ثانياً:الصعيد التشريعي

     

 ومن خلال الالتزام بالقول بحاكمية الواقع على النص، سنواجه مشكلة تشريعية ضخمة، فحيث أن فهم هذا الواقع يبقى في كل الظروف نسبياً يتباين من مجتهد لآخر، ومن مدرسة فقهية لأخرى، فما أراه مصلحة في قضية معينة، قد يراه الآخر مفسدة عظمى، وحيث أن ما جاء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو فهم نسبي كما يزعم فضل الله، فمن المحتوم عندئذ أن يتعدد فهمنا للأحكام الشرعية، وحيث أن هذا الأمر يجبرنا على الاعتقاد بأن هذا الفهم هو فهم ظني للنص فلا يمكننا عندئذ إلا أن نقول بأننا نعتقد الصحة في فهمنا، ولا نقول بخطأ من لا برى صحة فهمنا، بل حتى من يناقض هذا الفهم، وهذا مفاد (مبدأ التصويب) الذي يجمع الإمامية (أعلى الله شأنهم) على بطلانه، فيما تلتزم مدرستي أهل السنة من الأشاعرة والمعتزلة به على اختلاف فيما بينهما حوله.[62]

ولربما توضح المحاورة التي جرت بين الخليفة الأول والثاني طبيعة فهمهم للتصويب حينما ثار عمر على خالد بن الوليد بعد جريمته النكراء بحق الصحابي الجليل مالك بن نويرة (رضوان الله تعالى عليه) حيث قتله ومثل به ووضع رأسه أثافي لقدره، ثم نزا على زوجته في نفس الوقت، والقتل فيه قتل، والمثلة فيها قتل، والزنا بامرأة محصنة فيها جلد في حال السفر حيث قال عمر لأبي بكر: إن خالداً قد زنى فاجلده.

فقال أبو بكر: لا، لأنه تأول فأخطأ!. قال: فإنه قتل مسلماً فاقتله. قال: لا، إنه تأول فأخطأ.[63]

وبعد أن ألحّ عمر على أبي بكر بالاقتصاص من خالد قال له بغضب: هيه يا عمر تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد.[64]

وواضح أن (التصويب) هنا يبتني نفسه على أساس ما يتعارف الأصوليون على تسميته بحالة (الانسداد)، أي عدم وجود طريق للوصول إلى الحكم الإلهي بعد غياب المشرع وانقطاعه، وهذه المشكلة التي واجهت الفقه السني وضربت بأطنابها الثقيلة عليه منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، لذا عمد هذا الفقه للاستعانة بطرق متعددة كسنة الصحابة وطرق الرأي والقياس والمصالح المرسلة وما إلى ذلك، فيما لم تواجه هذه المشكلة الفقه الشيعي أبداً، لأن فترة الوجود الواقعي للمشرع امتدت إلى حلول فترة الغيبة الكبرى للإمام (عليه السلام) أي عام 329 هـ وهي فترة كافية لأن يجد الحكم الإلهي الواقعي طريقه إلى الناس، سيما وأن المشرّع المقدس (صلوات الله عليه) أشار إلى أنه ليس من واقعة إلا ولله فيها حكم، وتمام الحجة الإلهية تقتضي من المشّرع أن يلتزم بالإفصاح عن هذا الحكم وتبيانه، وهذه من بديهيات الفكر الإمامي، ولهذا فإن القائل بالتصويب المتداعي من القول بحاكمية الواقع الاجتماعي على النص سيكون واحدا من اثنين، فهو إما من غير الإمامية، وإما ممن لا يفهم من الإمامية أي شيء!.
----------
[62] - انظر للتفصيل والنقض كتاب قواعد استنباط الاحكام للمرحوم آية الله السيد حسين يوسف مكي العاملي ص171 فما بعد، وكذا كتاب آية الله العظمى السيد محمد تقي الحكيم: الاصول العامة للفقه المقارن: 617 فما بعد.

[63] - انظر تأريخ أبو الفدا 1: 158.

[64] - تاريخ الطبري 2: 503.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت