ضرورة الإمامة

     

 نحاول في هذا المبحث أن نتلمس الأدلة القرآنية على اعتبار الإمامة ضرورة من ضرورات الرسالة الاسلامية، بمعزل عن الاسقاطات الطائفية في هذه المجال، وسنعالج ذلك من خلال العثور على المباني القرآنية لما تحدثنا عنه من قبل وقلنا بأن ثمة ستة مقامات للإمامة قد افترضنا وجودها في القرآن، وأعني بذلك الإمامة الشاهدة، وإمامة التشريع، وإمامة الوجدان، وإمامة السياسة والحكم، وإمامة الوجود، وإمامة الآخرة، ونحاول تطبيق هذه المقامات على تلك المواصفات التي دلّتنا عليها الاية الكريمة : (قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وأعني بها ضرورة النص وعصمة المنصوص عليه، وامتداد الإمامة وعدم توقفها عند محطة الخاتمية النبوية، وتشخيص جهة المنصوص عليه.

فإن تطابقت هذه مع تلك بمجموعها فمن الواجب الرضوخ لمتطلباتها، خاصة وان افتراض تطابق كل واحدة من هذه المقامات الستة، مع كل واحدة من المواصفات الأربع، لن تكون بأي شكل من الأشكال نتاج حالة اعتباطية أو لمجرد الاحتمال، فهذا التوافق والتطابق لا بد وأن يحكي تكاملا في المنظومة التي تضمهم جميعاً، والقول ببعضها دون البعض الآخر يمثل صدعا فيها وتشويها لها.[138]

وقبل أن نلج في عباب الموضوع، لا بد وأن أعرض لواحدة من أساسيات المنهج الذي نعتمده في هذا الكتاب، وهو أننا هنا لسنا في صدد الحديث عن إمامة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) وهو ما نعتقد أنه حق الدين والإيمان، وخلافه خروج عن دائرة الإيمان، ولكن ما يهمنا هنا هو محاولة تسليط الضوء على المفهوم القرآني للإمامة، بمعزل عن هوية الإمام الشخصية، وإن كنا تعمدنا التوقف عند هويته المفهومية، وقد تركنا كل ذلك لكتابنا: (الإمامة بحث في الضرورة والمهام).

وسبب ذلك يعود إلى أننا نرغب في قطع القارئ الكريم عن المسبقات والمسلمات الطائفية، ونحاول إبعاده عن اسقاطات واقع التأريخ السياسي والديني والمذهبي وتداعياتها، حيث نعتقد أن هذه الاسقاطات تلك التداعيات هي التي حجرت على قطاع كبير من المسلمين أن يقفوا من مسالة الإمامة موقفهم اللامبالي، وهو الذي أودى بالنتيجة إلى ما ألفناه في الواقع السياسي من سيطرة الأطر غير الإسلامية على هذا الواقع بحجة خلو النظام الإسلامي من الترابط الواقعي بين مسألتي الشرعية والسلطة واللتان يعتبرن من ركائز أي واقع سياسي يعتمد أسس الثبات الشرعي وتنظيم العلاقة الطبيعية بين الحاكم والمحكوم وبين الإمام والمأموم.

إن ما نريد فعله هنا هو تحرير العقلية من المسبقات التي يمكن لها أن تكبّلها فتمنعها من رؤية الحقيقية المجردة بمعزل عن ما خلّفته التراكمات التاريخية وسبل تبرير الواقع السياسي والديني الذي هيمن على التأريخ الإسلامي، وقد كان لهذه التراكمات أكبر الأثر في إيجاد حشد هائل من النصوص والنصوص المضادة حيث لعبت المصالح السياسية والمذهبية لتستخدم السذاجة الشعبية والممتزجة بالبراءة في الكثير من الأحيان، والجهل المقنّع برداء الحرص على التراث في إبعاد العقل الإسلامي عن أن يشقّ طريقه بتجرد سعياً وراء الحقيقة.

وقد ساهمت ردة الفعل الشيعية، وأوضاع الصراعات المذهبية، وواقع العنت السياسي والطائفي والثقافي المسلّط على التشيع من الأطر السياسية والفكرية التي حكمت أوضاع التأريخ السياسي والفكري في أن تبتعد بعض منتديات علم الكلام الإمامي عن تسليط الضوء على مفهوم القرآن عن الإمامة إلى الانهماك في بحث الفاضل والمفضول، وموقع الواحد من الثلاثة، على الرغم من اعتراف هذا الجمع بأن الإمام لا يمكن أن يقاس به أي واحد من أفراد البشر، وبالتالي فأين مقايسة أمير المؤمنين (عليه السلام) من أي أحد من أفراد البشر فيما خلا الرسول وأهل بيته الأطهار (صلوات الله على أنوارهم الزاكيات)؟.

ولكن بطبيعة الحال ليس هذه الأبحاث مما يخلو من فائدة، بل على العكس فإنها أسهمت بشكل جدي في تنمية وعي معين بالنسبة للإمامة، ولكن هذا لا يمكن مقايسته بما لو تم العمل على كشف المفهوم القرآني عن الإمامة، ومن ثم ليجعل المسلم قبالة أحكام القرآن القطعية التي من شأنها أن تعرّي حقيقة كل واقع التاريخ السياسي والفكري الإسلامي، بصورة تجعل أي مقايسة للإمام بغيره من أبطال ذلك الواقع وصنعته بمثابة إهانة كبرى تلحق بالإسلام ورجاله الأمناء على أسراره والحفظة على كتاب (صلوات الله عليهم أجمعين).
-----------
[138] - هذا البحث هو مختصر الابحاث التي عالجناها في كتابنا: الامامة. بحث في الضرورة والمهام.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت