عصمة الأنبياء

     

 أمّا الآن وقد وصلنا إلى حكاية المراودة، مراودة امرأة العزيز لفتاها سيد الجمال يوسف الصدّيق، والتي تصل إلى درجة الغليان في قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}([17]) فإن وقفة الحساب ستطول بيننا وبين السيد فضل الله رضي الله عنه وسأقسو عليه بعض الأحيان وسأغضب أيضاً، ولكنها لن تكون قسوةً إلا في الحق،ٍ ولن يكون غضباً إلا للحق.

وأول ما نبدأ به في فتح الحساب هو: أن ننادي على شرحه ليحضر أمامنا ونقرأه ونتفحّص أمره ومن حقّه علينا أن نذكر شرحه كله على الآية حتى لا نسمع احتجاجاً يقال لنا بأنكم أخذتم من الشرح ما تريدون وتركتم ما نريد، فإليكم شرحه، واصبروا معنا على طوله.

قوله: «الأظهر في هذه الآية هو: أن جملة: {هَمَّتْ بِهِ} تمثل معنى اندفاعها إليه من أجل الوصول إلى ما هي مصممة عليه من الإتصال به اتصالاً غير شرعيّ. {وَهَمَّ بِهَا} انجذب إليها انجذاباً غريزياً. ولكنه ليس إرادياً، فالإنسان بما ركّب فيه من غرائز فينجذب إلى ما يستجيب لغريزته بشكل لا شعوري، فالجائع ينجذب إلى الطعام بشكل طبيعي حال رؤيته لهذا الطعام وكذلك العطشان ينجذب إلى الماء، وهكذا الشهوة، فإن جسده يستجيب فيما لو ظهر ما يثير هذا الجسد، ففي الإنسان حالة غريزية تمثّل حالة الجسد على كل ما يثيره ويحرّكه.

فما صدر من يوسف (عليه السلام) في الأجواء المعقدة خلال اندفاعها إليه وربما ملامستها له عند إمساكها به هو الإنجذاب الغريزي، وهناك نقطة لا بدّ من إثارتها وهي الفرق بين المؤمن عندما تثار غريزته وتتحرك فيه حالة الإنجذاب وبين غير المؤمن، فالمؤمن يقف أمام انفعالاته ونداء الغريزة متماسكاً فلا يضعف ولا يسقط، حتى وإن استنفرت غريزته.

والله تعالى عبّر عن هذه الحالة بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}([18]).

فالتقي قد تطوف في ذهنه خيالات السوء والشر، وقد يثير الشيطان غريزته ويلهب مشاعره، ولكن الشيطان لا يستقر في قلبه، لأنّ هذا التقي عندما يشعر أنه اندفع نحو وسواس الشيطان، تأتي التقوى لتعصمه عن هذه الوساوس. فغفلة التقيّ ليست غفلة مستمرة، وإنما هي غفلة طارئة ولذا عبّر سبحانه: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} يعني أن الشيطان يأتي المؤمن وهو مسرع فلا يستطيع أن يثبت أو يستقر، وصحيح أنه يحرك الوسوسة ويمضي ولكن التقيّ ينطلق بتقواه ليجعل هذه الوسوسة حالة طارئة {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}.

ونعود إلى جوّ السورة {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} انطلاقاً من مشروعها في أن تقود يوسف (عليه السلام) إلى السوء والفحشاء، {وَهَمَّ بِهَا} انجذب إليها انجذاباً لا إرادياً {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} بعض المفسرين يحاول أن يوجد حالة مادية صدّته عن ذلك من قبيل أن يعقوب (عليه السلام) جاءه واضعاً إصبعه على فمه في حالة المؤنب له، أو من قبيل أن جبرائيل (عليه السلام) نزل ليصدّه ويمنعه من ذلك.

والواقع: أن القضية في هذا لا دليل عليها، فالمسألة واضحة {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فهو رأى حجة الله عليه من خلال ما أراه سبحانه برهان الحق، والعفة، والعصمة، الذي يجعله يمتنع عن فعل الحرام امتناعاً ذاتياً يبعد عن الوقوع في الخطيئة.

فهو (عليه السلام) تمنع عن ذلك بعد أن لمعت في ذهنه ووعيه الإيماني الحجة من الله عليه، فتذكر الله سبحانه وأدرك النتائج السلبية لهذا الفعل الذي تريد غريزته أن تأخذه إليه، وتبغي امرأة العزيز أن تقوده نحوه، فهو عندما رأى برهان ربه ابتعد عن ذلك {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء} فجعلنا له هذه اليقظة الروحية والعقلية، وذكرنا في عقله الحساب الداخلي لكل قضايا الطاعة والمعصية وقضايا الخير والشر حتى لا يخضع لضعف بشريته ويخرج من حالة الإنجذاب الشعوري، وليندفع في خط إيمانه {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ}، فهو من العباد الذين أخلصوا له، وأن إيمانه وإخلاصه يمثّلان برهان ربه في عقله، لأن الله تعالى زرع برهاناً في عقل كل مؤمن يقوده إلى أن يبتعد عن المعصية وإلى أن يتحرك في الطاعة.

فإذا هو (عليه السلام) من عباد الله المخلصين، الذين أراد الله لهم أن يعيشوا العصمة من خلال أنه استخلصهم لنفسه، فلم ينساقوا وراء معصية، وإذا حدثت لديهم أيّة أحاسيس ومشاعر معيّنة في داخلهم، فإنهم يطردون ذلك من خلال تماسك الموقف المنطلق من قوة الإيمان والوعي.

وعلى هذا فليس من مشكلة تتصل بحياة يوسف (عليه السلام) على هذا الأساس، لأنه (عليه السلام) بشر يعيش جسده الأحاسيس والمشاعر والغرائز، ولكنه لا يندفع إليها اندفاعاً عملياً، بل إنه يوقفها عند حدّ حتى لا تخرج عن دوائر المشاعر الطبيعية».

وإلى هنا ينتهي شرح السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه على قول الحقّ سبحانه: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} وأنا أحكم على نفسي بأنني نقلت فأطلت في النقل، وكان عليّ أن أختصر شرحه على الآية بذكر جمل يسيرة تنضم على خلاصة آرائه وعلى أفكاره الرئيسية، لولا أنّنا حسبنا حساباً لهؤلاء الذين يسبحون بحمد السيد فضل الله رضي الله عنه، ولا يقرؤون إلا ما يكتبه لهم، ولا يسمعون إلا ما يقوله، فهؤلاء هم خشب مسنّدة إذا حرّكهم يتحركون وإذا أسكنهم يسكنون، حسبنا كذلك حساباً لغيرهم، من الذين ليس في أيديهم كتابه أو لا يتيسر إليهم الوصول إليه بسهولة.

وإذا كنت أرفض أن أعتذر إلى أحد من الناس في شأن هذا النقل، فأنا لا أستطيع إلا أن أعتذر إلى الأسلوب النقدي الموضوعي الدقيق، الذي يكتفي الناقد أو الكاتب معه في أكثر الأحيان إلى الإيجاز المعبر أو إلى الإشارة المضيئة الدالة، فنقل مثل هذا الشرح قد يرى فيه الناقد الخبير هواناً به وبخبرته أو يرى فيه المثقف الكبير استهانةً به وبثقافته، وهؤلاء ممّن تكفيه الإشارة لكي ينفذ إلى أعمق الأفكار وأبعدها ويؤذيهم أي إيذاء أن يقرأوا مثل هذا الشرح الطويل..

ولكن لماذا يؤذيهم مثل هذا الشرح الطويل؟ هل لأنه طويل حقاً؟ أم لأن الشارح حشد كلمات وجملاً لا طائل وراءها؟ أم لأنه تخبّط في الشرح ولم يقع على الصواب فيه؟ ثم ما هو حكمه على هذا الشرح؟

وأقول وأسأل الله أن يجعل الحق فيما أقول: إن أكثر العلل الرديئة تلوح على هذا الشرح من أوله إلى آخره، فالغموض فيه أكثر من الوضوح، والتناقض فيه بيّن أكثر من الإنسجام والتوحّد. وهو واضح لا يخفى على الفطن الخبير، ولا على المبتدئ الصغير، فهو حيناً يجعل من يوسف العزيز واحداً من المؤمنين، وحيناً يجعله واحداً من الأنبياء المعصومين.

وأنت مع أسلوبه الذي يقدم به أفكاره تحس وكأنك مع أسلوب طلاب المدارس الذين يتدربون على صناعة الإنشاء، أو مع أسلوب صحفي يقدم مادته قبل نصف ساعة من طباعتها، فأسلوبه في هذا المطرح وفي مطارح كثيرة عنده يفتقر إلى الرصانة والدقّة والإطمئنان في القول، وإلى الهدوء والمنطق في المعالجة، والذين يرون في وصفنا هذا لأسلوب السيد فضل الله رضي الله عنه ظلماً وتعدّياً، ننصحهم أن يعودوا إلى هذا النص الذي نقلناه قبل قليل، وليعاودوا قراءته مرة ومرة أخرى، وليعودا إلى نصوص أخرى في كتب أخرى له، فإنهم سينتهون إلى الإتفاق معنا في الحكم على هذا الأسلوب.

ونحن لا نستطيع أن نحيي في السيد محمد حسين فضل الله هذه العبقرية النادرة التي اكتشفت لنا معنى قول الحق سبحانه: {وَهَمَّ بِهَا} بأنه انجذاب لا شعوري تارة، أو انجذاب لا إرادي تارة أخرى، ولولا عبقريته الفذّة لما تمنعت عقولنا وأفهامنا على هذا الشرح الفذ وهو يحتاج إلى عبقرية فذّة لكي تغوص في أعماقه وتستخرج منه الدرر الكامنة في زواياه وجوانبه.

ولكن ليسمح لنا أن نسأله: كيف ينجذب النبي المعصوم إلى السوء، أو إلى الإغراء بالسوء أو إلى تسويل النفس؟

وكيف ينصرف عنه ولا يفعله؟

وكيف صحّ له أن يجمع بين العصمة وبين الإنجذاب اللاشعوري أو اللاإرادي؟

إلى أسئلة أخرى كثيرة تدور في فلك المعصوم ومواجهة السوء أو الخطأ، ولسنا نشك في أن عبقرية السيد فضل الله رضي الله عنه ستجود علينا بأجوبة نادرة ولكنها ستبقى مغلقة علينا وعلى الناس جميعهم ولن يفهمها إلا هو، بل ربما انغلق عليه معناها وحيل بينه وبين فهمها، لأنه في انجذاب دائم وانخطاف مقيم إلى ما نريد أن نقوله الآن.

ونحن الآن سنقول، ولن نستأذن السيد فضل الله رضي الله عنه فيما سنقول، وإن شاء فليسمع، وإن شاء فليمض: إن العصمة لا تلتقي هي وجميع أنواع الإنجذابات المعروفة منها والمجهولة نحو السوء، ولا تجتمع معها ولا تتفق، فهما نقيضان متنافران لا يلتقيان ولا يتفقان، وصاحب العصمة هو معصوم بالأصل والطبيعة والفطرة والتكوين، لا يفكر بمعصية ولا خطأ، ولا يهمّ ولا ينجذب ولا يخطر بباله ولا يتوهم، وانجذابه إلى خالقه يمنع عليه أن ينقطع عنه بحكم الخلق والطبيعة ويستحيل عليه أن يفارقه، وهذا واحد من معاني العصمة.

أقول ذلك ولا ألتفت إلى ما قاله الشيخ الطوسي ولا إلى ما قاله المرتضى بشأن العصمة والمعصوم، وهما اللذان استشهد بهما السيد فضل الله رضي الله عنه، واعتمد قولهما الذي ذكره على هامش حديثه في الكتاب المطبوع، ليوهمنا بأنه أصاب الصواب بقوله، وهو بعيد كل البعد عن الحق وعن الصواب في هذه المسألة، وما ذلك إلا لأن الأوهام أحاطت به من كل جانب وغمرته، فلم يعد أمامه إلا الأوهام ولا يفكر إلا بالأوهام.

ومن أوهامه أعانه الله عليها ورضي الله عنه أنه راح يعلل انجذاب يوسف الصديق اللاشعوري أو اللاإرادي نحو امرأة العزيز لما دعته إليه، كان من نحو بشريته، وأن امتناعه عن الإقدام إلى الفعل معها كان من نحو نبوّته أو الطاقة المختزنة فيه، وهذا القول السيء يلطّخ العصمة والمعصوم.

وهو في هذا الوهم الذي فرّ من عبقريته فراراً، يلتقي والقائل بحديث تأبير النخل والقول المنسوب إليه صلوات الله عليه وآله: «..أنتم بأمور دنياكم أعلم..» ومن تمعَّن تمعّن الخبير الفطن بهذين الرأيين وتدبرهما تدبّر البصير الحكيم، فإنه يرى فيهما عنوة أو خلسة انتفاء العصمة عن المعصوم، أو إنزال المعصوم عن الدرجة التي وضعه الله فيها.

ونحن هنا نود أن نلفت نظر من سيسمع حديثنا أو سيقرؤه: بأننا نذهب بهذا الحديث إلى نكران بشرية المعصوم، ولا نستطيع إلى ذلك سبيلاً، لا بالإيماء ولا بالإيحاء ولا بالرمز، نحن ولا أولئك الذين يؤمنون بعصمة المعصوم، ولا بد لنا الآن أن نواجه سؤالاً يأتينا من كل جهة، وهو: كيف يكون ائتلاف بشرية المعصوم وعصمته في جسمه البشري المادي؟

وما هو تفسير هذا الإئتلاف أو الإقتران؟

ولعلنا نستطيع أن نقول: إنه بوسعنا أن نقدّم أجوبة متعددة ملونة على هذا السؤال.

غير أنّنا سنكتفي هنا بوضع جوابين اثنين:

الأول: هو القول بأن الحقّ سبحانه له القدرة المطلقة ولا يعجزه شيء، وإذا أراد أمراً قال له كن فيكون، وقد مضى وشاء وقدّر أن يكون المعصوم، بعصمته وبشريته اللتين يأتلفان ويترافقان فترة من الزمن معجزة من معجزاته التي لا تحصى، وهذا جواب سيقف أمامه بعض الناس معترضين قائلين: إن هذا جواب من لا برهان عنده، وهو سهل التناول يكاد يكون في يد كل إنسان، والذين يرضونه ويقبلونه، هم وحدهم أولئك الذين أوتوا نصيباً من نفاذ البصيرة، وأوتوا حظاً طيباً من إشراق النور الإلهي عليهم.

وأما الجواب الثاني: فقد أردناه أن يأتي حاملاً قوة البرهان والدليل، وهو القول: بأن الله فصل الجسد المادي لكل فرد بشري قادراً على حمل ما يهبه من وحي أو من طاقة روحانية، وهذا أمر لا مجال للتنازع ولا للأخذ والرد فيه، والقول سينقلنا إلى آخر، لا تنازع فيه ولا أخذ ولا رد، وهو: أن جسم المعصوم خلقه الله بطبيعة بشرية قادرة على الإتفاق والإئتلاف مع العصمة مدة الحياة المقدرة لها في هذه الدنيا، ولا يستطيع جسم آخر غير هذا الجسم أن يأتلف مع هذه العصمة وأن يتفق معها في رحلة الحياة الدنيا، والأمثلة التي سنقدمها الآن سوف تقرّب إلى الأذهان فهم هذا المعنى، وتجعله واضحاً لا لبس فيه ولا غموض.

ومن هذه الأمثلة: تلك النفخة الإلهية التي أودعها الله السيدة مريم الصديقة، فإن جسم المسيح عيسى بن مريم الذي خلقه الله من ترابه، كان وحده المقدر القادر على استقبال هذه النفخة الإلهية، والبقاء معها هذه المدة التي بقيتها، والذين سيقولون: إن سيرة السيد المسيح والمعاجز التي ظهرت على يده هي من الله ولا علاقة لطبيعة الجسم فيها.

نقول لهم: وهذا هو قولنا أيضاً، لأن قدرة القادر الخالق، كما أنها تختار المعصوم بطاقته الروحانية كذلك تختار له الوسيلة التي يظهر منها وهو جسمه البشري المادي.

وهذه سيرة الرسول الأعظم أمامنا، ولا يوجد مسلم إلا وهو يعرفها أو يعرف أكثرها، ولو أنّنا نظرنا فيها واخترنا أي حدث من أحداثها الكبرى أو الصغرى، لوجدنا فيه بعد الدراسة والتحليل، أن جسمه الطاهر الشريف هو مناسب وملائم لعصمته..

ولنأخذ مثلاً: حادثة الإسراء، فالمسلمون جميعهم إلا قليلاً منهم، متّفقون على أن الله سبحانه أسرى بعبده بالجسد والروح معاً، وفي ذلك دلالة واضحة كل الوضوح، أن جسده الطاهر الشريف كان له صفاته الخاصة التي تميّزه عن بني البشر كما كان له صفات تميّزه عنهم، ويكاد المسلمون جميعهم يتفقون: أن الطاهرة المطهرة السيدة فاطمة الزهراء ما عرفت في حياتها ما عرفته النساء من النجاسات من مثل الحيض والنفاس.. ولا غرابة في الأمر ولا عجب فيه، ولا يحتاج إلى دليل آخر بعد آية التطهير، وهو قول الحق في سورة الأحزاب: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}([19]) وهذا الرجس الذي أذهبه الله عنهم يشمل أجسادهم وأرواحهم.

ونحن نريد أن نذهب في ذكر الأمثلة القريبة منا والمرئية لدينا لنزيد في الدلالة أكثر على صدق ما ذهبنا إليه من القول: إن الأجسام البشرية مفصلة بيد إلهية حكيمة، لكل جسم صفات تسمح له أن يستقبل الروح الذي لا يمتنع عن الإئتلاف مع هذه الصفات، فتعالوا وانظروا معنا إلى أدمغة العباقرة والعمالقة من المخترعين والمكتشفين، وأصحاب النظريات الفريدة، وسلاطين العلم والأدب، فإن الأدمغة التي تسكن في رؤوس هؤلاء العظماء تختلف بشكلها وهيئتها وحجمها عن أدمغة غيرهم من الناس.

ونهيب بأولئك الذين يزورون روسيا: أن يخصصوا ساعة من وقتهم يقضونها بالدخول إلى المتحف المعروف بـ (متحف أدمغة العباقرة)، حيث وضع دماغ كل عبقري من روسيا أو من دول الإتحاد السوفيتي المفكك المهدم في قارورة إلى الأبد.

وهناك في المكتبة الوطنية في باريس تمثال كبير للمفكر الفرنسي فولتير كتب عليه: إن قلب فولتير في هذا التمثال.

وليس للمشاهد بعد أن يشاهد هذه الأدمغة إلا أن يعود إلى كتب الطب ويقرأ الفرق بينهما وبين أدمغة الناس الذين ليسوا هم عباقرة، وننصح الذين لم يزوروا مشافي الأمراض العقلية أن يدخلوها ولو لدقائق معدودة من الوقت، ليروا بأعينهم: أن المعوّقين أو المعتوهين تختلف أشكالهم وصورهم عن أشكال الناس الأسوياء وصورهم.

ومهما قلنا في هذا الموضوع، أعني موضوع التناسب والتلاؤم بين الأجسام والأرواح، فسنظل نحتاج إلى المزيد أيضاً وإلى التفصيل.

ولذلك ارتأينا: أن ننعطف إلى تفسير (الميزان) للعلامة الطباطبائي الذي افترى عليه السيد فضل الله رضي الله عنه، فهناك نطالع الشرح الصحيح الدقيق المفصل على قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}، فمثل هذا العلامة الكبير من يروي الغليل ويشفي العليل، ويزيد في الإيمان، ويساعد على تفتح النفس وانطلاقة العقل إلى أمداء أوسع، وآفاق أرحب، أحسن الله إليه وضاعف أجره ومثوبته..

وسوف لن نعتذر على طول ما نقلناه من شرحه، وكله فوائد جمة من علم ومعرفة وحكمة وفكر وفلسفة، وهذا كل ما نرمي إليه في كل ما نكتبه هنا أو هناك في اليوم أو في الغد.

ونودّ قبل أن نأتي على ذكر قسم كبير من شرحه المطول أن نقدم معنى الآية الكريمة بعبارات شديدة الإيجاز، فذلك يسهل علينا الدخول إلى تفصيل العلامة الطباطبائي في الشرح تجليته للذهن تجليةً كاملة:

ومفتاح المعنى هو في {لَوْلاَ} الشرطية في قول الحق: {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}. أي أن برهان ربه الذي لا يفارقه في ساعة العسرة واليسرة ولا في اليقظة، ولا في المنام بوسيلة العصمة التي هي سرّه المكنون. لولا هذا البرهان، لهمَّ بها يوسف الصديق، واستجاب لمراودتها بالطاعة والقبول.

وبهذا البرهان الذي لا يفارقه لحظة من الزمن، صرفنا عنه السوء والفحشاء، ونصرفه عنه وسنصرفه عنه.

والنظر إلى هذا المعنى والأخذ به يحفظ للعصمة وجودها الدائم الحاضر في المعصوم التي ترجم قول من يقولون بالإنجذاب اللاشعوري أو الإنجذاب اللاإرادي التي هي من طباع من لا عصمة عنده، بل من طباع من لا يملكون أنفسهم ومن هم غائبون عن عقولهم.

وانظروا معنا إلى قول إبليس حين أقسم بعزة ذي العزة وحده: بأنه سيغوي الناس جميعهم إلا العباد الخلّص وهم أهل العصمة. ألا ترون أن قوله أفضل من قول من يقول بالإنجذاب اللاشعوري أو اللاإرادي، في أفواههم التراب وفيها ما لا يحسن ذكره.

والآن هلموا بنا إلى الاستمتاع باستماع القسم الأكبر من شرح العلامة الطباطبائي على الآية الكريمة {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ}.

لا ريب أن الآية تشير إلى وجه نجاة يوسف من هذه الغائلة. والسياق يعطي: أن المراد بصرف السوء والفحشاء عنه إنجاؤه مما أريد منه وسئل بالمراودة والخلوة. وأن المشار إليه بقوله: {كَذَلِكَ}، هو ما يشتمل عليه قوله: {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فيؤول معنى قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ} إلى آخر الآية، إلى أنه (عليه السلام) كان من عباده المخلصين صرفنا عنه السوء والفحشاء بما رأى من برهان ربه، فرؤية برهان ربه هي السبب الذي صرف الله سبحانه به السوء والفحشاء عن يوسف (عليه السلام).

ولازم ذلك، أن يكون الجزاء المقدر لقوله: {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} وهو ارتكاب السوء والفحشاء، ولازم ذلك، أن يكون {لَوْلاَ أَنْ رَأَى} الخ قيداً لقوله: {وَهَمَّ بِهَا}، وذلك يقتضي أن يكون المراد بهمّه بها نظر همّها به، هو القصد إلى المعصية، ويكون حينئذ همه بها داخلاً تحت الشرط.

والمعنى أنه: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، وأوشك أن يرتكب، فإن {لَوْلاَ}، وإن كانت ملحقة بأدوات الشرط، وقد منع النحاة تقدم جزاءها عليها قياساً على أن الشرطية. إلا أن قوله {وَهَمَّ بِهَا} ليس جزاءً لها. بل هو مقسم به بالعطف على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}، وهو في معنى الجزاء، استغني به عن ذكر الجزاء، فهو كقولنا: والله لأضربنه إن يضربني، والمعنى: والله إن يضربني أضربه.

ومعنى الآية: والله لقد همّت به، والله لولا أن رأى برهان ربّه لهم بها وأوشك أن يقع في المعصية.

وإنما قلنا: أوشك أن يقع، ولم نقل وقع، لأن الهمّ ـ كما قيل ـ لا يستعمل إلا فيما كان مقروناً بالمانع كقوله تعالى: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}([20])، وقوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ}([21])، وقول صخر:

أهمّ بـأمر الـعزم لا أسـتطيعـه

وقـد حيـل بـين العير والنزوان

فلولا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهمّ والإقتراب دون الإرتكاب والإقتراف، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء}، ولم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء فتدبّر فيه.

ومن هنا يظهر: أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو: الهمّ بها والميل إليها.

كما أن المراد بالفحشاء: اقتراف الفاحشة وهو الزنى، فهو (عليه السلام) لم يفعل ولم يكد، ولولا ما أراه الله من البرهان لهمّ وكاد أن يفعل، وهذا المعنى هو الذي يؤيد ما قدّمناه من الإعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه.

فقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} اللازم فيه للقسم، والمعنى: وأقسم لقد قصدت يوسف بما تريده منه، ولا يكون الهمّ إلا بأن تشفع الإرادة بشيء من العمل.

وقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} معطوف على مدخول لام القسم من الجملة السابقة، والمعنى: أقسم لولا رؤيته برهان ربه لهم وكاد أن يجيبها لما تريده منه.

والبرهان هو: السلطان، ويراد به: السبب المفيد الليقين، لتسلطه على القلوب كالمعجزة، قال تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}([22])، وقال: {أَإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([23])، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ}([24]) وهو الحجة اليقينية التي لا تدع ريباً لمرتاب.

والذي رآه يوسف (عليه السلام) من برهان ربه، وإن لم يوضحه كلامه تعالى كامل الإيضاح لكنه على أي حال كان سبباً من أسباب اليقين لا يجامع الجهل والضلال بتاتاً، ويدلّ على أنه كان من قبيل العلم: قول يوسف (عليه السلام) فيما يناجي ربه فيما سيأتي: {وَإِلاَ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ}([25]) الآية من السورة.

ويدل على أنه من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها: أن هذا النوع من العلم قد يجامع الضلال والمعصية وهو ظاهر.

قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ مِنه}([26]) وقال: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}([27]).

فالبرهان الذي أراه به وهو الذي يريه الله عباده المخلصين نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلاً.

وقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء} اللام في {لِنَصْرِفَ} للغاية أو للتقليل والمآل واحد، و{كَذَلِكَ} متعلق بقوله {لِنَصْرِفَ} والإشارة إلى ما ذكر من رؤية برهان ربه، والسوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد، وهو مطلق المعصية أو الهمّ بها، والفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنى، وقد تقدّم: أن ظاهر السياق إنطباق السوء والفحشاء على الزنى والهمّ به.

والمعنى: الغاية ـ أو السبب ـ في أن رأى برهان ربه هي: أن نصرف عنه الفحشاء والهمّ بها.

ومن لطيف الإشارة في الآية ما في قولنا: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء}..

حيث أخذ السوء والفحشاء مصروفين عنه، لا هو مصروفاً عنهما، لما في الثاني من الدلالة على أنه كان فيه ما يقتضي اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك، وهو ينافي شهادته تعالى بأنه من عباده المخلصين وهم الذين أخلصهم الله لنفسه، فلا يشاركه فيهم شيء، فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع يدعو من دون الله سبحانه.

وقوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ}، في مقام التعليل لقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ..}.

والمعنى: عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين وهم يعاملون هذه المعاملة.

ويظهر من الآية: أن شأن المخلَصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم، وأن الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصية ولا يهمون بها بما يريهم الله من برهانه، وهذه هي العصمة الإلهية.

ويظهر أيضاً: أن هذا البرهان سبب علمي يقيني لكن لا من العلوم المتعارفة المعهودة لنا.

وبهذه الروح العلمية الواسعة والعقل الوثاب الهادئ والتحليل الأصيل الدقيق يتابع العلامة السيد الطباطبائي شرحه على الآية الكريمة، عارضاً آراء المفسرين الآخرين، لكنّنا آثرنا أن نكتفي بما ذكر، فقد رأينا فيه عين الحق والصواب وأنه الأجود والأفضل بين تفسير المفسرين، فمن أراد أن يتأكد أو يتوسّع فعليه بالعودة إلى تفسيره (الميزان) ليرى: أن هذا هو التفسير، ليس لهذه الآية فحسب، بل للقرآن كله.

---
([17]) القرآن الكريم، الآية 24 من سورة يوسف.

([18]) القرآن الكريم، الآية 201 من سورة الأعراف.

([19]) القرآن الكريم، الآية 33 من سورة الأحزاب.

([20]) القرآن الكريم، الآية 74 من سورة التوبة.

([21]) القرآن الكريم، الآية 122 من سورة آل عمران.

([22]) القرآن الكريم، الآية 32 من سورة القصص.

([23]) القرآن الكريم، الآية 64 من سورة النمل.

([24]) القرآن الكريم، الآية 61 من سورة النمل.

([25]) القرآن الكريم، الآية 33 من سورة يوسف.

([26]) القرآن الكريم، الآية 23 من سورة الجاثية.

([27]) القرآن الكريم، الآية 14 من سورة النمل.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت