إمامة السياسة والحكم

     

 العلاقات بين الناس في داخل الأمة الواحدة، وبين هذه الأمة وسائر الأمم، وإدارة العلاقة بين المجتمع وبين الطبيعة بكل ما منح الله فيها من موارد وخيرات، لها أشد الارتباط بمسار الحركة الربانية الهادية، فعلى أعتابها تكمن محاور الطواغيت والمترفين والظلمة وأعوانهم والباغين في الأرض فساداً، ومحرفي الأديان الإلهية وتجارها، ومنها تنطلق حرمة الكفر والشرك والظلم والفساد بكل أنواعه، ومنها تمتلئ الأرض بالمظلومين والمستضعفين والمخرجين من ديارهم ظلماً، ومنها تنطلق حركة قتلة الأنبياء الأولياء والمؤمنين، وبسببها يسلط بلاء الجوع، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومنها تستحيي النساء وتيتم الأولاد، وتعلن الحروب وتسام الأمم ألوان العذاب.

ولا يعقل أن القرآن الذي طرح كل هذه المشاكل باعتبارها عقبات رئيسية ومحورية أمام مسار حركة الإيمان وتركها من دون أن يضع لها الحل الناجع، لأن ذلك خلاف تكامل مسار الهداية، وخلاف رحمة الإرسال المشخصة بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

إن هذه المسائل بمجموعها والتي تنطوي خطوطها العامة تحت إطار مسألة الحكم والسياسة، تتطلب بطبيعة الحال إمامة خاصة بها، لا سيما وإننا قد رأينا أن الرسول الكريم (ص) قد أمر بالكثير من الأوامر المتعلقة في هذه المجال كما في قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم ورئس المصير)[164].

وكما في قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطغوا في دينكم فقاتلو أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)[165].

وكما في قوله : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)[166].

قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا)[167].

وكذا قوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)[168].

وكذا قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)[169] وغير ذلك المئات من الآيات القرآنية التي اتصلت بمسائل السياسة الحكم وشؤونهما.

وحيث لا يعقل أن الرسول (ص) الذي تحدث كتابه المقدس بكل هذه الأمور وهو لا يخطط للأمور التي ستعقب وجوده الحياتي، لا سيما وانه قد أخبر من قبل القرآن بالأوضاع غير الطبيعية التي ستعقب حياته الشريفة: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)[170].

ولهذا نقول بأن من المفروض أن نجد في القرآن دلالة واضحة على وجود إدامة لهذا الخط الذي سار عليه رسول الله (ص) ولا سيما وأن الرسول (ص) لم يستطع أن يحقق المهام التي وضعها نصب عينيه، فهذه المدينة التي كانت معقلا للرسول (ص) كانت تحوي من أصناف المنافقين وأعداء الرسالة بالصورة التي تصوّر فيه سورة التوبة[171] ـ وهي السورة التي نزلت في جملة أواخر السور القرآنية ـ بعضا من أصنافهم كما في قوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)[172].

وكذا قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)[173].

وكذا قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)[174].

وكذا قوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)[175].

وقوله أيضا: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون)[176].

هذه صورة من جملة كثيرة من الصور التي قدمها القرآن في هذه السورة وغيرها عن طبيعة المجتمع الذي كان يحيى فيه رسول الله (ص) فقط، هذا ناهيك عما يحيط بهذا المجتمع من مشاريع استعدائية مستقبلية ظاهرة، فمن جهة هناك أحقاد قريش ومجاميع الطلقاء، ومن جهة هناك أحقاد اليهود وضغائنهم، ومن جهة ثالثة ما تمثله الدعوة المحمدية من خطر للروم والفرس والأقباط، وهو الخطر الذي قرع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه نواقيسه من خلال معركتي مؤتة وتبوك.

وعليه فمن الحري بالقرآن الذي يخطط لهداية ربانية شاملة تمتد لآخر الزمن، أن يبين لنا موقفا واضحا في مسائل الحكم والسياسة وحسم مسالة العلاقة الجدلية بين الشرعية والسلطة والتي تعد واحدة من أكثر المسائل إثارة للحروب والفتن، ونظراً لأن مسألة الشرعية في السلطة من الأمور التي تحتاج إلى وضوح كامل، لان أي غبش في صورة الشرعية يمكن أن يفتح شارع الحروب الأهلية والانقلابات السياسية وضعضعة أمن المجتمع والفرد، ومن وراء ذلك كله أسوء صور الدمار والتفكك الاجتماعي وشرذمة وتفتيت الصف الواحد، لهذا لا بد من أن يكون تشخيص المرجعية السياسية التي يتحدد عبرها إطار الشرعية[177] بشكل حاسم ودقيق، لأن أي تهاون في هذه الدقة يمكن له أن يفضي إلى عواقب وخيمة لا أقلها أنه قد يدخل المجتمع في أتون أزمات سياسية وأمنية وفكرية خانقة، وحسم كهذا يستوجب أن يلتزم بالمقاييس والمواصفات الأربع التي رأيناها في الإمامة وأعني بها النص والعصمة والتشخيص والامتداد.

ولعل الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)[178] تفتتح شأن الهداية الربانية في هذا المجال، فعبر هذه الآية نجد أن شأن الطاعة المطروحة هنا إنما هو شأن إمامة كاملة المواصفات بعد الرسول (ص)، وذلك لأن الطاعة التي أوليت هنا لأولي الأمر لا يمكن تفسيرها بشكل منطقي ومتكامل بمعزل عن التنصيب الإلهي لمن وصف بولاية الأمر، حيث لا يمكن تصور أن الله يقرن طاعته وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله( بطاعة ولاة الأمر من دون أن يكون له عناية خاصة بهذا المقام ضمن نسق حرمة الهداية الربانية، وهذه العناية لا يمكن إتمامها من دون تشخيص مواصفات هذا المقام, ومن دون تحديد طبيعة علاقته بجهتي الهداية وأعني بذلك الله والناس، ومن دون حسم طبيعة موضعه من جهتي رسالة الهداية وأعني بذلك الرسول (صلى الله عليه وآله) وكتابه، الأمر الذي يضفي بعداً جديداً على أبعاد المواصفات التي شخّصت في إمامة التشريع، وهو أن يكون الإمام في هذا المجال هو نفسه في مجال التشريع، حيث يلحظ اتحادا في الدور والهدف، ولا يمكن تصور وجود إمامين في زمان ومكان واحد.

وما يؤكد هذا المعنى أن القرآن صريح في هذه الآية في تشخيص عصمة من وصفهم بولاة الأمر، فلا يعقل أن يطلب الله طاعة جهة إلا وهي معصومة، لأن خلاف ذلك سيؤدي إلى تناقض الأمر الإلهي، فهو من جهة يطلب طاعة ولاة الأمر على أي حال، وحينما يكون ولي الأمر خالياً من العصمة فلا بد من وقوعه في الخطأ، ولكن هذا الوقوع في الخطأ لا يلغي الأمر الإلهي بطاعته مطلقاً، ومما يعني التزامنا بطاعته في الخطأ، وهذا ما يستلزم تناقض الأمر الإلهي، وهذا مستحيل.

وقد التفت الفخر الرازي إلى هذه الحقيقة فقال: إن الله تعالى أمر بطاعة (أولي الأمر) على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وإنه محال. فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل ما أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وان يكون معصوماً.[179]

وحين يكون ولي الأمر معصوما فلا بد من ورود نص فيه، ولذلك لأن العصمة لا تشخصها إلا الجهة التي تهب العصمة، أو من هي في مقام العصمة بحيث تصلح شهادتها بوجود العصمة، وبغير ذلك لا يمكن تشخيص العصمة لأن المقامات الرفيعة والسامية لا يمكن تشخيصها من قبل من لم يصل لمقام الرفعة والسمو، وفق القاعدة العقلية: (فاقد الشيء لا يعطيه).

وكذلك لا بد من تعرّف الناس على هذا المعصوم، حيث أن مقام العصمة إنما وجد فلأسباب عديدة منها حاجة الناس إلى المعصوم، ولا يمكن قضاء هذه الحاجة والناس لا تعرف موضعها.

وما من شك أن هذا التشخيص لا بد وأن نجد صداه في مشخصات الولاية في القرآن، ولهذا نعتقد أن الآية الكريمة: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) تقدم دلالات جوهرية على هذا الصعيد، فالولاية المتحدّث عنها في هذه الآية تتفق في مؤدياتها العامة مع نفس المؤديات التي تتوقف على الطاعة التي تحدثت عنها الآية السابقة، فالطاعة لا تمنح إلا لمن له الولاية على المطاع، ولا يمكن تصوّر من لا حق له في الولاية على شيء يُعطى حق الطاعة والتبعية من ذلك الشيء إليه، ولهذا فإن هذه الآية الكريمة تعتبر دلالاتها حاسمة في مجال تشخيص مصاديق الآية السالفة، لا سيما وإننا نلمس اتفاقها مع الآية السابقة في التطابق مع المواصفات الأربع التي قلنا أنها ضرورية في تشخيص الإمامة، فمثلما رأينا أن البارئ عز اسمه أوقف الطاعة في الآية الأولى على المعصوم، فإننا لا يمكننا أن نتصور منحه ولايته إلا لمن اتسم بالعصمة، حتى لا تساء الاستفادة منها إن منحت لغير المعصوم.

ومثلما لاحظنا في آية أولي الأمر كيف يتحدد نسق الامتداد من طاعة الله إلى طاعة الرسول ومن بعده إلى ولي الأمر، نجد هنا في آية الولاية تتابع نفس النسق، ومثلما رأينا الحدية في تنظيم آلية الطاعة في الآية الأولى نرى نفس الآلية تقرر في مجال الولاية، ومثلما لاحظنا أن الجهة المأمورة في آية الطاعة تتخذ كمالها في صيغة انتمائها إلى حزب الله، نلحظ آية الولاية تعطينا نفس الصورة حينما تتحدث عن نفس الجهة (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)[180] مما يؤكد أن جهة الطاعة والولاية هما جهة واحدة، وحيث أنه لا يمكن طاعة جهة لم تشخص بشكل دقيق من قبل المولى عز وجل، كذلك لا يمكن للموالي التسليم لولاية جهة لم يتم تشخيصها من قبل صاحب الولاية الأصلي تبارك اسمه.

ولهذا فإننا إذ نجد كل هذا التطابق فلا بد من أن تكون كل واحدة من هاتين الآيتين كاشفة لما في الآية الأخرى.

وعليه فلا يمكننا ولا بأي شكل من الأشكال تصور سبب نزول الآية الثاني منعزلا عن تشخيص العامل الحاسم في الآيتين وأعني بذلك تشخيص من نص عليه في شان الولاية السياسية، خاصة وأن آية: (إنما وليكم) تتحدث عن الولاية بشكل مطلق فيما تقيده آية: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) في شأن السياسة والحكم ومتعلقاتهما.

هذا وقد اتفق المسلمون على أن مورد نزول آية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) كان أمير المؤمنين (عليهم السلام) في القصة المعروفة بتصدقه بالخاتم أثناء الصلاة.[181]

ومهما تمحّل القوم من أهل العامة في تفسير وجود أمير المؤمنين (عليهم السلام) في هذه الآية،[182] إلا أن من الواضح أن القرآن لم يأت على ذكر أمير المؤمنين (عليهم السلام) اعتباطا، خصوصا في آية تتحدث عن قضية عظيمة كهذه، ولا يمكنهم بأي حال من الأحوال إن أرادوا الابتعاد عن التمحلات[183] والتخرصات ـ أن يفسروا دلالتها وما سبقها من آية الطاعة على العصمة، غير الرضوخ لمنطق أهل البيت (صلوات الله عليهم) في تخصيص الآية ومدلولها بهم (صلى الله عليهم أجمعين) وهذا هود مورد إجماع ما روي عنهم.

وبهذه الآية يكتمل عقد المواصفات المطلوبة للإمامة السياسية حيث رأينا كيف تجتمع صفات الامتداد والتشخيص والعصمة والنص في شخصية واحدة، وكيف تجتمع هذه الإمامة بشخصها مع من شخّص لإمامة التشريع.
----------------------
[164] - التوبة: 73.

[165] - التوبة: 12.

[166] - التوبة: 29.

[167] - النساء: 75.

[168] - الحج: 39ـ 41.

[169] - النساء: 83.

[170] - آل عمران: 144.

[171] ـ تسمى السورة بالفاضحة لكونها فضحت مجتمع المدينة المحيط بالرسول (ص).

[172] ـ التوبة: 49.

[173] - التوبة: 58.

[174] - التوبة: 61.

[175] - التوبة: 75 ـ 76.

[176] - التوبة: 81.

[177] - يمكن القول بأن غالبية المشاكل السياسية التي عانى منها المجتمع الاسلامي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترتبط ارتباطا لصياقا بهذه المشكلة، وقد حاولت النظم السياسية المتعاقبة أن ترسي دعائم مشخصة لهذه الشرعية، غير أنها لم تزد في النار الا اضطراما، حيث حاولت هذه النظم ايجاد تغطية فكرية لما حصل بعد السقيفة، وقد أطلقت هذه المحاولة مع ما أفرزه صراعها مع قوى المعارضة السياسية العديد من الانماط الطائفية التي تحزبت لهذا الغطاء أو لذاك، ولهذا تجد الفكر الذي لم يتخذ من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منهجا يتعدد في نظرته تجاه الشرعية المزعومة، حيث نجد أن قسما من هؤلاء اتجه باتجاه القول بأن الشرعية تتولد نتيجة لراي أهل الحل والعقد، وهؤلاء كانوا قد ان تقسموا إلى قسمين قسم قال برأي مشابه لما حصل في سقيفة بني ساعدة، وقسم آخر كان أوعى من سلفه في تشخيص أن اهل الحل والعقد يحتاجون في انتخابهم الى مرجعية محددة فقال بشورى كشورى عمر فتخبط بما حاول أن يتملص منه، فمن أين اتى عمر بالشرعية، ولهذا اضطر قسم من هؤلاء للهروب من هذا المأزق الى القول بإمكان العهد من الخليفة السابق كما حصل بين الأول والثاني ولكن هذا القول في الواقع ليس بأحسن من صاحبه في عدم تخلصه من المشكلة الأصل، إذ يبقى التساؤل عن شرعية الأول مطروحا دون جواب حقيقي، وهذه الصور أفرزت بدورها اتجاها جديا لعله اقترب من حل المأزق حينما قال بضرورة النص الشرعي على ذلك وهو اتجاه ابن حزم وابن حجر وأضرابهما، ولكنه كان أسيرا لافرازات السقيفة، فوقع في فخ الموضوعات الروائية التي كذبت على رسول الله (ص) في ما قوّلوه (بأبي وأمي): فاقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، أو ما قوّلوه لامرأة: إذا جئت فلم تجديني فأت أبا بكر الخليفة من بعدي [الصواعق المحرقة: 20] من دون أن يعوا أن نصوصا كهذه لو كان لها وجود لما راينا كل هذا الصخب الذي ملأ أرجاء السقيفة، ولما رأينا الاول يحاول الاستقالة مرة بعد أخرى، علاوة على كون هذه الروايات مما اتفق الجانبان على تضعيفه، وفي قبال هذه الاتجاهات نجد أن قوى المعارضة السياسية من غير العلويين حاولت التنظير لذلك بعيدا من هذا الافق لتقول على لسان التفتازاني: وتنعقد الإمامة بالقهر والاستيلاء، فإذا مات الامام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة أو استخلاف، وقهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له. [شرح المقاصد 5: 272] وقد تمادى الباجوري فقال بانعقادها باستيلاء: شخص مسلم ذي شوكة، متغلب على الامامة، ولو غير أهلها كصبي وامرأة وفاسق وجاهل. [حاشية الباجوري على شرح الغزي 2: 259].

ويلحظ على جميع هذه الاتجاهات أنها قائمة على صورة من صور العقد الاجتماعي سواء أكان هذه العقد قائما بصورة من صور الرغبة الاجتماعية كما في صورة أهل الحل والعقد أو العهد ممن سبق، أو قائما بالاكراه كما في الحالة الاخيرة، والعجيب أنها مع قبولها بنظرية القبول الاجتماعي النسبي كما في السقيفة أو في شورى عمر، فإنها لم تنظر للاجماع الاجتماعي في بيعة امير المؤمنين (عليه السلام) ولم تنظّر له لتفضح معه صورة الوجه السياسي الذي يحرك مثل هؤلاء.

وفي مقابل ذلك جميعا نجد ان الشرعية في كل الاوصاف التي اطلقها القرآن لا نجد أي دخالة للمجتمع في تضخيها وتشخيص أصولها، فلو قلنا أنها مأخوذة من ولاية الله فسنجد أن المصداق الاجتماعي لهذه الولاية ينبغي أن يشخّصه صاحب الولاية نفسه، وحينما رأيناه شخّص ذلك لم يجعل للمجتمع أي نصيب من ذلك كما في قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[المائدة: 55] وحتى لو قلنا بخلاف قول أهل البيت (عليهم السلام) باختصاص الآية بأمير المؤمنين (عليه السلام) فلا نجد في تعبير الذين آمنوا إلا التخصيص الرباني لهذا التعبير وليس الصورة الاجتماعية لهم، خصوصا إذا ما لاحظنا أن تعابير الاوصاف الواردة خلفه تتعلق كلها بالله سبحانه مما يعني انه هو وحده الذي يعرف حقيقة هذه الاوصاف، ولا يمكن القول بأن المقصود هو صورة المتدين لأن ذلك يبقينا في نفس المشكل الأول، فماذا لو كان هنا ك ألف شخص من هؤلاء؟ فهل نعطيهم هذه الولاية؟ مما يبقينا في دائرة ضرورة النص. فلا تغفل!!.

ونفس هذا الامر سنلحظ بقاءه لو أخذنا تعلّق الشرعية بمفهوم الطاعة، حيث ترينا أن الله لم يطل الطاعة في الهواء أو في الفراغ وإنما قيدها بدقة ضمن ذات الدوائر التي وجدناها في الآية السالفة كما في قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) [النساء: 59].

ولو راجعنا الشعية لمفهوم الحاكمية (إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين) [الانعام: 57] أو قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) [المائدة: 50] فسترجعنا مرجعية الحكم الالهي الى نفس المصداق الاجتماعي الذي شخّصته السماء من قبل كما في قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجددوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) حيث قرن الحاكمية بالايمان مما يبقي مسألة المرجعية للشرعية مرتبطة كليا بالبعد الديني وحينما يكون الامر بهذا المستوى فمن الخطل البحث عن هذه الشرعية بعيداً عن رؤى السماء!.

[178] - النساء: 59.

[179] - التفسير الكبير ومفاتيح الغيب المعروف بتفسير الرازي 10: 144.

وكالعادة فقد جانب فضل الله حظه فقال بعدم حصر الآية بالمعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) بل طالب بالالتزام بسعة المفهوم ليشمل غيرهم، ضمن حجة هي أوهن من بيت العنكبوت. (من وحي القرآن 7: 325 ـ 326).

وقد تعرضنا لمناقشتها تفصيلا في كتابنا: الإمامة بحث في الضرورة والمهام.

[180] - المائدة: 56.

[181] - ذكر ذلك من المفسرين كل من الطبري في تفسيره 6: 186، والواحدي في اسباب النزول: 148، والرازي في تفسيره 12: 128، والخازن في تفسيره 1: 496، والنيسابوري في تفسيره 6: 168، وأبو البركات في تفسيره 1: 496، وابن كثير في تفسيره 2: 73ـ 74، والزمخشري في الكشاف 1: 649 وابن حجر في كتابه الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1: 649، والسيوطي في الدر المنثور 2: 293، وفي أسباب النزول المطبوع بهامش تفسير الجلالين: 299ـ300، والحسكاني في شواهد التنزيل 1: 161 في عدة روايات، والشوكاني في فتح القدير 2: 53، والكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل 1: 181، والجوزي الحنبلي في زاد المسير في علم التفسير 2: 292، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 6: 219 ـ 220، والجاوي في تفسير المنير لمعالم التنزيل 1: 210، والجصاص في أحكام القرآن 4: 102، والنسفي في التفسير 1: 289، والالوسي في روح المعاني 6: 167، ورشيد رضا في تفسير المنار 6: 442.

وقد رواه من الرواة والمحدثين جمع غفير أذكر منهم: ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 123، والخوارزمي في مناقبه: 196، ابن كثير في البداية والنهاية 7: 357، والسيوطي في الحاوي للفتاوي 1: 139 ـ 140، والمتقي الهندي في كنز العمال 6: 391، و405، وفي منتخب الكنز 5: 38، وابن الاثير في جامع الاصول 9: 478، والحاكم في معرفة علوم الحديث: 127، وابن المغازلي في المناقب: 176ـ 182، وابن عساكر في ترجمة الامام في تاريخ دمشق 2: 409، والقندوزي في ينابيع المودة: 115، وابن حجر في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 7: 17، والزرندي في نظم درر السمطين: 86ـ88، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: 13: 277، والبلاذري في أنساب الاشراف 1: 163، و325، والشبلنجي في نور الابصار: 27، وابن حجر في الصواعق المحرقة: 121، والقاضي الايجي في المواقف 3: 276، ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة 2: 227، والكنجي الشافعي في الكافية: 106، وابن الجوزي في تذكرة الخواص: 32، وابن طلحة في مطالب السؤول: 31.

وقد ذكرت كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

[182] - من المضحك المبكي أن من يسمونه بشيخ الاسلام ابن تيمية يقول بعد كل ما نقلناه ـ ولم ننقل إلا للمثال ـ من اختصاص الرواة والمحدثين والمفسرين هذه الآية بأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بما حرفه: قد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية: (إنما وليكم الله ولرسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل. (انظر منهاج السنة 1: 156).

[183] - كما فعل صاحب تفسير المنار حينما اعترض على أن تكون الآية قد نزلت بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) رغم اقراره أن ذلك جاء من طرق متعددة فقال: ولكن التعبير عن المفرد بالذين آمنوا، وعن إعطاء الخاتم بيؤتون الزكاة مما لا يقع في كلام الفصحاء من الناس فهل يقع في المعجز من كلام الله؟. (تفسير المنار 6: 442).

ولقد كنت قلت في موضع آخر: لعمري أيتناسى صاحب المنار أن البلاغة العربية تدعو من يريد أن يجلل امرا ويعظمه أن يستعمل صيغة الجمع بدل المفرد ؟ أيتناسى أنه يردد في كل يوم خمس مرات على الاقل مثل هذا الاسلوب في الصلاة التي أمر الرسول القائد (ص) بأداءها على هذا الشكل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ فلماذا لم يقول: السلام عليّ وعلى عباد الله الصالحين؟. (القائد.. القيادة والانقياد في سيرة الامام امير المؤمنين (عليه السلام): 126).

ولنعم ما رد الزمخشري وهو خريت البلاغة العربية العربية على ذلك بالقول: فإن قلت كيف صح أن يكون لعلي (رضي الله عنه) واللفظ جماعة قلت: جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا ثوابه. (الكشاف 1: 669).

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت