|
من الطبيعي أن نلمس أول التداعيات وهي تضرب بأطنابها على كاهل المعترك الطائفي، حيث سنجد تطبيقاتها العملية في أرجاء سقيفة بني ساعدة، واسقاطاتها السياسية والفكرية والاجتماعية وغيرها المتأتية بعدها، والتي رسمت أولى إبهاماتها على باب الصديقة الزهراء (صلوات الله عليها) وجسدها الشريف لتصنع معها واحدة من أقذر الجرائم السياسية والدينية والتي انتهت بصياغة فصول المأساة المفجعة لقديسة آل محمد (صلوات الله عليها)، ومن ثم لتجر الويلات تلو الويلات على دين محمد (صلى الله عليه وآله(، فمع تغييب النص السماوي الذي أطلقت شرارته العلنية يوم نادى داعية السقيفة بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رزية يوم الخميس: إن النبي ليهجر،[50] حتى أسفر صباح التقييم البشري يوم أقفلت السماء أبواب وحيها المقدس وهيمن الظلام حينما اغتيلت آمال السماء يوم الاثنين، ليعرب عن إخضاع الأمور لواقعيات التسلط الاجتماعي، فما بدا مقدّسا في نظر السماء والذي عبّر عنه القرآن بقوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)[51]، وكرره الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بقوله الشريف المتواتر باتفاق جميع أهل الإسلام: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً.
غير أن هذا المقدس سرعان ما علاه التحوّل، حينما هتف هاتف السقيفة بعدم رغبة القوم بنص السماء وفق التصوير الذي يصوّره ابن عباس حيث قال على ما رواه ابن الأثير وابن أبي الحديد والطبري وغيرهم، أن عمراً قال له: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد؟ قال ابن عباس: فكرهت أن أجيبه، فقلت له: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدري! فقال عمر: كرهوا إن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا[52] فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.[53] وحينما يكون الأمر على هذه الشاكلة فإن التشكيك بالإمامة وببيعة الغدير ومقتضياتها، يعتبر أمراً لا مندوحة عنه، ليقال أن لا نص من السماء فيخلو الجو عندئذ لدعاة دخالة التقييم الاجتماعي، ومن ثم ليترك الحق يرزح أسيرا لضغط المقولات التاريخية والتجاذبات السياسية، وهذا هو الأمر الذي تجد فيه محمد حسين فضل الله يقف حيث تعهد وقوفه في هذا المجال، حيث يعمل على التضبيب على حقائق الغدير ومقتضياته بصور متعددة، فتراه مرة يتحايل من أجل أن يمرر حكاية عدم وجود نص على الأمير (صلوات الله عليه) ليقول بما نصه: فالقضية ربما كانت من خلال طبيعة الكلمات مجالاً، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) مثلاً (هكذا هو النص) بأذهان الناس يصير شك، أما لماذا لم يكتب النبي (صلى الله عليه وآله) كتابا؟ كان النبي ذلك الوقت يريد للتجربة أن تتحرك.[54]
ولم يكتف بذلك بل تراه في مرة أخرى يشيع جوا من الإرباك في ضرورة وجود الإمام حينما يجعل مفهوم الحديث النبوي المتواتر لدى المسلمين: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، مورد شك حينما يقول بما نصه: الواقع إن سند هذا الحديث ليس فوق مستوى النقد.[55]
ثم عاد ليطرح تشكيكا مطلقاً وواسع النطاق في قصة الغدير سنداً ودلالة فقال في مجال سند الحديث الذي تبرم من كونه مرويا بكثافة من قبل المسلمين : إن مشكلتنا هي أن حديث الغدير هو من الأحاديث المروية بشكل مكثف من السنة والشيعة، ولذلك فإن الكثير من إخواننا المسلمين السنة يناقشون الدلالة ولا يناقشون السند، في الوقت الذي لا بد أن ندرس القضية من خلال ذلك أيضاً.[56]
وعمد لنفس الشيء في مجال الدلالة والمفهوم ليطرحها ضمن احتمالات تبعدها عن المضمون الحقيقي فقال: لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه، فهل أن معناه من كنت أحبه فعلي يحبه، ومن كنت ناصره فعلي ناصره، أو أن معناه من كنت أولى به من نفسه (وهو معنى الحاكمية) فعلي أولى به من نفسه، فبعض الناس يقول هذا تصريح وليس تأكيداً.[57]
وبعد أن طرح فهم الولاية ضمن احتمالات بعيدة عن المفهوم الأصلي، وظّف فهمه لتحكم وعي الناس في المفاهيم، ليعلن بعد اعتباره للإمامة من المفاهيم المتحولة وليس من الثوابت كما لحظنا ذلك في مقال الأصالة والتجديد بضرورة عدم تخطئتنا لما جرى في السقيفة، فما هو مقدس لدي، ليس مقدساً لدى رجالات السقيفة، ومن ثم فليس ثمة مجال لرجمهم[58].
وكان لا بد من التخلص من نص المعصومين بعد الرسول (عليهم افضل الصلاة والسلام) لتبقى المسألة بعد ذلك فيما يفهمه المسلمون من حديث الكتاب والرسول (صلى الله عليه وآله)، لذا عد كل ما جاء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فكراً نسبيا حيث قال: ونحن نعتقد من خلال ذلك، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي وكلامي وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين من خلال معطياتهم الفكرية ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبهذا فإننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية[59]هو فكر بشري، وليس فكراً إليهاً قد يخطئ فيه البشر فيما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله( وقد يصيبون!!.[60]
وتبعاً لذلك كله فلا بد من نكران مأساة بيت الزهراء (بأبي وأمي ) بكل فصولها، لأن وجود هذه المأساة يخرج مجريات السقيفة من مجرد فهم اجتماعي، إلى مصافّ المؤامرة الكبرى، ولهذا تجد كيف شمّر فضل الله وتياره عن ساعديه كي ينفي كل ما خصّ ظلامة الزهراء (صلوات الله على أنوارها القدسية)، ولم يكتف بذلك فحسب بل عمد إلى تبرئة ساحة المتسببين بهذه الظلامة، مشيرا إلى أنها كانت تحظى باحترامهما، وإن علاقتها معهما كانت طبيعية[61]!!.
-----------------------
[50] - أصل الموضوع كما يرويه أرباب الحديث عن ابن عباس أنه قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الموت وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صلى الله عليه وآله): هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع (وفي بعض الروايات: إن النبي ليهجر)* وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فانقسموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا عني.**
* كما ذكرها ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 65، وكذا الغزالي في سر العالمين وكشف ما في الدارين: 21.
** انظر القصة في صحيح مسلم 11: 95، والبخاري 4: 7، وأحمد في المسند 4: 356 ح2992 وابن أبي الحديد في الشرح 1: 133، و6: 51 والطبري في التاريخ 2: 436، وابن الأثير في الكامل 2: 320، والشهرستاني في الملل والنحل 1: 22، وابن سعد في الطبقات 2: 242 ـ 244 وغيرها كثير..
[51] - المائدة: 3.
[52] - بجح: افتخر.
[53] - ابن الاثير في الكامل في التأريخ 3: 64 ـ 65 والطبري في تأريخه 3: 288 ـ 290، وابن أبي الحديد في شرح النهج 12: 53 ـ 54.
[54] - من شريط مسجل بصوته بتأريخ 14/10/1995 نحتفظ به.
[55] - من شريط مسجل بصوته نحتفظ به.
[56] - الندوة 1: 422.
[57] - الندوة 1: 422.
[58] - أنظر الاصالة والتجديد (م.س): 63.
[59] - وهي التي عناها في مقال المنهاج المتقدم بالثوابت!!..
[60] - حوارات في الفكر والسياسية والاجتماع: 480.
[61] - انظر نصوص هذه الاقوال المتوفرة في شريط بصوته نحتفظ به والردود عليها في الكتاب الموفق الذي خطته يراع الأخ الحجة المفضال سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه الله تعالى) والموسوم بـ : (مأساة الزهراء (عليها السلام) شبهات وردود.
|