ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

مراسم عاشوراء
شبهات.. وردود..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الثانية
1424هـ. ـ 2003م.
«طبعة مزيدة ومنقحة»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

مراسم عاشوراء
«شبهات.. وردود»
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

مقدمة الطبعة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد..

إن هذا الكتاب «مراسم عاشوراء» قد جاء جواباً على تلك الأسئلة التي كثرت، وتوالت، ربما لأن البعض لم يزل يحارب هذه المراسم، ويهاجم حتى مواكب اللطم، بشتى الأساليب، ومختلف الوسائل، وهو يصفها باستمرار بأنها من مظاهر الجهل والتخلف(1)..

بل لقد ادعى بعضهم: أن أي شيء يُلحق بالجسد أذى، أو ألماً، فهو حرام شرعاً حرمة ذاتية..

والأدهى والأمر من ذلك: أن ثمة من يحاول أن يدّعي للناس: أن هذا هو نفس ما يقوله سماحة آية الله السيد الخامنه إي [مد ظله]، مع أن ما يقوله سماحته [حفظه الله] في هذا المجال، لا يلتقي مع هذا القول، لا

ـــــــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال، كتاب: حديث عاشوراء ص106. وراجع: فكر وثقافة العدد 17 ص4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

من قريب ولا من بعيد..

إذ أنه [حفظه الله]، لم يمنع من اللطم ـ مهما كان نوعه ـ ولا رأى أنه من موارد الإيذاء للجسد المحرم ذاتاً..

وحتى بالنسبة للتطبير ـ وهو ضرب الرؤوس بالسيوف ـ فإنه حفظه الله لم يقل: إنه حرام ذاتاً وقبيح عقلاً، بل هو قد حرَّمه من حيث أنه موجب لتوهين المذهب في الوقت الراهن.. كما ذكره في إجابة له على استفتاء بتاريخ 24/3/2002م رقم 18046..

فقوله [حفظه الله]: في الوقت الراهن.. ظاهر الدلالة على أنه بصدد تشخيص الحالة الخارجية الموجودة فعلاً، وقد أصدر حكمه المذكور، لا لأجل أن ضرب الرأس حرام ذاتاً، بل من حيث إنه رآه متعنوناً بعنوان ثانوي، هو ما يستلزمه من وهن في المذهب في هذه الأيام.

فما يقوله سماحته، يوافق، من حيث مرتكزه، ما يقوله سائر علماء ومراجع الأمة..

وما ورد في هذا الكتاب من نصوص قد جاء ليؤكد صحة ما قاله مراجع الأمة، ومنهم سماحة السيد القائد في هذا الصدد. ويوضح مدى الخطل الذي وقع فيه ذلك البعض، حيث اعتبر:

أولاً: أن كل أذى حرام ذاتاً..

وثانياً: أن السيد القائد [حفظه الله] يقول بهذه المقالة..

مع أن الحقيقة هي أنه لا يصح نسبة ذلك إلى فقهاء الأمة، وعلمائها.. فلماذا وإلى متى يتم التعاطي مع هذا الأمر بهذه الطريقة؟!

وقبل أن أترك القارئ الكريم مع هذا الكتاب، فإنني أستميحه العذر، فيما يرتبط بالطبعة الأولى، التي جاءت غير وافية بالمقصود، وفيها الكثير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

من الموارد القاصرة عن إفادة المراد، مع لفت نظره إلى أنه قد بذلت محاولة تلافي موارد الإشكال في هذه الطبعة.

أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت للتقليل من معانات القارئ الكريم، وإليه أقدم عذري وعظيم امتناني وشكري..

عصمنا الله من الزلل، في الفكر، وفي القول, وفي العمل. والحمد الله، والصلاة والسلام على محمد وآله..

جعفر مرتضى العاملي

15/11/1423 للهجرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته، محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

فقد جاءت الآيات الشريفة لتأمر بالتذكير بأيام الله، وبتعظيم شعائر الله سبحانه.

قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}(1).

وورد عن الأئمة الأطهار [عليهم السلام] أوامر كثيرة تحث على إحياء أمرهم [عليهم السلام]، (2) خصوصاً ذكرى عاشوراء..

ولا يصغى إلى الشبهات التي تثار حول كون عاشوراء من هذه

ـــــــــــــــ

(1) سورة الحج الآية 32.

(2) وسائل الشيعة ج 14 ص 501، والأمالي للطوسي ج 2 ص 228 والبحار ج 1 ص 200 وراجع كامل الزيارات ص 175 وقرب الإسناد ص 18 وتفسير القمي ج 2 ص 292 وثواب الأعمال ص 223.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

الشعائر، أو ليست منها، فإنها لا تعدو كونها شبهة في مقابل بديهة، يلقيها غافل تارة، وحاقد أخرى، وجاحد تارة ثالثة..

هذا، وقد ظهرت عبر التاريخ أساليب متنوعة تهدف إلى إحياء أمرهم، من قبل المتمسكين بكتاب الله، الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، والمعتصمين بولاية أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة..

وكان من هذه الأساليب: مواكب الحزن، التي قد يكون فيها لطم الخدود والصدور، وضرب الظهور بالسلاسل. وحتى جرح الرؤوس.

وهي أمور لم يستسغها البعض، فأثار عاصفة من التنفير منها ـ زاعماً أنها من مظاهر الجهل والتخلف تارة.. وأن فيها أذى للجسد أخرى، وأن الأذى يدخلها في دائرة الضرر، والضرر حرام عقلاً، وشرعاً. مدعياً: أن حرمة الأذى كحرمة الظلم وحرمة شرب الخمر، وأكل الميتة، وما إلى ذلك. بمعنى أنه كلما تحقق عنوان الضرر لحقته الحرمة..

أما قول من يقول: إن هذه الأساليب توجب وهناً في المذهب، وإساءةً لسمعته، وتنفيراً للناس منه..

فهو ليس موضع نقاش، لأن معناه: أن ذلك إذا لم يتعنون بهذا العنوان، فهو جائز في حد نفسه، فتكون حرمته، أو وجوبه، أو استحبابه، أو كراهيته، رهناً بما يعرض له من عناوين، وما يترتب عليه من آثار.

لكن المهم هو اكتشاف الواقع، ومعرفة إن كانت قد تعنونت تلك المراسم بأي من تلك العناوين الموجبة لهذا الحكم أو ذاك، وربما يصيب الفقيه أو غيره في تشخيص ذلك، وربما يخطئ.

وفي جميع الأحوال نقول: إن هذا القول ليس هو محط نظرنا هنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

بل محط نظرنا هو الإجابة على أسئلة كثيرة وردت علينا حول دعوى أن الحرمة ثابتة للطم المؤلم، وضرب الرؤوس، من حيث أنه ضرر، والضرر حرام شرعاً وعقلاً..

فمست الحاجة إلى معالجة هذا الموضوع، معالجةً تميط اللثام عن الواقع والحقيقة من خلال النصوص الإسلامية، التي لابد أن يكون أي رفض، أو قبول، مستنداً إليها، ومرتكزاً عليها.

فتتبعنا تلك النصوص، حتى التاريخية منها، وأوردنا منها ما يصلح أن يكون حجة ودليلاً.

فكانت نتيجة سعينا هذا: هو هذا البحث المقتضب الذي بين يدي القارئ الكريم، فنحن نقدمه إليه، ورجاؤنا الأكيد هو أن يتحفنا بملاحظاته، وينبهنا ويلفت نظرنا إلى ما يمكن أن نكون قد غفلنا عنه، إن رأى أن هناك ما يلزم التنبيه عليه، ولفت النظر إليه، وسوف نكون من الشاكرين.

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين.

7/12/1422 هـ

جعفر مرتضى العاملي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

بداية وتوطئة:

لقد ورد إلينا سؤال عن مشروعية جرح الرأس، وإيذاء الجسد باللطم، وبضرب السلاسل على الظهور، ونحو ذلك مما يجري في مراسم عاشوراء، حيث إن البعض يصّر على الإعلان بتحريمه، مدعياً أنه من الضرر الحرام، ثم هو لم يزل يرمي من يفعل ذلك بالجهل والتخلف. مع مزيد من الإصرار على التشنيع على ما يجري في موسم عاشوراء، بأسلوب مرّ وكريه، وشرس، يختزن في طياته خلجات وانفعالات متراكمة، تفوح منها روائح الحقد الكريه، الذي أريد التنفيس عنه بهذه الطريقة.

ومهما يكن الحال، فإن هذا الأمر يحتاج في إيضاح وجه الحق فيه إلى جهات من البحث والبيان، نوجزها في ضمن ما يلي من مطالب:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

الفصل الأول
أدلة الحرمة، وما فيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

توطئة:

إن من المعروف: أن الأمور كلها على الإباحة ما لم يرد الدليل الدال على أن للمورد حكماً خاصاً به.. وعلى هذا الأساس نقول: إن من يدَّعي حرمة هذا اللطم المؤلم، أو ضرب السلاسل، وجرح الرؤوس، فعليه أن يأتي بالدليل، لننظر فيه.. وقد أورد القائلون بالتحريم، أدلة على مدَّعاهم، هي:

أدلة القائلين بالحرمة:

استدل القائلون بحرمة جرح الرؤوس، بالأدلة التالية:

الدليل الأول على التحريم:

النواهي الشرعية عن إلقاء النفس في التهلكة. وعمدة أدلتهم على ذلك(1) هو الآية الشريفة: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ..}(2).

ـــــــــــــــ

(1) قد ذكر هذه الأدلة الشيخ الأنصاري [رحمه الله] في فرائد الأصول ج1 ص176 ط مؤسسة النعمان ـ بيروت سنة 1411 هـ.

(2) سورة البقرة/ 195.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(1).

وبقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}(2)، ونحو ذلك..

المناقشة:

أولاً: إنه ليس في اللطم العنيف، وجرح الرأس، وضرب السلاسل هلاك، ليقال: إنه إذا لطم أو جرح رأسه، فإنه يلقي بنفسه إلى التهلكة.

ثانياً: إنه لو سلم أن ذلك قد يحصل، فإن الحرام منه يكون خصوص ما يؤدي إلى ذلك، أو خيف أن يؤدي إليه.. أو احتمل ذلك احتمالاً يعتدّ به العقلاء، ويقفون عنده ولا يتجاوزونه، وإلا للزم تحريم ركوب الدابة، والسيارة، والقطار، والطائرة، فإن احتمالات الهلاك فيها أكثر من اللطم المؤلم، وضرب السلاسل، وجرح الرأس.

ثالثاً: إن قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}(3)، ناظر إلى التهلكة في الآخرة، لأنها تتحدث عن الإنفاق في أمر الجهاد، وأن الامتناع عن هذا الإنفاق يعرِّض الإنسان لعقاب الله سبحانه، وللهلاك في الآخرة..

رابعاً: وأما سائر الآيات التي ذكروها دليلاً فهي لا تدل على ذلك، إذ هي ناظرة إلى العذاب الإلهي في الآخرة، كما يظهر لمن يرجع إليها..

فإن الله سبحانه حين يحذر الناس نفسه، إنما يحذرهم من العذاب

ـــــــــــــــ

(1) سورة النور/ 63.

(2) سورة آل عمرآن/ 28.

(3) سورة البقرة / 195.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

الذي يواجههم به في الآخرة..

كما أنه قد حذّرهم من الفتنة من جهة، ومن العذاب الأليم من جهة أخرى، والعذاب الأليم إنما هو في الآخرة، وأما الفتنة فليست هي الهلاك والموت، وذلك ظاهر..

الدليل الثاني على التحريم:

إن ضرب الرؤوس بالسيوف، والظهور بالسلاسل، ونحو ذلك.. فيه توهين للمذهب، ومن موجبات السخرية والاستهزاء به..

مناقشة هذا الدليل:

ونقول:

إن هذا الدليل غير مقبول لأكثر من جهة وسبب..

أولاً: إنه لا يدل على الحرمة الذاتية للجرح، والضرب بالسلاسل واللطم، بمعنى أن الضرب والجرح لو خليِّ وطبعه فهو حرام.. بل هو على ضد ذلك أدل وأظهر، لأنه يعتبر أن الحرمة إنما نشأت من عنوان عارض على الضرب، واللطم المؤلم وجرح الرأس، هو وهن المذهب، وإيجاب السخرية..

فمعنى ذلك: أن الضرب نفسه لو أوجب عز المذهب، لكان راجحاً ومطلوباً شرعاً، فأين هي الحرمة الذاتية لنفس الضرب، واللطم، والجرح؟!..

أليس هذا ظاهر الدلالة على أن نفس الفعل، لا اقتضاء فيه لشيء، ولكن التحريم قد كان بسبب الوجوه، والاعتبارات العارضة عليه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

ولسنا نناقش في هذا الأمر، بل هذا هو ما أفتى به فقهاؤنا، وليس هو محل الكلام، بل هو رجوع منه عن مدعاه..

ثانياً: إن وظيفة الفقيه هي أن يخبر عن الحكم الشرعي، على سبيل الاشتراط والتعليق، فيقول: إن لزم من هذا الفعل توهين المذهب، فحكمه كذا..

والمكلف هو الذي يتولى تطبيق هذا الحكم على مورده، حين يرى أنه قد تعنون بذلك العنوان.

فإن كان العنوان هو توهين للمذهب فعلاً، فإن عليه أن يلتزم بحكم التوهين، وإن كان هو الإعزاز للمذهب، فإنه يؤدي واجبه في فعل ما فيه هذا الإعزاز..

وإذا رأى الفقيه أن المورد قد تعنون بعنوان التوهين للمذهب، فإن رؤيته هذه لا تلزم الآخرين في شيء، بل يكون في ذلك كواحد من الناس، يطبق لنفسه، وقد يخطئ في التطبيق، وقد يصيب.. وليس لصفة الاجتهاد أثر في تطبيقه هذا، ولا هي توجب ميزة له..

إلا إذا كان هذا الفقيه حاكماً، ورأى أن ثمة مصلحة للإسلام في المنع عنه، وأصدر حكماً ولائياً ـ لا مجرد فتوى ـ فإنه يطاع في هذه الحالة..

ولكن ذلك لا يصيّره حراماً ذاتاً، ولا قبيحاً عقلاً.. بل تبقى حرمته تابعة للعناوين العارضة له..

ثالثاً: إننا إذا أردنا مجاراة بعض الناس في الحديث عن التطبيقات الخارجية، باعتبارنا من أفراد هذا المجتمع، فإننا نقول:

إن دعوى لزوم التوهين قد تكون صحيحة في بعض المواطن، لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

في جميعها، فلا تُقبل دعوى ذلك في جميع المواطن.. خصوصاً في بلاد شيعة أهل البيت [عليهم السلام]. فإنه لا يلزم التوهين في قم المقدسة مثلاً.. بل يلزم من ذلك تقوية الدين وعزته..

وسيأتي المزيد من توضيح هذه النقطة إن شاء الله تعالى..

الدليل الثالث على التحريم:

إن ضرب الرؤوس، واللطم المؤلم، وضرب السلاسل، فيه إيذاء للنفس، وإضرار بها، وهو محرم عقلاً وشرعاً.

مناقشة هذا الدليل:

ونقول: إن هذا الدليل لا يمكن قبوله، وذلك للأمور التالية:

أولاً: إن من الواضح: أن جرح ولطم الإنسان نفسه وإيلامها، ليس من قبيل الظلم القبيح ذاتاً، والحرام شرعاً.. إذ لو كان كذلك لم يجز الحكم باستحباب الجرح في بعض الموارد، كالحجامة، والختان، وثقب أذن المولود.

ولم يجز نتف شعر الحاجبين للمرأة، وغير ذلك مما ورد في الروايات.

فإن الحرام والقبيح لا يصير مستحباً.

وتجويز ارتكابه في مورد التزاحم لا يغيره عن صفة القبح والحرمة الواقعية..

كما أنه لو كان ضرراً حراماً، أو كان قبيحاً عقلاً، كالظلم، لم يجز الإقدام عليه، في موارد المعالجة، خصوصاً في الأمور التي هي غير ذات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

أهمية، كعمليات التجميل، وإزالة البثور عن الجلد.. ونحو ذلك.

بل إن بعض أنواع هذا الجرح، ومستوياته، ليس فيه اقتضاء القبح، فليس هو من قبيل الكذب الذي إن لم يطرأ عليه عنوان حسن، فإنه يبقى على صفة القبح الذي تقتضيه طبيعته.

بل هو خاضع في حسنه وقبحه للعناوين الطارئة عليه، فقد يحسن، وقد يقبح، وقد يرجح، وقد يكون مرجوحاً.. كما سيتضح.

وستأتي شواهد ذلك إن شاء الله تعالى.

ثانياً: إن جعل اللطم، والجرح من مصاديق الضرر غير ظاهر الوجه، فإن للألم مراتب، ولا شك في أن بعض مراتب الألم ليست ضرراً.

بل إن بعض مراتب وموارد الجرح أيضاً، ليست ضرراً فالتعميم على سبيل ضرب القاعدة، والقول بأن الضرر حرام بقول مطلق، في غير محله..

ثالثاً: ما هو الدليل على حرمة الضرر والإيذاء، فإن كان الدليل على حرمة الضرر، هو حكم العقل بوجوب دفع ما يقطع بأن فيه مضرة على الإنسان.. بل حكمه بوجوب دفع الضرر المظنون، بل والمحتمل أيضاً.. فهو أيضاً لا يمكن القبول به، ولا الالتفات إليه. كما سيتضح في الفصل التالي:

الإضرار.. والإقدام على الضرر..

بداية نقول:

هناك حالتان يختلف الحكم فيها:

الأولى: الإضرار بالغير، بأن يتعمد شخص الإضرار بالغير، فهذا لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

شك في حرمته، بأي مستوى كان، إذ إن أي اعتداء على حقوق الناس، أو تعد على حدودهم، مرفوض وممنوع عنه شرعاً.. حتى لو كان هذا التعدي للحدود بمثل غمز جسد الطرف الآخر، أو الجلوس على فراشه، أو التصرف في آنيته، بدون إذنه، فكيف بما هو أشد من ذلك. كضربه، أو جرحه..

غير أن الشارع قد أذن ببعض التصرفات المرتبطة بالغير، منها ما يصل إلى حد الجرح، مثل الختان، وثقب أذن المولود..

بل هو قد أذن أو أوجب القتل أيضاً ـ كما في حالات الجهاد، والقصاص، ونحو ذلك..

الثانية: الإضرار بالنفس، بأن يفعل الإنسان بنفسه ما يؤلمها، ويؤذيها، أو يدخل النقص عليها، ولهذا الضرر والأذى حالات ومراتب..

فإن كان مجرد أذى وألم، فإنه ليس من الأمور التي يحكم العقل بقبحها، كما أنه لا دليل على حرمته شرعاً.. بل لقد صرح الشارع للإنسان بإيلام بل بجرح نفسه في موارد كثيرة. وستأتي أمثلة ذلك..

وهذا يكشف عن أن مجرد الألم ليس ضرراً على الحقيقة، أو أنه ليس ضرراً في أكثر موارده، وأن إطلاق الضرر عليه، فيه مسامحة..

وحتى لو كان ضرراً على الحقيقة، فإنه ليس حراماً شرعاً، ولا قبيحاً عقلاً..

نعم، لو كان الضرر ليس مجرد ألم أو جرح، بل هو بمستوى قطع الأعضاء أو التسبب ببعض الأمراض الصعبة، فذلك مما لم يأذن الشارع به.. إلا في موارد معينة كما سنرى..

وبعد ما تقدم نقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

العقلاء واحتمالات الضرر:

إننا حين نراقب السلوك العام للعقلاء، وهم يواجهون المخاطر، بهدف أن نتلمس ما فيه تنوع، يفيد في إعطاء صورة عن جهات البحث وموارده، فإننا نقول:

إن العقلاء يقدمون على الكثير من الموارد التي يحتمل فيها الهلاك، ومنها ما هو من سنن الحياة فيهم، التي ليس فقط لم يمنع عنها الشارع، بل هو قد حث عليها، وعمل على تنظيمها، والحفاظ على استمرارها، مثل:

إقدام النساء على الحمل، مع وجود احتمال حصول الموت حال الولادة، وقد حصل ذلك بالفعل كثيراً، وقد اعتبر الشارع من تموت حال الولادة بمثابة شهيدة..

وفي سياق آخر، فإن العقلاء يمارسون ركوب القطارات، والطائرات، والسيارات, والصعود إلى مواضع خطرة في الأشجار الباسقة، أو الأبنية الشاهقة، لمعالجة الأعمال فيها، وفي ذلك ما فيه من تعريض للنفس إلى المهالك، وقد حصل ذلك بالفعل، فهلكت أنفس كثيرة، ولم يمتنع العقلاء عن تلك الأمور، كما لم يمنعهم الشارع عنها أيضاً.

بل إن بعض الناس يعطي إحدى كليتيه لمريض آخر يعز عليه.. أو في مقابل مال يحتاج إليه..

وهذا يدل على أن احتمال الضرر ـ ولو كان هذا الضرر هو الهلاك ـ لا يوجب امتناع العقلاء عن السعي نحو أهدافهم، فكيف إذا كان هذا الضرر، مجرد جرح، لا يلبث أن يندمل، أو ألم لا يلبث أن يزول..

فلو كان ذلك مما تمنعه العقول، لتوقفت كثير من الأعمال، ولفشلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

كثير من الخطط..

وهذا يدل على أن ثمة حيثيات أخرى تدخل في حسابات العقلاء، في إقدامهم وإحجامهم، حيث يكون للمنافع والمضار، وللعناوين العامة، وغير ذلك دور في القبول وأثر في الرفض، وأثر في الإقدام والإحجام..

العقلاء والضرر المحتم:

بل إننا نشاهد في هذه العقود المتأخرة، فريقاً من الناس يقدمون على أمور فيها الهلاك المحتم لأنفسهم، مثل الإضراب عن الطعام حتى الموت، وذلك من أجل الضغط على حكامهم لتلبية مطالب لهم، معيشية، أو سياسية، أو غيرها.. ولا يستقبح ذلك الناس منهم، ولا ينكرونه عليهم، بل هم يعطونهم كل الحق في ذلك..

بل أصبح ذلك من الأساليب الشائعة.. فلو كان قبيحاً عقلاً لوجب أن يكون الأمر مختلفاً.

الشرع لا يشرع القبيح:

وواضح: أن الأمور القبيحة عقلاً، لا يمكن أن يشرعها الله سبحانه، ولا أن يأمر أنبياءه بممارستها، فهو تعالى لا يأمر بالظلم، ولا بكفران النعمة، ولا بالإساءة إلى محسن..

وها نحن نجد أن الله تعالى، قد أمر نبيه إبراهيم [عليه السلام] بذبح ولده النبي إسماعيل [عليه السلام]، رغم أن مقام النبي إسماعيل [عليه السلام] هو مقام النبوة..

ولم يطلب النبي إبراهيم [عليه السلام] من ربه البيان، ولا اعترض النبي إسماعيل [عليه السلام]، على أبيه، بأن هذا الذي تريد أن تفعله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

قبيح شرعاً، فكيف تقدم عليه، وكيف يمكن أن يأمرك الله تعالى به..

قاعدة وجوب دفع الضرر:

وعلى كل حال، فإن القدر المتيقن هو وجوب دفع الضرر، في صورة ما إذا كان الضرر كبيراً يصل إلى حدّ التسبيب بالهلاك، أو الابتلاء بمرض صعب، دون أن يكون في مقابل ذلك ما هو أهم وأعظم.. من المصالح والقضايا التي تحتم عليهم التضحية والإقدام..

وذلك موضع إجماع، كما ذكره علماؤنا قدس الله أسرارهم(1). ويمكن القبول بأن مقتضى الحرمة موجود، كالحفاظ على النوع الإنساني، أو نحو ذلك.. إلا إذا زوحم بمقتضي آخر أقوى منه، فالتأثير يكون للأقوى..

ولكن الضرر الذي هو دون ذلك، كالجرح اليسير الذي لا يؤدي إلى إتلاف عضو، والمرض اليسير كالزكام ونحوه، فقد يقال: إن العقل لا يحكم بلزوم دفعه، وليس فيه اقتضاء لشيء بعينه، بل الأمر تابع فيه للعناوين والحالات الطارئة. في كل مورد بخصوصه..

للتوضيح فقط:

ولمزيد من التوضيح لمراتب الضرر وحالاته، نقول:

إن هناك ما هو قبيح ذاتاً، فلا يمكن أن يكون حسناً، مهما طرأ عليه من أحوال. وذلك مثل الظلم، ومجازاة الإحسان بالإساءة،. وهناك ما هو حسن كذلك كالعدل وشكر المنعم.. فإن الظلم قبيح في جميع

ـــــــــــــــ

(1) راجع: الجواهر ج5 ص104 و105.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

الأحوال، بمجرد وجوده وتحقق عنوانه.. والعدل حسن كذلك.. ويستحيل أن يكون الظلم حسناً، والعدل قبيحاً..

وجرح النفس واللطم ليس من هذا القبيل حتماً وجزماً، فقد يكون الجرح حسناً ومحبوباً للشارع، كالحجامة ونحوها..

هناك ما فيه اقتضاء القبح، بمعنى أنه لو خلي وطبعه، لكان على ما هو عليه من الاقتضاء المؤثر.. إلا إذا زاحمه مقتضٍ آخر، كأن طرأ عليه عنوان يحبه الشارع، فإنه يصيّره بذلك حسناً، وذلك كالكذب، فإنه إذا طرأ عليه عنوان نجاة نبي من القتل مثلاً، فإن اقتضاءه للحرمة يزول، ويحل محله اقتضاء آخر، فيصير نفس الإخبار بخلاف الواقع حسناً وواجباً..

وكذلك الحال بالنسبة إلى ما يكون فيه اقتضاء الحسن، كالصدق مثلاً. فقد يصبح حراماً، كالمثال المذكور آنفاً..

وقتل النفس من هذا القبيل، فإنه ليس قبيحاً ذاتاً.. إذ لو كان كذلك لم يصح الأمر به على سبيل العقوبة، أو القصاص، ولم يصح أمر الله سبحانه نبيه إبراهيم [عليه السلام].. فإن القبيح ذاتاً لا يمكن أن يصبح حسناً أصلاً، تماماً كما هو الحال في الظلم مثلاً، فإنه كلما وجد، يوجد على صفة القبح، وحين يزول عنه القبح، فإنه لا يعود ظلماً، بل يصير عدلاً، أو إحساناً.

وقطع الأعضاء أيضاً كذلك، فإن فيه اقتضاء القبح، ولكن إذا توقف العلاج على قطعها، أصبح ذلك سائغاً، وربما لازماً، وواجباً أيضاً..

وهناك ما لا اقتضاء فيه لحسن ولا لقبح، بل هو في ذلك تابع للعناوين التي تطرأ عليه، وذلك مثل القيام، الذي قد يكون مبغوضاً حراماً، كما إذا كان تعظيماً لفاجر، وقد يكون راجحاً محبوباً كما إذا كان تعظيماً لمؤمن..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

وبعدما تقدم نقول:

قد يقال: إن ما يفعله الناس في حياتهم العادية, مما يسبب لهم تعباً، ونصباً، كقلع الصخور، وحمل الأثقال، والعمل في الحقول حتى تجرح آلات العمل أيديهم، وتلفح الشمس وجوههم، وكذا ما يدخل في سياق أهدافهم العقلائية. مثل: ثقب الأنوف والآذان، لتعليق الخزائم، والأقراط، وكذلك الختان، ونتف النساء لشعر الحاجبين، أو نتف شعر الأنف والإبطين.. وكذلك الوشم، وغير ذلك، إن ذلك كله قد يقال: إنه من هذا القسم الأخير، مع أنه يتضمن جرحاً، ووخزاً بالأبر، وألماً. فإن تَعَلُق غرضهم بهذا الأمر، هو الذي جعل الإقدام عليه راجحاً بنظرهم، إذ إنهم لا يفعلون ذلك من أجل العبث واللهو.

وليس ترك بعضهم لمثل هذه الأعمال، لأجل أن عقولهم قد منعتهم، من حيث أنها تحكم بقبحها ذاتاً، وإنما استثقالاً منهم للألم، وإيثاراً للراحة، وحباً بها، أو لعدم ميلهم إلى تلك الأمور، لأنهم لا يرون لها قيمة تذكر..

وفيما بين هذين الحدين: أعني قتل النفس من جهة، ونتف الشعر أو الوشم وثقب الأذن من جهة أخرى.. مراتب بعضها أشد من بعض، ومنها المرض اليسير كالزكام، الذي حكم كثير من الفقهاء(1) بأنه لا يسوِّغ الانتقال من الوضوء إلى التيمم.

ـــــــــــــــ

(1) جواهر الكلام ج5 ص105 عن المعتبر، والمبسوط، وظاهر تحرير الأحكام، والشرايع بل في المبسوط نفي الخلاف عنه وعن الخلاف والمنتهى: بل ربما استظهر الإجماع عليه. والموجود فيهما المرض لا يخاف منه التلف، ولا الزيادة فيه وذهب إليه صاحب الجواهر أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

ومن هذه المراتب، ما ورد عن الشارع الأمر به استحباباً، أو طلباً لتأكيد حالة الصحة والسلامة البدنية، مثل ما ورد من الحث على الحجامة، أو الأمر بالفصاد، والختان، وثقب الأذن، ونحو ذلك مما فيه جرح وإدماء(1).

وجرح الرؤوس في مراسم عاشوراء، وكذلك ضرب السلاسل، فضلاً عن اللطم، ليس بأشد من أمر الحجامة، فضلاً عما هو أعظم منها كما سنرى.. فكيف يدَّعى أن ذلك حرام ذاتاً، أو قبيح عقلاً، وأنه من الضرر الواجب دفعه؟! إن هذه الدعوى فيها الكثير من المجازفة.. خصوصاً إذا لاحظنا أنه لا يترتب على هذه الأفعال، لا هلاك، ولا مرض، بحسب العادة..

وفي مختلف الأحوال.. فإن ذلك كله إذا تعنون بعنوان راجح: واجب أو مستحب، فإنه يأخذ حكم ذلك العنوان.. وإذا تعنون بما هو مبغوض ومرجوح، فكذلك..

الأدلة السمعية على حرمة الضرر

هذا كله لو كان الدليل على حرمة الضرر المحتمل أو المظنون، أو المقطوع به، هو العقل، أما لو كان الدليل عليه هو الأدلة السمعية، فنقول:

إنه ليس ثمة من دليل سمعي، قادر على إثبات أن الأضرار بالنفس، وإيذاءها محرم بجميع مراتبه، بل إن ذلك لم يقل به أحد ممن يعتد

ـــــــــــــــ

(1) ويلاحظ أن الشارع الحكيم، الذي شرع أحكاماً تقوم على أساس الرفق والرحمة بالحيوان، والمنع من التعدي عليه وأذاه. قد شرع أيضاً لزوم شق سنام الإبل حين الإحرام، وفي بعض الروايات أن ذلك بمنزلة التلبية، مع أن ذلك فيه بعض الأذى لذلك الحيوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

بقوله من العلماء. فالقدر المتيقن من الإيذاء المحرم، هو ما يؤدي إلى الهلاك، أو ما كان ضرراً بالغاً، يصل إلى حد قطع عضو، أو التسبب بحدوث مرض عضال.

ولم يوردوا أدلة سمعية على ذلك سوى ما ذكرناه، من الاستناد إلى قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وقد ذكرنا فيما تقدم: أنها إنما تنهى عن الهلاك الأخروي الذي هو التعرض لغضب الله عز وجل، بسبب عدم امتثال أوامره في الإنفاق في الجهاد.. فالتهلكة في الآية هي الأخروية.. وهناك إشكالات أخرى على استدلالهم بهذه الآية تقدمت، فلا حاجة لإعادتها..

واستدلوا له أيضاً بقوله تعالى(1): {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}. حيث دل على حرمة قتل النفس، ولا سيّما بملاحظة الآية التالية لها، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً}.

ولكن في دلالة هذه الآية أيضاً مناقشات.. لكن الذي يهون الخطب، هو: أن حرمة أن يقتل الإنسان نفسه، مما لا ريب فيها، ولا شبهة تعتريها، حتى إنها قد تلحق بالضروريات..

فلا حاجة إلى إقامة الأدلة على ذلك، ولا ضرورة للنقض والإبرام فيها.

وأما ما دون القتل من مراتب الأذى، فلا يمكن الحكم بحرمته بصورة قاطعة، بل لا شك في جواز بعض مراتبه كما ظهر مما تقدم، وسيزيد وضوح ذلك فيما يأتي أيضاً..

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء/ 29 ـ 30.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

الفصل الثاني
الضرر والهلاك
في النصوص والآثار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

ما يؤدي إلى نقصٍ أو هلاك.. في النصوص والآثار..

قد أشرنا في المطالب المتقدمة، إلى كثير مما يفيد في استفادة حكم إلحاق الإنسان بنفسه الأذى والألم، وحتى الجرح..

ونقول هنا:

إن هذا الذي ذكرناه توضحه نصوص كثيرة، تفوق حد التواتر، وهي على درجة كبيرة من التنوع، في سياقاتها، وفي مضامينها، كلها تدل على أن الضرر ذو مراتب، وعلى أن ما كان من مراتبه محكوماً بالحرمة، فليس لأجل أن حرمته ذاتية، أو لأنه قبيح عقلاً، بل هو تابع في ذلك لما يعرض له من عناوين، وأنه قد تعرض عليه عناوين مختلفة الأحكام، فمنها ما هو حرام، ومنها ما هو واجب، ومنها المستحب والمكروه، والمباح..

بل قد قلنا: إنه حتى قتل النفس، ليس حراماً ذاتاً، وإنما الميزان هو ما يطرأ عليه من عناوين. ولذلك أمر الله تعالى نبيه إبراهيم [عليه السلام] بذبح ولده. كما أن الشارع قد أوجب هذا القتل، كما في صورة القصاص، وكما في قوله تعالى، مخاطباً بني إسرائيل:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}..(1).

وعلى كل حال، فإن ثمة نصوصاً كثيرة قد تحدثت عن حكم ما فيه أذى وجرح، قد يصل إلى حد إتلاف بعض الأعضاء، أو فوق ذلك، أو دونه.. كما سنرى

وهناك نصوص تحدثت أيضاً عما فيه خوف ضرر تارة, وعما فيه خوف هلاك أخرى..

وهي نصوص تضمنت أقوالاً، وأفعالاً، للأئمة أنفسهم [عليهم السلام] تارة, وفي حضورهم أخرى..

وفي تلك النصوص الحديث المرسل والمسند، وفيها الصحاح والحسان، وغير ذلك..

وكلها تؤكد حقيقة واحدة، وتشير على أمر فارد، وهو أن جميع ذلك ليس قبيحاً عقلاً، وأن في بعضه اقتضاء للقبح، قد يزيله ويحل محله مقتضٍ آخر، وقد يبقى على حاله.. وبعضه لا دليل على وجود اقتضاء ذلك فيه أصلاً..

وكلا الصنفين يكون خاضعاً في موارده للعناوين الطارئة، وتابعاً في أحكامه، للوجوه والاعتبارات المختلفة. فإذا كان جرح الرأس، واللطم وغير ذلك من موارد ومصاديق إحياء أمرهم [عليهم السلام]، الذي ورد الأمر به عنهم، ومنهم [عليهم السلام] فإن ذلك الضرب والجرح والألم يصبح من الأمور المحبوبة والمطلوبة لله تعالى.

بل لقد صدر عن الأنبياء والأئمة [عليهم السلام]، أو بحضورهم كما

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة 54.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

نطقت به النصوص والآثار الآتية، ما هو أعظم من اللطم، أو جرح الرؤوس:

وكفى شاهداً على ذلك ما فعله النبي يعقوب بنفسه [على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام].. حين بكى على ولده، حتى ابيضت عيناه من الحزن.. وكاد أن يهلك كما قال له أبناؤه..

وقال له أبناؤه: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}(1).

وهذا خير دليل على أن فعل ما يؤدي إلى العمى أو إلى الهلاك، ليس قبيحاً عقلاً، ولا هو حرام ذاتاً، بل هو تابع للعناوين التي تَعْرُضُ له، أو توجب المصير إليه..

فإلى ما يلي من نصوص وآثار تظهر هذه الحقيقة وتؤكدها.. وسوف نحاول أن نتجنب قدر الإمكان ما يرتبط بمراسم عاشوراء، فنقول:

المعصوم واحتمال الضرر الكبير والهلاك:

إننا إذا انتقلنا إلى عالم النصوص الواردة عن النبي وأهل بيته الطاهرين [صلوات الله وسلامه عليهم] أجمعين، فسوف يكون أمامنا موارد كثيرة تدخل في هذا السياق، وتشير إلى هذا الاتجاه، فهناك موارد أوجبها الشارع، أو مارسها أهل الشرع، بمرأى وبمسمع من المعصوم، رغم أنها قد كان فيها احتمال الهلاك ملموساً وظاهراً.. أو كان فيها الضرر البالغ محققاً تارة، ومظنوناً، أو محتملاً أخرى..

ـــــــــــــــ

(1) سورة يوسف، الآية 84.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

ونذكر من ذلك ما يلي:

الكليني: عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن جعفر بن عبد الله العلوي، وأحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن العباس، عن إسماعيل بن إسحاق، جميعاً عن أبي روح فرج بن قرة، عن مسعدة بن صدقة، قال حدثني ابن أبي ليلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة, إلى أن قال:

«وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها، وقُلبها، وقلائدها، ورعاثها، ما تمنع [تمتنع خ.ل.] منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أريق له [لهم خ. ل] دم. فلو أن امرءأًً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان عندي به [به عندي خ. ل] جديراً»(1).

فهو [عليه السلام] لا يلوم من يموت من المسلمين أسفاً لأجل سلب امرأة كافرة حجلها، وقُلبها، ورعاثها، رغم أنه ليس هو مسؤولاً عن

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج5 ص4 ونهج البلاغة، الخطبة رقم 27 والبيان والتبيين ج2 ص54 والكامل للمبرد ج1 ص20 والعقد الفريد ج4 ص66 ومصادر نهج البلاغةج1 ص395ـ397 عنهم والأخبار الطوال ص211 وأنساب الأشراف ط الأعلمي ص442 ومعاني الأخبار ص309 والأغاني ج15 ص45 والغارات 476 ووسائل الشيعة وعن التهذيب للطوسي ج2 ص416 ط أمير بهادر والبحار ط حجرية ج8 ص699و700.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

حمايتها، لأنها معاهدة لمدة على متاركة الحرب، حتى إذا انقضت تلك المدة، فربما تعود إلى حرب المسلمين، وإلى السعي في أذاهم وقتلهم..

بل إنه [عليه السلام] يرى أن من يموت أسفاً لهذا الأمر جديرٌ بذلك.. رغم أن ما جرى لهذه الكافرة المعاهدة هو مجرد سلب حليها منها، دون أن تتعرض لضرب، ولا لهتك، ولا لأسر، ولا لقتل..

فإذا كان الموت أسفاً على سلب امرأة كافرة غير موجب للّوم، بل هو مما يجدر بالإنسان المسلم أن يوصله أسفه إليه، فالموت حزناً على الحسين [عليه السلام]، وأسفاً لما جرى عليه، وعلى أصحابه لا يوجب اللوم، بل يكون في محله.. والموت في هذه الصورة، لا يكون قبيحاً عقلاً، ولا حراماً ذاتاً، بل هو قد أخذ مشروعيته من هذا العنوان العارض عليه، فما بالك باللطم المؤلم، أو جرح الإنسان الرأس، الذي لا يؤثر على حياة الإنسان بشيء؟!

قد أوجب الله تعالى جهاد العدو أو أجازه ـ ونقصد به الجهاد الإبتدائي، لا الدفاعي ـ مع ما في هذا الجهاد من احتمال القتل، أو قطع بعض الأعضاء، أو الجرح.. فلو كان القتل حراماً ذاتاً، فإنه يجب التحرز عن كل ما يؤدي أو يحتمل أن يؤدي إليه.. ويكون كالظلم، الذي لا يمكن أن يكون حلالاً في أي وقت من الأوقات، فضلاً عن أن يكون واجباً..

قد أمر الله سبحانه بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(1).

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ}(2). فلو كان القتل قبيحاً ذاتاً، لم يأمرهم الله سبحانه به.

وقد قال الله تعالى لنبيه: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}(3).

وقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}(4).

وقال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(5) فهو [صلى الله عليه وآله] يعرض نفسه لأمور صعبة، تصل به إلى حد الهلاك، من أجل أناس يعلنون الحرب عليه، ويقتلون ذويه وأصحابه، ويفتكون حتى بمثل عمه حمزة، وعبيدة بن الحارث، وغيرهما ولو قدروا على قتله هو أيضاً، لاعتبروا ذلك من أعظم الأعياد عندهم..

مع أن بإمكانه [صلى الله عليه وآله] أن لا يهتم لهذا الأمر.

وهذا يشير إلى أن هذا المستوى من التعامل مع القضايا، أمر مسموح به، بل هو راجح، يستحق عليه رسول الله [صلى الله عليه وآله] هذه التسلية الإلهية، ولا يمكن أن يكون ما يفعله الرسول [صلى الله عليه وآله] من موارد

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 57.

(2) سورة النساء / 66.

(3) سورة فاطر / 8.

(4) سورة الكهف / 6.

(5) سورة الشعراء / 3.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

القبح العقلي، ولا هو محرم ذاتاً في أي حال من الأحوال..

وبعد هذا، أفلا يحق لنا نحن أن نأسف إلى حد الموت لقتل الإمام الحسين [عليه السلام]، أو إلى حد إلحاق بعض الأذى والألم بأجسادنا؟.

قد تقدم أن الله تعالى قد أمر النبي إبراهيم [عليه السلام] بذبح ولده.. وقد أطاعه ولده في هذا الأمر.. فهل يصح: أن يقال: إن الله تعالى، قد أمره بما هو قبيح عقلاً، وحرام ذاتاً؟!

رواية الفرار من الطاعون:

وقد أظهرت الروايات أيضاً: أن الفرار من الطاعون ليس واجباً، بل هو رخصة. وذلك معناه: أنه لا حرمة ذاتية، ولا قبح عقلياً، في البقاء في محيط الطاعون، إذا كان هناك ما هو أهم منه..

فعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله [عليه السلام] عن الوباء يكون في ناحية المصر، فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟!

فقال: لا بأس، إنما نهى رسول الله [صلى الله عليه وآله] عن ذلك لمكان ربيّة(1) كانت بحيال العدو، فوقع فيهم الوباء، فهربوا منه، فقال رسول الله [صلى الله عليه وآله]: الفارّ منه كالفارّ من الزحف، كراهية أن تخلو مراكزهم(2).

ـــــــــــــــ

(1) الربية والربيئة: العين على العدو، ولا يكون إلا على جبل، أو شرف..

(2) الكافي ج8 ص93 ط مطبعة النجف ـ النجف الأشرف / العراق ـ والوسائل ط مؤسسة آل البيت ج2 ص429 و430.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

وقريب من ذلك: ما رواه الصدوق عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان الأحمر، عن أبي عبد الله [عليه السلام].

وثمة روايات أخرى بهذا المضمون أيضاً، فراجع(1).

ففي هذه الرواية:

أولاً: إنه [عليه السلام] لم يحتم على ذلك السائل التحول والابتعاد عن موضع الخطر، بل قال له: لا بأس..

إلا أن يقال: إن كلمة [لا بأس] قد وردت في مورد توهم الحظر، فهي تدل على عدم حرمة الفرار من الطاعون في الحالات العادية، وأما أنه واجب أو راجح أو مباح، فإنه [عليه السلام]، لم يكن بصدد بيان ذلك.

ثانياً: إنه [عليه السلام] قد أوضح أن النبي قد حتم على ربية أن لا تهرب من الطاعون، لكي لا تخلو تلك المراكز منهم. واعتبر ذلك كالفرار من الزحف. والمراد بالربيئة، الكمين المراقب، والراصد للعدو..

وذلك معناه: أن دفع الضرر النوعي، مقدم على دفع وتحاشي الضرر الشخصي. فلا بد من دفع الأول، ولو بقيمة تعريض النفس للثاني..

فلا يصح قولهم: إن فعل ما فيه ضرر، قبيح بحكم العقل؟!.. وحرام بذاته شرعاً..

أليس هذا يدل على أن القبح ليس ذاتياً، وإنما الأمر مرهون

ـــــــــــــــ

(1) معاني الأخبار ص254 والوسائل ط مؤسسة آل البيت ج2 ص430 و431 وفي هامشه عن علل الشرائع ج2 ص520 ومسائل علي بن جعفر ص117.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

بالعناوين العارضة، فقد تكون من موجبات التحريم، وقد يزول ذلك الموجب، ويحل محله ما يجعله راجحاً، بل واجباً..

إفعل حتى لو مرضت:

ومما يدل على عدم الحرمة الذاتية، وعدم القبح العقلي، لما يعتبره الناس ضرراً، ما دلَّ على لزوم القيام ببعض الأعمال، التي فيها أذى، لا يرضى الناس بتعريض أنفسهم إليه في الظروف العادية..

ونذكر من ذلك:

ألف: ما رواه الشيخ عن محمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، وأحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، وحماد بن عيسى، عن شعيب، عن أبي بصير.

وفضالة عن حسين بن عثمان، عن ابن مسكان، عن عبد الله بن سلميان، جميعاً عن أبي عبد الله [عليه السلام]: أنه سئل عن رجل كان في أرض باردة، فتخوَّف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟.

قال: يغتسل، وإن أصابه ما أصابه(1).

ب: وبهذا الإسناد، عن حماد، وعن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله [عليه السلام] عن رجل تصيبه الجنابة في أرض

ـــــــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام ج1 ص198 والإستبصار ج1 ص162 وسائل الشيعة ط مؤسسة آل البيت ج3 ص374.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

باردة، ولا يجد الماء، وعسى أن يكون الماء جامداً؟ فقال: يغتسل على ما كان.

حدثه رجل: أنه فعل ذلك، فمرض شهراً من البرد، فقال: اغتسل على ما كان، فإنه لا بد من الغسل(1).

ولعل مورد هذه الرواية هو تعمد الجنابة، بعد دخول الوقت، ومع علمه بوجود البرد، أو بفقدان الماء.. فأراد [عليه السلام]: أنه غير معذور فيما أقدم عليه، من حيث أن فيه تضييعاً متعمداً للصلاة المفروضة، فجاء هذا الحكم في حقه، على سبيل العقوبة له..

فقد حتم عليه أن يغتسل، ويتحمل آثار ما أقدم عليه..

فلو كان هذا الإقدام على الضرر قبيحاً عقلاً، وحراماً ذاتاً، لم يكن معنى لتجويزه، فضلاً عن الأمر به على نحو الإلزام..

ذبح إبراهيم [عليه السلام] لولده:

8 ـ وقد ذكرنا في الفصل السابق أن الله سبحانه قد أمرنبيه ابراهيم [عليه السلام] بأن يذبح ولذه اسماعيل، وقد أطاع الله في ذلك، وشاركه في هذه الطاعة ولده اسماعيل.

حزن حتى الموت:

ومما له ارتباط بأحداث عاشوراء، نشير إلى مورد واحد فقط،

ـــــــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام ج1 ص198 والإستبصار ج1 ص163،ووسائل الشيعة ط مؤسسة آل البيت ج3 ص374.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

هو ما ذكره المؤرخون أيضاً: أن الرباب بنت امرئ القيس بن عدي، زوجة الإمام الحسين [عليه السلام] قد بقيت سنة بعد الحسين [عليه السلام]، «لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً»(1).

ومن المفترض: أن يكون هذا الأمر بمرأى وبمسمع من الإمام السجاد [عليه السلام]، لاسيما بعد أن طال عليها الأمر، ومضت الأشهر الكثيرة، حتى بليت، وهلكت.

فكيف لم ينهها [عليه السلام] عن هذا؟.

ولو أنه نهاها، فلا نظن أنها كانت تعصي له أمراً، ما دامت متفانية في حب أبيه سيد شباب أهل الجنة، وهي لم تكن لتحب الوالد، ثم تعصي أمر ولده وسيد الخلق من بعده، والذي لم تر منه إلا كل خير ورفق ومحبة.. فسكوته عنها إمضاء لفعلها، ودليل على أن ذلك الفعل ليس قبيحاً ذاتاً، ولا حراماً شرعاً..

وقد بقيت أمثلة أخرى صريحة في تجويز أو استحباب أو ايجاب أمور فيها احتمالات الهلاك، سنشير إليها في فصل: مراسم عاشورا، إن شاء الله..

ـــــــــــــــ

(1) الكامل لابن الأثير ج4 ص39 المطبوع مع تاريخ القرماني، وسكينة بنت الحسين [عليه السلام] ص68، تأليف الدكتورة عائشة بنت الشاطئ.. ومصادر ذلك كثيرة، تجدها في ترجمة الرباب في مختلف كتب التراجم التي تعرضت لحالها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

الجرح قد يجب وقد يستحب:

هذا.. وقد ورد ما يدل على استحباب أو وجوب جرح الإنسان نفسه في موارد عديدة.. مما يعني أن بعض موارد الجرح لا اقتضاء فيها للحرمة، فضلاً عن أن تكون من موارد الحرمة الذاتية، أو القبح العقلي.. ونذكر من هذه الموارد ما يلي:

الحجامة، فإنها مستحبة، والروايات فيها كثيرة.

ثقب أذن المولود، فإن ذلك من السنة، فقد روى الكليني بسند صحيح، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله [عليه السلام]، قال:

ثقب أذن الغلام من السنة، وختان الغلام من السنة(1).

وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن الرضا [عليه السلام] عن التهنية بالولد متى؟

فقال: إنه قال: لما ولد الحسن بن علي هبط جبرئيل بالتهنية.. إلى أن قال: ويعق عنه، ويثقب أذنه. وكذلك حين ولد الحسين الخ..(2).

والختان مستحب أيضاً، ورواياته كثيرة، ومنها صحيحة ابن سنان المتقدمة.

وروى الكليني أيضاً، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عن علي [عليهما السلام]: إذا أسلم

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج6 ص36.

(2) الكافي ج6 ص34.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

الرجل اختتن، ولو بلغ ثمانين(1).

وهناك روايات صحيحة أخرى، وردت في الكافي وغيره من كتب الحديث، تدل على استحباب الختان. فليراجعها من أراد..

وقد يجب الختان لأجل الحج.

مع أن الختان جرح للجسد، وفيه ألم وأذى.

خفض النساء: وقد روي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: خفض النساء مكرمة(2).

فالحكم باستحباب ذلك كله، أو بوجوبه، يدل على أنه ليس فقط قبيحاً عقلاً، ولا هو حرام ذاتاً، وإنما يدل على أنه لا اقتضاء فيه للحرمة أصلاً، بل تكون حرمته أو وجوبه بسبب صيرورته مورداً للعنوان الحرام أو الواجب، أو غيره..

وفي غير السياق المتقدم نذكر:

إن الزهراء [عليها السلام] كانت تطحن بالرحى حتى مجلت يداها(3).

بل لقد قال الراوندي: «كانت فاطمة جالسة قدامها رحى، تطحن بها الشعير، وعلى عمود الرحى دم سائل، والحسين في ناحية الدار

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج6 ص37.

(2) الكافي ج6 ص34 و37.

(3) البحار ج43 ص84.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

يبكي»(1).

فلو كان الإدماء، أو إلحاق الأذى، والألم بالنفس حراماً ذاتاً، أو قبيحاً عقلاً، لم يجز للزهراء [عليها السلام] أن تفعل ما يوجب ذلك..

إن الشارع قد حكم بجواز الفصد، وإخراج الدم.. وهذا شاهد آخر على ما ذكرناه..

جواز نتف الشعر، الذي ورد التصريح بجوازه في الراويات (كما في الوسائل وغيرها).

والكلام فيه كالكلام فيما سبقه..

جواز الجرح لرغبة دنيوية:

8 ـ وأخيراً نقول: إن الفقهاء يحكمون بجواز إجراء عمليات هدفها مجرد التجميل، تلبية لرغبة شخصية ولهدف دنيوي بحت، وهو أن يصير ذلك الشخص بعدها أكثر مقبولية وجمالاً، بنظر الآخرين..

وقد أفتى الفقهاء بما يشير إلى مسايرة الشارع له في ذلك، فقد حكموا بأنه يسمح بالتيمم بدلاً عن الوضوء، ويسمح له بالصلاة من جلوس، أو في حال الاستلقاء، وأن يومئ للسجود، ويعفى له عن دم الجروح في الصلاة أيضاً. وما إلى ذلك..

وكل ذلك يدل على أنهم يرون: أن عروض عنوان المصلحة له ـ ولو كانت شخصية، وغير ذات أهمية، يكفي في تسويغ الإقدام على هذا الجرح.

ـــــــــــــــ

(1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 530 و531.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

فما يقال: من عدم جواز أن يجرح الإنسان نفسه، وأنه محرم، وقبيح بذاته، لا يمكن قبوله. فإن المحرم بذاته شرعاً، القبيح عقلاً، لا يمكن أن يصير حلالاً أو حسناً، فضلاً عن أن يصبح مستحباً، أو واجباً في بعض الموارد.

كما أننا لا نجد في كثير من الموارد المشار إليها ـ كمورد الجراحة للتجميل ـ مصلحة تلزم بالترخيص بهذا الحرام، فضلاً عن أن تجعله واجباً.

مفارقة ظاهرة:

ومن الطريف هنا: أن بعض من لا يبيح جرح الرأس في عاشوراء قد أجاز الملاكمة وغيرها من الألعاب القتالية الخطرة، والتي لا شك في تأثيرها السلبي على سلامة الأشخاص، وعلى حياتهم.

والمسوغ لذلك عنده هو أن لهذه المباريات غرضاً عقلائياً!!

مع العلم بأن هذه المباريات، فضلاً عما يصاحبها من أخطار، وما ينشأ من جرح وأذى.. إنما ترتكز في كثير من الأحيان إلى المقامرات والرهانات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

الفصل الثالث:
مراسم عاشوراء في النصوص والآثار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

بداية:

إن الحديث في هذا الفصل، عن أمرين:

أحدهما: ما دل على جواز فعل ما يؤدي إلى الجرح، أو فقل، ما فيه إلى احتمال الهلاك.

الثاني: ما دل على جواز اللطم، فإلى ما يلي من مطالب.

الجرح، واحتمالات الهلاك:

قد كان ما تقدم يدور في فلك الآيات والروايات، وحكم العقل في ما يرتبط بالدائرة الأوسع، التي لا تختص بعاشوراء..

وهذه باقة ريانة من النصوص الدالة على جواز التعرض للأذى، في خصوص مراسم إحياء ذكرى الإمام الحسين [عليه السلام]، وهي طوائف.

الأولى: ما دل على جواز أن يعرض الإنسان نفسه للقتل، في سبيل إحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، ونذكر هنا ما يلي:

1ـ زيارة الناحية:

قال الشيخ المفيد في كتاب المزار:

زيارة أخرى في يوم عاشوراء، برواية أخرى: إذا أردت زيارته بها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

في هذا اليوم، فقف، فقل.. ثم ذكر الزيارة، وهي المعروفة بزيارة الناحية(1) وجاء فيها:

«ولأبكينك بدل الدموع دماً، حسرةً عليك وتأسفاً على ما دهاك، حتى أموت بلوعة المصاب، وغصة الاكتئاب».

وجاء فيها أيضاً: «تلطم عليك فيها الحور العين، وتبكيك السماء وسكانها».

وهذه الزيارة، وإن لم تكن ثابتة من حيث السند، لكن ذلك لا يعني أن تكون مكذوبة ومخترعة.

وإنما نذكرها هنا، لا لتكون وحدها هي الحجة والدليل، بل لتسهم مع مثيلاتها من الروايات الكثيرة، ومنها ما هو صحيح ومعتبر، في تكوين تواتر مقنع، بأن التعرض للأذى، لإحياء أمرهم صلوات الله عليهم، ليس حراماً ذاتاً، ولا هو قبيح عقلاً ـ بل إن إحياء أمرهم [عليهم السلام]، كاف في إعطاء صفة المشروعية، أو الرجحان، للأعمال التي يكون فيها درجة من الأذى الجسدي..

وعلى كل حال، فإن هذه الرواية تدل على أنه [عليه السلام] قد أجاز لنفسه، أن تصل به لوعة المصاب، وغصة الاكتئاب على الإمام الحسين [عليه السلام] إلى حد الموت، بسبب ذلك..

ـــــــــــــــ

(1) راجع البحار ج98 ص238 و239 و241 و317 و320 وراجع: المزار الكبير ص171 ومصباح الزائر ص116.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

2ـ الزيارة رغم مخاطر الغرق:

ألف: روي عنهم [عليهم السلام]، الحث على زيارة الإمام الحسين [عليه السلام] حتى مع احتمال الموت غرقاً، فقد ذكر: أنه قيل للإمام الصادق [عليه السلام]: يا ابن رسول الله، إن بيننا وبين قبر جدك الحسين لبحراً, وربما انكفأت بنا السفينة في البحر.

فقال: لا بأس، فإنها إن انكفأت، انكفأت في الجنة(1).

ب: عن محمد بن جعفر القرشي الدزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن بشير السراج، عن ابي سعيد القاضي، عن أبي عبد الله [عليه السلام] في رواية، يقول فيها: «ومن أتاه بسفينة، فكفت بهم سفينتهم نادى مناد من السماء: طبتم وطابت لكم الجنة»(2).

ج: قال ابن قولويه: حدثني أبي [رحمه الله]، وعلي بن الحسين، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن أحمد بن حمدان العلاني، عن محمد بن الحسين المحاربي، عن أحمد بن ميثم، عن محمد بن عاصم، عن عبدالله بن النجار قال: «قال لي أبو عبدالله [عليه السلام]: تزورون الحسين [عليه السلام]، وتركبون السفن؟.

قلت: نعم.

ـــــــــــــــ

(1) نظرتنا الفقهية في الشعائر الحسينية ص11.

(2) كامل الزيارات ص134 و135 والوسائل ج14 ص458 ط مؤسسة آل البيت وفضل زيارة الحسين ص57 و58 تأليف محمد بن علي بن الحسين العلوي الشجري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

قال: أما تعلم أنها إذا انكفت بكم نوديتم: ألا طبتم وطابت لكم الجنة؟»(1).

3ـ محنة الإمام السجاد [عليه السلام]:

وفيما يرتبط بمدى حزن الإمام السجاد [عليه السلام] نقول:

ألف: لقد بكى الإمام السجاد [عليه السلام] حزناً على الإمام الحسين [عليه السلام] حتى خيف على عينيه..(2).

وفي سياق آخر، قيل له: إنك لتبكي دهرك، فلو قتلت نفسك لما زدت على هذا(3).

ب: حدثني أبي [رحمه الله] عن جماعة مشايخي، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن أبي داود المسترق، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله [عليه السلام]، قال:

بكى علي بن الحسين على أبيه حسين بن علي [صلوات الله عليهما] عشرين سنة، أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعاماً إلا بكى على الحسين، حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا بن رسول الله، إني

ـــــــــــــــ

(1) كامل الزيارات ص135 والوسائل ج14 ص458 ط مؤسسة آل البيت، وفضل زيارة الحسين [عليه السلام] ص57 و58، تأليف محمد بن علي بن الحسين العلوي الشجري.

(2) البحار ج46 ص 108 وفي هامشه عن المناقب لابن شهر آشوب ط نجف ج3 ص303.

(3) البحار ج 46 ص 109 عن المناقب أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

أخاف عليك أن تكون من الهالكين.

قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون: إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك(1).

ج: عن أحمد بن محمد بن عياش، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن عبيد الله بن الفضل بن محمد، عن سعيد بن محمد، عن محمد بن سلام بن يسار «سيار خ ل» الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن عيسى بن أبي شيبة, عن نوح بن دراج، عن قدامة بن زايدة، عن أبيه، عن الإمام السجاد [عليه السلام]، في حديث قال ـ واصفاً حاله حين حملت النساء على الأقتاب، ورأى الشهداء صرعى ـ : «.. فيعظم ذلك في صدري، واشتد ـ لِما أرى منهم ـ قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي [عليه السلام]، فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك، يا بقية جدي، وأبي، وإخوتي، الخ..»(2).

4ـ البكاء حتى العمى:

كما أن النبي يعقوب [عليه السلام] قد بكى على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، وخافوا عليه من الهلاك، أو أشرف عليه: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}(3).

ـــــــــــــــ

(1) كامل الزيارات ص107 والبحار ج79 ص87 وفي هامشه عن الخصال ج1 ص131.

(2) كامل الزيارات ص261 [الزيادات]، والبحار ج28 ص57.

(3) سورة يوسف/ 85.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

فلو كان هذا وذاك حراماً ذاتاً، أو قبيحاً عقلاً، فلا يمكن أن يصدر من الإمام السجاد [عليه السلام]، أو من يعقوب النبي [عليه السلام]، إذ لا يتصور في حقهما، أن يخالفا الشرع، أو أن يكونا غير قادرين على إدراك قبح هذا الأمر، فإن الأنبياء، والأوصياء، هم أتم الناس عقلاً..

واحتمال: أن يكون البكاء حتى العمى، جائز في شرع السابقين دون شرعنا.. لا يلتفت إليه، ما لم يثبت النسخ بدليل قاطع.. خصوصاً مع ذكر الله تعالى لذلك في كتابه الكريم الذي يريد به تعليمنا وهدايتنا..

زيارة الحسين [عليه السلام] رغم المخاطر:

ومما يدل دلالة واضحة على أن اللطم والجرح تابع للوجوه والاعتبارات فإذا كان بعنوان إحياء ذكرهم جاز فعله، إن الأئمة [عليهم السلام] لم يقيموا وزناً للأخطار التي يواجهها زائر قبر الإمام الحسين [عليه السلام]. فشجعوا على الزيارة رغم وجود الخوف المستمر، وحيث كانت القوات المسلحة ترصد الطرق، وتأخذ كل من يحاول الوصول إلى كربلاء، ليواجه الأذى والتنكيل.

مع أن الزيارة مستحبة، وهؤلاء يدَّعون: أن دفع الضرر المحتمل واجب، فكيف إذا كان هذا الضرر هو الضرب، أو الحبس، أو هلاك النفس؟!.

وكيف إذا كان ذلك الاحتمال قد كبر ونما حتى أوجد حالة قوية من الترقب والخوف؟.

بل إن بعضهم ذكر: أن بعض الشيعة كان يرضى بقطع يده، في سبيل أن يحصل على إجازة بزيارة كربلاء، وما إلى ذلك، لأنه أدرك: أن الحفاظ على الشعائر أولى من حفظ النفس، وقد يقال: إن الكلام إنما هو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

في أن يجرح الإنسان نفسه، لا في عدوان الظالمين عليه..

ويجاب: بأن قدرتهم على التحرز عن الضرر والهلاك تجعل من إقدامهم عليه أمراً غير مقبول، إذ لا فرق في الحرمة، بين أن يفعل الإنسان نفسه الجرح، أو القتل، ويقدم طائعاً مختاراً لمن يجرحه أو يقتله..

وعلى كل حال، فإننا نذكر في هذا السياق، النصوص التالية:

ألف: حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن حماد ذي الناب، عن رومي، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر [عليه السلام]: ما تقول في من زار أباك على خوف؟

قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر، الخ..(1).

ب: بإسناده عن الأصم أيضاً، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: قلت له: إني أنزل الأرّجان. وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان، والسعاة، وأصحاب المسالح(2).

فقال: يا ابن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه الخ..(3).

ـــــــــــــــ

(1) كامل الزيارات ص125 وراجع: ارشاد العباد إلى لبس السواد ص59 ميرزا جعفر الطباطبائي ومكيال المكارم ج2 ص388 ميرزا تقي الأصفهاني.

(2) جمع مسلحة وهي المواضع التي فيها أناس مسلحون، من قبل السلطان.

(3) كامل الزيارات ص126.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

ج: حدثني حكيم بن داود بن حكيم السراج، عن سلمة بن الخطاب، عن موسى بن عمر، عن حسان البصري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال:

«يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسين [عليه السلام] لخوف. فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده. أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله [صلى الله عليه وآله]، وعلي، وفاطمة، والأئمة [عليهم السلام] الخ..»(1).

د: حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، قال حدثنا مدلج، عن محمد بن مسلم، في حديث طويل، قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي [عليه السلام]:

هل تأتي قبر الحسين [عليه السلام]؟!

قلت: نعم، على خوف ووجل.

فقال: ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف. ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين. وانصرف بالمغفرة، وسلمت عليه الملائكة، وزاره النبي [صلى الله عليه وآله] ودعا له، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء، واتبع رضوان الله. ثم ذكر الحديث(2).

ـــــــــــــــ

(1) كامل الزيارات ص126.

(2) كامل الزيارات ص127.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

هـ : عن أحمد بن محمد بن عياش، عن ابن قولويه، عن عبيد الله بن الفضل، عن سعيد بن محمد، عن محمد بن سلام، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن عيسى بن ابي شيبة، عن نوح بن دراج عن قدامة بن زائدة، عن أبيه، قال: قال علي بن الحسين [عليه السلام]: بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحياناً؟!

فقلت: إن ذلك لكما بلغك..

فقال لي: فلماذا تفعل ذلك، ولك مكان عند سلطانك، الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا، وذكر فضائلنا، والواجب على هذه الأمة من حقنا؟

فقلت: والله، ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.

فقال: والله، إن ذلك لكذلك. يقولها ثلاثاً، وأقولها ثلاثاً.

فقال: أبشر، ثم أبشر، ثم أبشر. إلخ..(1).

ما دل على جرح الجسد:

ونذكر مما دل على جواز جرح الجسد، في نطاق إحياء أمرهم صلوات الله عليهم، ما يلي:

ألف: ورد في زيارة الناحية المقدسة: «ولأبكينك بدل الدموع دماً»(2).

ـــــــــــــــ

(1) كامل الزيارات ص 260 و261 والبحار ج 45 ص 179.

(2) البحار ج 98 ص 317 و318.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

فإن الإمام [عليه السلام] وفقا لهذه الرواية قد تعهد بأن يبكي على الإمام الحسين [عليه السلام] ولو أدى ذلك إلى أن تنزف عيناه دماً..

وربما يقال: إن ذلك قد جاء على سبيل المبالغة، أو المجاز..

ونقول: إن ذلك يحتاج إلى ما يثبته، ولا يكفي فيه مجرد الدعوى، والاستحسان. وإن ما جرى لنبي الله يعقوب الذي بكى على ولده ـ الذي كان يعلم أنه حي ـ حتى ابيضت عيناه من الحزن، إن ذلك يجعلنا نتردد كثيراً في قبول دعوى المبالغة، والمجازية..

ب: وروى الصدوق عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن إبراهيم بن أبي محمود، عن الإمام الرضا [عليه السلام]: «إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا»(1).

فإن القرح هو الجرح. فإذا كان الأئمة [عليهم السلام] قد بكوا على الإمام الحسين [عليه السلام] حتى تقرحت جفونهم، فذلك يدل على كون هذا المقدار من الضرر ليس حراماً ذاتاً، ولا هو قبيح عقلاً، فلماذا لا يجوز لغيرهم أن يتأسى بهم في ذلك؟! فلنلطم صدورنا، ولنفعل ما فيه بعض الألم أو الجرح..

إلا إذا قيل: إن ذلك قد جاء منه [عليه السلام] على سبيل المجاز والكناية عن شدة وكثرة البكاء.

وقد قلنا: إن ذلك لا يصار إليه إلا بدليل، خصوصاً، وأنه [عليه السلام] قد أورد ذلك على سبيل الإخبار عن أمر وقع خارجاً، فلا مجال

ـــــــــــــــ

(1) الأمالي للصدوق ص113 المجلس27 ح2 والبحار ج44 ص284.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

لدعوى المبالغة في مثل هذه الحال.

ج: وتقدم أن التاريخ قد حدثنا أن الحكام كانوا يرتكبون أعظم الجرائم حتى القتل في حق زوار قبر الإمام الحسين [عليه السلام]، ويقدم الشيعة على هذا الأمر باختيارهم. ولم ينقل عن الأئمة [عليهم السلام] أي اعتراض على ذلك، أو تأفف منه، أو كراهة للإقدام عليه..

بل قد تقدم أن الأئمة [عليهم السلام] كانوا يأمرون شيعتهم بالزيارة, ويحثونهم عليها، رغم الأخطار التي تواجههم..

د: ويذكرون أن الإمام السجاد [عليه السلام] كان يبكي عند شرب الماء، حتى يجري مع الدمع الدم في الإناء، فقيل له في ذلك.

فقال: كيف لا أبكي؟ وقد منع أبي من الماء، الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش(1).

هـ : ويذكرون أيضاً: أن السيدة زينب [عليها السلام] قد ضربت جبينها بمقدم المحمل، حتى سال الدم من تحت قناعها(2).

و: وحين وصل السبايا إلى الكوفة، وخطب الإمام السجاد [عليه السلام]، وفاطمة بنت الحسين، وأم كلثوم بنت علي [عليه السلام] بكى الناس.

أما النساء فقد «خمشن وجوههن ولطمن خدودهن إلخ..»(3) حسبما ذكره السيد ابن طاووس [رحمه الله] تعالى.

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ النياحة ج6 ص 146، عن جلاء العيون للسيد عبد الله شبر، وعن أعيان الشيعة.

(2) البحار ج45 ص115 والفردوس الأعلى ص19ـ22 المجالس الفاخرة ص298.

(3) اللهوف ص88 ط صيدا سنة 1929 والبحار ج45 ص112.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

إلا أن يقال: إنه لم يكن يمكن للإمام السجاد [عليه السلام]، أن ينهى عن ذلك..

غير أننا نقول: إن خطبته [عليه السلام] فيهم كانت أعظم خطراً عليه، من مجرد نهيه لهم عن فعل الحرام..

ز: وقد قالوا: إنه حين رجوع السبايا إلى المدينة «ما بقيت مخدرة إلا برزن من خدورهن، مخمشة وجوههن، لاطمات خدودهن»(1).

وقد كان ذلك بحضور الإمام السجاد [عليه السلام]، وبمرأى ومسمع منه، ولم ينههن [عليه السلام] عن ذلك.. ولا منعتهن عقولهن عنه..

ح: وتقدم أن مما يدل على جواز عمل ما يوجب تلف بعض الأعضاء خصوصاً مع وجود غرض شرعي، مثل إظهار جلالة وعظمة نبي من أنبياء الله [عليهم السلام]، بكاء نبي الله يعقوب [عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام]، على ولده حتى {.. ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}(2).

وعمى يعقوب أعظم خطراً من إدماء الرأس أو الظهر على الإمام الحسين الشهيد [عليه الصلاة والسلام]، فضلاً عن اللطم العنيف، أو غير العنيف، في مراسم العزاء..

ط: وتقدم: أن نبي الله يعقوب [عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام] قد بلغ به الحزن على ولده يوسف الذي فارقه، ويتوقع

ـــــــــــــــ

(1) اللهوف ص114 ط صيدا ودعوة الحسينية ص117 والبحار ج 45 ص 147.

(2) سورة يوسف/ 84.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

الإجتماع به ـ إلى حد أن أشرف على الهلاك، حتى قال له أبناؤه: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}(1).

ي: أضف إلى ما تقدم ما رواه الصدوق، عن أبيه، عن سعد، رفعه: «أن الدمع قد خدّ خدّي يحيى بن زكريا، وأكل منهما، حتى وضعت أمه عليهما لبداً»(2).

ك: روى الصدوق، عن محمد بن إبراهيم، عن عمر بن يوسف، عن القاسم بن إبراهيم، عن محمد بن أحمد الرقي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن النبي [صلى الله عليه وآله]: أن شعيب النبي [عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام] قد بكى حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي، فرد الله بصره، ثم بكى حتى عمي، فرد الله عليه بصره(3).

ل: وروى الصدوق عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن محمد بن سهل البحراني، يرفعه إلى أبي عبد الله [عليه السلام] قال: البكاؤون خمسة.. إلى أن قال: فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية(4).

ـــــــــــــــ

(1) سورة يوسف/ 85.

(2) بحار الأنوار ج67 ص 388.

(3) علل الشرائع ج1 ص54 باب51 ط مكتبة الطباطبائي بقم. بحار الأنوار ج12 ص380.

(4) بحار الأنوار ج79 ص87 وج11 ص204 وفي هامشه عن الخصال ج1 ص131.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

م: وقد روي بسند صحيح عن الإمام الصادق [عليه السلام] أن النبي [صلى الله عليه وآله]، قد أقرَّ نساء الأنصار على ما فعلن بأنفسهن، ولم يعترض عليهن، وذلك حينما رجع من أحد، فبعد أن شرح الإمام الصادق [عليه السلام] بعض ما جرى في أحد، قال [عليه السلام]:

«ونساء الأنصار في أفنيتهم على أبواب دورهم، وخرج الرجال، يلوذون به، ويثوبون إليه. والنساء ـ نساء الأنصار ـ قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجززن النواصي، وخرقن الجيوب، وحزمن البطون على النبي [صلى الله عليه وآله]..

فلما رأينه، قال لهن خيراً، وأمرهن أن يستترن، ويدخلن منازلهن الخ..»(1).

فيلاحظ: أنه [صلى الله عليه وآله] قد أقرّهن على ما فعلن بأنفسهن من أجله، واكتفى بأمرهن بالتستر، ودخول المنازل، ولم ينههن عن جرح أنفسهن، ولا اعترض على خدش وجوههن.

وبالنسبة لقوله: «وحزمن البطون». قال المجلسي [رحمه الله]:

«في أكثر النسخ بالحاء والزاء المعجمة، أي كنّ شددن بطونهن لئلا تبدو عوراتهن، لشق الجيوب، من قولهم: حزمت الشيء، أي شددته.

وفي بعضها: [حرصن] بالحاء والصاد المهملتين. أي شققن وخرقن، يقال: حرص القصار الثوب، أي خرقه بالدق.

وفي بعضها: «بالحاء والضاد المعجمة، على وزن التفعيل، يقال:

ـــــــــــــــ

(1) الكافي ج8 ص318 والبحار ج20 ص107 ـ 109، وتفسير الصافي ج1 ص 387، وتفسير نور الثقلين ج1 ص398.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 65/

أحرضه المرض، إذ أفسد بدنه، وأشفى على الهلاك»(1).

اللطم:

أما بالنسبة إلى اللطم، فقد ورد ذكره في العديد من النصوص أيضاً، نذكر منها:

لما مروا بالسبايا على الحسين، وأصحابه صاحت النساء، ولطمن وجوههن، وصاحت زينب: يا محمداه الخ!! (2).

وقد كان هذا مع حضور الإمام السجاد [عليه السلام]، وعدم نهيه لهن عن ذلك، مع قدرته عليه، وطاعتهن له..

في زيارة الناحية المقدسة: «فلما رأين النساء جوادك مخزياً، والسرج عليه ملوياً، خرجن من الخدور، ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وبالعويل مبادرات..».

وليس بالضرورة أن تكون السيدة زينب [عليها السلام] أو بنات الإمام الحسين [عليه السلام] في جملة من فعلن ذلك.. غير أن ما يهمنا هنا هو أن الإمام السجاد [عليه السلام] كان حاضراً وناظراً، ولم ينههن عن ذلك.

وقد لطم النسوة الخدود في ليلة العاشر بحضور الإمام الحسين [عليه السلام]، فقال الإمام الحسين:

«يا أختاه يا أم كلثوم، يا فاطمة، إن أنا قُتلت فلا تشققن علي جيباً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

ولا تخمشن وجهاً، ولا تنطقن هجراً»(1).

والذي رواه السيد ابن طاووس [رحمه الله]، يوضح سبب نهي الإمام الحسين [عليه السلام] لهن عن ذلك، فقد قال: «فلطمت زينب [عليها السلام] على وجهها، وصاحت. فقال لها الحسين [عليه السلام]: مهلاً لا تشمتي القوم بنا»(2).

كما أنه [عليه السلام] قد أظهر سبب وصيته هذه فيما ذكره في وصيته للنساء في وداعه الثاني، حيث قال لهن: «فلا تشكّوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»(3).

فيلاحظ:

أنه [عليه السلام] إنما قد خص نهيه لهن عن فعل ذلك بما بعد موته.. وهذا ما صرح به أيضاً حين قال لأخته زينب نفس هذه الكلمات، حيث جاء في آخرها: «إذا أنا هلكت».

يضاف إلى ذلك: أنه قد أوضح: أن سبب النهي هو أن لا ينقص ذلك، من قدرهن، وأن لا يشمت الأعداء بهن.

وحينما سمعت زينب [عليها السلام] أخاها الإمام الحسين [صلوات الله عليه] ينشد: «يا دهر أفٍ لك من خليل.. إلخ»، لطمت

ـــــــــــــــ

(1) مقتل الحسين للمقرم ص261 عن الإرشاد، وتهذيب الأحكام للطوسي ج8 ص325 والذكرى للشهيد ص72 ط حجرية.

(2) كتاب الملهوف ط صيدا ص51 والبحار ج44 ص391.

(3) مقتل الحسين للمقرم ص337 عن جلاء العيون للمجلسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

وجهها، وهوت إلى جيبها فشقته، ثم خرت مغشياً عليها»(1).

وحين اقترب جيش ابن سعد من الإمام الحسين [عليه السلام] في اليوم التاسع، وهو جالس مُحتَبٍ بسيفه، قالت له زينب: أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟!

«فرفع الحسين رأسه وقال: إني رأيت رسول الله [صلى الله عليه وآله] الساعة في المنام، فقال لي: إنك تروح إلينا.

فلطمت أخته وجهها، ونادت بالويل إلخ..»(2).

روى الشيخ الطوسي عن أحمد بن محمد بن داود القمي في نوادره، عن محمد بن عيسى، عن أخيه جعفر، عن خالد بن سدير، قال: سألت أبا عبد الله [عليه السلام].. إلى أن قال الإمام [عليه السلام]:

«ولقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي. وعلى مثله تلطم الخدود، وتشق الجيوب»(3).

وفي هذا الخبر حث ظاهر على اللطم على أبي عبد الله [عليه السلام]..

وفي الجواهر: «إن ما يحكى من فعل الفاطميات ربما قيل إنه

ـــــــــــــــ

(1) الإرشاد للمفيد، ص232 ط مؤسسة الأعلمي سنة 1399هـ. ومقتل سيد الأوصياء للكاظمي ص 98.

(2) الإرشاد للمفيد، ط مؤسسة الأعلمي ص230.

(3) تهذيب الأحكام ج8 ص325 وكشف الرموز ج2 ص263 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص392 الوسائل ج15 ص583 ط المكتبة الإسلامية. والمهذب البارع ج3 ص568 والمسالك للشهيد الثاني ج10 ص29.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

متواتر»(1).

وقال ابن إدريس: «إن أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم وفتاواهم»(2).

وقد روى الصدوق بأسانيده، وروى غيره: أن دعبل الخزاعي أنشد الإمام الرضا [عليه السلام] تائيته المشهورة، ومنها قوله:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً            وقـد مات عطشاناً بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنـده           وأجريت دمع العين في الوجنات

فلم يعترض عليه الإمام [عليه السلام]، ولم يقل له: إن أمنا فاطمة [عليها السلام] لا تفعل ذلك لأنه حرام، بل هو [عليه السلام] قد بكى. وأعطى الشاعر جائزة، وأقره على ما قال(3).

8 ـ وذكر في اللهوف: أنه لما رجع السبايا إلى كربلاء في طريقهم الى المدينة، «وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول قد وردوا لزيارة قبر الحسين، فتوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء، والحزن، واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة

ـــــــــــــــ

(1) جواهر الكلام ج4 ص371.

(2) الجواهر أيضاً ج33 ص184 وراجع أيضاً كشف الرموز ج2 ص263.

(3) راجع على سبيل المثال: عيون أخبار الرضا ج2 ص263 و264 والبحار ج49 ص237 و239 ـ 252 مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص131 والغدير للعلامة الأميني، وغير ذلك كثير..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياماً»(1).

فهل كان الإمام السجاد [عليه السلام] غائباً عن كل هذا؟

ألم يكن معهم في كربلاء حين رجوع السبايا؟

أليس قد لطموا، وأقاموا على ذلك أياماً والإمام السجاد [عليه السلام] معهم؟ فلماذا لم ينههم عن ذلك؟!

فلو أنه كان [عليه السلام] قد اعترض عليهم بمخالفة ذلك لأحكام الشريعة، لذكروا لنا ذلك، ولكانوا أطاعوه، ولم يقيموا أياماً، وهم يفعلون ذلك..

تقدم أنه حين وصل السبايا إلى الكوفة، واجتمع الناس، وخطبهم الإمام السجاد [عليه السلام] وفاطمة بنت الحسين [عليه السلام]، وأم كلثوم بنت علي [عليه السلام]، بكى الناس..

كما أن النساء «خمشن وجوههن، ولطمن خدودهن، ودعون بالويل والثبور».

10ـ في كامل الزيارات: «أن الحور قد لطمت على الحسين في أعلى عليين»، فراجع(2).

11ـ وتقدم في زيارة الناحية المقدسة، قوله: «تلطم عليك فيها

ـــــــــــــــ

(1) اللهوف ص112 و113 ط صيدا والبحار ج45 ص146، وجلاء العيون ج2 ص272 و273.

(2) كامل الزيارات ص80 والبحار ج45 ص201.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

الحور العين»(1)

12ـ روي استحباب الجزع على الإمام الحسين [عليه السلام].. والأحاديث في ذلك كثيرة..

وقد فسر الإمام الباقر [عليه السلام] الجزع بما يشتمل على لطم الوجه والصدر..

فقد روى الكليني عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، والحسن بن علي جميعاً، عن أبي جميلة، أن جابراً قال للإمام الباقر [عليه السلام]: ما الجزع؟!

فقال [عليه السلام]: أشد الجزع الصراخ بالويل، والعويل، ولطم الوجه والصدر الخ..(2)

وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن جابر مثله.

فإن قيل: إنه [عليه السلام] قد فسر الجزع، لكنه لم يصرح بجوازه..

فالجواب هو: أن الروايات الصحيحة التي صرحت باستحباب الجزع، على الإمام الحسين [عليه السلام] كافية في إثبات جوازه بجميع مراتبه، حيث لم يقيد فيها الجزع بشيء..

استطراد تاريخي:

وثمة نصوص كثيرة لا تدخل في سياق الاستدلال، غير أننا نذكرها

ـــــــــــــــ

(1) تقدمت مصادر ذلك حين ذكر الرواية تحت عنوان: احتمالات الهلاك لا تمنع..

(2) راجع: وسائل الشيعة ط المكتبة الإسلامية ج2 ص915.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

لمجرد إطلاع القارئ عليها، وهي التالية:

إنه قد حصل اللطم في بيت يزيد بالذات، فقد ذكروا: أنه لما أدخل السبايا على يزيد، «قالت فاطمة ابنة الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا؟!.

قال: بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلت.

قالت: فدخلت إليهن، فما وجدت منهن إلاّ سفيانية متلدمة»(1).

(واللدم هو اللطم)..

ويقولون: إن سليمان بن قتة العدوي التيمي مر بكربلاء، فنظر إلى مصارع الشهداء، فبكى حتى كاد أن يموت..وكان مروره هذا بعد استشهاد الإمام الحسين [عليه السلام] بثلاثة أيام(2).

إن ابن عمر قد ضرب على رأسه لما بلغه خبر قتل الحسين [عليه السلام](3).

وقد ذكر في البحار قصة الأسد الذي كان يأتي كل ليلة إلى الجثث الطاهرة، فيمرغ وجهه فيها..فراقبه ذلك الرجل الذي رآه ـ وهو من بني أسد ـ حتى اعتكر الظلام.

وإذا الشموع معلقة، ملأت الأرض. وإذا ببكاء، ونحيب، ولطم

ـــــــــــــــ

(1) إقناع اللائم ص153، عن العقد الفريد لابن عبد ربه، عن المدائني.

(2) أعيان الشيعة ج25 ص 368 ط أولى.

(3) الخصائص الحسينية: ص 187.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

مفجع، فقصد تلك الأصوات، فتبين له أن هؤلاء من الجن(1).

ونذكر هنا: أنه في سنة 346 هجرية لطم الناشي [الشاعر] لطماً عظيماً على وجهه، حينما علم أن البعض قد رأى السيدة الزهراء [عليها السلام] في المنام. وأشارت إلى قصيدة كان الناشي قد نظمها في الإمام الحسين [عليه السلام]، ولطم أيضاً أحمد المزوّق، والناس كلهم. وكان أشد الناس في ذلك: الناشي، وأحمد المزوّق(2).

ويذكرون أيضاً أن السيد المرتضى [رحمه الله] قد زار الإمام الحسين [عليه السلام] بكربلاء في يوم عاشوراء سنة 396 هجرية، مع جمع من أصحابه وتلامذته، فوجد هناك جمعاً من الأعراب، يضربون على الخدود، ويلطمون على الصدور، وينوحون ويبكون، فدخل معهم السيد وتلامذته، وهو يلطم على صدره. ورأوه ينشد:

كربلا لا زلت كرباً وبلا..

إلى آخر القصيدة التي هي من نظم أخيه الشريف الرضي(3).

وفي سنة 352 هجرية أمر معز الدولة البويهي بتعطيل الأسواق في عاشوراء.. «وأن يخرج الرجال والنساء، لاطمي الصدور والوجوه».

ويذكر هذا اللطم أيضاً في سنة 402 هجرية، فراجع(4).

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج45 ص194 وجلاء العيون ج2 ص292 و293.

(2) تاريخ النياحة ج2 ص22، عن بغية النبلاء ص161.

(3) تاريخ النياحة ج2 ص26 عن كتاب المواكب الحسينية لعبد الرزاق الحائر الإصفهاني، عن كتاب عمدة الأخبار ص43.

(4) البداية والنهاية ج11 ص254 و245، وتاريخ ابن الوردي ج1 ص 402.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

وكذا في سنة 423 هجرية(1).

ونكتفي بهذا المقدار، فإن المقصود هو مجرد الإشارة.

الإضراب عن الطعام في عاشوراء:

وورد أيضاً ما يدل على جواز الإضراب عن الطعام في يوم عاشوراء، حتى تظهر آثار ذلك في الوجه..

فعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبدالله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري، قال:

«قال لي أبو عبد الله [عليه السلام]: يا مسمع، أنت من أهل العراق.. إلى أن قال: فتجزع؟!

قلت: إي والله، واستعبر لذلك، حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فامتنع من الطعام حتى يتبين ذلك في وجهي.

قال: رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا الخ..»(2).

وذلك معناه: أنه يجوز فعل ما فيه أذى للنفس ومشقة عليها في عاشوراء، بل يستحب ذلك..

ـــــــــــــــ

(1) راجع: تاريخ كاظمين [فارسي] لعباس فيض ص84.

(2) كامل الزيارات ص101، وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

تواتر الأخبار:

وبعدما تقدم نقول: إن ما ذكرناه فيما تقدم من آيات وروايات، رغم أننا اكتفينا منه بما تيسر لنا، يوضح بجلاء نظرة الإسلام في هذا الاتجاه.. وقد ظهر أن النصوص كثيرة جداً، ودعوى تواترها لابد أن ينظر إليها بجدية، وبخوع تام..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

الفصل الرابع:
توضيحات حول المراسم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

تعظيم الشعائر.. وإحياء أمرهم [عليهم السلام]:

وبعد.. فإن يوم عاشوراء، هو من أعظم أيام الله أثراً في إحياء الدين وحفظه، وحفظ جهود الأنبياء، وهو من أجلى مصاديق شعائر الله، التي أمرنا الله سبحانه بتعظيمها: {وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ}..

وإن المواكب الحسينية، ومراسم العزاء في هذا اليوم من أظهر مفردات هذا التعظيم، كما أنها من سبل إحياء أمرهم [عليهم السلام]، وقد أمروا [عليهم السلام] بهذا الإحياء.

وضرب السلاسل، واللطم، وجرح الرؤوس، لم يأت تشهياً، وبدون هدف، بل هو قد جاء على سبيل التعظيم، وبهدف إحياء أمرهم [عليهم السلام]؛ فيكون محبوباً لله سبحانه..

جواز الجرح، واللطم مطلق:

ولأجل ذلك نقول: إن حلية اللطم، وضرب السلاسل، وجرح الرؤوس لا تحتاج إلى التهاب الأفئدة بحرقة المصاب إلى درجة ينتج عنها هذه الأفعال.. كما يزعم بعض الناس..

بل إن نفس الظهور على هذه الحالة، وإظهار هذه الكيفية أو تلك،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

تعظيم للشعائر، وإحياء للأمر، وهو محبوب لله تعالى، وهو عبادة وعد الله عليها الثواب.. حتى لو لم يصاحبه حرقة ولا بكاء، ولا حتى حزن.

ويدل على ذلك أيضاً، وجود أحاديث كثيرة تأمر بالتباكي على الإمام الحسين [عليه السلام]، مما يعني: أن الثواب يترتب على البكاء الحقيقي تارة.. وعلى التظاهر بالبكاء تارة أخرى.

وكذلك الحال في المراسم، فإن الثواب يكون على نفس فعل هذه الكيفيات التي هي مصداق للتعظيم، أو لعنوان إحياء أمرهم [عليهم السلام].

النوايا في المواكب الحسينية:

وبعدما تقدم نقول:

قد يقول البعض: إنه لا بد للفقيه من أن يحرم اللطم، وضرب الرؤوس، لأن كثيرين ممن يمارسون ذلك، إنما يفعلون ذلك للاستعراض. وبعضهم لا يلتزم بأحكام الشريعة..

والجواب هو: أن وظيفة الفقيه هي أن يعطي حكم الله في الواقعة، وليس له، ولا هو مطالب بأن يفتش عن نوايا الناس، وعن قصودهم..

فهو يقول للناس: عظموا شعائر الله، وأحيوا أمر أهل البيت [عليهم السلام]، والناس هم الذين يختارون كيفيات ذلك ومفرداته، كل بحسب حاله.

ويقول: إن في المواكب الحسينية تعظيماً لشعائر الله، وفيها أيضاً إحياء لأمرهم [عليهم السلام]، وعلى الناس أن يقوموا بها لهذا الغرض، تحقيقاً للأهداف الإلهية، وانصياعاً لأوامره سبحانه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

وليس له أن يقول: فلان يقصد هذا الأمر أو لا يقصده، وفلان الآخر حزين أو غير حزين.. وفلان الثالث يرائي في ما يفعل أو لا يرائي.. فإن الله لم يطلع أحداً على غيبه، ولا بد من حمل فعل المسلم على الصحة.

ولنفترض وجود مرائين أو منحرفين، فإن ذلك لا يجوِّز لنا الدعوة إلى إلغاء تلك الشعائر من الأساس، وإلا لساقنا ذلك إلى إلغاء الواجبات حتى الصلاة. فإن هناك من يحاول المراءات فيها، وخداع الناس عن طريق التظاهر بالعبادة والتقى من خلالها.

وهل يجوز لنا أن نمنع الناس من الحج، لعلمنا بأن بعضهم يرائي فيه؟!

وهل تمنع الصلاة جماعة لأجل ذلك أيضاً؟! إذا علمنا بوجود أمثال هؤلاء..

وإذا كان هناك أفراد يراؤون الناس بهذه الشعائر، فإنما هم أفراد قلائل، وتبقى الكثرة الكاثرة من المشاركين فيها ـ لا شك بأنهم من أهل الخير، والإيمان، وطهارة النية..

فإذا كان لا بد من التحريم، والمنع، فإنما يمنع من يُعْلَم أنه يفعل ذلك رياء وسمعة.. دون من لا يُعلم منه ذلك..

إن المطلوب هو: أن ندعو الناس إلى القيام بواجباتهم، وبإحياء أمر أهل البيت [عليهم السلام]، وبتعظيم الشعائر، بهذه المراسم، وسواها، ثم نربي الناس، ونهيئ نفوسهم لإخلاص النوايا لله تعالى، بالدعوة إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

المعترضون.. ودوافعهم:

وإذا أردنا أن ندرس واقع الذين يثيرون الانتقادات على هذه المراسم، فسوف نخرج بحقيقة: أن من ينتقدونها، ويشنِّعون عليها، تختلف دوافعهم، وأغراضهم من ذلك..

فهناك من لمس وجود خلل في فهم هذه المراسم لدى فريق من الناس الغرباء عن الدين، وخاف أن يؤثر ذلك صدوداً منهم عن الحق، وعناداً في قبول حقائقه.. فأراد أن يحتفظ بفرصة تمكن من فتح قلوبهم على الهدى وعقولهم، على الحق..

فهذا النوع من أهل الغيرة على الدين، لا بد أن يشكر على هذا الوعي، وعلى تلك الغيرة.. مع لفت نظره إلى أننا نوافقه على ذلك من حيث المبدأ، غير أننا نقول: إن ما يفكر به، وإن كان صحيحاً في بعض الموارد، ولكنه لا يمكن تعميمه لكل زمان ومكان..

وهناك من يرفض كل مظاهر الحزن في عاشوراء، انطلاقاً من هوىً مذهبي، أو تعصباً لرأي، أو لجهة يرى أن عليه أن يمنع من إفشاء ما يرتبط بها من حقائق تدينها، أو تقلل من احترام الناس لها..

وهناك فريق ثالث يهاجم مظاهر الحزن في عاشوراء، سعياً منه إلى تشكيك الناس بدينهم، وإضعاف حالة الاندفاع نحو الإلتزام بأحكامه. وإسقاط محله في نفوسهم، وإبعادهم عن حالة التعبد والانقياد، والتقديس لمقدساتهم..

وقد يكون الرفض من البعض بسبب أنه يرى: أن مظاهر الحزن على الحسين [عليه السلام]، تنتج فكراً يضر بمصالحه، وتربي مشاعر، وتثير وجداناً، وتعمق وعياً، لا يؤمن به، ويلزم نفسه برفضه، وبمحاربته،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

ووأده في مهده.

ولا يقتصر نشاط هذا النوع من الناس، على محاربة عاشوراء والإمام الحسين [عليه السلام]، بل هم أيضاً يحاولون السخرية بمن يصلي، وبمن يلتزم بالزكاة، ويهزأون أيضاً بأحكام الحج ومناسكه، وبالطواف حول البيت، ورجم الجمار، وذبح الأضاحي. و.. و.. الخ..

بل هناك من حاول المنع من تعليم بعض سور القرآن التي تتحدث عن اليهود، وهناك من حرفوا بعض آيات القرآن النازلة في بني إسرائيل واليهود.

وهناك أناس تحدث القرآن لنا عن سخريتهم بالأنبياء، وذكر لنا كيف أن الأنبياء قد واجهوا السخرية بمثلها، في قوله تعالى فيما حكاه عن نبيه نوح [عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام]: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}(1).

إنهم يرون أن حربهم هذه، قادرة على التأثير في إسقاط إرادتنا، وإضعاف صلابتنا خصوصاً حين يتهموننا بالجهل، والخرافية، والسقوط، والتخلف، والقسوة، و.. و..

وأخيراً، فإن هناك من يهاجم، ويدين، وينتقد، ولكن بحسن نية، وسلامة طوية، دون أن يعرف حقيقة الأمر، ودون أن يقف على موارده ومصادره، فهو واقع تحت تأثير أعلام هؤلاء وأولئك، يظن صحة ما قالوه، فيبادر ـ مخلصاً ـ إلى المطالبة بتصحيح ما يراه خطأ خطيراً، أو الخروج مما يراه مأزقاً كبيراً..

ـــــــــــــــ

(1) سورة هود /38.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

ماذا لو استجبنا لمطالبتهم:

ولو أردنا أن نخضع لهذا الجو الضاغط، الذي يثيره الحاقدون.. فإن علينا أن نتوقع: أن نطالَب ربما بالخروج عن ديننا إلى دينهم، والعياذ بالله، فإن جميع أعداء الدين والمذهب لا يرضون بما نحن عليه وقد قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(1).

ولو أردنا أن نخضع لهذه الأجواء، فإن علينا أن نلغي رجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق، والحكم بعدم جواز تزويج المطلقة ثلاث مرات إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر، وغير ذلك من التشريعات التي يعلن العلمانيون رفضها، ويجاهرون بنقدها، ويهتمون بتسفيهها، ويتابعهم على ذلك كثير من الناس البسطاء، الذين لا حظ لهم من العلم، ويأخذون الأمور، بسلامة نية، وحسن طوية..

إن ما يجري في عاشوراء، حتى جرح الرؤوس، وضرب السلاسل، واللطم، وغير ذلك لم تثبت حرمته الشرعية، ولا هو مما يحكم العقل بقبحه، وتلك هي الشواهد والدلائل تشير إلى مشروعيته..

فلماذا يقال: إن فيه توهيناً للمذهب، في كل جيل، وكل قبيل؟!.

ولماذا تطلق التعميمات بهذه الصورة؟!..

ولماذا لا يقال: إنه حيث يلزم التوهين، فلا بد من الامتناع عنه، وحيث يلزم الإعزاز، فلا حرج فيه، ولا جناح؟!..

نعم.. ربما يكون في ذلك بعض الحرج النفسي لدى فريق من الناس، ممن يفاجأون بمشاهد صعبة وغريبة عما عرفوه، وألفوه.. فلا بد

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة/ 120.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

من مراعاة حال هؤلاء والرفق بهم، وتيسير الإيمان لهم..

.. ولا يكفي مجرد الشعور بالخوف والرهبة لدى من يشاهد جرح الرؤوس، لإصدار الحكم بالتحريم.. إذ لو كان ذلك كافياً للزم أن نمنع من ذبح البقر والغنم أيضاً، لأن كثيراً من الناس يتألمون من مشاهدتها وهي تذبح.. كما أن علينا أن لا نقتل القاتل. وأن لا نجلد الزاني، أو أن نرجمه، وأن لا نرضى بقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(1) فإن هناك الكثير من الناس يخافون، ويرهبون حالات كهذه، كما أن كثيرين منهم لا يرضون بالالتزام، ولا بإلزامهم بمثل هذه الأمور..

وفيما عدا ذلك، فإننا قد قلنا آنفاً: إنه لو كان فعل ذلك في بعض المواضع موجباً لصدود الناس عن التفكير بالإسلام، فلا بد من مراعاة حالهم، عملاً بالآية الشريفة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(2).

لكن ذلك لا يعني أن تشن حملة على كل من يريد ممارسة هذه الشعائر، بحيث تشمل هذه الحملة حتى المواضع التي ليس في ممارستها فيها أي محذور.

خلاصة وتوضيح:

وختاماً نقول: إن مسألة العزاء والمواساة والجزع على الإمام

ـــــــــــــــ

(1) سورة النور/ 2.

(2) سورة النحل/ 125.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

الحسين [عليه السلام] وما يمثله من الحضور الدائم، لهذه الشخصية في الوجدان الإنساني، له أثر عظيم في دفع هذا الإنسان باتجاه العمل، والسير نحو الهدف الأسمى، الذي ضحى لأجله [عليه السلام] بكل ما لديه، وبأغلى ما يملك.

وله أثر عظيم أيضاً في ربط الإنسان عاطفياً، ووجدانياً، وإنسانياً بأهل البيت [عليهم السلام]، وتفاعله مع قضاياهم، وتسليمه لهم بكل وجوده، وبكل مشاعره وأحاسيسه، فيحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم..

وهل أعظم من واقعة كربلاء مناسبة يعبر فيها الإنسان عن هذا الارتباط، وتلك العلاقة بهم [عليهم السلام]؟

وقد يكون التعبير عن هذا الحزن والجزع بأشكال وطرق مختلفة، يظهر من خلالها ذلك الشعور الإنساني، الفطري، المرتكز إلى قداسة الأهداف، والى مقام من ضحى من أجلها، ومعرفة منازل كرامته، وقداسة شخصيته، وحساسية موقعه من هذا الدين.

وقد جاءت الأوامر الشرعية لتعطي الإنسان فسحة ومجالاً واسعاً، من خلال تسجيل الأمر بإقامة العزاء على عناوين عامة، مثل: «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا».

حيث تركت لكل إنسان، الحرية في اختيار الأسلوب والطريقة التي تناسبه، بشرط أن يكون ذلك وفق أحكام الشرع، وحيث لا يصاحب ذلك أية مخالفة أو إساءة، فإنه لا يطاع الله من حيث يعصى..

فالإنسان هو الذي يختار، كل حسب حاله، وظرفه، وخصوصيته.

فأحياها الشاعر بشعره.

وأحياها الأديب بنثره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

وأحياها ثالث بإقامة مجالس العزاء.

ورابع آثر أن يسقي الناس الماء، ليذكرهم بعطش الحسين [عليه السلام].

وخامس علق قطعة سوداء على الطريق العام.

وسادس نظم مسيرة تحمل فيها الشموع في ليالي عاشوراء.

وهكذا.. تستمر قائمة وسائل التعبير تتنامى وتتكاثر باطراد..

وكان منها تنظيم المواكب مِن قِبَل مَن آثر أن يعظم شعائر الله، ويحيي أمرهم صلوات الله وسلامه عليهم، بطريقة جرح رأسه بآلة حادة, أو آثر ضرب ظهره بالسلاسل، أو اللطم في المواكب والمجالس.

وقد حاول كثير من المخالفين لأصل إحياء ذكرى عاشوراء، تهجينها، والتنفير منها، وأثيرت مؤخراً أسئلة حول هذه الموضوعات الأخيرة، وبذلت محاولات جادة أيضاً لتهجينها، والتنفير منها، والتشكيك بمشروعيتها، رغم وجود فتاوى لأكثر مراجع الأمة في هذه العصور المتأخرة بالمشروعية..

وإذا كان ثمة من تحفظ، فإنما هو في الموارد التي يلزم فيها عكس ما قصد منها.. كالموارد التي تؤدي إلى صد الناس عن الحق.. وتضييع فرصة الهداية عليهم..

واللافت هنا، ما تظهره لنا شاشات التلفزة في هذه الأيام، من ممارسة المسيحيين لأساليب حادة جداً للتعبير في هذا المجال، إلى حد دق المسامير في أيديهم، وهم على الصليب، لمواساة النبي المسيح عليه السلام، فيما يعتقدون أنه جرى عليه، هذا عدا عن حملهم الصليب مسافات طويلة على الظهر، تعبيراً عن الآلام!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

ولم نجد أحداً ثارت ثائرته، فرماهم بالتخلف، وبالخرافية، ولم يعترض ولم يخجل أحد من أتباع تلك الديانة من عرض تلك المشاهد على شاشات التلفاز..

فلماذا نستسلم نحن لحملات التشنيع المغرضة على عاشوراء، والتي تأتينا من جهات حاقدة ومغرضة من غربيين وغيرهم، ممن يعادون عاشوراء، ويعملون على إخماد جذوتها، وإطفاء نورها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم حجته، وينصر دينه وأولياءه..

وبعد أن ظهر أنه لا مشكلة في أن يجرح الإنسان رأسه، لغرض عقلائي شخصي، دنيوي، وأنه ليس حراماً ذاتاً، ولا هو قبيح عقلاً.. دون ما لم يكن له أي غرض أصلاً, كأن يكون لأجل العبث واللعب مثلاً..

بعد أن ظهر هذا وسواه، مما تقدم في ثنايا هذا البحث، نقول:

أي غرض أعظم، وأسمى وأشرف، من إحياء أمرهم [عليهم السلام]، إذا كانت هذه المراسم موجبة لعز الدين، وتثبت اليقين.. وفي المواضع الخالية من خطر التوهين، والصد عن سبيل الهداية، وليس فيها أي أثر لإثارة الذعر في النفوس، وإخافتهم، وجعلهم يهربون من هذا الدين، مع أن اللازم هو مراعاة حالهم، والرفق بهم، على قاعدة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}..

إعادة.. وإفادة:

ونعود فنلخص بعض ما تقدم على النحو التالي:

إنه تارة يكون تعظيم الشعائر بالوسائل والكيفيات التي قررها الشارع مباشرة، وأخرى يكون الأمر الشرعي متعلقاً بعنوان عام، وقد ترك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

أمر الوسائل والتطبيقات لذلك العنوان، للناس أنفسهم ليبتكروها، كل حسب ظروفه، وطبيعة إمكانياته..

مثال ذلك:

لو أن الشارع أمرك بتعظيم والديك واحترامهما، فعنوان الاحترام هو المأمور به، وأنت الذي تختار، أو تخترع وسيلة ذلك، فتكرمهما بالهدية تارة، وبتقبيل اليدين أخرى، وبإجلاسهما في صدر المجلس ثالثة، وهكذا..

وكذلك حين أمرك بالتحية، فقد تكون تحيتك بالسلام، أو برفع اليد، أو بكلمة مرحباً، أو صباح الخير، أو يوم سعيد، أو برفع القبعة، أو بالتحية العسكرية، أو بضم اليدين مع انحناءة يسيرة، وما إلى ذلك.

وكذلك الحال إذا أمرك بإحياء أمر الحسين [عليه السلام]..

فتارةً يحدد لك هو الوسيلة، كالزيارة، والاغتسال لها، وعقد مجالس العزاء، ونحو ذلك. فلا بد أن تفعل نفس ما أمرك به. ولو أن العالم كله غضب واستاء لذلك، فإن غضبهم واستيائهم لا يعنيك، ولا يمنعك منه احتقارهم، واستهزاؤهم، وشتمهم وأذاهم، وحتى قتالهم لك، لأن الله قد حدد الطريقة، فوجب القيام بها كما أمر سبحانه..

ولهذا فنحن لا نصغي لأي انتقاد منهم لصلاتنا، أو لحجنا، أو لملايين الأضاحي التي نذبحها قرباناً في كل سنة في موسم الحج، أو لرمي الجمرات، أو للطواف، أو غير ذلك..

وتارة يعطي لنا نحن الدور والخيار في اختيار الأسلوب والوسيلة، كما هو الحال في الأوامر الشرعية بتعظيم شعائر الله وإحياء أمرهم [عليهم السلام]..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

وفي هذه الحال نقول: إننا قد نوفِّق فيما نختاره من أساليب، وتطبيقات لتلك العناوين، وقد لا يحالفنا التوفيق في ذلك.. بأن كانت بعض المفردات التي نختارها تسيء إلى الهدف، ولا تعطي النتيجة المرجوة أصلاً، أو أنها تعطي النتيجة في هذا المكان، ولا تعطيها في ذلك المكان، أو في هذا الزمان دون ذلك الزمان.

فالأمر إذن بالنسبة إلى اختيار الأسلوب والوسيلة يكون متوقفاً على النتيجة، وما يترتب عليها، لا على نفس العمل من حيث هو..

وعلى هذا نقول: إن موضوع جرح الرؤوس، وضرب الظهور بالسلاسل، قد يختلف الحكم فيه بحسب الأحوال، والأزمان، والأمكنة، فيكون مورداً للأحكام الشرعية الخمسة: «الإباحة، والوجوب، والاستحباب، والكراهة، والحرمة».

فقد يكون هذا العمل مستحباً هنا، ومكروهاً هناك، وقد يكون واجباً هنا، ومحرماً هناك.

والحمد لله، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

كلمة أخيرة:

وقبل أن نودع القارئ الكريم، شاكرين له ثقته، ومقدِّرين له صبره، وتحمُّله معاناة قراءة هذا البحث.. فإننا نسأل الله أن يوفقنا وإياه للسير على هدى أئمتنا [عليهم السلام]، وأن يجعل عواقب أمورنا خيراً، وأن لا يخرجنا من الدنيا حتى يرضى عنا، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول..

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

بيروت في 12 ذي الحجة 1422 هـ

جعفر مرتضى العاملي