|
يلعب الحب والبغض، والود والحقد، والقناعة والحسد وكافة صور العاطفة والوجدان دورا محوريا هاما في بلورة وصياغة شكل ومحتوى الحركة الإرادية للمخلوقات التي وضعت في دائرة التكليف، ولربما نجد في العديد من الأحيان أنها صاحبة الشان الأعلى في رسم اتجاهات هذه الإرادة، حيث تجدها تحتل موقعا أساسيا في تحديد اتجاهات الأنا، ومن ثم لتكون صاحبة الشأن المعلى في تحديد بواعث الإرادة واحباطاتها، وتكمن في مواقع أهواء النفس لتعطي للكثير من هذه الأهواء هويتها ومحتواها الحقيقي، وهي صاحبة النغمة الأخطر في سعي الشيطان الدؤوب لحرف مسارات هذه الإرادة عن الاتجاه الرباني، ولهذا فليس من المستغرب أن نجد القرآن يضع اللوم الأساسي على هذا الجانب من مكونات العباد، وهو يصور ثلاثا من حركات الانحراف الكبرى التي ابتليت بها حركة الهداية الربانية، حيث نلمس دور هذا العامل الجوهري في انحراف إبليس (لع) بعد أن كان يرتع في العبادة مع الملائكة حيث لعبت الأنا دورها الرئيسي في نفسية إبليس، ومن ثم لتعكس صورة عصيانه وتكبره (لع)، كما أشار الله (تباركت أسماؤه) في قوله تعالى: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك إلا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين)[203].
وكذا في قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين . قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين . قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)[204]
ونرى نفس العامل يفضي محتواه في أول حركة عصيان وإجرام شهدتها الأرض من البشر والتي أشار إليها قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين . إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين . فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)[205]
حيث نجد هنا عنصر الحسد يحرك بواعث الغضب ومن ثم ليحولها إلى حقد أعمى نراه يعبر عن نفسه في قصة قتل هابيل (عليه السلام) من قبل أخيه قابيل (لع).
ونفس العامل نجده يعبر عن نفسه في صورة أخرى تتمثل في تغلب العقد النفسية والأهواء على إيمان بلعم بن باعوراء الذي كان قد وصل به المقام إلى انه كان من المحظيين برحمة الله عليه حين أصبح يتمتع بآيات الله، وذلك بالصورة التي تصورها الآية الكريمة: (واتل عليهم تنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).[206]
ونفس ما نراه في الانحراف نراه في الإيمان من احتلال هذا العامل للدور الرئيسي في الدفع باتجاه الكمال المعنوي والروحي كما تصوره الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)[207]، حيث نرى الصفات الصالحة قد ابتنيت على حب الله وجاذبية هذا الحب للعاشقين ليجسد نفسه في الصور التي عرضت لها الآية الكريمة.
وحين يكون للجانب الوجداني والعاطفي كل هذا الدور، فلا بد من أن تحسب عملية الهداية الربانية له حسابها الخاص المتناسب مع موقعه وتأثيراته على دور المكلفين تجاه مهام التكليف، بحيث تجعل جملة من الشواخص الاجتماعية لتلعب دور المحور القيادي الذي تستدل به العاطفة على درب الهدى ويشخص بدوره مسارات الضلال بانحيازها عن هذا المحور.
ولا يمكن القبول بوضع جملة من المعايير الخلقية والمناقبية وحدها لتلعب هذا الدور، وذلك لأسباب كثيرة منها أن المكلف من جن أو انس في مواطن الاستقطاب العاطفي والتحفز الوجداني قد لا يهتدي لمسارات العقل والحكمة فيعمد بفعله إلى مجانبة عقله، ولهذا يغدو وجود المحور الاجتماعي الذي لا يغيب عنه الكمال مهما علت حالة هذا الاستقطاب عنصرا أساسيا ضمن مجموعة العناصر التي ترجع بالإنسان إلى هداه، وتعيد إليه توازنه.
ومن ثم ليلعب هذا المحور الدور الذي من شأنه أن يعطي لتلك المسارات صورتها التجسيدية في الواقع الاجتماعي، من دون أن يفسح المجال لكي يتم التعتيم على تلك المسارات والسبل بدعوى مثاليتها وخياليتها وعدم واقعيتها.
وضمن هذا المجال نلحظ أن القرآن الكريم رسم اتجاهين يكمل أحدهما الآخر، كان أحدهما قد تولّى تحديد الإطار لإمامة الوجدان، فيما عمل الآخر على إثارة وجدان المكلف ودفعه للتمسك بهذا الإطار.
وفي الاتجاه الأول سار القرآن في البداية على مركزة الولاء لرسول الله (ص) فهو المطاع (قل اطبعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)[208] وهو صاحب الولاية (إنما وليكم الله ورسوله) وهو مركز الشفاعة، وهو صاحب الوسيلة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)[209] وهو معدن الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[210] وهو الشاهد، والبشير، والنذير، وسبب دفع العذاب (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم)[211] وغير ذلك من الصفات والمناقب التي بطبيعتها تنشأ علقة عاطفية غير طبيعية حتى تبلغ بها المستوى الأعلى بحيث لا تكون معها أي عاطفة لأقرب المقربين إن ما حاد عن رسول الله (ص) كما نلحظ ذلك في تعبير الآية الكريمة: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله إلا إن حزب الله هم المفلحون)[212]
ولو دققنا في المحور الأخير من الآية (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) نجد أنها تسعى لبلورة هذه العاطفة ضمن إطار لا يتوقف عند الرسول (ص) فحسب، وإنما يمتد لكل ما من شأنه أن يتصل بالرسول، ليكون هذا المتصل من أركان حزب الله وفقا لطبيعة موقف رسول الله (ص) منه، ولهذا ليس من المستغرب أن نجد بعد هذا الطرح توسعة في تحديد الأطر القيادية لحزب الله حيث تعبر الآية الكريمة عن ذلك بالقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون).[213]
ومن هذه الآية تتبلور صورة الاتجاه الثاني، حيث نجد خطاً قرآنيا جديداً في المحورية الوجدانية وهذا المحور الذي يسميه القرآن هنا بجهة الذين آمنوا، سيصفه القرآن في موضع آخر بجهة القربى حيث يجعل مودتهم الصورة الأخرى لكمال الالتزام بالرسالة المحمدية، فبعد أن حدد الرسول (ص) خط هذا الالتزام في الآية القرآنية: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا)[214] نراه يعمل على وضع التجسيد الاجتماعي والمصداقي لهذا الخط بالصورة التي وصفتها الآية الكريمة: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور)[215]، أو بالصورة التي تعبير عنها آية المباهلة في وضع نفس الرسول (ص) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في مصاف واحد (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)[216].
ولا يكتفي بذلك فحسب بل يعمل على تحشيد عدد كبير جدا من الآيات القرآنية لوصف مناقب جهة القربى كلا أو جزءا والتمجيد بها،[217] في مهمة تستهدف إعادة مركزة الوجدان من بعد رسول الله (ص) بهذه الجهة ولهذا طولبنا بالاقتداء بها (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)[218] وما كانت لتسمى بالحسنة لولا أسباب منها الرغبة في الحث على التمسك بهذا المناقب والفضائل.[219]
ومن يراجع كتب أهل العامة المنصفة نسبيا, أو تلك المناصبة في عدائها لأهل البيت (عليهم السلام)، ومهما بلغت تبريراتها في التعسف والتمحل، فلن يجد غير حقيقة ناصعة واحدة، وهي أن أهل البيت (عليهم السلام) هم أصحاب القدح المعلى في تعداد الآيات النازلة بحقهم مدحا وتمجيدا وثناء.
أما لو اكتفيت بما ذكر في الكتب التي أنصفت الحق فلن تجد ثناء نزل على أحد بعد رسول الله (ص) كما نزل عليهم (صلوات الله عليهم أجمعين)، حتى لقد قال ابن عباس: ما في القرآن آية إلا وعلي رأسها وقائدها وشريفها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحابه محمد (ص) في القرآن، وما ذكر علياً إلا بخير.[220]
ولو أضفنا إلى كل ذلك ما جاء على لسان القوم من حديث رسول الله (ص) بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن الحصيلة تكون من الضخامة ما لا يمكن لمن يحترم عقله أن يدع إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ليلوذ بغيرها.
وهنا ينبغي أن نلفت الانتباه إلى حقيقة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتحدث عن تلك المناقب والفضائل بشكل مجرد أو بصورة اعتباطية لا هدف لها فهو الكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)[221]، ولهذا لا بد من القول بأن أحد صور هذه الهدفية هي غاية جمع الناس حول أصحاب هذه الآيات وشد انتباههم إليهم، ولعمري إن وجد القوم في آية الغار : (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)[222] على ما فيها من إشعار بضعف موقف رفيق الغار، ما يشكّل منقبة له ليتغنوا بها ويجعلوها أحد مبررات أفضليته، فكيف لا يمكن أخذ هذه الأفضلية من حشد عظيم من هذه الآيات التي تتحدث عن المناقبية الفذة للعترة الطاهرة!! قاتل الله الطائفية كيف تعمي وتصم!!.
يبقى علينا أن نستدل على توافر مواصفات الإمامة التي أشرنا إليها فيما سبق من حديث ضمن نص واضح يشير إلى مصداق هذه الإمامة في الواقع الاجتماعي، ولئن رأينا دلالة في جملة المناقب لاسيما آية الولاية، وآية البلاغ، وآية مودة القربى، وآيات الشهادة وغيرها كثير، فإننا نجد في آية التطهير: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)[223] تشخيصا تاماً ودقيقا لعصمة هذه الإمامة على مستوى المصداق والدور، حيث نلحظ أن العصمة في إمامة الوجدان ضرورة كضرورة عصمة إمامة التشريع وإمامة السياسة والحكم وإمامة الشهادة.
من هذا كله يتبين لنا مرة أخرى التوافق التام ما بين المواصفات الفكرية والمعنوية والمصداقية لهذه الإمامة مع مواصفات الإمامات الثلاثة التي مرت علينا.
-------------------
[203] - الأعراف: 11: 13.
[204] - ص: 73ـ 76.
[205] - المائدة: 27ـ30.
[206] - الاعراف: 175ـ 176.
[207] - المائدة: 54.
[208] - آل عمران: 32.
[209] - المائدة: 35.
[210] - الانبياء: 107.
[211] - الانفال: 33.
[212] - المجادلة: 22.
[213] - المائدة: 55ـ 56.
[214] - الفرقان: 57.
[215] - الشورى: 23.
[216] - آل عمران: 61.
[217] - تراجع في بذلك كتب المناقب المختصة سيما كتب العامة لملاحظة حجم الآيات التي نزلت بحق القربى.
[218] - الأحزاب: 21.
[219] - ولربما هذا السبب هو الذي يجعلنا نرى تيار الانحراف المعاصر يجهد نفس لصد النفس عن النظر الى المناقب والفضائل من خلال جعلها غير ذات موضوع، ولا تتداخل مع الرسالة فمع ثبوتها تبقى خاصة بصاحبها ولا انعكاس لها على الواقع الايماني، وهي على أي حال من جملة ما دأب هؤلاء يطلقون عليه: العلم الذي لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله. حيث يقول محمد حسين فضل الله في هذا الصدد: لا بد لنا من أن نلتفت الى الجهود الكلامية المضنية التي يبذلها علماء الكلام وغيرهم في اقامة البراهين على إن هذا النبي ـ لا سيما نبينا محمد (ص) ـ أفضل من هذا النبي أو ذاك أو من كل الانبياء، كما لو كانت القضية من القضايا الاساسية التي تتعلق بالجانب الحيوي للعقيدة، وقد يتصاعد الخلاف ويتجه اتجاهات غير دقيقة، ثم يتحول الى أن يكون صفة لازمة للشخصية بحيث يفرض على الفكر أن يلاحق كل الشخصيات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية في نطاق عمليات التفضيل الذي يراد به ارضاء الزهو الذاتي الذي يرتاح اليه الانسان تحت تأثير الشعور بأفضلية الشخص الذي ينتمي اليه، وقد يتطور الامر فينتقل الى البحث عن النقائص والعيوب المتمثلة في شخصية الشخص الآخر، وقبول ما ينقل اليه منها وان لم يكن ثابتاً بطريقة شرعية، وقد لا يكون لهذا كله أي أثر عملي في جانب العقيدة وفي جانب العمل كما هي القضية في فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي كما قد يثار ذلك لدى بعض الفرقاء أو في ما يثار من تفضيل فاطمة الزهراء (ع) على مريم أو العكس… فإن هذا حديث لا يجني منه الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا، سوى إتعاب الفكر أو إرضا الزهو الذاتي. . فإن الانبياء السابقين قد مضوا الى ربهم بعد أن أدوا رسالتهم كاملة غير منقوصة؛ ونحن نؤمن بهم، كما أمرنا الله بذلك من دون أن يكون لنا أي تكليف خاص متعلق بشريعتهم، كما أننا ملزمون بالسير على شريعة الاسلام التي جاء بها نبينا محمد (ص) من دون أن يكون لمنزلته بالنسبة الى بقية الانبياء أي دخل في ذلك وإن كنا نؤمن بالمنزلة العظمى التي جعلها الله له من خلال ملكاته وجهاده وامتداد رسالته. [من وحي القرآن(ط.ج) 5: 21ـ22 و(ط.ق) 5: 14ـ5].
ويقول في موضع آخر عن التفضيل: كما قلنا هذه من الامور التي لا تمثل أي نوع من أنواع مسؤوليتنا.. الى أن يقول: فهذه من الامور التي هي ليست جزءا من العقيدة، وليست جزءاً من الخط. [مجلة الموسم العدد: 22ـ23 س1103 ص303].
[220] - ذكره أبو نعيم في حلية الاولياء 1: 64، والمتقي الهندي في كنز العمال 6: 391، وفي منتخب الكنز المطبوع في هامش مسند أحمد 5: 38، والخوارزمي في المناقب: 266 ح 249، وابن حجر في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 112، وفي الصواعق المحرقة: 76، والطبراني في المعجم الكبير 11: 210ـ211 ح 11687، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة 1: 376ـ377، والشبلنجي في نور الابصار: 81، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 139، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1: 49ـ53، والطبري في ذخائر العقبى: 89.
[221] - فصلت: 42.
[222] - التوبةِ: 40.
[223] - الاحزاب: 33.
|