويل بدأ يتهم الآخرين بالحسد، والتجني، وبالعقد النفسية، والتخلف، وبالعمالة للمخابرات، أو بالوقوع تحت تأثيرها، وأن المقصود إسقاطه، أو تحطيم مرجعيته، وأن من يعترض على أقاويله هو "بلا دين" الخ... تعابيره المختلفة والتي تصب في هذا الاتجاه.

بل لقد بدأ ينكر بعض أقاويله تلك ويتطلب لبعضها الآخر التفسيرات والتأويلات والمخارج، كما أنه لم يزل يطلق الدعاوى بعدم فهم الآخرين لمقاصده، بل حتى وصل به الأمر إلى حد أن أعلن - أكثر من مرة - أن تسعين بالمئة مما ينقل عنه مكذوب عليه، وعشرة بالمئة مغلوط،... أو أن 99، 99 % بالمئة كذب وافتراء.

فأين التجديد إذن؟ وأين التصحيح؟ وبماذا يريد أن يصدم الواقع يا ترى؟!! إذا كان قد تنكر لأقواله الجديدة؟

وبماذا يريد أن يقتحم المسلمات على حد تعبيره مؤخر؟!

{هامش}

(1) دنيا المرأة: ص 25، ومجلة المرشد ص 282. (*)


/ صفحة 16 /

وأية مسلمات هي التي يريد اقتحامها يا ترى؟!.

على أننا ما زلنا نأمل أن لا نضطر لنشر دراسات موسعة حول موضوعات كثيرة، حساسة وهامة جدا، تختزنها مؤلفات ومنشورات البعض، إذا كان ثمة إمكانية لتلافي ذلك بصورة أو بأخرى.

ردود الفعل على الكتاب في اتجاهين:

وأما عن ردود الفعل على الكتاب من قبل من يعنيهم أمره، فقد اختلفت وتنوعت في مظاهرها، ولكنها في جوهرها كانت تصب في اتجاهين:

الأول:

إتجاه لم يزل يعتبر كتاب "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" إنجازا هاما في مجال التحقيق العلمي والموضوعي، حيث تكفل بتقديم إجابات منطقية، صحيحة وقاطعة للعذر، تسد الطريق على الشبهات المطروحة، وعلى رأس هؤلاء المراجع العظام في النجف الأشرف، وفي قم المشرفة في ايران الإسلام أعزها الله.

وقد وصلتنا رسائل خطية، وتصريحات شفهية بهذا المعنى من عدد منهم أدام الله وجودهم حماة وذادة عن هذا الدين.


/ صفحة 17 /

هذا بالإضافة إلى رسائل وتصريحات أخرى في نفس الإتجاه أيضا من علماء أفذاذ، أثروا العالم الإسلامي بمؤلفاتهم القيمة، ولهم شهرتهم العلمية الكبيرة.

ولا نبالغ إذا قلنا: إننا لا نعرف أحدا من العلماء الأبرار الكبار، ممن يحمل اسم عالم بحق وصدق، قد اطلع على الكتاب أو ذكر في محضره إلا وأثنى عليه ثناء عاطرا وجميلا!.

كما لا يخفى على كثيرين الصدى الطيب الذي تركه هذا الكتاب في أوساط الشباب المؤمن والمثقف، حيث فوجئ الكثيرون منهم، حين لمسوا كيف يتم تمرير هذه الطروحات من خلال المنابر والكتب وغيرها، وطرحها مع غيرها من المقولات بهذه الغزارة، وبهذا الإصرار، حتى أنك لتجد الفكرة الواحدة في عشرة كتب، وربما أكثر، أو أقل. وكان الذي فاجأهم أكثر هو أن تثار هذه القضايا من - قبل ذلك البعض - في ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية في تاريخ صراع أمتنا ضد العدو الاسرائيلي، وكل قوى الاستكبار العالمي.

الثاني:

ردة فعل الجهة المعنية التي ترى نفسها متضررة من هذا الكتاب، والتي كانت السبب في الكتاب من الأساس، من حيث أن أحد رموزها هو الذي أثار الشبهات التي تنوعت في مظاهرها وأشكالها فانبروا للدفاع عنه (على قاعدة وجوب شكر المنعم).


/ صفحة 18 /

وهذه الردود كانت كلها تصب في إتجاه واحد، وهو الإدانة والرفض والمواجهة الكاسرة إلى درجة أصبحنا لا ندري إن كان ثمة حدود شرعية أو أخلاقية يجدر بهم التقيد بها، والانتهاء إليها، ولو ظاهريا؟ أم أن المحرمات قد سقطت، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا راجحا بل بل واجبا، إذا كان يسهم في حفظ الكيان، أو الشخص، أو الجهة؟! وذلك على القاعدة التي هي على خلاف قواعدنا الإسلامية، والتي أطلقها ميكا فيللي من قبل: "إن الغاية تبرر الواسطة" أو الوسيلة، هذه القاعدة التي طورها البعض إلى درجة أنها أصبحت ليس فقط تبرر، وإنما تنظف الواسطة ربما على " طريقة التصويب " الباطل عند الشيعة الإمامية، زادهم الله عزا وسؤددا وشرفا.

ملامح من ردود الفعل:

ونستطيع أن نذكر نماذج من مظاهر ردود الفعل التي ظهرت لدى تلك الجهة المعنية بالكتاب، وهي ما يلي:

1 - قد صدرت عن البعض ردود فعل انفعالية على المنابر، وعبر الإذاعات، وفي المجالس الخاصة والعامة، تحاول النيل من قيمة الكتاب ومن الكاتب، وتعتبره قد ألف بطريقة غير شرعية!؟


/ صفحة 19 /

2 - تحريم الكتاب بيعا، وتداولا، وقراءة!! وممارسة ضغوط على الناس، هذا مضافا إلى مراجعة بعض دور النشر والمكتبات، لمنع تداول الكتاب.

مع أن نفس ذلك البعض قد أعلن عبر أثير الإذاعة رفضه لمقاطعة كتب الضلال، واعتبر ذلك خطأ لا بد من تجنبه.

3 - إشاعات كاذبة، كثيرة ومتنوعة أطلقوها ويطلقونها في أكثر من إتجاه، دونما وازع من دين، أو رادع من وجدان، وقد جاء قسم منها:

ألف: بصيغة إفتراءات تهدف إلى النيل من كرامة المؤلف، والتشكيك بأدبه وأخلاقه، ودينه واستقامته.

ب: وقسم آخر جاء على شكل سباب وشتائم، وإهانات، تصب في اتجاه النيل من المقام العلمي للكاتب، وموقعه، وتصويره على أنه جاهل، متخلف، ومتسلط في الرأي، غير قادر على الإدراك الصحيح لكلام البعض، إلى غير ذلك.

ج: محاولات التشكيك بقيمة الكتاب العلمية، أو بمنهجيته، أو خلفيته، بل بمصداقيته أحيانا.

د: الحديث عن خلفيات موهومة دفعت المؤلف إلى إصدار هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات.

4 - تهديدات مبطنة، وإتهامات قاتلة، وممارسة أساليب إرهاب، وتسلط، وهيمنة، واستعانة بقوي أمنية للحد من تأثير


/ صفحة 20 /

الكتاب، والحد من نشاط من يقرؤه، ومن يتداوله، ومن يتعاطف معه أو يعلن عن رأيه في تلك المقولات التي ناقشها.

5 - محاولة الضغط باتجاه اعطاء الكتاب طابعا سياسيا، وجعله في دائرة التوازنات، وإخضاعه من ثم لأجواء الأخذ والرد في سوق المنافع والمزايدات، وحتى المصالحات السياسية حين تلجؤهم الضرورات إلى ذلك.

6 - التشكيك بأهداف الكاتب ودوافعه، واعتبار الكتاب تارة مجرد مظهر لمطامح شخصية، وأخرى استجابة لأحقاد، وتارة ثالثة نتيجة عقد نفسية أسقطها البعض على المؤلف.

وعلى جميع الحالات فإن النتيجة - بنظرهم - هي أن هدف كتاب "مأساة الزهراء(ع)" هو الاغتيال السياسي، والعلمي، والاجتماعي لما يسمونه ب‍ـ "الرمز" أو بـ‍ "القيمين على الحالة الإسلامية".

وتلك جريمة مرعبة تنتهي حسب تصويراتهم باغتيال الإسلام نفسه باسم الإسلام، فوا إسلاماه!! و وآ مصيبتاه!!!.

لا سيما وهم يصورون الأمر للناس على أنه خطة تنتج فصولها، وتدير حركة الصراع فيها، أو تحرك خيوطها بذكاء، دوائر المخابرات الدولية، أو الإقليمية حتى الموساد، أو المحلية، بل والإسلامية، وما إلى ذلك.

7 - محاولتهم حصر الموضوع في قضية تاريخية، وتاريخية فقط. لصرف الأنظار عن المقولات الكثيرة التي ترتبط


/ صفحة 21 /

بالنواحي العقيدية والإيمانية، وقضايا الدين التي تعرضنا لها في نفس الكتاب.

8 - محاولتهم إثارة علامات استفهام حول جدوى موضوعات كهذه - رغم أنهم هم الذين ما فتئوا يصرون على طرحها - وذلك بعد أن صوروا للناس أن الأمر لا يتعدى الناحية التاريخية الخاصة جدا، وهي خصوص قضية كسر ضلع الزهراء(ع) دون سائر ظلاماتها عليها السلام.

9 - محاولة ربط الموضوع برمته - من أجل الدعاية والإعلام طبعا! - بجهات تخطط لإسقاط مرجعية فلان من الناس، لأنها ترى نفسها متضررة من ظهور مرجعية عربية، وفية لعروبتها، مقابل المرجعيات الفارسية ولعلها بنظرهم وفية لفارسيتها أيضا..؟(1) أو ما إلى ذلك، متهمين مرجعية دينية كبرى لبعض الدول الإسلامية بأنها الجهة التي تدير حركة الصراع ضدهم، وتصويرها على أنها مجرد منافسة لهم في المرجعية.

{هامش}

(1) ومن شواهد ذلك: أنه في المقابلة التلفزيونية في هذا الصيف التي شاركه فيها سركيس نعوم قد بدا راضيا عن أقوال نعوم الذي ركز على موضوع المرجعية الفارسية والعربية ولذلك لم يعترض عليه ولا سجل أي تحفظ على أقواله. (*)


/ صفحة 22 /

الردود المكتوبة:

وعدا عن هذا، وذاك، وذلك، فقد ظهرت ردود مكتوبة من جهة ذلك البعض الذي أثار كل هذه الأجواء، ولم يزل يبذل جهودا حثيثة لتركيز مقولاته - على اختلافها وتنوعها - في عقول ونفوس الناس، عبر وسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال الإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه، حتى إنه يصدر في فترات متقاربة جدا، وبصورة متلاحقة كتابا أو أكثر يضمنه نفس الأفكار، بل نفس الخطابات والمقابلات أحيانا، ولكن كل كتاب يأتي بشكل، وبحجم وباسم، وتنسيق يختلف عن سوابقه.

ولكنك إذا فتحت أي كتاب منها فستقرأ تلك الأفكار المعهودة التي يراد تركيزها بهذه الطريقة في أذهان الناس..

وما ظهر من جهته من ردود على كتابنا "مأساة الزهراء ( ع )" لكتاب، أو مستكتبين، أو في مقابلات إذاعية مع الابن والأخ، وسواهما فإنما كانت تحاول رد الاعتبار، أو إثارة الشبهات والتشكيك بالكتاب وبالكاتب.

هذا وقد روجت أجهزة إعلامهم لهذه الردود بقوة، حتى إن مقابلة إذاعية أجرتها إذاعة محلية يملكها ذلك البعض مع أحد أولئك المستكتبين قد بثتها تلك الإذاعة أربع مرات خلال أقل من


/ صفحة 23 /

أسبوع واحد، وقد ترافق ذلك مع ألقاب ونعوت فضفاضة منحت لذلك الكاتب، لم يكن ليحلم بها لو لا أنه أول من رمى بسهم.

ثم وزعوا تلك المقابلة بالذات على الناشئة بعد أن قامت تلك الإذاعة في إعلانات متتابعة خلال أيام بدعوة الناشئة إلى الحصول على الشريط المسجل لتلك المقابلة، في محاولة منهم لبث روح العداء والشحناء والبغضاء في تلك النفوس البريئة.

وذلك يكفي للتدليل على فشلهم الذريع في المواجهة العلمية والمنطقية، وعلى مدى الإسفاف في التعامل مع من ينتقد فكرة من يسمونه ب‍ "الرمز" على حد تعبيرهم.

ولا نريد أن نتوقف كثيرا عند توزيع إداراتهم ومؤسساتهم لآلاف النسخ بالمجان على مختلف العباد في مختلف البلاد، فصرف تلك المبالغ الكبيرة ربما كانت له مبرراته!! التي لعلهم يعذرون لأجلها، حسب موازينهم!! التي أشرنا إلى بعضها، والتي ينطلقون منها في هذه الأمور!!

قيمة تلك الردود علميا:

ولا نبالغ إذا قلنا: إننا حين اطلعنا على مضامين تلك الردود قد أصبنا بالدهشة، حين لم نجد فيها ما ينبغي أن يلتفت إليه من حيث القيمة العلمية.


/ صفحة 24 /

وكانت دهشتنا أعظم، ونحن نرى مدى الاهتمام بنشرها وتوزيعها على أنها جهد علمي يكفي لتبرير مقولات البعض، وإسقاط اعتراضات الآخرين. ولا ندري كيف استساغوا بذل هذا الوقت والجهد و... المال!؟ لنشرها، أو الترويج لها عبر وسائل إعلامهم المختلفة.

ولأجل ذلك وغيره - فإننا من ناحيتنا - آثرنا إهمالها، ولم نر ضرورة لصرف الوقت والجهد، لبيان وهنها وسقوطها، وقصورها.

فإن ما حوته هذه الردود من أضاليل، وتلفيقات، وافتراءات، وسوء أدب، وجهل ذريع، ثم ما انفردت به من مجموعة انتقائية من التعابير الجارحة، إن ذلك كله لا يكاد يخفى على منصف ذي قلب قد ألقى السمع وهو شهيد.

وبإهمالنا لها نكون قد فوتنا الفرصة على ذلك البعض الذي كان يراهن على إشغالنا بأمور جانبية - وصرف وقتنا في "قلت، وقلنا، وأقصد، ولم يفهموا قصدي" ليبقى ذلك البعض معتصما في برجه العاجي مصورا للناس: أنه مترفع عن هذه الأمور، وأن مشكلتنا ليست معه فقط، وإنما مع كثيرين من الناس، الذين بادروا للانتصار لتلك المقولات مع أنه هو الذي لم يزل يذكي نارها ويؤجج أوارها، في الخفاء تارة، وفي العلن أخرى، تصريحا مرة وتلويحا أخرى، وهو الذي يبذل الأموال الخطيرة


/ صفحة 25 /

في طباعتها، وتوزيعها - وربما - المكافأة عليها، بعد اطلاعه عليها، وتصويبه لما فيها!!

ومن جهتنا فإن ذلك كله ليس فقط لم يستطع - ولن يستطيع - أن يحقق لهم أهدافهم، بل هو قد زادنا يقينا بأمور ثلاثة:

الأول:

إن كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" هو رد حاسم وقوي على ما طرحه البعض ولا يزال يطرحه... وأنه لا يملك أي رد علمي وموضوعي عليه، ولأجل ذلك، فإننا لم نجد ضرورة لإعادة النظر في أي من مطالب الكتاب.

الثاني:

إننا أصبحنا أكثر اقتناعا بلزوم التصدي لما يطرحه البعض من أمور، حيث تأكد لدينا: أن ثمة إصرارا أكيدا على نشر تلك الأقاويل وترسيخها في العقول والنفوس، الأمر الذي يشكل خطرا أكيدا على كثير من قضايا الدين والعقيدة والإيمان.

الثالث:

إننا قد تأكد لدينا: أنه قد كان من المفروض: أن تطرح أما أعين الناس كل أو جل تلك المقولات لا أن نكتفي بإثارات يسيرة توخينا من خلالها أن يعرف الطرف الآخر: أننا لن نسكت ولن نجامل أحدا حين نجد أنفسنا أمام التكليف الشرعي بالتصدي لأي إخلال بقضايا الإسلام والإيمان.


/ صفحة 26 /

مراجع الأمة وأعلام المذهب يتصدون:

هذا وإن مراجع الدين وعلماء الأمة الأبرار، لم يسكتوا عن هذا الأمر، وإن اختلفت حالات التصدي، وجهاته وكيفياته، وقد صدرت فتاوى عن عدد من مراجع التقليد، رفضت بعض تلك المقولات حتى اضطر صاحبها إلى بذل محاولاة - لم تكن ناجحة - للتنصل منها تارة وللإجابة والرد عليها تارة أخرى، هذا عدا عن إلماح بعض المراجع في النجف الأشرف إلى ثبات عقائد المذهب أما محاولات التشكيك، التي تتعرض لها(1).

يضاف إلى ذلك، مؤلفات صدرت، وكتابات نشرت تنتقد وتفند، وخطب ومحاضرات ترفض وتندد.. لم تزل تتوالى من قبل كثير من أهل العلم والفكر، من حماة المذهب ورموزه وأعلامه.

وقد لقي كتابنا "مأساة الزهراء(ع): شبهات وردود" - كما أسلفنا - ترحيبا واسعا، وكانت له الحظوة لدى المراجع العظام، ولم تزل تصلنا منهم - كتابة ومشافهة - رسائل الثناء والتأييد، والدعاء لنا بالتوفيق والتسديد.

{هامش}

(1) وذلك في بيان صدر عن مكتبة في (قم) لتكذيب ما أعلن في صلاة الجمعة ونشر في بيان، وأذيع عبر إذاعة تابعة للبعض حول تزوير ختمه وإبطال العمل به. (*)


/ صفحة 27 /

هذا عدا ما وصلنا من رسائل من شخصيات علمية كبيرة تعبر عن اغتباطها بهذا الكتاب، وعن سرورها وإعجابها به ربما نوفق لنشرها في المستقبل.

وحتى لو كنا في محيط لم يجد فيه الآخرون فرصة للتحرك وللتصدي، فإن ذلك يضاعف إحساسنا بالمسؤولية، ويحتم علينا أن نقف ولو بمفردنا للذب عن حقائق المذهب، وقضايا الإيمان والإسلام، ونجد أنفسنا مطالبين أكثر من أي وقت آخر بإنجاز هذا الواجب الشرعي العيني الجازم في نصرة ديننا الحنيف.

يدنا ممدودة للحوار:

وبعد.. فإن كتاب مأساة الزهراء قد جاء بعد أن انتظرنا عدة أشهر، دعونا فيها ذلك البعض للحوار المكتوب، وفي أكثر من رسالة ومع أكثر من رسول، لكنه لم يزل يرفض ويأبى، ونحن لم تزل يدنا ممدودة تطلب ذلك وتصر عليه كحوار علمي وموضوعي، لأنه الوسيلة الأمثل لإحقاق الحق، وتجنيب الساحة المزيد من الإرباك بالطروحات المثيرة للقلق على مفاهيم الناس، وقضاياهم الإيمانية، شرط أن يكون حوارا جديا وموضوعيا، يلتزم الطرفان بشروطه وبنتائجه وآثاره، حين يدار بطريقة واعية تلزم الطرفين ببيان مقاصدهما بدقة، وعدم التنكر لمعاني كلامهما، وفقا لما يفهمه الناس ويتداولونه، ويحتج به بعضهم على بعض.


/ صفحة 28 /

اعتراضات، ومؤاخذات:

وبعد.. فقد أبلغنا ببعض الاعتراضات ووجهات النظر المختلقة حول كتابنا "مأساة الزهراء" وقد رأينا أن نشير إليها أيضا في هذا التقديم، مع إلماحة سريعة إلى موقفنا منها.

لماذا التصدي؟!

قد يتساءل البعض: لماذا لا نسكت كما يسكت الآخرون، فإن ذلك يوفر علينا الكثير من المتاعب والمصاعب، لا سيما وأن ثمة قدرات مادية! وإعلامية! وأمنية!! ورصيدا شعبيا لدى البعض، يمكنه من إلحاق الأذى بجميع أنواعه بمن يقف في وجهه... ويستشهدون لذلك بما جرى على العلامة السيد ياسين الموسوي حفظه الله وغيره من الناس.

ونقول:

1 - إذا كان ثمة تكليف شرعي يوجب التصدي فلا بد من رد السؤال إليهم لنقول لهم: لماذا يسكت الآخرون؟ ولماذا لا يتكلمون كما نتكلم ولا يتصدون كما نتصدى؟! لا سيما وأن الأمور التي هي محل النقاش ليست إلا مفردات دينية محضة، لا علاقة لها بسياسة أو منصب وغير ذلك. كما أن المراجع قد قالوا كلمتهم الداعية إلى عدم السكوت في هذا المجال.


/ صفحة 29 /

2 - إن التكليف الشرعي - حيث يراد الإلزام بالحجة - هو الحكم وهو الفيصل وليس الخوف من القدرات المادية أو من التعرض للأذى. أو غير ذلك، وقد قال تعالى: {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}(1).

3 - لو كان هذا المنطق هو الحاكم ويسمح للناس بالانسحاب من الساحة والاسترخاء، فقد كان المفروض بالأنبياء والأوصياء والمصلحين أن ينسحبوا من ساحات التصدي والمواجهة، لئلا يتعرضوا للأذى، ولأن الآخرين كانوا على مدى التاريخ أكثر استجماعا للقدرات المادية، من إعلامية وغيرها، وأكثر جمعا للناس من حولهم.

تقديس التراث:

ثمة من يتهمنا بتقديس التراث، غثه وسمينه، على قاعدة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون - أو مهتدون}(2).

فمثلا: لماذا تقديس كتاب سليم بن قيس؟!

أليس لأنه وثيقة تراثية؟!

{هامش}

(1) سورة آل عمران: آية 173.

(2) سورة الزخرف: آية: 22 - 23. (*)


/ صفحة 30 /

ونقول:

إننا لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن ما يلزمنا من التراث هو ما ثبت لدينا بالأدلة العلمية الصحيحة، والقاطعة للعذر، على نحو يفرض علينا التمسك به، والدفاع عنه، وعدم السماح لأي كان بالمساس به، من حيث أنه يمثل حقيقة دينية وإسلامية.

وأما بالنسبة لكتاب سليم، فقد قلنا: إن وثاقة مضمونه عندنا - وهو عند غيرنا من العلماء كذلك - لا تعني أن ذلك لأجل كونه تراثيا، بل لأجل ثبوت ذلك بالدليل.

وقد غاب عن هؤلاء: أننا في نفس الوقت الذي أكدنا فيه على قبولنا كتاب سليم بن قيس على أساس الدليل، فإننا ناقشنا كتاب "مؤتمر علماء بغداد" وكان لنا رأي تجاهه. وقد سجلناه في نفس كتابنا مأساة الزهراء(ع).

وأن منهجنا العلمي في "كتاب مأساة الزهراء(ع)" كما هو في سائر كتبنا يثبت حقيقة أننا أبناء الدليل كيفما مال نميل..

ونحن نقول لكل من يدعي علينا أمرا:

لا يكفي إطلاق التهم، بل لا بد من إقامة الدليل القاطع عليها، وإلا فإن من يطلقها سيكون هو المتهم الذي قد لا يستطيع إثبات براءته مما أوقع نفسه فيه.


/ صفحة 31 /

إشارة:

هذا ونود أن نشير هنا إلى أننا حين تحدثنا عن كتاب "مؤتمر علماء بغداد"، فإن محط نظرنا كان نفس الكتاب، من حيث أنه تأليف من؟!

وفي أي زمان ألف؟!

مع إلماحة إلى بعض المطالب الواردة فيه. واعتمدنا في ذلك على النسخ المطبوعة والمنتشرة، ولعل أفضلها هي النسخة التي علق عليها الأخ العلامة الشيخ محمد جميل حمود، وطبعت تعليقاته في هوامشها، وهي - والحق يقال - تعليقات نافعة ومفيدة، وقد أتعب نفسه في جمع مصادرها والإشارة إلى الشواهد الدالة على وجود كثير من مضامين ذلك الكتاب في غيره من الكتب المعتبرة، فشكر الله سعيه، وسدد الله خطاه.

التنازع في جنس الملائكة:

وقد يقال أو يشاع: أن موضوع الكتاب هو من الأمور الهامشية التي لا أهمية لها، فلماذا نشتغل بها؟ مع أن البعض مشغول فيما هو أهم، ونفعه أعم. وهل هذا إذا من قبيل التنازع في جنس الملائكة، في حين أن الآخرين قد وصلوا إلى المريخ؟!

أليس ذلك دليل ضيق الأفق، والتحجر، والتخلف الفكري؟!


/ صفحة 32 /

ونقول:

1 - ليت شعري من الذي طرح هذا الأمر وسواه من أمور كثيرة، ولم يزل يصر عليها في وسائل إعلامه، ويصرف الجهد ويجند الطاقات المادية، والبشرية، والمعنوية للتأكيد عليها، وتكريسها؟!!

ثم هو لم يزل يتهجم على علماء الأمة ومراجعها، ويوجه إليهم شتى أنواع التهم من أجل خصوص هذه الأمور. وقد شغل الناس والعلماء بها طيلة هذه الأشهر والسنين العديدة والمديدة.

2 - إن النزاع مع هذا البعض ليس في جنس الملائكة، ولا هو من قبيله، وإنما هو في أمور حساسة وهامة، وبعضها له مساس بالإمامة، والعصمة، وبمواصفات الأنبياء(ع)، والأئمة (ع) وبدورهم، وبغير ذلك من أمور دينية..

أما قضية الزهراء(ع)، فإن هذا البعض ينكر حصول أي عنف ضدها وفي بيتها سوى التهديد الصوري بالإحراق.

وهذا على خلاف ما كان قد أعلنه في مدينة قم المشرفة، في خطبة له في حسينية الشهيد الصدر، حيث يقول فيها بالحرف الواحد: ".. حفل التاريخ والحديث، وتضافرت الروايات، من أنها ضربت، وأنها أسقطت جنينها.. وأنها.. وأنها.."(1).

{هامش}

(1) هذا النص للمحاضرة نشر في مجلة: قضايا إسلامية (قم) العدد الأول: ص 13، وهو في محاضرة مسجلة بصوته على شريط كاسيت، موجود لدى = (تابع هامش الصفحة التالية)


/ صفحة 33 /

ولكنه قد عاد إلى الإنكار من جديد.. وأعلن ذلك في مرات عديدة، قائلا عبر إذاعة صوت الإيمان، إنه لم يعتذر ولم يتراجع، بل تكلم بما يوافق نظر الآخرين خوفا من الفتنة، مع أنه عاد بعد هدوء هذه " الفتنة " إلى قم وخطب خطبته هذه، والتي تضمنت ما عرفت!

{هامش}

(ما قبله من الصفحة السابقة)= الكثيرين، وهذه الخطبة كان قد ألقاها في حسينية الشهيد الصدر في قم المقدسة بتاريخ 21 شعبان سنة 1414 أي حوالي سنة 1993 م.

ولكن مجلة رؤى ومواقف في العدد رقم: 3 ص 22 ونشرة بينات: تاريخ 16 - 5 - 1997 م قد أعادت نشر هذه الخطبة بالذات ولكن مع تغييرين، هما:

1 - جعل تاريخ المحاضرة هو سنة 1995 م بدلا من التاريخ الحقيقي خصوصا أنه لم يذهب إلى قم في تلك السنة.

2 - التغيير في العبارة والزيادة عليها بما يزيل التناقض في مواقف قائلها، ويغطي على التراجع - الذي عاد ليتراجع عنه أيضا في هذه المدة المتأخرة، فأصبحت العبارة هكذا:

" حفل التاريخ بأحاديث تنوعت (!!)، من أنها ضربت، وأسقط جنينها، وأنها، وأنها.. لكنها لا تنفي الإساءة إلى حرمتها، وحرمة بيت النبوة، بالهجوم عليه، والتهديد بإحراقه، حتى ولو كانت فاطمة(ع) في داخله".

 فتبديل كلمة: "تضافرت" بكلمة: "تنوعت" واضح الهدف، فإن التضافر يفيد: أن الروايات كلها منصبة على معنى واحد تثبته وتؤكده وهو الأمر الذي أردنا إثباته في كتاب "مأساة الزهراء(ع)، أما كلمة: "تنوعت" فتفيد أن كل رواية تحكي أمرا يختلف عن غيره، فليس فيها تأكيد على أمر واحد..

وقد جاءت الزيادة في العبارة لأجل تأكيد ذلك أيضا فلاحظ وقارن فهذا التصرف والتزوير يعطينا ويؤكد لنا عدم إمكان الاعتماد على ما ينقلونه لنا. وليس هذا هو الشاهد الوحيد على ذلك. فلدينا من أمثاله الكثير..)(*).


/ صفحة 34 /

الأمر الذي اضطرنا بعد تردد طويل، وبعد محاولات فتح حوار معه، ثم محاولات لحصر الموضوع في نطاق خاص، باءت كلها بالفشل - اضطرنا - إلى كتابة كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود".

فواجه البعض هذا الكتاب بطريقة انفعالية، وتحريضية.. ثم لم يزل ينفق الأموال، ويشجع على نشر ردود فيها الكثير من الأباطيل والأضاليل، ويعمل على تركيز مقولته تلك وترسيخها، وإبطال الظلم الذي حاق بالزهراء(ع)، وتبرئة الظالمين.

وقد أثبتنا في كتاب "مأساة الزهراء(ع)" أن هناك أزيد من هذا التهديد بالإضافة إلى أمور إيمانية أخرى تعرضنا لها إجمالا تارة وتفصيلا أخرى. كما يظهر لمن راجع الكتاب المذكور، ونظر فيه بتجرد وإنصاف.

لماذا تأخر الرد؟!

ومن المؤاخذات التي طولبنا بها قولهم: إذا كان ذلك البعض قد لهج بهذه الأمور، وسجلها في مؤلفاته منذ سنوات طويلة، فلماذا تأخرت الإعتراضات إلى هذه المدة الأخيرة..

ونجيب:

1 - إن كتابات ذلك البعض لم تكن موضع إهتمام العلماء في بحوثهم وتحقيقاتهم، لأنهم يعتبرونها مجرد كتب مطالعة لجيل


/ صفحة 35 /

الشباب. وليست متداولة فيما بين العلماء والمحققين والباحثين، بل كان المهتمون بكتبه هم - في الأكثر - فريق خاص، تربطهم به علاقات خاصة، وحالة معينة.

2 - أما بالنسبة لقضية الزهراء(ع) فقد بدأت الاعتراضات على مقولاته فيها وفي غيرها قبل سنوات، فقد قامت ضجة حولها في سنة 1993 وتراجع البعض عن مقولاته، وتراجعه هذا مسجل ومكتوب، ثم عاد في الآونة الأخيرة لينقض ذلك التراجع، تحت شعار الانحناء أمام العاصفة، وأما بالنسبة لسائر طروحاته فقد كان هناك قدر كبير من حسن الظن، وأخذ الأمور على طبيعتها، ومن موقع الثقة، حيث لم يكن ثمة مبرر لتوهم اشتمال تلك المؤلفات على ما يتعارض مع موجبات حسن الظن هذا..

مع ملاحظة: أن أكثر تلك المؤلفات قد وضعت وكتبت في ظروف الحرب، التي تفرض سلبياتها في المجالات المختلفة، ومنها مجال تداول المؤلفات من قبل أهل الاختصاص والعلماء والشباب المؤمن والواعي للتدقيق فيها ومحاكمتها.

وهذه الظروف بالذات وغيرها قد أبعدت مؤلف هذه الكتب عن الاحتكاك المباشر بأفذاذ العلماء، وكبار المحققين في الحوزات العلمية، إلا في زيارات رسمية خاطفة، لا تسمح باستشراف عمق أفكاره، والوقوف على حقيقة قناعاته.. حتى لو


/ صفحة 36 /

طرحت للتداول، فإن ذلك لا يستبطن - بالضرورة - معرفتهم بأن تلك هي قناعاته الأخيرة.

لا سيما وأنه إنما يطرح تلك الأفكار تحت شعار تحريك الجو العلمي، الذي لا يحتاج إلى أكثر من إفتراض فكرة، ولو كانت واضحة الفساد.

من هو المظلوم؟ وهل هذا تشهير؟

ومن الأمور التي سمعناها قولهم:

بأننا قد شهرنا بالبعض وظلمناه، حين نشرنا كتابا يحاكم آراءه وأقاويله ويفندها.

ونقول:

1 - إننا لم نكن نرغب في الحديث هنا عن ظالم ومظلوم، لأن القضية ليست قضية شخصية أساسا.

وحين تصبح شخصية فلن يكون لطرحها، وتداول الحديث عنها، وفيها، بهذه الطريقة مجال ولا مبرر.

وكان ينبغي أن يتمحض الحديث عن الحقيقة المظلومة، التي يراد تغييبها عن الناس، الذين لهم كل الحق في اكتشافها وامتلاكها، والإحاطة بها والتعرف على دقائقها.


/ صفحة 37 /

كما أننا لا نرغب في الحديث عن ظلم يمارس تحت شعار العدل!!

ولا عن ظلم يقال للناس عنه: إنه صفح وعفو عن الضحية كما نسمعه من البعض، مرة بعد أخرى..!!

أما إذا كان ثمة حديث عن ظالم ينتحل صورة الورع التقي، الذي يمارس جريمته من موقع الرحمة والإحسان، ليكون بذلك إنسانا إلهيا، لا يفكر بالقضايا الصغيرة والهامشية، فلسنا نتصور أن يحدث أمر كهذا إلا في نطاق ثورة تجديدية للقيم والمفاهيم، وهي التي يرى بعض رواد الحداثة: أنها أصبحت من التراث الدارس في الماضي البعيد والسحيق.

ومهما يكن من أمر: فإن المطلوب هو أن لا يكون ثمة ظلم للحقيقة، ولا للقيم، ولا للمثل العليا.. فإن ذلك يكون أفحش من كل ظلم يمكن الحديث عنه.

2 - وحيث أصبح لا بد من الإشارة - رغما عنا - إلى ما طلب منا الإشارة إليه، فإننا نقول:

إننا نستغرب أن يصبح الظالم مظلوما، والمظلوم ظالما إلى درجة أن يعترض هؤلاء على نشر كتاب يفند مقولات البعض، ولا يعترضون عليه هو من أجل طرح مقولاته تلك وإشاعتها، رغم دعوتنا له لمناقشة هذه الأمور أمام العلماء وأهل الفكر قبل طرحها على الناس العاديين، فأجابنا في نشرة بينات بتاريخ 25 - 10 - 1996 م فقال:


/ صفحة 38 /

".. أنا لا أؤمن بأن الناس عوام يجب أن نبقيهم على جهلهم... إلى أن قال: إني أرى أن من الخطأ إثارة القضايا في المجالس الخاصة وحسب، بل لا بد من أن نثيرها في المجالس العامة ".

فنحن مع هذا البعض كما قال الشاعر:

يظلمني ثم أسمى ظالما     *     يشتمني ثم أسمى شاتما

3 - وأما التشهير - لو صح - فمن الواضح: إن ذلك البعض هو الذي شهر بنفسه بمبادرته إلى التشكيك من على المنابر، وعبر أثير الإذاعات، والكتب والصحف، والمجلات، وغيرها... في أمور لا تقبل التشكيك، لوضوحها، ولقيام الأدلة القاطعة عليها، ولا ننسى أن التصريح باسمه إنما جاء من قبل من تصدوا من قبله هو للدفاع عنه.

كما أنه هو الذي لم يزل يعمل على نشر هذه الأقاويل وإشاعتها، كما هو واضح للعيان.

قضية النقل عن السيد شرف الدين:

ومما أخذ علينا في هذا الكتاب: أننا ذكرنا أنه ينقل عن السيد شرف الدين في أوائل الخمسينات خبرا يتعلق بالهجوم على بيت الزهراء(ع)، وحين يسأله البعض عن مقدار عمره حينئذ يجيب بقوله: 22 أو 23 سنة.


/ صفحة 39 /

حيث قلنا هناك: إنه إذا كانت ولادته في سنة 1935(1).

فإن عمره لا بد أن يكون حينئذ أقل من ذلك بكثير.

وقد أشاعوا: أن ذلك يمثل إتهاما لذلك القائل بالكذب، وتلك جريمة كبيرة وخطيرة بنظر هؤلاء.

ونقول:

قد أجبناهم عن ذلك بما يلي:

أولاً:

إن اللغة التي تحدثنا بها هي لغة الخطأ والصواب، وإصابة الواقع وعدمها، أما دوافع وأسباب وقوع المخطئ في خطأه فذلك ليس من اهتماماتنا، والمخطئ هو المسؤول عن تبرير ما يصدر منه، ولم نتحدث باللغة الأخلاقية أو الشرعية. من حيث كون ذلك من مفردات الكذب أو الصدق، الذي يعني أنه قصد أن يخبر بغير الواقع من دون سبب أو عذر، أو لم يقصد ذلك.

ثانياً:

إننا إنما كنا نناقش طبيعة الدقة في النقل من حيث القدرة على ضبط التعابير في قضية مضى عليها أكثر من (40) عاما،

{هامش}

(1) راجع: مجلة المرشد: العددان 3 - 4 ص 23 وص 210 عن كتاب: أسئلة وردود من القلب. لكن جاء في المصدر نفسه ص 299 وص 282 و 127 أنه ولد سنة 1936 وجاء في ص 122 عن جريدة الديار عدد 19 - 4 - 1992: أنه ولد في النجف الأشرف 19 - شباط - 1934 الموافق 19 - شعبان - 1354 ونشرت المقابلة نفسها في كتاب (آفاق الحوار الإسلامي المسيحي): ص 351 فراجع.. (*)


/ صفحة 40 /

لأن هذا النقل يشكل إحدى ركائز الاستدلال عند هذا البعض على نفي مسألة الهجوم على بيت الزهراء (ع) وما تبع ذلك من تفاصيل، وهو الذي يقول: "عندما يريد الإنسان أن يتذكر طفولته من خلال هذا التاريخ الذي أصبح - إلى حد ما - تاريخا سحيقا يرقى إلى أكثر من خمسين سنة، فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية"(1) وهو كلام واقعي سليم.

وقد وجدنا صدق هذا القول في العديد من القضايا ليس في قضية السيد شرف الدين وحسب، وإنما في موارد أخرى أيضا، ونذكر هنا خصوص الموارد التي وقع الخطأ فيها في عمره ولا نتعرض لسواها. إلا في مورد واحد، لتكون نموذجا يحكي عما عداه، فنقول:

1 - لقد سئل البعض عن عمره حين خروجه من المدرسة والالتحاق بالحوزة: " كم كان عمرك في ذلك الوقت؟! "

فأجاب: "كنت في عمر الحادية عشرة.."(2).

{هامش}

(1) تحدي الممنوع: ص 23.

(2) مجلة المرشد: العددان: 3 - 4 ص 19 عن أسئلة وردود من القلب. (*)


/ صفحة 41 /

ولكنه في مورد آخر يتحدث عن نفسه، فيقول: ".. ومن خلال ذلك بدأت طلب العلم الديني في سن مبكرة جدا، أظن أنها كانت سن التاسعة من عمري"(1).

2 - وفي مورد آخر يقول: ".. أستطيع القول: إنني انتسبت إلى الحوزة الدينية حوالي سنة ( 1363 ه‍. ) وكان عمري آنذاك إحدى عشرة سنة.."(2).

والفرق واضح بين العبارتين فهو تارة يقول: إن عمره كان تسع سنوات وأخرى يقول: كان عمره إحدى عشرة سنة، وتارة يظن وأخرى يجزم.

ثم نجد الفرق كذلك في مضمون العبارة الثانية، حيث إنه إذا كانت ولادته هي سنة 1354 ه‍. (3). فإن عمره حينئذ هو تسع سنوات، لا إحدى عشرة سنة، كما ذكره هو في نفس هذا النص.

3 - وفي قصة متفجرة بئر العبد المعروفة، التي هي حدث

{هامش}

(1) مجلة المرشد العددان 3 - 4 ص 56 عن تحدي الممنوع ص 26.

(2) مجلة المرشد: العددان 3 - 4 ص 62، عن تحدي الممنوع: ص 43.

(3) راجع: تحدي الممنوع: ص 19، لكنه ذكر أيضا أنه ولد في سنة 1936 م. وكذا في المرشد: ص 127، مع أن ذلك إنما يوافق سنة 1935 م.، فراجع المرشد: العددين 3 و 4 ص 210، ومعجم رجال الفكر والأدب.

والملفت أكثر هو تعدد سنوات المواليد له فقد ذكر أنه ولد سنة 1935 م. و 1936 م. و 1934 م. ). راجع هامش ص 39. (*)


/ صفحة 42 /

بل منعطف تاريخي هام جدا في حياة البعض بل هي نقطة "البروز الأكبر" له(1) على حد تعبير بعض مادحيه نراه:

يقول:

"لقد تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال قبل المحاولة الفاشلة التي تعرضت لها في منطقة بئر العبد عام 1984 ميلادية"(2).

ويقول:

"أما بالنسبة لانفجار بئر العبد عام 1984 الذي حاولوا اغتيالي من خلاله الخ.."(3).

مع أن انفجار بئر العبد إنما كان في 8 - 3 - 1985 وهو الذي أودى بحياة 80 شخصاً(4). وكتاب تحدي الممنوع إنما طبع سنة (1992) أي بعد سبع سنوات فقط من حدوث هذه المجزرة، وقد نسي هذا البعض تاريخ أعظم حدث واجهه في

{هامش}

(1) مجلة المرشد: العددان: 3 - 4 ص 299 والعبارة: هكذا: "والبروز الأكبر كان بعد عام 1982 ثم في أعقاب الانفجار الضخم في بئر العبد عام 1984 الذي جعله محط الأنظار".

(2) تحدي الممنوع: ص 87.

(3) التحدي الممنوع: ص 88.

(4) مجلة المرشد: ص 128 عن جريدة الشعب المصرية بتاريخ 6 - 8 - 1993 م. وكتاب الحجاب "الحروب الخفية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية" ص 344. (*)


/ صفحة 43 /

حياته، فكيف لا ينسي حدثا مضى عليه أكثر من أربعين سنة حول موضوع ليس من إهتماماته - على حد قوله كما أشرنا إليه في العديد من المناسبات.

4 - ونجده يقول في مورد آخر: "بدأنا نصدر مجلة خطية باسم (الأدب). وكنا نحررها في سن العاشرة، أو الحادية عشرة في ذلك الوقت، وكنا نكتب عددا كلما زاد مشترك"(1).

ثم هو يقول:

"في ذلك الوقت أصدرنا مجلة مكتوبة اسمها (الأدب) وكتبت فيها موضوعين، واستكتبنا بعض الأشخاص، وكنا نحاول لدى كل مشترك جديد أن نكتب، ونصدر نسخة جديدة. وكان المرحوم السيد مهدي يحسن الكتابة جيدا. أصدرنا خمسة أعداد من هذه المجلة ما بين أعوام 1949 و 1950."(2).

ومقتضى هذا النص الأخير: أن عمره كان حين إصدار المجلة هو 13 - 14 سنة بناء على أن ولادته كانت سنة 1936 م.

{هامش}

(1) مجلة المرشد: العددان 3 - 4 ص 57، وكتاب تحدي الممنوع: ص 289.

(2) مجلة المرشد: العددان 3 - 4 ص 20 عن كتاب أسئلة وردود من القلب. (*)


/ صفحة 44 /

أما لو كانت ولادته سنة 1935 م. أو سنة 1934 م. - كما علم مما تقدم متنا وهامشا - فإن عمره سيزيد سنة أو سنتين ليصبح 14 - 15 سنة أو 15 - 16 سنة.

وعلى جميع التقادير، فإن قوله: إن عمره كان حين إصدار تلك المجلة في سن العاشرة أو الحادية عشرة - ليس دقيقا.

وإذا كان مراد ذلك كله هو - كما قال هو نفسه - أن ذلك أصبح إلى حد ما تاريخا سحيقا فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية.

فليكن ما ذكره عن الإمام السيد شرف الدين، هو الآخر بعض هذا الماضي السحيق الذي يصعب تذكر تفاصيله بدقة، تغير في تغيير حقائق التاريخ، من وجهة نظر السيد شرف الدين على الأقل.

الفرق بين الهجري والميلادي:

والملفت هنا: أن بعضهم قد اتهمنا بسوء الفهم، لأجل عدم تمييزنا - بزعمه - بين التاريخ الهجري الذي قصده البعض في مدة عمره حين سمع من السيد شرف الدين، وبين التاريخ الميلادي الذي قصده البعض في كلامه في تحديد سنة اللقاء في مسألة السيد شرف الدين نفسها.


/ صفحة 45 /

ونقول:

إن من الواضح: أن كل ثلاثة وثلاثين سنة ميلادية تزيد السنة الهجرية عليها سنة واحدة فقط.

فهذه النظرية التي ابتدعها هذا القائل، لا تستطيع أن تحل الإشكال في هذه المفردات التي أشرنا إليها لكون الفارق كبيرا، ولكون عدد السنوات فيما بين الحدين كثيرا. وقد حددت بالكلمات والحروف لا بالأرقام.

كل الفكر الإسلامي (فكر بشري) ما عدا البديهيات:

وفي حديث لنا مع بعض المسؤولين في المركز الإسلامي الثقافي، نجده يعترض علينا، فيقول ما مفاده:

إن الحقيقة ليست ملكا لأحد، فلا يستطيع أحد حتى المجتهد أن يدعي أنه يملك الحقيقة كل الحقيقة. والإسلام باستثناء البديهيات عبارة عن اجتهادات بشرية في فهم النصوص، فكل التراث الفقهي فكر بشري وليس إلهيا.

وعليه فلا معنى لإصدار أحكام قاسية - كما هو الحال في كتاب مأساة الزهراء(ع) - ضد من يخالف في الرأي، فالحقيقة ليست ملكا لأحد.

بل يقول البعض أيضا: إن الحقيقة نسبية!!


/ صفحة 46 /

ولم نكن نريد التعرض إلى هذا الاعتراض لو لا أننا وجدنا أخيرا هذا البعض قد سجل ذلك بصورة أكثر وضوحا في بعض مؤلفاته..

فإنه بعد أن ذكر: أنه ليس من شك في أن القرآن كتاب الله، ولكن كلمات القرآن تبقى خاضعة لاجتهاد المفسرين والعلماء.

بعد أن ذكر ذلك في جملة كلام له، قال:

"ونحن نعتقد، من خلال ذلك، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي، وكلامي، وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية. ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبهذا فإننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي - ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية - هو فكر بشري، وليس فكرا إلهيا، قد يخطئ فيه البشر في ما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله (ص)، وقد يصيبون.

وعلى هذا الأساس فإننا نعتقد أنه من الضروري جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين - أينما كانت مواقع تفكيرهم - نظرة بعيدة عن القداسة في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس الآخرين فيمن قد يكونون على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى، لأن ذلك شئ ومسألة الفكر شئ آخر. ولذلك فإننا ندعو إلى دراسة


/ صفحة 47 /

التراث دراسة ناقدة، نعيش فيها شخصيتنا الفكرية، ونعيش فيها انفتاحنا الفكري الذي عاشه الأقدمون في ما مارسوه من تجربتهم الفكرية"(1).

ونقول:

إن هذا الاعتراض - وإن كان ظاهر البطلان - ولكنه مع ذلك يعتبر على درجة عالية من الخطورة، وذلك يجعله أكثر الإعتراضات أهمية وحساسية.. ونحن نذكر هنا بعض المآخذ.

على أن تستكمل هذه المؤاخذات في فرصة أخرى، يمكن معها التوسع في البيان والمعاني.

فنقول:

1 - إذا كان كل ذلك بشريا، - باستثناء بديهيات محدودة منه - عبر عنها البعض البعض بالثابت - كالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ومسلمات الشريعة، مثل: وجوب الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الزنا والسرقة، والخمر، والميسر، والنميمة، واللواط، والغيبة وقتل النفس المحرمة، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين العامة جدا، دون تفاصيلها، فإن التفاصيل تدخل في نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية، غير الإلهية وهو ما عبر عنه

{هامش}

(1) راجع: حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع: ص 480. عن مجلة الموسم: عدد 8 سنة 1990 م. (*)


/ صفحة 48 /

البعض بالمتحول(1).

إذا كان كذلك، فلماذا ندعو غير المسلمين للدخول في الإسلام، فهل ندعوهم لخصوص هذه البديهيات في عناوينها العامة والغائمة، واليسيرة جدا؟ أم ندعوهم إلى وجهات نظر أشخاص، هم بشر مثلهم؟!.

وحين يقال: إن علينا أن نقدم الإسلام للآخرين باعتباره دينا، وفكرا، وقانونا قادرا على حل جميع المشكلات، وهو النموذج الأمثل للبشر جميعا، وفي كل مجال، فأي إسلام نقدم؟

هل نقدم خصوص البديهيات؟ أم نقدم الفكر البشري، ونقول لهم: هذا الفكر البشري هو الإسلام الذي أنزله الله تعالى لعباده؟!

وأي فكر من أفكار هؤلاء البشر نقدم للناس؟

2 - إن كان المقصود بالبديهي هو الذي لم يناقش أحد فيه، فإن ذلك لا يصح، وذلك لأن وجود النقاش في أمر من الأمور لا يعني صيرورته فكرا بشريا، وقد ناقش الكثيرون في وجود الله، بل أنكروه، ويناقش غير المسلمين في نبوة النبي (ص)، ولا يعني ذلك صيرورتهما فكرا بشريا، وتناقش طوائف كثيرة في فكرة الإمامة، ولا يعني ذلك صيرورتها فكرا بشريا، ويناقش كثيرون في حقائق دينية وأحكام شرعية، ولا يعني ذلك أن تصبح تلك الأحكام أو الحقائق فكرا بشريا.

{هامش}

(1) راجع مقالة الأصالة والتجديد في مجلة المنهاج: العدد الثاني: ص 60. (*)


/ صفحة 49 /

خذ مثلا على ذلك محاولة البعض تحليل نظر الرجل إلى عورة الرجل ونظر المرأة إلى عورة المرأة(1)، مع أن حرمة ذلك من الأمور القطعية، وهذا الحكم بالحلية من قبل البعض لا يجعل هذا الحكم الثابت - أعني الحرمة - فكرا بشريا.

وإن كان المقصود بالبديهي هو الأمر الذي، يعرف وجه الحق فيه بمجرد التوجه والإلتفات إليه..

فإن من الواضح: أن الحقيقة الإسلامية وإن لم تكن بديهية في نفسها، أو لم تكن بديهية عند البعض بهذا المعنى، ولكنها لما كانت تنال بواسطة الأمارات والحجج والأدلة الشرعية عليها، فاستخراج الحقيقة من الدليل، أو تحصيل الإجماع عليها بعد بذل الجهد والعناء الطويل لا يجعلها فكرا بشريا. لمجرد أنها ليست من الأمور البديهية.

وكذا الحال لو لم تكن بديهية عند البعض كمثال النظر إلى العورة المذكور آنفا.

غير أن بعض الأحكام أو بعض الأمور قد لا يكون الدليل عليها حاسما وقاطعا فإذا أخطأتها الأمارات والأدلة التي لسانها لسان الكاشفية، صار المكلف معذورا في مخالفته للحكم الواقعي أمام الله سبحانه وتعالى، غير أن العمل وفق القواعد المقررة شرعا يجعل جميع النتائج متصفة بصفة الإسلامية والإلهية، حتى

{هامش}

(1) راجع: كتاب النكاح: ج 1 ص 66. (*)


/ صفحة 50 /

وإن لم يصب الحكم الواقعي فإن صحة العمل لتحصيل العذر أمام الله تعالى من خلال تطبيقه على الوسائل المجعولة والمنصوبة من قبل الشرع هو حكم إلهي وليس فكرا بشريا فقولهم: إن البديهيات فقط هي التي تتصف بكونها فكرا إلهيا لا يصح (لو صح استعمال كلمة: فكر إلهي).

أما حيث يكون التكليف هو العمل بالوظيفة الشرعية، أو إجراء الأصول في مواردها، فإن ذلك يكون هو الحكم الإلهي في حق المكلف، وهو فكر إلهي - على حد تعبير البعض - لا بشري، لأن الله هو الذي عين له العمل بهذه الوظيفة، أو بذلك الأصل في أمثال تلك الموارد.

فالمورد يتصف بالشرعية والإسلامية والإلهية لكونه من الموارد المقررة إلهيا وإسلاميا لهذه الحالة وللحالات المماثلة.

3 - إننا نفهم بعمق محاولة البعض إظهار التشيع على أنه فكر بشري حيث يقول: "لتكون المسألة السنية والشيعية مسألة مدرستين في فهم الإسلام"(1) وأن التشيع مجرد وجهة نظر حين يقول: "وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون التشيع فيما هو التشيع وجهة نظر ، في خط الإسلام حالة معزولة عن الواقع العام للمسلمين، الخ.."(2).

{هامش}

(1) مجلة المرشد: العددان: 3 و 4 ص 68.

(2) تأملات في مواقف الإمام الكاظم " ع ": ص 94. (*)


/ صفحة 51 /

ثم يجعل الإمامة، من "المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه. وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدال فيه كالخلافة والإمامة، والحسن والقبح العقليين الخ.."(1).

فإن ذلك يستبطن استبعاد النص على الإمامة، واعتبار الإمامة بل التشيع كله، اجتهادا بشريا جاء به الأئمة(ع) كأي اجتهاد بشري آخر جاء به الآخرون وليس فكرا إلهيا، لأن الإمامة ليست من البديهيات عند بعض المسلمين، منذ وفاة الرسول (ص) على حد زعم البعض، فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيا - على حد تعبير البعض -. ولو كان بديهيا لزم خروجهم عن الإسلام الأمر الذي لا يلتزم هو به.

وهل وجود شبهة في أمر بديهي لدى البعض يجعل البديهي وجهة نظر؟ ويجعله فكرا بشريا؟ ثم يجعله من المتحول كالإمامة؟!

4 - إن البديهيات لا تحتاج إلى إيجاب التفقه والاجتهاد أو التقليد، أو الاحتياط، على الناس.

{هامش}

(1) مجلة المنهاج: عدد 2 ص 60 مقالة: الأصالة والتجديد. (*)


/ صفحة 52 /

أما فيما عداها مما يسمى بـ‍ "الفكر البشري" فلا معنى أيضا لإيجاب ذلك كله، ولا داعي له.

5 - وإذا اعترف شخص ما ببديهيات الإسلام، وأراد أن يأخذ فيما عداها بالقوانين الوضعية، أو أراد أن تكون له هو وجهات نظر بشرية غير إلهية، فلماذا يعتبر مبتدعا، وتعتبر كتبه كتب ضلال ليواجه الحكم القاسي على أهل البدع، وتحريم كتبه لأنها كتت ضلال؟ وما هو الفارق الذي جعل الفكر البشري مقبولا هنا ومرفوضا هناك؟

وقد يقال: إن وجود ما عدا البديهيات - على سبيل الإجمال - يعتبر أمرا بديهيا فهو إلهي أيضا.

أو يقال: إن وسائل إنتاج الفكر البشري المقبولة هنا، غير مقبولة في القوانين الوضعية.

ويجاب: بأنه كيف يتحول الفكر الإلهي - على حد تعبيرهم - إلى فكر بشري؟ وكيف يعامل الفكر البشري على أنه فكر إلهي من أجل ذلك؟!. فإنه في كلا الموردين ليس إلهيا، والباء في كلا الموردين واحدة فلماذا تجر تارة ولا تجر أخرى.

6 - لنفترض: أن الناس قد رفضوا الإلتزام بما سمي بالفكر البشري، فهل يمكن أن يشعروا بأية حساسية أو حماس تجاه ذلك الفكر تدفعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى الجهاد، وبذل الأنفس، والأبناء، والأموال في سبيله؟


/ صفحة 53 /

وكيف يمكن أن نقنعهم بالتضحية بأنفسهم وأبنائهم؟! من أجل فكر بشري...

وهل كل جهود وتضحيات الأنبياء والأصفياء والشهداء كانت في سبيل تكريس وجهات نظر بشرية تختلف وتتضارب فيما بينها؟!..

وهذا الفكر البشري "الإسلام" بماذا يمتاز عن أي فكر أو قانون بشري وضعي آخر، يدعي واضعوه: أنه يكفل للناس سعادتهم، ويحل لهم مشاكلهم؟!

ألا يعني ذلك أن يصبح هذا الإسلام، الفكر البشري الذي لا روح فيه، مجرد ترف فكري أو وجهات نظر أشخاص يتداولها الناس في صالوناتهم الفاخرة، ويتفكهون بها في مكاتبهم وحفلاتهم الساهرة؟!.

7 - إذا كان ما يفهمه العلماء من نصوص وظواهر القرآن والسنة فكرا بشريا، فلماذا أخفى الله سبحانه "فكره الإلهي" على حد تعبيرهم؟ وجعله رهينة التكهنات والتخيلات البشرية؟

وأية فائدة تبقى من بعث الأنبياء، ومن وضع التشريعات الإلهية، ما دامت أن هذه التشريعات ستصبح لا أهمية لها، لأن الميزان حينئذ هو تلك التصورات البشرية عنها وبالتالي ستنقطع الصلة مع الله على هذا الأساس؟!

وكيف نوفق بين هذا، وبين طلب الشارع من الناس أن يأخذوا بظواهر الكتاب والسنة، واحتجاجه بهما على العباد، ثم


/ صفحة 54 /

المثوبة والعقوبة على أساس ذلك، مع أنهما - حسب قول هؤلاء - غير قادرين على إثبات الفكر الإلهي، وإيصال حقائق الدين والشريعة إلى الناس.

وهكذا الحال في سائر الحجج التي سوف يطالبنا الله تعالى بها على أساس الإلتزام بمراعاتها وعدمه.

وكيف جاز أن يجعل الله أمرا غير قادر على إثبات المقاصد، وسيلة لنيل مقاصده؟!

إن ذلك لعجيب حقا وأي عجيب!!

8 - وقبل أن نختم حديثنا نشير إلى عدم صحة مقولة:

نسبية الحقيقة، فإن ذلك من سخف القول. وزائف الكلام لأن الحقيقة هي الحقيقة أخطأها من أخطأ، وأصابها من أصاب. فلا اختلاف فيها على حد اختلاف درجات الألوان أو درجات الحرارة والبرودة لتكون نسبية.

وأما الاختلاف في كثرة موارد إصابتها وقلتها، فهو لا يجعل الحقيقة نسبية..

ولو أريد تكريس اصطلاح كهذا، فإنه لا يفيد هؤلاء شيئا في نظرية الفكر الإلهي والفكر البشري وليصبح كل التراث الفقهي والكلامي فكرا بشريا كما يزعمون.


/ صفحة 55 /

المقصود بمتفجرة بئر العبد:

وأبلغنا: أن من المؤاخذات على هذا الكتاب: أنه تحدث بصورة تستبطن التشكيك في أن يكون ذلك البعض هو المقصود بالاغتيال في متفجرة بئر العبد.

ونقول:

إن ذكر متفجرة بئر العبد في الكتاب إنما كان في سياق الاعتراض على مقولة:

"أنا لا يهمني - انكسر ضلع الزهراء أو ما انكسر"، فإن كان عدم اهتمامه ناشئا من كون ذلك حدثا تاريخيا قد مضى عليه الزمن، فإن هذا الحدث الشخصي قد مضى عليه الزمن أيضا..

ومع ذلك فهناك اهتمام بالتذكير به كل عام، حيث تصدر في هذه المناسبة تصريحات إذاعية وغيرها، تضع الناس أمام هذه الفاجعة الأليمة، ولم نكن نريد بذلك الدخول في الجوانب الشخصية والتفصيلية لهذه المجزرة البشعة، التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصا بين طفل وشيخ، وإمرة وشاب.

ونعود لنؤكد هنا بأننا لن ننجر إلى الدخول في نقاش يحرف الكتاب عن الهدف الديني والعلمي المحض الذي وضع له.


/ صفحة 56 /

السباب والشتائم:

ومن الأمور التي أخذت على الكتاب وخصوصا التمهيد منه: أنه - كما يدعون - يشتمل على شتائم وتهجمات شخصية على البعض:

ونقول:

1 - إننا لا نجد لهذا القول مبررا معقولا أو مقبولا، فالتمهيد إنما عالج مقولات أطلقها البعض في سياق استدلالاته - على القضية التي هي موضوع كتاب مأساة الزهراء - لتكون جزءا منها تارة ولتخلق حالة من الحصانة والقوة والثبات لتلك الأدلة في أذهان الناس العاديين تارة أخرى.

وعلى سبيل المثال نقول: لماذا يقال للناس العاديين: أنه أنما يطرح تساؤلات حول الزهراء، أو أن انتقاد مقولاته حول الزهراء يعتبر تشهيرا به، أو أن كلامه في هذا الأمر اجتهاد؟!

بل هو يقول:

"ناقشت كل العلماء في إيران وغيرها الخ.."

أليس قوله هذا لأجل خلق حالة من الإذعان والانبهار بالأمر لدى الناس العاديين، حتى يتم اعتباره في أذهانهم في عداد الأمور المحققة اليقينية؟


/ صفحة 57 /

ولعل من لم يكن يتابع ما يصدر عن البعض من تصريحات مذاعة أو مكتوبة حول موضوع الكتاب وغيرها من الموضوعات الهامة والتي طرحت أخيرا - لعله - يعذر في تصوره أن في التمهيد بعض القسوة.

لكن من واكب، وسمع، وقرأ، وعرف وشاهد، فمن الصعب أن تجد له عذرا في إطلاق دعوى غرابة ما في تمهيد الكتاب عن الموضوعات المطروحة فيه، لأنه سيجد ما يرتفع به استغرابه واستهجانه في نفس كلمات ذلك البعض في موضوع الزهراء بالذات فضلا عن غيره من المواضيع الحساسة.

2 - وعدا عن ذلك كله، فهل يستطيع أحد أن يقدم لنا مفردة يصح أن يطلق عليها: أنه سباب أو شتائم؟!. أو حتى ما هو أقل من ذلك بكثير؟!

3 - ولا أدري، ما ذا سيكون موقف هؤلاء الناس ممن يدأب على إظهار نفسه بأنه لا يريد أن يجيب أحدا، من موقع التسامح والترفع عن الدخول في هذه الأمور، فإنه مشغول بما هو أهم ونفعه أعم؟!

ثم يواصل وصف الآخرين، وكل من يعترض عليه من العلماء حتى مراجع الدين بأوصاف لعل أهونها: التخلف في الذهنية، والعقد النفسية، والتحرك من منطلق الغرائز، وعدم التثبت، ثم يصف بعض العلماء - الذين لا يقبلون بمقولاته - عبر الإذاعة: أنه لا يملك إلا أن يقول عنهم أنهم بلا دين، هذا


/ صفحة 58 /

فضلا عن اتهامات خطيرة جدا لم يزل يرددها ويشيعها في كل اتجاه..

ونحن نفضل أن لا نثقف أحدا بهذه المفردات، فإننا نربأ بالناس عن تعلمها فضلا عن استعمالها.

أما ردود الفعل المكتوبة، التي يسخر كل ما لديه من إمكانات لترويجها ونشرها رغم ما اشتملت عليه من زخرف القول، ومن أضاليل وأباطيل، وحتى أكاذيب، فضلا عن التحريف أو التزوير المتعمد. واشتمالها على أفانين من الشتائم فقد غدت أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، وقد أشرنا إليها في هذه المقدمة في الموضع المناسب.

صيغة الرد لماذا؟!!

ويحاول البعض أن يثير تساؤلا آخرا يرى أنه جدير بالإهتمام وبالاحترام، وهو: ألم يكن من الأفضل الابتعاد عن صيغة الرد، التي تحمل في طياتها احتمالات التخطئة والتجهيل، بل هي في الحقيقة من صيغ التحدي للقائل، الذي يفترض صونه عن أمر كهذا؟! ألم يكن من الأفضل أن يؤلف هذا الكتاب بطريقة أخرى، بأن يطرح الموضوع مجردا عن أية إشارة إلى أن البعض يقول كذا، أو يقول كذا؟!


/ صفحة 59 /

ونقول:

أولا:

لا ندري ما إذا كان النقد الموضوعي والعلمي يحمل في طياته صفة التحدي المزعومة!! ولو صح ذلك، لكن الأجدر أن يقفل الناس باب أي نقاش علمي مع أي شخص بعينه، بل كان الأجدر أن لا يجري نقاش بين اثنين في أية مسألة علمية فكرية، أو حياتية على الإطلاق.

ثانيا:

إن السؤال بل الاعتراض يتوجه على ذلك البعض نفسه حين يتصدى لنقد وتفنيد آراء بل اعتقادات طائفة بأسرها، بل هو يستعمل كثيرا من عبارات التجريح لها ولعلمائها ويتهمهم بأنواع التهم القاسية مستعملا لذلك كلمات قوية وقاذعة أيسرها عدم الوعي والتأثر بالمحيط المتخلف، والجمود، والتحجر، والعيش في الماضي وعدم الوعي - لا سيما المرجعي منه - ثم عدم العصرنة وما إلى ذلك.

ثالثا:

إنا نستغرب كثيرا طرح هذا الموضوع بهذه الطريقة، لأننا إنما تحدثنا بصيغة تجنبنا فيها التصريح باسم أحد، وذلك تحاشيا لإحراج أي كان من الناس في أن يجد نفسه في موقع لا يرغب هو بأن يرى نفسه فيه.


/ صفحة 60 /

فإذا كان ثمة حالة أسهم ذلك البعض نفسه في نشوئها بل في استمرارها لأنه لم يزل يصر على متابعة تحريك عوامل الإثارة ولا ندري سر ذلك ولا نعرف غاياته، أو أهدافه؟ حتى بات واضحا لدى الكثيرين من هو صاحب تلك المقولات - إذا كان الأمر كذلك - فما هو ذنبنا نحن يا ترى؟!

على أن من الواضح: أننا حين آثرنا تجنب التصريح بالأسماء لم يرتض بعض الناس ذلك فاعتبروه تنكيرا وتجهيلا وإهانة، فأثاروا بذلك أجواء اتجهوا فيها نحو تولي الإعلان والتصريح بالأسماء حيث لم يرضهم التلويح أو التلميح.

ونحن تعليقا على عملهم هذا لا نملك إلا أن نأسف ونأمل أن يوفقنا الله لمعرفة وجه الحكمة في صنيعهم هذا.

رابعا:

إننا من جهة لم نزل نسمع ونرى البعض يقدمون أنفهسم على أنهم دعاة حوار، ورواد انفتاح على الآخرين، ولكنهم - مع ذلك - يقمعون محاوريهم من الداخل، فلا انفتاح ولا حوار؟!

ثم يرفضون الحوار مع من لا يتمكنون من ممارسة القمع ضدهم بصورة ظاهرة.

ومن جهة أخرى نراهم يدعون إلى طرح القضايا على الناس بصراحة وبوضوح، لأن العلم والفكر ليس حكرا على فريق دون فريق، بل نجدهم يستثيرون شهية الكثيرين للحوار بقولهم: "نحن نعتبر النقد أفضل هدية تقدم إلينا.." ثم في


/ صفحة 61 /

المقابل نجدهم يواجهون هذا الكتاب المبني على الحقيقة العلمية الصريحة والواضحة بأشد حالات الغضب والانزعاج منه ومن مؤلفه.. ثم نجدهم يمارسون سياسة المحاصرة للكتاب، ويبذلون جهدا كبيرا لمنع الناس من تداوله وحتى من بيعه وشرائه بطريقة أو بأخرى. حتى بات حكمه أسوأ من حكم كتب الضلال التي جوز هذا البعض مؤخرا تداولها والاطلاع عليها؟!

ولعل أيسر ذلك محاولاتهم تحريك غرائز الناس، باعتبار:

أن هذا الكتاب هو ضد فلان أو يهدف إلى إسقاط هذا البعض، أو ذاك.

هذا كله.. عدا عن محاولات التشويه، والتجني، والتجريح التي لم وربما لن تقف عند حد..

خامسا:

إن الهدف من الكتاب إنما هو مناقشة علمية وموضوعية لمقولات معينة، اجتمعت لدى البعض في موضوعات بعينها بهدف تصحيح النظرة لدى الذين يمكن أن يتأثروا بما يقال لهم ليقبلوه، ويعملوا على أساسه.

ولو كان البحث المجرد عن الإشارة يكفي، لكفت عشرات المؤلفات التي ذكرت تلك الموضوعات، وحشدت لها الأدلة الكثيرة، ولم يكن ثمة حاجة لكتابة "مأساة الزهراء(ع)" من الأساس.


/ صفحة 62 /

وتلك الكتب الكثيرة والمعتمدة رغم أنها حافلة بالنصوص المزيلة لكل شبهة، والقاطعة لأي عذر، إلا أنها لم تمنع من تأثر هؤلاء الناس بمقولات هذا البعض، في أمر اتفقت عليه كلمة شيعة أهل البيت(ع)، وتضافرت(1) به النصوص عن المعصومين(ع)، وتواترت عنهم وعن المؤرخين والمحدثين على اختلاف ميولهم ومذاهبهم.

لعل مراد القائل غير ما فهم منه:

ومن الإعتراضات التي وجهت إلينا: أن من الممكن أن يكون مقصود القائل هو غير ما فهمتم من كلامه، فلا بد من التأكد من ذلك بسؤال نفس صاحب تلك المقولات عن مقصوده.

ونقول:

1 - إن هذا البعض إنما يطرح مقولاته على الملأ العام ولعامة الناس، فما فهمناه هو ما فهمه الناس من ظواهر كلماته، ونحن لم ننسب إليه شيئا خارج نطاق دلالات الألفاظ التي

{هامش}

(1) كما صرح به في خطبته في قم، في حسينية الشهيد الصدر في 21 شعبان 1414 ه‍. وقد تقدمت الإشارة إلى تحريف النص، فراجع فقرة: " التنازع في جنس الملائكة " متنا وهامشا. (*)


/ صفحة 63 /

استخدمها للتعبير عن مقاصده، وفق ما يفهم كل أهل اللغة ومن ينطق بها، وطبق قواعد محاوراتهم، وأساليبهم في تفهيم مقاصدهم.

2 - إنه إذا لم يستطع من قضى عدة عقود من الزمن في الدراسة والجهد العلمي أن يفهم مراد هذا البعض، فمن ذا الذي يخاطبه هذا البعض بكلامه، ويمكنه أن يفهمها؟! ولنا أن نتساءل ما الذي فهمه أولئك الناس العاديون، الذين حضروا مجلسه، وسمعوا منه مباشرة أو عبر الإذاعة وغيرها، وفيهم المرأة والرجل، والكبير والصغير، والشاب، والمثقف، وغير المثقف والعامل والفلاح.

3 - ولنفترض جدلا وجود خطأ في فهم بعض تلك الموارد، فكم يمكن أن نتصور حجمه ومقداره إلى جانب عشرات الموارد التي فهمت كما يفهمها الناس المخاطبون بها بصورة سليمة وقويمة؟!

وماذا يمكن أن نفعل فيما اتفقت فيه أفهام العلماء الكبار، ومراجع الدين، وكثير من المثقفين، وفيهم جماعة من غير مذهبنا أو ملتنا؟ حتى أن البعض منهم بات يحتج على أهل هذا المذهب بكلامه!

وليدلنا صاحب الاعتراض على تلك الموارد التي تحتاج إلى التوضيح والتصحيح لنعرف كيف؟ ولماذا أخطأنا في فهم المراد منها؟!


/ صفحة 64 /

ثم للنظر فيما يطرح ويدعى أنه توضيح تنقيح هل يصلح لأن يوصف بذلك حقا وصدقا، أو أنه غير صالح له؟!

المصطادون في الماء العكر:

ومن الأمور التي لم نزل نسمعها من أكثر من جهة:

أن هذا الكتاب قد أفسح المجال لفئات متناثرة هنا وهناك، لتصطاد في الماء العكر - على حد تعبيرهم - وتتحرك باتجاه تحقيق أهداف أخرى لا ربط لها بما توخاه كتاب "مأساة الزهراء(ع)".

ونقول:

نخشى أن يكون المقصود: أن طرح الموضوعات المثيرة إذا كان من جانب واحد - هو جانب ذلك البعض - فليس ثمة من مشكلة، حتى لو أدت إلى زعزعة ثوابت عقيدية وإيمانية، بل إن الساحة سوف تبقى صافية كصفاء عين الديك حينئذ، لكن إذا ما أراد أحد أن ينتصر للحق، ويعترض على مقولات ذلك البعض، بهدف تحصين الناس من الانسياق وراء هذه المقولات، متلقيا لها بحسن نية وسلامة طوية، ومن دون مناقشة فإن ذلك يعد جريمة كبرى، لأنه ربما يمثل عقبة في طريق المشروع الذي قد يكون البعض يعمل له منذ أربعين أو خمسين سنة، وهل ثمة جريمة أعظم من إلفات نظر الناس إلى ما يراد لهم وبهم؟!

ألا يعتبر ذلك إرباكا للواقع الإسلامي كله، على حد تعبيرهم؟


/ صفحة 65 /

وبعد ما تقدم نقول:

1 - حبذا لو قيل هذا للكلام لأولئك الذين أثاروا هذه القضايا وأصروا على إشاعتها وتثبيتها بين الناس، في مناسبات عديدة لمدة مديدة. وكنا نحن وكان كتابنا أيضا ضحية هذا الإصرار منهم، حيث أديرت مفردات تأكيده وتجسيده بدراية وأناة؟ وبالاستعانة بقدرات إعلامية كبيرة وأساليب "بديعة ومؤثرة"، لطالما وجهت إلينا التحذيرات منها، لكننا لم نلتفت لها، ولم نأبه بها، لأننا وجدنا أن واجبنا الشرعي يفرض علينا أن نعالج ما يمكن معالجته، وأن رضى الله هو المطلوب.

2 - إن ثمة درجة عالية من التهويل والتضخيم لشأن من أسموهم بالمصطادين في الماء العكر، لا سيما مع ملاحظة ما ذكرناه آنفا.

3 - من الواضح: أن طرح فكرة ما للناس لتصبح جزءا من عقيدتهم أو ثقافتهم، وليكون لها تأثير بشكل أو بآخر في حياتهم، يتطلب المبادرة إلى طرح الفكرة المغايرة التي تظهر أوجه الخلل فيها في نفس الفضاء، وبنفس الكيفية التي طرحت فيها الفكرة الأولى، ولا يصح الانتظار سنين متمادية، لأن التصدي بعد تجذر ذلك سيكون - أصعب، وأكثر تعقيدا، وأقل نتيجة، حيث تكون الفكرة قد تجذرت في نفوس الناس وعقولهم لتصير جزءا من عقيدتهم، ومفاهيمهم، وحياتهم.


/ صفحة 66 /

4 - إنه سواء طرحت الفكرة الصحيحة اليوم أو غدا، أو بعد عشرات السنين فليس ثمة ما يمنع من وجود مستفيدين، في كل زمان ومكان، ونحن نرى أنه لا يجوز أن يكون وجودهم مانعا من التصدي للتصحيح أو التوضيح، وإلا فإننا لو أردنا أن نتقيد بهذا الأمر إلى هذا الحد، فلن نتمكن من الرد على أية فكرة، ولن نستطيع مواجهة أي مشروع، لا سيما إذا كان يستهدف مفردات كثيرة، من بينها ما هو على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية، مما يستدعي الإسراع في المبادرة إلى عملية التصحيح هذه. ليس هذا وقت هذه الأمور:

وبعد ما تقدم فقد اتضحت الإجابة على المقولة التي أطلقت ولا زلنا نسمع بعض أصدائها، وهي: "إن الوقت لا يسمح بطرح أمثال هذه القضايا، فهناك من القضايا ما هو أهم وأخطر، ومن المشكلات الفكرية والسلوكية والعقيدية ما هو أعقد وأكبر، بالإضافة إلى وجود أناس من إخواننا من باقي المذاهب قد يتحسسون وينزعجون من طرح بعض الأمور، والأهم من ذلك، هناك إسرائيل، ومؤامرات الاستكبار العالمي على كل حياتنا ووجودنا".

/


 صفحة 67 /

ونقول:

1 - إن هذا الكلام إنما يوجه لمن يطرح هذه القضايا فالوضع القائم كان موجودا، قبل ومع وبعد طرحه لهذه الأمور، فلماذا ناسب التوقيت طرحها، ولم يناسب الرد عليها؟

2 - إذا لم يجب أحد على هذه الطروحات الآن فمتى يمكن الإجابة عنها بحيث تكون مجدية ومؤثرة؟!

3 - متى وفي أي زمان لم يكن للمسلمين مشكلات كبيرة وخطيرة؟ ومتى سيخرجون تماما من مشكلاتهم هذه وأمثالها؟! إلا حين خروج المهدي الحجة المنتظر ( عجل الله تعالى فرجه الشريف )؟!.

وهل إذا كان العدو الإسرائيلي والاستكبار العالمي يتربصان بنا الدوائر.. كان علينا أن نسمح لأي كان بل نغريه بأن يتعرض لشؤون الدين، ولقضايا الإيمان، لزعزعة ثباتها، أو تبديل مفرداتها؟! وذلك حين نعطيه الأمان، ونسكت عنه، ونتستر عليه من أجل ذلك؟!

وهل سيأتي يوم لا يكون هناك من ينزعج من طرح قضايانا؟!

ومتى سيرضى الآخرون بطرح أمور تدين أو تثبت صدور مخالفات من بعض الذين يجلونهم ويحترمونهم؟!

ثم بعد هذا، كيف؟ ومن الذي يستطيع تحديد اليوم الذي لا يكون لنا فيه عدو يتربص بنا الدوائر، لنتمكن من تصحيح الأخطاء، ومن إعادة الأمور إلى نصابها؟!


/ صفحة 68 /

4 - قد قلنا مرارا وتكرارا: لماذا ينظر إلى من يمارس مسؤولياته، ويحاول إعادة الأمور إلى نصابها، وصيانة الذهنية العامة عن أن تقع في الخطأ في الاعتقاد والإيمان، ويريد أن يناقش مقولات يراها تلامس قضايا حساسة في المجال الديني، والإيماني، والثقافي - لماذا ينظر إليه - على أنه يثير بذلك مشكلة، أو أنه يريد إرباك الساحة؟ ولا ينظر إلى ذلك الذي يصر على صدم الواقع(1)، وإصلاح العقائد الشيعية الخاطئة والمتوارثة - على حد تعبيره (2) - بل وإظهار العلم مقابل البدع حيث يقصد: إن بعض عقائد مذهب أهل البيت هي تلك البدع التي سعى لأن يظهر علمه في مقابلها؟!.

ولو فرضنا أن ذلك قد يثير مشكلة فلماذا لا يطالب بها نفس ذلك الذي أثارها، ولا يزال مصرا على التمسك بها، وإثارتها، وتثقيف الناس بمضامينها؟!

5 - كنا ولا نزال ندعو هذا البعض إلى حوار علمي موضوعي وجدي، يلزم الجمع، على أن يكون بلغة واضحة ومكتوبة، لا يتسنى معها لأحد الاختباء خلف عبارات: "لم أقصد" و "فهموني خطأ" و "كذبوا علي" و "لم أقل ذلك" و

{هامش}

(1) مجلة المرشد: العددان 3 - 4 ص 281.

(2) نشرة بينات: بتاريخ 25 - 10 - 1996 م. (*)


/ صفحة 69 /

"لعل" و "ربما" إلى غيرها من أدوات التنكر - المتداولة أخيرا - لظاهر الكلام ومؤداه، الذي يفهمه العالم والإنسان العادي.

وقد حرصنا دوما ولا زلنا على استخدام أساليب للحوار مفيدة ومنتجة نجنب فيها الساحة سلبيات الطرح العلني، ويشهد لذلك رسائلنا، وشهد الكثيرون ممن حملوا لهم دعوتنا هذه، حيث عادوا جميعا بخفي حنين.

ونحن نغتنم الآن أيضا - وفي هذا التقديم بالذات الفرصة لدعوة الجميع من المخلصين الذين يمكنهم تبني هذا الطرح - الحوار - إلى تنفيذه ضمن الأسس التي ذكرناها، ليكونوا قد أدوا بذلك خدمة جليلة للدين الحنيف، تكون لهم ذخرا وفخرا يوم الدين.

أسلوب خبيث.. ولا مانع من استخدامه!!

ومن الأمور المطروحة للتداول، بهدف صرف الأنظار عن الرد العلمي على مقولات البعض، قولهم: إن الأمر لا يعدو كونه مجرد إثارة تساؤلات منهجية وعلمية حول مظلومية الزهراء(ع)، وغيرها من موضوعات عقيدية، وتاريخية، وقرآنية، وما إلى ذلك..


/ صفحة 70 /

وقد أشرنا إلى أن ذلك لا يقبل من عالم يفترض فيه أن يكون هو المجيب على تساؤلات الناس، ولا سيما العوام منهم.

وقلنا أيضا: إن من يثير تساؤلات وحسب، فلماذا يرفقها بالشواهد والأدلة على النفي؟!. فإذا فعل ذلك، فلن يعود المجال مفتوحا إلا لعده في جملة من يلتزمون بالنفي، ويتسترون خلف واجهة إثارة التساؤلات.

ولا ندري إن كان هذا البعض يثير تساؤلاته، بصورة جدية، وحقيقية؟ أم أنه يعتبرنا في جملة أهل الضلال، ومن خصومه في العقيدة، فيجيز لنفسه استعمال أسلوب - وصفه هو نفسه بأنه ماكر وخبيث - جوز استعماله مع الأعداء وأهل الضلال.. فهل يريد استعمال نفس هذا الأسلوب معنا؟! وكأننا في جملة أولئك الأعداء الضالين بنظره؟!.

فإن كان الجواب هو الأول، فتلك مصيبة، وإن كان الجواب هو الثاني فالمصيبة أعظم، وأمر، وأدهى. فلنستمع إليه، وهو يتحدث عن قصة صالح وثمود فكان مما استفاده منها ما يلي:

"محاولة المستكبرين إثارة طلب شك المستضعفين بالرسالة، من خلال طرح سؤال ساذج، ظاهره طلب الحقيقة، وباطنه إرادة التضليل، للإيحاء إليهم بأن عليهم إعادة النظر في قناعاتهم، على أساس أن القضية تشمل الأخذ والرد، ولا


/ صفحة 71 /

ترقى إلى مستوى الوضوح الكامل ليكتشفوا أنها لا تمثل الحقيقة اليقينية. ولكن المستضعفين وقفوا بقوة لتأكيد إيمانهم بأسلوب قوي جعل أولئك يكتشفون هويتهم بالكفر والعناد والتحدي العنيف".

ثم إنه بعد أن وصف هذا الأسلوب بأنه ماكر وخبيث قال:

"إنه من أساليب الكفر والضلال عندما يتحدثون إلينا بطريقة التحبب والتودد، وكأنهم يقولون لنا: هل أنتم جادون أم مازحون في إعلانكم الاعتقاد بما تعتقدون به، أو بما تثيرونه من قضايا؟ ويضيفون بعد ذلك: إننا لا نعتقد هذا، لأنكم - حسب رأينا - في مستوى من الوعي والعلم، يجعلكم في موضع ثقافي يرفض تقبل هذا، فكيف بالإيمان به؟!

إنه الأسلوب الخبيث الذي يحاول أن يجعل من قضية الإيمان والعقيدة، قضية تسئ إلى كرامة الإنسان، لامتهانها قدراته العقلية والفكرية".

إلى أن قال:

"ولا نمانع من استخدام هذا الأسلوب مع الكثير من المضللين من خصومنا في العقيدة، لأنه ينسجم مع واقع الأمور إذا مارسناه الخ.."(1).

{هامش}

(1) الحوار في القرآن: ص 252 و 253. (*)


/ صفحة 72 /

الخروج عن دائرة المذهب الفقهي:

واعترضوا علينا أيضا بأننا قد حكمنا على البعض بخروجه عن دائرة المذهب، حين قلنا: إن اجتماع كثير من الفتاوى الشاذة لدى شخص قد يخرجه عن دائرة المذهب الفقهي الذي ينتمي إليه..

والحال: أن مخالفة المشهور لا توجب ذلك مهما كثرت..

ونقول:

1 - إنه حتى الطالب المبتدئ يعرب الفرق بين الفتاوى الشاذة، وبين الفتاوى المخالفة للمشهور، بغض النظر عن حالات الأشخاص، وعن الحكم المباشر عليهم سلبا أو إيجابا.

2 - إن ما ذكرناه هو مجرد محذور ينشأ من كثرة الفتاوى الشاذة. ولم نتحدث عن المعيار في الفقاهة، سعة، وعمقا، وانتماء أيضا، وأنه هو المنهج الذي يتبعه الفقيه.. وضوابط ومنطلقات الاستنتاج عنده، ثم السمة العامة التي تطبع فتاواه وتميزها.

ولا يكفي في ذلك موافقته لهذا العالم في هذه الفتوى، وموافقته غيره في فتوى أخرى، ثالث في ثالثة..

فقد نجد مذهبا فقهيا لغير الشيعة الإمامية يتفق في غالب فتاواه مع فتاوى متناثرة وشاذة - أو غير شاذة أحيانا - لفقيه شيعي هنا، وفقيه شيعي هناك، مع وضوح المخالفة بين المذهبين


/ صفحة 73 /

في المنهج، وفي المنطلقات والسمات، ولا تجعلهما هذه الموافقات مذهبا واحدا.

فلا جدوى تذكر من قول البعض بصورة دائبة: فلان يوافقني، أو أوافقه في هذه الفتوى أو تلك..

هل هذا هو المنهج الجواهري:

وأما بالنسبة للمنهج الاستنباطي فرغم أننا نجد البعض يقول: إنه يلتزم بالمنهج الجواهري في الاستنباط(1).

نجده أيضا يلتزم في طريق الاستنباط منهجا لا يتفق مع المنهج الجواهري لا من قريب ولا من بعيد..

ونذكر للقارئ الكريم بعض الأمثلة لذلك، فهو:

1 - يعتبر بناء العقلاء وسيرة العقلاء يشرعان للإنسان المسلم أحكامه!!! وإن كانا قد يطلان على جانب من جوانب السنة، التي هي قول المعصوم، وفعله، وتقريره (2).

2 - يعتبر أن كل ما جاءنا من تراث فقهي باستثناء البديهيات - وما أقلها - هو نتاج الفقهاء، فكله فكر بشري، غير إلهي (3).

3 - يعتبر أن القرآن هو الذي يوسع الحديث أو يضيقه،

{هامش}

(1) المرشد: العددان 3 و 4 ص 244 من محاضرة ألقيت في المعهد الشرعي في بئر حسن بتاريخ 18 / 1 / 1995 م.

(2) المصدر السابق.

(3) حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع ص 480. (*)


/ صفحة 74 /

أما الحديث فلا يستطيع تضييق المفهوم القرآني(1).

4 - ثم هو يعتبر العام والخاص متعارضين إذا كانا متباعدين زمانا (2)، ولا بد أن يلحق بهما المطلق والمقيد، لنفس العلة التي ذكرها.

5 - ثم هو يقول: إن العقل يكشف عن ملاكات الأحكام(3).

6 - وهو أيضا يستوحي المعنى القرآني كما كان الأئمة يستوحونه (4).

7 - كما أنه لا مانع عنده من العمل بالقياس وغيره من الطرق الظنية في أي مورد لا يجد في الكتاب وفي الحديث ما يفيد في انتاج الحكم الشرعي (5) رغم نهي الأئمة عن القياس، ورفضهم له أي أنه يخص العمل بالقياس وغيره من الطرق الظنية بصورة الإنسداد الكبير لباب العلم، بل هو يعمه ليشمل حتى الإنسداد الصغير ولو في حكم شرعي في مورد خاص جدا.

8 - وهو يوثق الحديث الذي ينقل اتفاق العلماء على

{هامش}

(1) المرشد: العددان 3 و 4 ص 267 و 247.

(2) راجع المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: ص 245.

(4) للإنسان والحياة: ص 310.

(5) تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع): ص 40 - 44. (*)


/ صفحة 75 /

ضعفه بدعوى أنه لا داعي للكذب فيه.

9 - ثم هو لنفس السبب يصحح العمل بروايات العامة(1).

10 - كما وأن اللغة عنده تتطور، فلا بد من فهم القرآن والحديث على أساس المعنى الجديد الذي لم يكن متداولا، ولا كان اللفظ يدل عليه في عهد صدور النص (2).

11 - ثم إن بعض التشريعات عنده لا بد من إعادة النظر فيها لكونها تؤدي إلى الشلل والجمود (3).

12 - ويعتبر أن قاعدة المصالح المرسلة التي يستند إليها أهل السنة هي نفس قاعدة التزاحم في مدرسة أهل البيت، وشتان ما بينهما(4).

13 - ثم الاحتياط الوجوبي عنده بحرمة شئ يعتبر ميلا إلى القول بالحلية، فيعد من يقول بالاحتياط الوجوبي بعدم حلق اللحية مثلا في جملة من يميلون إلى القول بحلية حلقها، مع أن معنى الاحتياط هو أن الفقيه لا يملك دليلا على المنع، وكأنه يقول: أنا لا فتوى لدي، فارجعوا إلى غيري، أو احتاطوا في مقام العمل، لتحرزوا براءة ذمتكم.

{هامش}

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 58.

(2) راجع: قراءة جديدة لفقه المرأة: ص 19 - 20.

(3) تأملات في أفاق الإمام الكاظم(ع): ص 47.

(4) للإنسان والحياة: ص 169. (*)


/ صفحة 76 /

التكتف والشهادة بالولاية:

وكنموذج للمفارقات في منهجه الفقهي نذكر المثال التالي:

إنه يعتبر أن في قول "أشهد أن عليا ولي الله" في الإقامة مفاسد كثيرة، حيث يقول وهو يتحدث عنها: "لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة، في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة"(1).

ولا ندري لماذا لا يزيلها من الأذان أيضا، فإنه أيضا من مقدمات الصلاة كما هو مقتضي عبارته.

ثم يقول:

وهو يعدد مبطلات الصلاة:

"تعمد قول آمين على الأحوط. وإن كان للصحة وجه، لا سيما إذا قصد بها الدعاء"(2).

ثم يعد من المبطلات أيضا:

"التفكير - وهو التكتف بوضع اليد اليمنى على الشمال أو العكس، على الأحوط، ولا سيما إذا قصد الجزئية. وإن كان الأقوى عدم البطلان بذلك، في فرض عدم قصد الجزئية، وانتفاء التشريع، خصوصا إذا قصد به الخضوع والخشوع لله(3) الخ.."

{هامش}

(1) المسائل الفقهية: ج 2 ص 123 ط 1996.

(2) المسائل الفقهية: ج 1 ص 92 ط خامسة.

(3) المسائل الفقهية: ج 1 ص 91 92 ط خامسة. (*)


/ صفحة 77 /

إذن فليس لديه دليل على بطلان الصلاة بالتكتف، ولا بقول آمين تعمدا، لكون المسألة احتياطية عنده، والاحتياط عنده يستبطن الميل للجواز، بل بلا مانع عنده من قول آمين في الصلاة حتى لو لم يقصد بها الدعاء، لوجود وجه للصحة عنده. وكذلك الحال بالنسبة للتكتف في الصلاة، مع عدم قصد الجزئية.

والملفت هنا: أنه لم يسجل أي تحفظ على ذلك - فلم يعتبره يؤدي إلى مفاسد كثيرة - كما تحفظ على الشهادة الثالثة معتبرا لها كذلك، رغم أن التكتف وقول آمين كلاهما مثلها عنصران جديدان دخلا في أمر واجب - وهو الصلاة - لا في مستحب.

ثم إن هذا العنصر قد دخل في الصلاة نفسها، لا فيما يحتمل كونه جزءا منها، رغم أن هذا الاحتمال موهون جدا..

ولماذا هذا الاحتياط في خصوص الشهادة الثالثة؟! أمن أجل مجرد احتمال؟ أليس هو نفسه يشن هجوما قويا على كل العلماء الذين يوجبون الاحتياط حتى في موارد الأحكام الإلزامية(1)؟!

ولعل ما ذكرناه من التلميح يغني القارئ عن التصريح، فيما يرتبط بموقفه من أمرين: أحدهما يرتبط بعلي(ع)، والآخر - التكتف وتعمد قول آمين في الصلاة - يرتبط بجهة تريد أن

{هامش}

(1) راجع: المرشد: العددان 3 - 4 ص 263. (*)


/ صفحة 78 /

تكرس ما سوى خط ونهج علي(ع)!!

والذي نتمناه بعد أن حكم باستلزام ذكر الشهادة لأمير المؤمنين(ع) - وفي كل من الأذان والإقامة - استلزامها لمفاسد كثيرة الذي نتمناه هو أن لا يتوسل إلى ذلك بالجبر والقهر..

وذلك عملا بالقاعدة التي استدل بها على حرمة التدخين، وكل مضر، واستنبطها من قوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما}حيث راق له تفسير الإثم بالضرر من دون أن يكون لذلك شاهد من اللغة.. ولم يرق له تفسير النفع بالمثوبة مع عدم وجود مرجح لأحدهما على الآخر.

وبعد.. فإننا لا نريد أن نذكر هذا البعض بتعهداته بأن يكون جميع فتاويه تحظى بموافق لها من علماء الطائفة، فإن حكمه الاحتياطي باستحباب ترك الشهادة لعلي(ع) في الإقامة والأذان لم نجد له فيه موافقا، لا من الأولين ولا من الآخرين، بعد تتبعنا الواسع لما يزيد على رأي مئة عالم رضوان الله عليهم أجمعين.. فليذكر لنا ولو عالما واحدا يقول:

الأحوط استحباب ترك الشهادة بالولاية في الإقامة وفي الأذان مع عدم قصد الجزئية.


/ صفحة 79 /

جواز النظر إلى العراة:

وهل هذا إلا من قبيل قوله بجواز نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، استنادا إلى مجرد استحسانات عقلية، وإلى القياس، بل هو قدت جوز بصراحة تامة النظر إلى عورات المشاركين في نوادي العراة(1). مع أن حرمة ذلك من الواضحات في مذهبنا.. فهذا ذكر لنا عالما واحدا يوافقه على هذه الفتوى؟!

فلعله لا حرج بعد اليوم من التوجه إلى تلك النوادي للاستفادة العملية (!!!) استنادا إلى ذلك (!!!)

عصمنا الله من الزلل في الفكر والقول، والعمل.

حول النشاط الاجتماعي للزهراء:

هذا.. ومن الأمور التي أثيرت، قولهم: إننا تحدثنا عن النشاط الاجتماعي للسيدة الزهراء(ع)، حين ناقشنا مقولة

{هامش}

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 66، بل إن دليله الذي استدل به لا يأبى عن تجويز نظر الرجال إلى عورات النساء، والنساء إلى عورات الرجال، حيث اعتبر أن هذا الأمر ليس من الأمور التعبدية، بل الميزان فيه هو إسقاط ذي العورة لحرمة نفسه بكشف عورته، فإذا أسقط الحرمة جاز النظر، كما جاز النظر للواتي لا ينتهين إذا نهين. فراجع كلامه في الموضوع المذكور. (*)


/ صفحة 80 /

البعض إنه: "لا يجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للزهراء عليها السلام في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو روايتين" - تحدثتا عن عدم إنشائها مؤسسات خيرية، أو عدم مشاركتها في جمعيات إنسانية وما إلى ذلك.

فاعتبروا ذلك تعريضا بنشاطات البعض في هذا المجال، وكأنهم - يريدون أن يجدوا متمسكا لإظهار: أن الكتاب قد تعرض لجوانب شخصية، لا علاقة لها بالجانب العلمي الذي وضع الكتاب على أساسه.

كما أنهم اعتذروا عن ذلك البعض، بإنه إنما كان بصدد النقد والإدانة للتاريخ الظالم.

ونقول:

أولا:

إن اهتمام البعض بالمؤسسات الخيرية والإنسانية لا يعتبر إدانة له، ولا هو نقطة ضعف في حياته العملية، ليصح التعريض به.

ثانيا:

إن القيام والتصدي لأمور من هذا القبيل والإهتمام بها ليس من الأمور الخاصة بهذا الفريق أو ذاك الفريق، بل إن ذلك يعتبر من صيغ العمل المتداولة لدى من يتعامل مع القضايا الاجتماعية، ولم نعترض على هذا النوع من العمل، وليس لدينا مشكلة في هذا الاتجاه.


/ صفحة 81 /

ثالثا:

إن كل من قرأ بوعي وإنصاف ما كتبناه، قد فهم المعنى المراد، وإذا كان ثمة من يحتاج إلى توضيح فإننا نقول له: إننا قد تعرضنا لمناقشة المحتملات في دائرة مقتضيات الحياة الاجتماعية في ذلك العصر..

رابعا:

إننا لا نتصور إلا أن التاريخ قد ظلم الزهراء(ع)، كما ظلم كل أهل الحق وكل المخلصين، والعاملين في سبيل الله، لكن نفي وجود أكثر من رواية أو روايتين فيه يحتاج إلى إشراف كامل وتتبع تام للنصوص التاريخية في مختلف المؤلفات والمصنفات، وقد ذكرنا في الكتاب نماذج تفيد: أن من أطلق هذا القول لم يقم بهذا الاستقصاء ليصح منه طرح الموضوع بهذه الطريقة.

وخامسا:

إن نفس هذا القائل يذكر للسيدة الزهراء(ع) في خطبه المختلفة والمتعددة الكثير من الأمور التي تقع في هذا السياق - كما صرح به بعض من تصدى للدفاع عنه - فما معنى هذا الحصر الدقيق للموضوع في رواية أو روايتين؟!

مع كوننا نجد هذه الأمور قد وردت في أكثر من ذلك، كما هو واضح.


/ صفحة 82 /

تنسيق النصوص أو تحشيدها:

ومما أخذه البعض على الكتاب أنه اهتم بتحشيد! النصوص، وتحشيد مصادرها!.

ونقول:

كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى رسائله لمعاوية بن أبي سفيان:

"لعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت"(1).

فإن المقصود من حشد النصوص هو إثبات المعنى الذي توافقت عليه، بصورة علمية، عن طريق إظهار وجود تواتر، يستغني معه الباحث عن التدقيق في الأسانيد، لأن التدقيق إنما يحتاج إليه في صورة عدم ثبوت الأمر وعدم وضوحه، وعدم صيرورته بهذا التواتر من القطعيات، وذلك حين يتكفل كل واحد من النصوص الكثيرة بإضافة درجة من الاحتمال.. ثم تتزايد.. الاحتمالات، كلما انضم نص جديد إلى سوابقه فنصل إلى درجة من الظن، ثم إلى ظن قوي، ثم إلى ما هو أقوى منه، وهكذا

{هامش}

(1) راجع نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل: الكتاب رقم 58. (*)


/ صفحة 83 /

تتراكم الاحتمالات إلى أن يسقط الاحتمال المخالف ويتلاشى، وينصرف العقل عن الإعتداد به، ويحصل بذلك التواتر والقطع بصحة المعنى المراد إثباته..

ويساعد على هذا الأمر عوامل مختلفة، وظروف متنوعة فمثلا:

كلما كانت المصادر موثوقة وقريبة من زمن صدور النصوص، أو زمن الحادثة ازدادت فرص إثبات هذا المعنى وقلت الحاجة إلى هذا التكثير.

ويساعد على ذلك أيضا: أن تكون المسألة من الأمور التي لا تنسجم مع سياسات الحكام أو توجهات المؤرخين، فإن إفلات نصوص كثيرة لها هذه الصفة، يزيد من فرص تقوي هذه الاحتمالات، ويكون تراكم الظنون معها أسرع وأوفر، خصوصا إذا كانت هذه الكثرة بحيث لا يعارضها ما يكذبها من قبل أعوان الحكام، ومن الذين يهمهم تبرئة الفريق الذي هو مصدر الحدث.

وإذا اختلفت الروايات في التفاصيل الجزئية، أو في ذكر بعضها لخصوصيات أهملها أو لم يطلع عليها البعض الآخر، فإن ذلك لا يضر في تراكم الظنون بحصول أصل الحادثة، حيث يراد لها أن تنتهي إلى العلم والقطع بالقدر الجامع بين كل هذه الروايات.


/ صفحة 84 /

ولعل من أنكر علينا ذكر النصوص بدون تحقيق في أسانيدها، لم يلتفت إلى هذه المسألة لأن من تصدى للإنكار ليس ممن له باع يذكر في هذه الأمور.

أضف إلى ذلك: أن ذكر المصادر التي ألفت عبر القرون اللاحقة والمتلاحقة لا يعني بالضرورة أن اللاحق قد نقل عن خصوص سابقه الموجود كتابه بين أيدينا، إذ كثيرا ما يكون قد نقل ذلك عن مصدر آخر معاصر له، أو سابق عليه.

كما أن اهتمام العلماء بتدوين هذا الأمر وتناقله في مصنفاتهم الكثيرة يدل على أنهم لم يمروا على هذا الحدث مرور الكرام، ولا نظروا إليه بلا مبالاة.

وقد رأينا: أن الجرأة على الزهراء(ع)، والإساءة إليها، ودخول بيتها بالقهر والغلبة وإخراج علي عليه السلام للبيعة عنوة وقهرا.

قد روي عن النبي (ص)، وعن معظم أئمة أهل البيت، وعن الزهراء نفسها في روايات كثيرة.

كما أن هذا الحديث قد رواه بالإجمال أو بالتفصيل الكثيرون من المؤرخين في مختلف الطبقات، ومن مختلف الاتجاهات. ولهج به الشعراء، واستدل به المتكلمون وأكده العلماء على تعدد ميولهم، وتضاربها، واختلاف مراتبهم العلمية.

وكل ذلك ينصب في اتجاه تحصيل العلم بوجود نقلة هذا الخبر من أناس يمتنع تواطؤهم على هذا المعنى الواحد، بسبب


/ صفحة 85 /

اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وميولهم، واختصاصاتهم على مدى العصور والدهور.

فلا يبقى مجال لدعوى البعض أنه لم يحدث شئ على الزهراء(ع)، وعلى بيتها، وفيه، سوى التهديد بالإحراق، مع التشكيك بجدية هذا التهديد أيضا باعتبار أن قلوب المهاجمين كانت مملؤة بحب الزهراء وأن موقعها الاجتماعي يمنعهم من الإقدام على أي عمل من هذا القبيل.

إلا إذا كان المعترضون على تحشيد النصوص يرفضون حتى التواتر، وحجيته، وآثاره، خلافا لما يعلنون به أمام الملأ؟!

وخلاصة الأمر: أنه إنما يحتاج للبحث في الأسانيد في ما لم يثبت معه الأمر. بصورة ظاهرة ومتواترة، أو في صورة عدم قيام قرائن الصدق على ذلك الأمر. ولو أريد الاقتصار في التاريخ على ما صح سنده - حسب المصطلح الرجالي - فلا يمكن إثبات أية حقيقة تاريخية إلا ما شذ وندر.

ولو كان الباحث من غير المسلمين، ولا يلتزم في توثيق الرجال بما يلتزم به المسلمون، فهو لا يستطيع إثبات أية حقيقة تاريخية على الإطلاق حتى ذلك الشاذ النادر أيضا، إذا لم يعتمد الطريقة التي ابتغاها وأشار إليها الشهيد السعيد آية الله السيد الصدر رحمه الله تعالى، فقد قال رحمه الله وهو يتحدث عن حصول القطع بالتواتر على أساس حساب الاحتمالات:


/ صفحة 86 /

"كل خبر حسي يحتمل في شأنه - بما هو خبر - الموافقة للواقع والمخالفة له. واحتمال المخالفة يقوم على أساس احتمال الخطأ في المخبر أو احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة، فإذا تعدد الإخبار عن محور واحد، تضاءل احتمال المخالفة للواقع، لأن احتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مفتعلة إذا كان موجودا بدرجة ما، فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معا أقل درجة، لأن درجة احتمال ذلك ناتج ضرب قيمة احتمال الكذب في أحد المخبرين، بقيمة احتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر، تضاءل الاحتمال، لأن قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد، فقيمة الاحتمال هي 1 / 2 أو 1 / 3 أو أي كسر آخر من هذا القبيل، وكلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة كما هو واضح.

وفي حالة وجود مخبرين كثيرين لا بد من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين، لكي نصل إلى قيمة احتمال كذبهم جميعا، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلا جدا، ويزداد ضآلة كلما ازداد المخبرون، حتى يزول علميا بل واقعيا لضآلته، وعدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدا. ويسمى حينئذ ذلك العدد من الإخبارات التي يزول معها هذا الاحتمال علميا أو واقعيا بالتواتر، ويسمى الخبر بالخبر المتواتر.


/ صفحة 87 /

ولا توجد هناك درجة معينة للعدد الذي يحصل به ذلك.

لأن هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى وثاقتهم ونباهتهم وسائر العوامل الداخلية في تكوين الاحتمال.

وبهذا يظهر أن الاحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات.

والتواتر تارة يكون لفظيا، وأخرى معنويا، وثالثة إجماليا، وذلك أن المحور المشترك لكل الإخبارات إن كان لفظا محددا، فهذا من الأول، وإن كان قضية معنوية محددة، فهذا من الثاني، وإن كان لازما منتزعا، فهذا من الثالث.

وكلما كان المحور أكثر تحديدا كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع إذ يكون افتراض تطابق مصالح المخبرين جميعا بتلك الدرجة من الدقة رغم اختلاف أحوالهم وأوضاعهم أبعد من منطق حساب الاحتمالات.

وكما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر عنه - أي مفاد الخبر - وهي على نحوين:

خصائص عامة، وخصائص نسبية.

والمراد بالخصائص العامة، كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على كذب الخبر أو صدقة، بقطع النظر عن نوعية المخبر.


/ صفحة 88 /

ومثال ذلك: غرابة القضية المخبر عنها، فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه، فيكون موجبا لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون القضية اعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الأخرى المعلومة، فإن ذلك عامل مساعد على الصدق، ويكون حصول اليقين حينئذ أسرع.

والمراد بالخصائص النسبية: كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على صدق الخبر أو كذبه، فيه إذا لو حظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر.

ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فإن مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية المخبر عاملا مساعدا لإثبات صدقة بحساب الاحتمال، لأن افتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد.

وقد تجمع خصوصية عامة وخصوصية نسبية معا لصالح صدق الخبر، كما في المثال المذكور، إذا فرضنا صدور الخبر في ظل حكم بني أمية، وأمثالهم ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الأخبار، ترهيبا وترغيبا.

فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على الصدق، وخصوصية المضمون مع أخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك.(1).

{هامش}

(1) راجع: دروس في علم الأصول: ج 1 الحلقة الثانية: ص 108 - 110. (*)


/ صفحة 89 /

الاختصاص وكتاب سليم:

ومن المؤاخذات التي أشيعت: إن من بين المصادر التي اعتمدناها كتاب الاختصاص، وكتاب سليم بن قيس، وليس بالضرورة أن يكون هذان الكتابان معتمدين لدى أولئك الذين يثيرون هذه القضايا، مع رجوع أكثر الروايات الدالة على قضية الزهراء(ع) إلى هذا الثاني.

ونقول:

1 - إن المصادر التي سجلت الأحداث التي جرت على الزهراء لا تنحصر في هذين الكتابين، ولا تنتهي إليهما، وإن أدنى مراجعة لكتابنا: "مأساة الزهراء(ع)" ولأسانيد ومضامين الروايات التي أوردناها فيه، والتي رواها أهل السنة والشيعة..

كفيلة بإظهار خطل هذا القول وفساده. حيث يظهر للمتأمل أن الروايات متضافرة، ومتواترة، قد رويت من طرق مختلف المذاهب. وما روي عن كتاب سليم لا يزيد على نصوص يسيرة، ربما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. واختلاف الروايات في سياق الخبر، وفي رجال الأسانيد شاهد صدق على أن النقل لم يكن من كتاب واحد، هو كتاب سليم الذي قد تجد لدى البعض حساسية خاصة تجاهه.


/ صفحة 90 /

2 - أما بالنسبة لكتاب الاختصاص فنقول: إن نفس ذلك البعض قد اعتمد على هذا الكتاب مصرحا بنسبته إلى الشيخ المفيد.(1) وقد تحدثنا في كتاب المأساة عن الشبهات التي أثيرت وحوله وقد ظهر أنها كلها مما لا يصح الالتفات إليه.

3 - إن توثيق كتاب سليم بن قيس، وقبول رواياته لا يتوقف على توثيق الطريق إليه بصورة صريحة ومباشرة، إذ يكفي لقبول رواياته تلقي العلماء له بالقبول والرضا، والأخذ منه واعتمادهم الظاهر عليه مع عدم التفاتهم إلى ما يقال حول رجال الطريق إليه، شاهد قوي على أن هذا الكتاب فوق مستوى النقد، وأن له من الثبات، والقوة ما قد قامت القرائن عندهم على صحته إلى درجة أنه لم يكن ثمة أية شبهة يعتد بها يمكن أن تخدش عندهم في صحته.. وإذا ما ناقش بعضهم في إحدى الروايات فيه، فهو كمناقشاتهم في بعض الروايات التي في الكافي، أو التهذيب، كما صرح بذلك الإمام الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث.

بل إن المعيار - بنظر نفس ذلك البعض، الذي نحن بصدد مناقشة مقولاته - هو الخبر الموثوق، لا خبر الثقة، فلا حاجة عنده إلى وثاقة الطريق. إذ يكفي وثاقة المضمون والاطئمنان إليه، وما ذكره مبررا للشك في المضمون من استحسانات عقلية،

{هامش}

(1) راجع: تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع): ص 40. (*)


/ صفحة 91 /

لا ينهض على مطلوبه كما أوضحناه في كتاب المأساة، وأشار إليه الإمام الخوئي في معجم رجال الحديث.

والحاصل: إننا قد قلنا: إن كتاب سليم قد تلقته الأمة بالقبول والرضا. كما تلقت غيره من كتب الإمامية المعتمدة، وإن كان بعض العلماء قد ناقش ببعض ما ورد فيه من روايات..

وهذا هو ما قصده آية الله العظمى السيد الخوئي رحمه الله حين دافع عن مضمون الكتاب تارة، ثم حكم بضعف الطريق إليه أخرى وإنما صدر منه ( ره ) ما صدر باعتبار كونه قائلا بحجية خبر الثقة لا الخبر الموثوق.

ولعمري.. إن من يقرر الأخذ بروايات أهل السنة من دون تحفظ أو تدقيق في أسانيدها(1)، إذا حصل له الوثوق بصحة مضمونها وانعدمت في نظره دواعي الكذب فيها، لا يحق له النقاش في كتاب سليم الذي هو من أهم الكتب التي تلتزم أصول المذهب الحق، ولا تشذ عنها.

ثم إنه كيف يحصل له الوثوق بمرويات كتب أهل السنة في الأمور الفقهية بحجة أنه لا داعي للكذب فيها، ولا يحصل له الوثوق في كتب أهل السنة أيضا وفي أمور ذكروها عن أشخاص لا يحبون إدانتهم في شئ، مع عدم وجود داع للكذب فيها أيضا، بل الداعي يسوقهم إلى عدم التصريح بتلك الأمور، وعدم ذكرها؟!!!

{هامش}

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 58. (*)


/ صفحة 92 /

انطلق بطريقة غير شرعية:

وعدا عن ذلك كله، فإن أطرف ما سمعناه عن كتاب المأساة هو ما ذكره البعض حين سئل عن الكتاب فقال:

"لا أعلق على هذا الكتاب، أنا لا أرد على كثير من الأشياء التي تنطلق بطريقة غير شرعية، وغير مسؤولة".

ولم يتضح لنا المراد من هذه الإجابة، فهل يعني بالطريقة غير الشرعية أن الكاتب بدل أن يمسك القلم باليد اليمنى أمسكه باليد اليسرى؟ أو أنه قد كتب بحبر مغصوب، وقلم مغصوب على ورق مغصوب؟ أو أننا بدل أن نبدأ من أعلى الصفحة بدأنا من أسفلها.

ولماذا لا يقال: إن الشتائم والاتهامات الباطلة التي توجه للآخرين بمناسبة وبغير مناسبة هي الأخرى تنطلق بطريقة غير شرعية؟! أم أن باء البعض تجر وباء غيره لا تجر؟!!

وهل ما قاله وكتبه الآخرون كردود على كتاب "مأساة الزهراء" من أباطيل وأكاذيب، وتزوير للحقائق، وخيانة للأمانة، وإيهام للناس وتلبيس عليهم، وسائر ما اشتملت عليه كتبهم ومقالاتهم من شتائم وافتراءات، ثم توزيع ما كتب مجانا، وإثارة


/ صفحة 93 /

ضجة إعلامية للترحيب به؟؟ هل أن كل ذلك قد انطلق بطريقة شرعية؟!!

إننا نريد أن لا ندري ولعل الفطن الذكي يعرف ويدري.

توثيق النصوص:

وقد واجهنا بعض العتب من إخوة لنا على عدم توثيق أقوال ذلك البعض، بنسبة تلك الأقوال إلى مصادرها، أو تواريخ صدورها، أو إذاعتها، على اعتبار أن ذلك من الأمور الفنية التي تكمل الكتاب، وتبعث على طمأنة القارئ بصحة تلك النسبة إلى صاحبها.

ونقول:

إننا لم نجد حاجة إلى ذلك لأسباب:

أولها:

إننا لم نرد التركيز على الأشخاص، حنى لا ينسب ذلك إلى الاستهداف الشخصي لأحد من الناس.

ثانيها:

إننا أردنا أن لا نساهم في ذيوع نسبة هذا الأمر إلى هذا البعض أو ذاك، أكثر مما ذاع، وذلك صيانة له عن التعرض لما


/ صفحة 94 /

لا نحب أن يتعرض له. وصيانة لبعض الطيبين من الناس من الوقوع في الشبهة والخطأ.

ثالثها:

إن ما ذكرناه في كتابنا قد أصبح له من الشهرة والذيوع ما يغني عن الإحالة إلى مصادره ومآخذ. ولا نظن، أن يتمكن ذلك البعض من إنكار أي من مقولاته التي أشرنا إليها، وهو أعرف الناس بنوع وحجم ما صدر عنه من تصريحات مكتوبة، ومسجلة، ومذاعة، يتداولها الناس، في أطراف العالم الإسلامي، وفي البلاد التي يتواجد فيها المسلمون..

ومن المضحك المبكي: أن نجد بعض من يريد الانتصار لصاحب تلك المقولات يطالبنا في موارد يسيرة جدا بمصادر ما نقلناه. ولو أنه راجع كتابات صاحبه، أو تصريحاته المنشورة والمتداولة، فلربما أغناه ذلك عن التفوه بما تفوه به.

لا داعي لأي تغيير:

وبعد.. فقد نجد البعض يقترح:

أن في تمهيد الكتاب بعض الحدة، فلو أمكن تخفيفها في الطبعات التالية للكتاب؟

ونقول:

إن تمهيد الكتاب إنما هو إجابات على مقولات أطلقها البعض في سياق إقناع الناس بآرائه حول قضية الزهراء(ع).


/ صفحة 95 /

وقد جاء الجواب عن هذه المقولات علميا واضحا وصريحا، ولم نجد ضرورة للتعمية على القارئ الكريم، بعد أن كانت هذه المقولات قد نشرت وأذيعت عبر أجهزة الإعلام. ولا نجد في هذا التمهيد أي سباب لأحد. اللهم إلا إذا كانت الحقيقة العلمية تمثل صدمة لهم، ويعتبرون الجهر بها أو الإجابة عنها سبابا وشتما.

ولماذا جاز لذلك البعض أن يعترض على كل علماء الأمة، من أول الإسلام إلى يومنا هذا ويجرح فيهم، وينال منهم؟

ثم جاز له أن يواصل اتهام العلماء المخلصين بالتخلف وبسوء الفهم، وبالعقد النفسية، وبالعمالة للمخابرات، أو الوقوع تحت تأثيرها، وبأنهم بلا دين، وما إلى ذلك مما حفل به قاموسه؟.

ولم يجز للآخرين أن يجهروا - جوابا على ذلك - بالحقيقة العلمية المبددة لكل شكوكهم وأوهامهم، وأن يوقفوهم على أخطائهم في حق هذا الدين بصورة صريحة وواضحة؟!.

أليس ذلك البعض هو الذي تحدث عن هذه الأساليب على أنها أساليب الكفار في مواجهة النبي (ص) والمؤمنين؟ فهو يقول:

"فقد نحتاج إلى أن نتعلم من هذا الموقف: كيف نواجه الاتهامات التي تتحرك بها حرب الأعصاب التي يوجهها أعداء الله إلى العاملين في سبيله: من السخرية، والاستهزاء، والاتهامات بالرجعية، والتأخر، والتخلف، والبعد عن ركب


/ صفحة 96 /

الحضارة، ومستوى العصر، إلى غير ذلك من الكلمات غير المسؤولة التي تتمثل بتهمة العمالة للأجنبي، أو السير في ركابه، مما يراد منه تحطيم أعصابنا لننسحب من خط العمل، ونترك الدعوة إلى الله.. "(1).

ويقول أيضا:

"إننا نجد إلى جانب المفردات الدينية من كفر وزندقة وهرطقة كلمات كالرجعية والخيانة، والعمالة، والسقوط، وما إلى ذلك، مما جعلنا نستهلك جماع القاموس المتوافر حتى أصبحنا نفزع إلى قاموس المفردات الأجنبية من إنكليزية وفرنسية ككلمة نازي، فاشي، توتاليتاري، وما أشبه ذلك. لذلك بت أتصور أن الحدة التي يعيشها الإنسان الديني المسلم في الشرق، هي الحدة نفسها التي يعيشها الإنسان العلماني في هذا الشرق، لا سيما ما يتصل بالمفردات التي تدور حول موضوعات عامة كالتقدمية والرجعية أو الكلمات التي تدور حول المسائل السياسية المباشرة.

من خلال ذلك نفهم أن هذه الظاهرة ليست ظاهرة دينية محضة بما هو المضمون الديني في العمق، وإن كان له دور في ذلك، ولكنها ظاهرة تتصل بالحالة الانفعالية الشرقية التي

{هامش}

(1) رسالة التآخي: رقم 1 من دروس السيرة النبوية. في ذكر المولد: ص 22 و 23. (*)


/ صفحة 97 /

استطاعت الماركسية أن تزيدها عمقا، من خلال الأسلوب الماركسي في مواجهة الفكر المضاد أو الإنسان المضاد.

وإنني أزعم بأن الإسلاميين عندما لجأوا إلى بعض الأساليب الحادة فإنهم كانوا في المسألة السياسية، يختزنون الأسلوب الماركسي في ممارستهم للإسلام"(1).

وبعدما تقدم نقول:

إننا لا ندري كيف جاءت هذه الكلمات لتجعلنا أمام سؤال حرج، عن وجه الحكمة في أن يمارس بعض المؤمنين ضد بعضهم، الأساليب التي يمارسها أعداء الله ضد المؤمنين؟!

وقبل أن أختم كلامي هنا، فإنني أذكر القارئ الكريم بأمور ثلاثة:

الأول:

أنني أعده بأن يشهد من جديد هجمة شرسة علينا فيها الكثير من الشتائم، والاتهامات، وإثارة الأجواء وتعبئة النفوس ضدنا بحجة أن ثمة تجريحا بشخص فلان من الناس، وبحجة أن الطرح لم يكن علميا ولا موضوعيا.

الثاني:

ستجدهم يتمسكون بأمور صغيرة وجانبية للتعمية على الموضوعات الحساسة والهامة وتمييع القضايا.

{هامش}

(1) المرشد: العددان 3 - 4 ص 198 و 199. (*)


/ صفحة 98 /

الثالث:

أنهم سيعتبرون هذا الدفاع المشروع عن الحق والحقيقة إثارة للفتنة من جانب واحد، علما بأننا لم نتعرض إلى مقولاته الكثيرة في مختلف قضايا الدين والإيمان وهي حساسة وخطيرة كما المحنا إليه. ولسوف لن يتذكروا الإثارات المتتابعة وبمزيد من الإصرار من قبله والتحدي لعلماء الأمة ومراجعها لتلك القضايا الحساسة والهامة. التي أشرنا إليها أكثر من مرة، وإن غدا لناضره لقريب.

عصمنا الله من الزلل في الفكر والقول والعمل.

نسأل الله سبحانه أن يجمعنا على الخير والهدى والصلاح وهو حسبنا ونعم الوكيل.

27 ربيع الثاني 1418 ه‍. الموافق 31 آب 1997 م.

جعفر مرتضى العاملي