|
ولا تمثل الدعوى التي أطلقها محمد حسين فضل الله في تفسيره للتغير والثبات في جوهرها خروجا عن دائرة الانحراف الأولى التي اختطت مسيرتها من التداعيات التي أنشأت الصياغة الفكرية التي قامت عليها أحداث سقيفة بني ساعدة، كما إنها لا تفترق كثيرا عن الصياغة الفكرية للفلسفة الغربية[43] التي رأت في حاكمية الكثرة الاجتماعية على صياغة الثوابت الفكرية، وذلك بالصورة التي طالعنا فيها في مقالة (الأصالة والتجديد).
وقد قدم فضل الله فكرته عن الثبات والتغير مقومة على أساس الموقف الاجتماعي منها، وقدم هذا الموقف مرة على أساس الفهم، وأخرى على أساس الالتزام، لذا تراه يقول: في داخل الثقافة الإسلامية ثابت يمثل الحقيقة القطعية، مما ثبت بالمصادر الموثوقة من حيث السند والدلالة بحيث لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه يكون من قبيل الاجتهاد في مقابل النص، وهذا هو المتمثل ببديهيات العقيدة كالإيمان بالتوحيد والنبوة واليوم الآخر..
وهناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكون موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيها، وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدل فيه، كالخلافة والإمامة والحسن والقبح العقليين والذي ثار الخلاف فيه بين العدلية وغيرهم، والعصمة[44] في التبليغ وفي الأوسع من ذلك بحيث يشمل الأفعال جميعها والآراء جميعها في شخصية النبي والأئمة، وفي المسار الجسماني والروحاني، وفي مستوى علم الأنبياء والأئمة، من حيث علم الغيب ووعي الأشياء في الكون والحياة، وفي مسألة حدود الشرك والتوحيد وغير ذلك مما يتصل بالجانب العقيدي.[45]
ويقول في موضع آخر بصورة جلية أكثر: الثابت هو الذي يملك ثباتا في وعي الناس لا الثبات في الواقع، والمتحول هو الشيء الذي لا يرى الناس كلهم فيه ثباتاً في الوعي.[46]
ويقول أنصاره: الثابت هو المقدس الذي لا يناقشه أحد من المسلمين، بينما المتحول يخضع للمناقشة لاختلاف المسلمين فيه.[47]
ونحن هنا لسنا في صدد النقاش حول ما إذا كانت المفردات المذكورة لها هذا الموقع الذي ذكره في واقع النصوص الإسلامية أو في واقع المسلمين أو لا، فلذلك مجاله اللاحق ـ إن شاء الله تعالى ـ ولكن يهمنا في البدء التوقف عند الزيف الذي حاول فيه أن يغطّي على واقع النظرية الإسلامية في شأن الثبات والتغير، فمن حقنا أن نتساءل عن الأساس الشرعي لفكرته عن الثبات والتحول، ومن أي مصدر استقاها؟ فإن كان ثمة أثر من نص أو دليل شرعي، فنحن بحاجة لسماعه، أما أن يكون الدليل الشرعي كتابا وسنة خلاف ذلك قلباً وقالباً، فمن حقنا عندئذ أن نبدأ بإثارة أصابع الاتهام الفكري مرة، والانحرافي أخرى[48] .!!
فمن البديهي ضمن وجهة النظر الإسلامية أن قيمة الأفكار لا تكتسب من الواقع الاجتماعي مهما بلغ هذا الواقع في عنفوان ضغطه أو وطأة إغراءاته، فالعملية الفكرية ليست انعكاسا لهذا الواقع حتى نجعل هذا الواقع يتحكم في ثبات الأفكار أو تغيرها، فالحق الذي جاء به النص المقدس يأخذ حقانيته من النص، من دون أن يكون للواقع الاجتماعي أي أثر في تقييمه سواء قبله أو رفضه!! والعدل الذي أقرّه الشارع المقدس تنبع أصالة الحقيقة فيه من هذا الإقرار، لا من أي شيء يرتبط بقبول الناس له أو ممانعتهم عنه.
ولهذا فإن محص أن يقبل المسلمون بفكرة أو يختلفون عليها لا قيمة له برصد واقع المقدسات الفكرية، ولا أثر له في تقييم عناصر الثبات والتحول، وخضوع آية فكرة للنقاش لا يعني سلب قداستها وثباتها، فها نحن نتناقش مع الملاحدة في وجود الله، فهل يعني أن فكرة وجود الله أصبحت متحولة لمجرد وجود من يناقش فيها حتى وإن تعاظم عدد المناقشين في هذه المسالة.
وها نحن نختلف مع المسيحيين في قدسية دينهم، ومع اليهود في قداسة معتقدهم، ويختلفون معنا في قداسة ديننا ونبينا وكتابنا وقبلتنا وكل شيء فينا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)[49] فهل سيعني ذلك أن نتنازل عن قداسة مقدساتنا؟ لمجرد أن هؤلاء يثيرون نقاشا حول ذلك؟.
إن كان من السلامة القول بأن نقاش هؤلاء لا يعني أي شيء في مضمار قداسة مقدساتنا، فمن السلامة أيضا القول بأن نقاش أهل الإسلام لا قيمة له في التعرف على حقائق المعتقد وثوابت التشريع، لأن الجميع من ملاحدة ويهود ونصارى ومسلمين وسائر بني آدم لا يمتلكون قدرة التشخيص لعناصر الثبات في التشريع، فهو ليس منهم حتى نتفق معهم حول أي عنصر ثابت وأي عنصر متحول، وليس هو فكراً بشريا حتى نتوسل بفكر البشر لتقييم الحقيقة والباطل فيه، بل هو فكر سماوي نزل عليهم من قبل الله (جل وعلا) وهو وحده الذي يشخّص هذه العناصر، وطالما إنه أوكل هذا التشخيص لكتابه ومن ائتمنه عليه، لذا فالعبرة الحقيقة في التقييم تبقى للكتاب وشارحيه من المعصومين (صلوات الله عليهم).
-----------------
[43] - خصوصا لدى هربرت سبنسر وكارل ماركس ومن بعده انجلز ولينين وبليخانوف من المفكرين الماركسيين، وكذا ما نرى في أفكار سيجموند فرويد وديفيد هيوم وجان بول سارتر ودوركهايم وجون ستيوارت مل وجميع فلاسفة البراجماتيزم وغيره ممن رأوا تحكم الواقع الاجتماعي في بناء القيم والأفكار.
[44] - أبدلت هذه الكلمة بكلمة الخاتمية حينما أعيد نشر هذا المقال في الكتاب السنوي لمجلة المعارج الذي صدر تحت عنوان: دراسات وبحوث قرآنية في فكر محمد حسين فضل الله: 304.
[43] - خصوصا لدى هربرت سبنسر وكارل ماركس ومن بعده انجلز ولينين وبليخانوف من المفكرين الماركسيين، وكذا ما نرى في أفكار سيجموند فرويد وديفيد هيوم وجان بول سارتر ودوركهايم وجون ستيوارت مل وجميع فلاسفة البراجماتيزم وغيره ممن رأوا تحكم الواقع الاجتماعي في بناء القيم والأفكار.
[45] - مقالة الاصالة والتجديد المنشور في مجلة المنهاج البيروتية العدد الثاني: 60، وكذا نفس المقال في دراسات وبحوث قرانية (م.س): 303ـ 304.
[46] - فكر وثقافة العدد: 16، والندوة 1: 334.
[47] - مجلة المنهاج العدد الثالث، وكذا دراسات وبحوث: 312.
[48] - حاول فضل الله تبرير ذلك بالقول إنه كتبها لواقع غير إمامي في أمريكا محاولا استمالتهم إلى ذلك(فكر وثقافة العدد 16 ومجلة المنهاج العدد الثالث)، وهي محاولة عجيبة مرة في العرض وأخرى في المفهوم، فلعمري أيجري الحديث مع غير الإمامية بقضايا من قبيل العصمة والولاية التكوينية أو علم الإمام أو عصر الغيبة ووجوب الخمس مما لا يمكن التحدث به مع العامة لوضوح عدم ايمانهم بما قبل ذلك، فكيف يمكن التحدث معهم بالصغريات وهم لا يؤمنون بكبرياتها؟!! علماً أن الرجل له مواقف تتراوح بين النفي المطلق لهذه الامور، وبين التشكيك بتفاصيلها، ففي العصمة ناهيك عن مخالفته لمقولاتت الإمامية في العصمة الاختيارية حيث ينفيها في بادئ التبليغ حيث يقول في الطبعة الجديدة لكتابه من وحي القرآن ما نصه: من الممكن من الناحية التجريدية أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها، في وقت معين ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة.. إن قضية الغرض الإلهي في وصول الوحي إلى الناس لا يستلزم إلا الوصول في نهاية المطاف من غير خطأ، ولكن لا مانع من حدوث بعض الحالات التي يقع فيها الخطأ!!!. (من وحي القرآن 4: 153ـ154) من الطبعة الثانية دار الملاك بيروت 1998).
أما في غير التبليغ فحدّث ولا حرج فعلاوة على مواقفه من عصمة الانبياء (عليهم السلام) والرسول (ص) والتي يعرض فيها كثيرا (انظر للتفصيل كتاب: لهذا كانت المواجهة!! وكذا كتاب خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام) وبزعمه فليس ثمة ضير على ثقة الناس بالنبي أو الإمام لمجرد خطأ هنا أو خطأ هناك. (في رحاب أهل البيت: 404).
أما الولاية التكوينية فهو ينفيها جملة وتفصيلاً كما عرفت ذلك في كتابنا الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم (عليه السلام)، وأما علم النبي(ص) فضلاً عن الأئمة (عليهم السلام) فهو الآخر ينفيه حيث يقول ما نصه: فالظاهر من كل الايات نفي العلم الذاتي حتى على نحو التبعية بمعنى جعل النبي علاماً بالغيب بحيث يملك الغيب في ذاته بقدرة الله في عطاءه له كما اعطاه ملكاته الاخرى. (انظر: بشرية النبي في كتاب دراسات وبحوث قرآنية: 602، وما يقرب من ذلك في مقالة: صورة النبي محمد في القرآن الكريم المنشور في مجلة الثقافة الإسلامية العدد: 65 الصفحة: 64).
هذا مع العلم أن المقال لم ينتشر في وسط العامة، وإنما انتشر في مجلة شيعية تقرأ غالبيتها في اوساط شيعية، فلو كانت مبررات العرض مع العامة تقتضي ما ذكروه، فما بالهم ابقوا الأمر على ما كان عليه مع العام حينما نشروها وسط الخاصة، هذا من حيث العرض أما من حيث المفهوم، فلعمري متى كان النقاش، مع الخصم يستدعي التنازل عن اساسيات الخصام؟!! وما لهذا التنازل بقي يروّج له في كتبه ونشراته حتى حينما اقتصر ترويجها في الساحة الشيعية!!.
[49] - البقرة: 120. |