الوحي ليوسف وليس ليعقوب

     

 {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا..}..

وإذا وصلنا الآن إلى شرحه على سورة يوسف أو قل إلى إشراقاته الساطعة التي تطل على آيات هذه السورة العظمى فتكشف عن مخابئ أسرارها، ومواطن كنوزها، وكلها أسرار، وكلها كنوز، فتعالوا معي إلى ما سنمتعكم به من بدائع المكتشفات وروائع المخترعات.

يقول السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه في شرحه لقول الحق سبحانه في هذه السورة المباركة: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}([12]).

«وقد جاء في بعض التفاسير: أن الله أراد ليعقوب أن يوحي إليهم بما أقدموا عليه وذلك ببعض الإشارات الخفيفة الخفية، وهذا ما ندركه عندما قال لهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}([13]). وكذلك من قبيل إخبارهم بإحساسه ومعرفته بما أقدموا عليه».

فتأملوا معي هذا الشرح، فإنكم ستنتهون إلى اكتشاف ما انتهيت إليه من اكتشاف وهو: أن السيد فضل الله رضي الله عنه، ارتكب أخطاءً ثلاثة وهو لا يدري.

وأول هذه الأخطاء، هو: أن الوحي كان إلى يوسف وليس إلى أبيه يعقوب في قوله سبحانه {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ}، ودليل ذلك مجابهة يوسف لهم بالقول الصريح، ودون إشارة خفية، عندما عادوا إليه في المرة الثالثة يستعطفونه ليتصدق عليهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُوا أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي..}([14]).

وليس من شك في أنه بعد أن كشف لهم عن نفسه حدّثهم بما جرى له بعد أن ألقوه في غيابة الجب، وما نقله السيد فضل الله رضي الله عنه في بعض التفاسير التي لم يسمها لنا ليس فيه نصاعة الدليل الذي جئنا به، ولا قوته، ولا صحته. وسنزيد رأينا بحجة قوية أخرى، فنذكر ما ذكره العلامة الطباطبائي وهو الذي افترى عليه السيد فضل الله رضي الله عنه، في شرحه الآية.

يقول رحمه الله: «الضمير ليوسف، وظاهر الوحي: أنه وحي النبوة، والمراد بأمرهم هذا: إلقاؤهم إيّاه في غيابة الجب، وكذا الظاهر أن جملة: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حال من الإيحاء المدلول عليه بقوله: {وَأَوْحَيْنَا..} ومتعلق {لاَ يَشْعُرُونَ}: هو الأمر، أي لا يشعرون بحقيقة أمرهم هذا، أو الإيحاء، أي لا يشعرون بأنّنا أوحينا إليه».

ثم يقول: «والمعنى والله أعلم: وأوحينا إلى يوسف، أقسم لتخبرنهم بحقيقة أمرهم هذا وتأويل ما فعلوا بك، فإنهم يرونه نفياً لشخصك، وإساءة لاسمك، وإطفاءً لنورك، وتذليلاً لك، وحطاً لقدرك، وهو في الحقيقة تقريب لك إلى أريكة العزة، وعرش المملكة. وإحياءً لذكرك، وإتماماً لنورك، ورفعة لقدرك، وهم لا يشعرون بهذه الحقيقة، وستنبئهم بذلك، وهو قوله لهم وقد اتكى (اتكأ) على أريكة العزة وهم قيام أمامه يسترحمونه: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}([15]).

إذ قال: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ..}([16]).

أنظر إلى موضع قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ}، فإنه إشارة إلى أن هذا الذي تشاهدونه اليوم من الحال هو حقيقة ما فعلتم بيوسف، وقوله: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}، فإنه يحاذي من هذه الآية التي نحن فيها قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.

هذا هو شرحه المفصل على هذه الآية، آثرنا أن نكتفي به وحده دون نقل ما راح يعرضه من آراء أخرى لغيره، وشرحه كما هو واضح، صحيح ودقيق، ومترابط ترابط الآيات ومتماسك تماسكها، وهذا هو شأنه في شرحه كله خلّد الله ذكراه وطيّب ثراه، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

وثاني هذه الأخطاء وهو: أنه حين أسند شرحه على الآية إلى غيره فقال: «وقد جاء في بعض التفاسير» امتنع أو نسي أن يسمي لنا هذا التفسير، الذي احتطب منه شرحه البارع ونسي أن يذكر مؤلفه، وامتنع أو نسي أن يذكر اسم المفسر، ونحن لا نرى في الأمر غرابة ولا خروجاً على المألوف، فكل مؤلف يمر في مثل هذه الحال، فيعرض له أن يأتي بشاهد على رأي يراه صائباً دون أن يذكر الكتاب أو أن يشير إلى مؤلفه.

ولكن الغرابة والخروج على المألوف هو: أن السيد فضل الله رضي الله عنه مال إلى الرأي الأبعد ولا دليل عليه. وانصرف عن الرأي الأقرب والأدلة عليه أوضح من الوضوح.

وزاد في الطين بلة: أنه عزى رأيه إلى تفسير مجهول ومؤلف مجهول، وأغلب الظن إذا لم أقل من المؤكد: أن هذا التفسير غير موجود إلا في ذهنه، أو أنه من صنع خياله النشيط. ولو كان موجوداً لما أغفل العلامة الطباطبائي ذكره ولما تهاون في شجبه والرد عليه. فهو بعد أن شرح الآية ذكر آراء أخرى وناقشها وحكم عليها بأنها ضعيفة وساقطة من الحساب والإعتبار.

وثالث هذه الأخطاء هو: أن السيد فضل الله رضي الله عنه، بعد أن نقل شرح الآية من تفسير غير موجود إلا في ذهنه لمفسر ليس موجوداً لا في ذهنه أو في غيره، امتنع أو نسي أن يأتي بالأدلة التي تعينه على إثبات صحة رأيه المنقول، وامتنع أو نسي أن يخلق من نفسه دليلاً واحداً يحمل القناعة والتصديق إلى نفس المتلقي أو المطلع.

وهذه فجوة أخرى في كلامه، تضاف إلى الفجوات الكثيرة الأخرى التي لا تعدّ، ولا يهمّنا أن لا تعدّ.

---
([12]) القرآن الكريم، الآية 15 من سورة يوسف.

([13]) القرآن الكريم، الآية 87 من سورة يوسف.

([14]) القرآن الكريم، الآيتان 88 و 89 من سورة يوسف.

([15]) القرآن الكريم، الآية 99 من سورة يوسف.

([16]) القرآن الكريم، الآية 89 من سورة يوسف.

([17]) القرآن الكريم، الآية 24 من سورة يوسف.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت