|
ومن يقرأ تمام مقالة (الأصالة والتجديد) يجد بوضوح التزام فضل الله بمقالة التصويب ليس في المجال الفقهي والأصولي فحسب، بل حتى في المجال العقائدي فتراه لا يطالبنا بعدم رجم من نعتقد بخطأ حكمه الفقهي فحسب، بل يمد ذلك ليبلغ فيه حدّه الطائفي الأقصى حيث يطالبنا بعدم البراءة ممن لا يؤمن بعقائدنا لأنه لا يعتقد بثبوت قدسيتها حيث يقول: (إن المقدّس في الإسلام بالمعنى المطلق هو الثابت بطريقة قطعية لا مجال للاجتهاد فيها بحسب مصادرها اليقينية، ولا مجال للخلاف حولها، وكل ما عدا ذلك فهو غير مقدس، وتكون قداسته مقتصرة على الشخص الذي ثبتت قداسته عنده بحسب اجتهاده، فليس له أن يرجم غيره ممن لا يرى رأيه بإنكار المقدسات.[65]
وهذا ما أدى بالمرجع الديني الكبير الشيخ جواد التبريزي (دام ظله المبارك) إلى أن يعلّق على ذلك بالقول: إن القائل يتصور أن تعدد حكم الواقعة الواحدة بحسب اختلاف المجتهدين في الأعصار فيها أمر ممكن وواقع وهذا مخالف لمذهب العدلية الملتزمين ببطلان التصويب في الوقائع التي وردت فيها الخطابات أو استفيد حكمها من مدارك أخرى.[66]
والعجيب أن فضل الله انساق مع تداعيات هذه الفكرة، وكاد أن يصل إلى ما لم يصل إليه أحد المسلمين حينما ناقش آية : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) حيث قال شارحاً: المعنى في هذه الآية واضح، فهي تؤكد أن النجاح في الآخرة تناله كل هذه الفئات الدينية المختلفة في تفكيرها وتصورها الديني للعقيدة والحياة، بشرط واحد وهو التقاؤها على قاعدة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.[67]
ورغم أنه حاول أن يخفف من حدة هذه اللهجة، ويتيح المجال له بالتنصل من ربقة موضوع كهذا كعادته في هذه المواقف، غير أنه في واقع الحال حاول أن يخفف جهة الفارق بين المسلمين وغيرهم حيث قال: وربما يخطر في البال أن الإيمان بالرسول يختلف عن الإيمان بالله في مدلوله الإيماني، وفي طبيعة موقعه في العقيدة، فإن الإيمان بالله غاية في نفسه باعتبار أن معرفته وعبادته من أسس العقيدة في ذاتها، أما الإيمان بالرسول فقد لوحظ من حيث هو طريق للارتباط بالرسالة والعمل الصالح، ولذلك لم يؤكد القرآن عليه في كل دعوات الإيمان إلا في هذا النطاق، وعلى ضوء ذلك فقد يكون إغفاله في مجال الحديث عن الأساس في نجاة الإنسان في الآخرة، ومن جهة الاكتفاء عنه بكلمة الإيمان بالله والعمل الصالح الذي هو كناية عن السير في خط الله من العبودية له والخضوع لشرائعه وأحكامه الثابتة برسالات الأنبياء، وقد تتضح لفكرة بشكل أعمق ذا لاحظنا أن الإسلام لم يعتبر وجود اختلاف بين الرسالات إلا من خلال بعض الجوانب التفصيلية مما يجعل القضايا الأساسية واجدة في الجميع، ويكون الانسجام مع واحدة منها انسجام مع الكل، كما يكون الانحراف عن الخط في إحداها انحرافا عن الخط في الباقي، وبذلك تعتبر النبوات منطلقة من قاعدة واحدة كما يوحي به قوله تعالى: (إن الدين عند الله السلام) مما يجعل كل صفة طارئة[68] تسقط وتتضاءل أمام القاعدة الصلبة التي تتحرك من خلالها الرسالات.[69]
ولا أدري إن كانت مجموعة مواقف فضل الله من اليهودية والمسيحية وعقائدهما تتعلق بهذا الاتجاه أم لا؟!.
حيث يلحظ عليه خروجه بأفكار لم يتجرأ أحد من المسلمين على مجرد التحدث بها، إذ يرى أن الثالوث المسيحي لا يمثل شركاً بالله.[70]رغم أن الجليل الأعلى تباركت أسماءه يتحدث بصراحة عن كفر من يقول بالثالوث: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم)[71](وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون)[72]. ولا أعلم لم عدّ مثل الولاية التكوينية شركاً؟[73] رغم وضوح القول باتصالها بولاية الله، ولم يعد أمثال الثالوث المسيحي شركا!! بل لم يلتزم بعدم كفر القائلين بالثالوث،[74] رغم وضوح تكفير القرآن لهم على ذلك، والعجيب أنه رغم هذا الوضوح تراه يقول بأن القرآن لا ينفي التوحيد الإيماني عن المسيحيين[75]، وحيث يعتقد أن الإنجيل والتوراة لم تحرف باللفظ بل حرفت بالمعنى[76]، وحيث يعتقد أن الخلافات بيننا وبين الأديان الأخرى هي عقدنا وذاتياتنا[77] رغم أن القرآن الكريم كان واضحاً في قوله: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ليهود)، وقد اعتبر أن لا مشكلة بين المسلمين مع المسيحيين في شأن اعتبار المسيح هو تجسيد للإله.[78] ولم ينفع النص القرآني التالي في تراجعه عن قوله هذا : (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم).[79]
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فيلحظ على هذه المقولة[80] أنها تعطي أصلي البراءة من أعداء الله والتولي لأوليائه تعميماً يتسع لما يجعل المفهوم متماهيا إلى الدرجة التي تفرغه من محتواه بشكل تام، فالكل حسب نظرية فضل الله حينما يعمل فإنما يعمل بناء على ما يعتقده مقدساً، مما يجعل المعتقد نسبياً، وما دام أن معتقدي عن الإيمان ورجالاته وأعداءه غدا نسبيا، فلا معنى لخصيصة التولي والتبرؤ لأنهم مصيبون فيما يعتقدونه، وإن أخطأوا إصابة الواقع، ولذا لا يجوز لي رجمهم ولعنهم إن اعتقدوا خلاف المعتقد، فلربما كان معاوية مثلا محقا في عقيدته في وقفه بوجه الإمام أمير المؤمنين (عليهم السلام)، وإن أخطأ التقدير، وبالنتيجة فليس عليّ أن اوجه له إصبع الاتهام والبراءة فلقد تأوّل وأخطأ!! وعلى ذلك فقس حتى إذا ما انتهيت تعال على الإسلام نبكي ونلطم!!.
ومن جهة ثالثة فلا بد أن تجد التشيع يتحول من الصورة الأصلية للدين، والتعبير الصادق عمّا جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى مجرد وجهة نظر قد يصيب الشيعة فيما يفهمونه من كتاب الله ورسوله، وقد يخطؤون والعكس صحيح أيضا بالنسبة للسنة حيث يعتبر فضل الله التشيع مجرد فكر بشري حيث تراه يقول: لتكون المسألة السنية والشيعية مسألة مدرستين في فهم الإسلام[81].
----------------------
[65] - الاصالة والتجديد: 63.
[66] - انظر جواب المرجع الديني التبريزي على سؤالنا حول مقالة الاصالة والتجديد المنشور في آخر الكتاب.
[67] - من وحي القرآن 2: 69.
[68] - لا نعلم بوجود صفة طارئة بين الاديان غير تبدل الانبياء (عليهم السلام) وتفاصيل شرائعهم وكتبهم، فهل يا ترى ستسقط هذه الصفات الطارئة أمام القاعدة الصلبة كما يزعم!؟.
[69] - من وحي القرآن 2: 71ـ72.
[70] - المرشد العدد: 3ـ4 ص373.
[71] - المائدة: 37.
[72] - التوبة: 30.
[73] - من قول له نحتفظ بستجيله بصوته، يمكن مراجعة تفصيله في كتابنا الولاية التكوينية: 211ـ212.
[74] - في آفاق الحوار الاسلامي المسيحي: 294 ط1 دار الملاك 1994.
[75] - في آفاق الحوار الاسلامي المسيحي: 295.
[76] - من قول له نحتفظ به مسجلاً.
[77] - آراء ومواقف الحلقة الأولى: 103.
[78] - فضل الله وتحدي الممنوع: 155 لعلي حسن سرور، ط1، 1992.
[79] - المائدة: 17.
[80] - أي فكرته عن المقدس وغير المقدس في الاسلام.
[81] - انظر مجلة المرشد العدد 3ـ 4 ص86. |